أحدث الموضوعات
د. مدى الفاتح يكتب: عن الواقعية و«الواقعية السحرية» في العلاقات الدولية
-
27 سبتمبر 2022, 11:34:12 ص
- تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
ترتبط الواقعية في الأدب بالدراما وبالأحداث الحزينة، التي قد تمتد لصنع نهايات لا ينتصر فيها بالضرورة الخير، وفق فلسفة مفادها، أن هذا هو الواقع الذي يجب نقله، وأن أي صورة أخرى هي صورة حالمة أو رومانسية غير مرتبطة بالواقع الذي يجب نقله كما هو.
في العلاقات الدولية كذلك لا تبنى المدرسة الواقعية على أساس أخلاقي، على اعتبار أن الذي يحكم العلاقات بين الدول ومسارات السياسة العالمية، ليست القيم والمبادئ المجردة، وإنما المصالح، التي تدفع أحيانا لاتخاذ قرارات قد لا تكون مبررة أخلاقياً، لكنها مبررة «واقعيا»، كإشعال الحروب وإلحاق الأذى بالناس.
فصل الواقعية عن جذور الكلمة في المخيال الثقافي الغربي، قد يقدم صورة خادعة عن المقصود منها، فهي مدرسة نشأت لتكون رداً على الرومانسيين الذين لم تكن أعمالهم، وفق نقادها، معبرة عن حقيقة الواقع، وإنما منشغلة بتزيينه وتجميله. تدور الواقعية حول أنه ما من عدالة في هذا العالم، ولا قيم مطلقة يمكنها أن تحدد الخير، كما أنها تظهر متأثرة بشكل خاص بفلسفة المفكر الإنكليزي توماس هوبز، الذي كان يعتبر أن الأصل في الإنسان هو الأنانية وشهوة القوة والعدوان، ما يجعل الشر، الذي سيتبلور في شكل حروب، حالة سائدة، أي تصوير أو محاولة لحكاية الواقع أو تفسيره بمعزل عن مسلّمة الحرب والصراع الدائم بين الفرد والفرد، والكل والكل هو غير مقبول من وجهة النظر الواقعية. المصطلح، الذي ظهر في القرن التاسع عشر تبلور أكثر على وقع الصدمات التي عاشتها أوروبا، خلال فترة الحربين العالميتين. هذه الحروب، التي راح ضحيتها ملايين، خلقت صدمة استمر أثرها لأجيال مؤثرة بشكل واضح في التنظير في مختلف المناحي الإنسانية، لتظهر مدارس جديدة في النقد الأدبي، وفي علم الاجتماع، وفي السياسة الدولية قائمة على ضرورة النظر للمصلحة الشخصية والآنية. يمكن أن نقول إن المصطلح، الذي ولد في أعقاب ثورة 1848 الفرنسية، التي كانت إحدى حلقات الثورة الأم، لم يكف عن التطور، حتى رسخ أكثر في أواسط القرن العشرين، معبراً عن خيبة الأمل الكبيرة على الصعيد السياسي والاجتماعي. على خلاف مع منظري الواقعية في الأدب، فإن أنصار الواقعية في العلاقات الدولية، يميلون إلى أنها ولدت مع نشوء الدولة الحديثة، وهم بهذا لا يكتفون بالإشارة إلى ما وضعه ميكيافيللي، أو سانت أوغسطين، أو كلاوزفيتز فقط، ولكن إلى ما قبل ذلك بكثير، حتى إن بعضهم رأى في كتابات المؤرخ اليوناني ثيوسيديدس، الذي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد، خاصة كتابه «تاريخ حروب البلوبونيز»، وهي حرب قديمة استمرت قرابة الربع قرن بين أثينا وأسبرطة، نواة للنظرية الواقعية، باعتبار أنها حوت مصطلحات مشابهة لمصطلحاتنا المعاصرة عن توازن القوى والأمن القومي.
رأى منظرو الواقعية السياسية، أن حالة الصراع بين المدن اليونانية التي وصفها ثيوسيديدس، يمكن أن تشكل صورة مصغرة عن الصراع الدولي حول النفوذ وحول المصادر المحدودة. وفق المنهج الواقعي الجديد فإن المصلحة الوطنية، في تفسير الطبقة الحاكمة وتعريفها لهذه المصلحة، هي البوصلة التي تقود لصنع سياسات صعبة التبرير أخلاقيا، مثل جرائم الحرب التي تقوم بها دول عريقة في ديمقراطيتها، أو مثل اتجاه هذه الدول لاتباع مناهج تعذيب، أو المساهمة في دعم إجراءات تتناقض مع معايير حقوق الإنسان. يدخل في هذا الباب أيضاً دعم الديكتاتوريات، ففي أحوال كثيرة، وعلى الرغم من تناقض ذلك مع التصريحات العلنية الحماسية والطوباوية، إلا أن الدول «الديمقراطية» كثيراً ما تلجأ لدعم أنظمة الاستبداد، حين تدرك أن مصالحها سوف تتعرض للخطر في حالة ولادة نظام معبر بشكل حقيقي عن رغبات الناس، التي سيكون على رأسها بالضرورة رفض الهيمنة ووقف هدر الثروات. يطلق على هذه الطريقة في التفكير أحياناً اسم «البراغماتية» وهي كلمة لتلطيف الحقيقة التي تقول باختصار أن لا مكان للمثالية، وأن الاختيار بين المصلحة والقيم يجب أن يحسم لصالح الأولى. المنظرون الواقعيون في العلاقات الدولية يسيرون على خطى الكاتب الفرنسي شامبفلوري، الذي قال في أواسط القرن التاسع عشر، إن على الروائي أن لا يعبّر في سرده عن أية أحكام، وأن لا يدين أي شخص، هذا تماماً ما يحدث في السياسة محدثاً حالة من الفصام بين المشاعر الإنسانية والقرارات السياسية، ما يجعل مفكرين ينظّرون للحروب ببرود أو حتى يتباهون بها. سوف تكون الواقعية هي العباءة التي سوف يخرج منها العديد من المدارس، من الواقعية النقدية والطبيعية والاشتراكية في النقد الأدبي إلى الواقعية الكلاسيكية في العلوم السياسية، التي ارتبطت بهانز مورغنثاو وكتابه المرجعي «السياسة بين الأمم».
وفق الرؤية الأمريكية، يجب أن يكون هناك تشارك جماعي في النفقات والمخاطر بين الحلفاء، الخلاف حول الناتو ودوره ظل مكان اختلاف بين شقي الأطلسي، بل بين الدول الأوروبية نفسها
في عام 2016 صدر كتاب من تحرير الأكاديميين النرويجيين جان هالاند ماتلاري وتورموند هاير تحت عنوان «أوكرانيا وما وراءها»، مع عنوان جانبي حول روسيا كتحدٍ أمني واستراتيجي لأوروبا، يجب أن لا نستغرب من أن ذلك الكتاب، الذي ساهم فيه عدد من الباحثين، سبق بسنوات الصراع الدائر الحالي، حيث كانت الدوائر الأكاديمية الغربية مهتمة بهذا الموضوع منذ بداية هذا القرن، خاصة بعد الحرب الجورجية في2008 والحرب الروسية الأولى على أوكرانيا، التي نتج عنها ضم إقليم القرم في عام 2014. الاهتمام كان كبيراً لدرجة يصعب معها حصر المقالات والرسائل الجامعية والكتب التي ظلت تحذر من الخطر الروسي. في ذلك الكتاب كتب كريستوفر كوكر، من قسم العلاقات الدولية في مدرسة لندن للاقتصاد، فصلاً تحت عنوان: «روسيا وأوروبا وعالم الواقعية السحرية»، كان استدعاء «الواقعية السحرية»، الذي هو مصطلح أدبي مرتبط في الأذهان بالوصف الذي أطلقه النقاد على أدب أمريكا اللاتينية فريداً هنا، لكن كوكر اعتبر أن هذا المصطلح أساسي لفهم الصراع الروسي الأوروبي، يشرح كوكر ذلك بقوله إن المقصود بالواقعية السحرية، ليس الرومانسية أو الخيال، لكن واقعية أخرى تختلف عن الواقعية الكلاسيكية في أنها سمحت بإسماع أصوات أشخاص لم تتح لهم الفرصة من قبل للتعبير عن أنفسهم أو إيصال روايتهم. بعد إمعان في التعريف يخلص كوكر إلى القول، إن كلاً من روسيا والغرب كانا يعيشان بشكل ما واقعيتهم السحرية، التي تتضمن رؤية خاصة للحكاية المستندة إلى ما سماه شارل تايلور «المخيال الشعبي»، الذي يقوم بتعريف الشعوب ويحدد نظرتها لنفسها وعلاقتها مع الآخرين.
أراد كوكر في ذلك المقال أن يلفت لجوانب يندر الالتفات إليها، مازجاً بين التحليل الثقافي والتحليل الاجتماعي والسياسي. كان من اللافت مقارنته بين رؤية أوروبا ورؤية الولايات المتحدة للواقع واعتباره، أن الأولى حينما لم تستثمر الكثير في مجالات التسليح معتمدة على الولايات المتحدة، فإن ذلك ساهم في أن تكون أكثر قدرة على تقديم الدعم الاجتماعي، لكنه ساهم أيضاً في أن تكون معتمدة دفاعياً على الأمريكيين. شدد كوكر كذلك على أن هناك اختلافا بين مفهومي «الأمن الجماعي» الذي يتبناه الاتحاد الأوروبي و»الدفاع الجماعي»، الذي يتبناه حلف الناتو الذي يسيطر عليه الأمريكيون. وفق الرؤية الأمريكية، فإنه يجب أن يكون هناك تشارك جماعي في النفقات والمخاطر بين الحلفاء، الخلاف حول الناتو ودوره وأغراضه ظل مكان اختلاف بين شقي الأطلسي، بل بين الدول الأوروبية نفسها.
كاتب سوداني
التعليقات (0)
أخبار متعلقة
أحدث الموضوعات
الأكثر قراءة
طارق مهني يكتب : بزنس المعارضة - سبوبة الزنازين منذ 4 سنوات
كفى (بورنو) سياسي وإعلامي منذ 5 سنوات