أحدث الموضوعات
ماثيو كرونيج يكتب: هل تتوقع نظريات العلاقات الدولية حرباً عالمية مقبلة؟
-
31 أغسطس 2022, 12:40:26 م
- تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
تجادل العديد من الاتجاهات الدولية بأن ثمة حرباً عالمية مقبلة في خضم التصعيد المتزايد من جانب بعض القوى الكبرى في النظام الدولي، وبروز بؤر للتوترات والصدام لاسيما من جانب الولايات المتحدة والقوى الغربية من جانب، وروسيا والصين من جانب آخر، وفي ضوء هذا، فقد نشر موقع “فورين بوليسي” مقالاً للكاتب “ماثيو كرونيج”؛ نائب مدير مركز سكوكروفت للاستراتيجيات والأمن التابع للمجلس الأطلسي، بعنوان “نظريات العلاقات الدولية تشير إلى أن حرب القوى العظمى قادمة”، في 27 أغسطس 2022؛ حيث يقدم المقال رؤية ثلاث نظريات مهمة في العلاقات الدولية حول مستقبل التعاون والصراع الدوليين، وإمكانية اندلاع حرب كبرى بين القوى العظمى في النظام الدولي الحالي؛ وذلك وفقاً لسياسات القوة واختلال توازن القوة في النظرية الواقعية، وكذلك استغلال المؤسسات الدولية في التنافس، وتراجع دور الاعتماد الدولي في النظرية الليبرالية، وأخيراً نتيجة تراجع عالمية المعايير القيمية، وانتشار الخطابات الأيديولوجية الاستبدادية وفقاً للنظرية البنائية.
1– تباين النظريات حول السلام والتعاون بين الدول: قدَّمت نظرية العلاقات الدولية أسباباً للتفاؤل بأن القوى الكبرى يمكن أن تتمتع في الغالب بعلاقات تعاونية وتحل الاختلافات بينها دون اللجوء إلى النزاع المسلح؛ إذ تركز النظرية الواقعية على القوة. وعلى مدى عقود، أكد منظرو الواقعية أن العالم الثنائي القطبية في الحرب الباردة، وعالم ما بعد الحرب الباردة الأحادي القطب الذي هيمنت عليه الولايات المتحدة؛ كانا نظامين بسيطين نسبياً وليسا عُرضةً لحروب سوء التقدير، كما رأوا أن الأسلحة النووية رفعت تكلفة الصراع؛ ما جعل الحرب بين القوى العظمى أمراً لا يمكن تصوره.
فيما جادل المنظرون الليبراليون بأن ثلاثة من المتغيرات السببية (المؤسسات، والاعتماد المتبادل، والديمقراطية) قد سهَّلت التعاون وخفَّفت حدة الصراع؛ وذلك بجانب مجموعة كثيفة من المؤسسات والاتفاقيات الدولية، وقد وفَّرت هذه الترتيبات سبلًا للقوى العظمى لحل اختلافاتهما سلمياً، كذلك فإن الديمقراطيات أكثر عرضةً للتعاون وأقل عرضةً للصراع فيما بينها. وفي المقابل، أوضح العلماء البنائيون كيف غيَّرت الأفكار والمعايير والهويات الجديدة السياسة الدولية في اتجاه أكثر إيجابيةً؛ حيث أدى تعزيز معايير حقوق الإنسان، والمُحرَّمات ضد استخدام أسلحة الدمار الشامل إلى تراجع الصراع الدولي.
2– رؤية “النظرية الواقعية” إلى مُحفِّزات الحروب العالمية: لسوء الحظ، يرى المقال أن جميع عوامل وقوى التهدئة في النظام الدولي يبدو أنها تنهار؛ إذ تشير القوى الدافعة الرئيسية للسياسة الدولية، وفقاً لنظرية العلاقات الدولية، إلى أن الحرب الباردة الجديدة بين الولايات المتحدة وبين الصين وروسيا من غير المُرجَّح أن تكون سلميةً هذه المرة. ويمكن تناول أبرز مقولات النظرية الواقعية على النحو الآتي:
أ– اعتبار الأنظمة المتعددة الأقطاب أكثر عرضةً للحروب: فيما يخص سياسة القوة، يمكن القول إن النظام الدولي متعدد الأقطاب؛ فبحسب المقال، لا تزال الولايات المتحدة القوة الرائدة في العالم، وفقاً لجميع المقاييس الموضوعية تقريباً، لكن الصين صعدت لتحتل المرتبة الثانية في القوتين العسكرية والاقتصادية، كما أضحت أوروبا قوة عظمى اقتصادياً وتنظيمياً في حد ذاتها. وتحتفظ روسيا الأكثر عدوانيةً بأكبر مخزون من الأسلحة النووية في العالم. وتختار القوى الكبرى في العالم النامي – مثل الهند وإندونيسيا وجنوب إفريقيا والبرازيل – مسار عدم الانحياز. في هذا السياق، يجادل الواقعيون بأن الأنظمة المتعددة الأقطاب غير مستقرة وعرضة لحروب كبرى بسبب سوء التقدير. وتعد الحرب العالمية الأولى مثالاً كلاسيكياً على ذلك؛ إذ تعد هذه الأنظمة غير مستقرة جزئياً؛ لأن كل بلد يجب أن يقلق بشأن أعدائه المحتملين.
ب– سوء تقدير بعض الدول لمدى قوة الخصوم: في الوقت الحالي، تشعر وزارة الدفاع الأمريكية بالقلق من صراعات متزامنة محتملة ضد روسيا في أوروبا، وضد الصين في منطقة الهند والمحيط الهادئ. علاوةً على ذلك، صرَّح الرئيس الأمريكي جو بايدن بأن استخدام القوة العسكرية لا يزال مطروحاً على الطاولة باعتباره ملاذاً أخيراً للتعامل مع البرنامج النووي الإيراني. ولكن وفقاً للمقال، فإن الحرب على ثلاث جبهات ليست واردة. ويشير المقال إلى أنه غالباً ما تحدث حروب سوء التقدير عندما تستخفُّ الدول بخصمها، وتشكُّ في قوته أو عزمه على استخدام القوة؛ لذلك فهي تختبرها.
ووفق المقال، فإن من المحتمل أن يكون الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد أخطأ التقدير في شن غزو على أوكرانيا؛ حيث افترض خطأً أن الحرب ستكون سهلة. بالإضافة إلى ذلك، هناك خطر أن يخطئ الرئيس الصيني شي جين بينج في الحسابات بشأن تايوان؛ إذ ينوه المقال بأن سياسة “الغموض الاستراتيجي” المربكة لواشنطن حول إذا ما كانت ستدافع عن الجزيرة أم لا، تضيف فقط إلى حالة عدم الاستقرار. وكذلك، بعد أن هدد العديد من رؤساء الولايات المتحدة باستخدام “جميع الخيارات المطروحة على الطاولة” ضد البرنامج النووي الإيراني؛ قد تفترض طهران أنها تستطيع الاندفاع نحو القنبلة النووية دون رد أمريكي. وإذا أخطأت إيران في الشك في عزيمة بايدن، فقد تنشب الحرب وفقاً للمقال.
جـ– حدوث تحولات مهمة في ميزان القوة العالمي: يركز الواقعيون أيضاً على التحولات في ميزان القوى، ويقلق الواقعيون بشأن صعود الصين والانحدار النسبي للولايات المتحدة؛ إذ تشير “نظرية انتقال القوة” إلى أن سقوط قوة عظمى مهيمنة وصعود قوة منافسة لها يؤدي غالباً إلى نشوب حرب.
د– تبني دولة كبرى سياسات عدوانية نتيجة الإحباط: يشير المقال إلى أن الأنظمة الأوتوقراطية المختلة للصين وروسيا، تجعل من غير المحتمل أن يتولى أي منهما القيادة العالمية من الولايات المتحدة في أي وقت قريب، ولكن بالعودة إلى التاريخ، يظهر أن المنافسين يبدؤون أحياناً حروباً عدوانية عندما يتم إحباط طموحاتهم التوسُّعية؛ وذلك مثل ألمانيا في الحرب العالمية الأولى، واليابان في الحرب العالمية الثانية؛ لذلك يشير المقال إلى أنه ربما تهاجم روسيا نتيجةً لإحباطها وانحدارها، وقد تكون الصين أيضاً ضعيفة وخطيرة.
هـ– ثورة جديدة في المجال العسكري تُحفِّز الصراعات: قد يجادل بعض الناس بأن الردع النووي سيظل فعالاً، لكن التكنولوجيا العسكرية آخذة في التغير؛ إذ يشهد العالم “ثورة صناعية رابعة”؛ حيث تُحوِّل التقنيات الجديدة – مثل الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمية والاتصالات والتصنيع الإضافي، والروبوتات، والصواريخ التي تفوق سرعة الصوت والطاقة الموجهة وغيرها – الاقتصاد العالمي والمجتمعات وميدان المعركة. إذ يعتقد العديد من خبراء الدفاع أننا أمام ثورة جديدة في المجال العسكري؛ فبحسب المقال، من الممكن لهذه التقنيات الجديدة، مثل الدبابات والطائرات، أن تعطي ميزة للجيوش التي تخوض غمار الحرب؛ ما يجعل الحرب أكثر احتمالاً. وكحد أدنى، يمكن أن تُربك أنظمة الأسلحة الجديدة هذه تقييمات توازن القوى؛ ما يساهم في مخاطر سوء التقدير السابق ذكرها. فالصين – على سبيل المثال – رائدة في العديد من هذه التقنيات، بما في ذلك الصواريخ التي تفوق سرعة الصوت، وتطبيقات معينة للذكاء الاصطناعي والحوسبة. ويرى المقال أن هذه المزايا – أو حتى التصور الخاطئ في بكين بأن هذه المزايا قد تكون موجودة – قد تُغرِي الصين بغزو تايوان.
3– تبلور مؤشرات على الصراع الدولي بحسب النظرية الليبرالية: تعد الليبرالية نظرية أكثر تفاؤلاً بوجه عام، ومع ذلك فإنها توفر سبباً للتشاؤم؛ فمن المؤكد أن الليبراليين على حق في أن المؤسسات والاعتماد الاقتصادي المتبادل والديمقراطية كل ذلك قد سهَّل التعاون داخل النظام العالمي الليبرالي؛ فقد أصبحت الولايات المتحدة وحلفاؤها الديمقراطيون في أمريكا الشمالية وأوروبا وشرق آسيا أكثر اتحاداً من أي وقت مضى. ولكن هذه العوامل نفسها تثير بدرجة متزايد صراعاً على خطوط الصدع بين النظامين العالميَّين: الليبرالي وغير الليبرالي؛ وذلك على النحو الآتي:
أ– تحوُّل المؤسسات الدولية إلى ساحة للتنافس: في الحرب الباردة الجديدة، أصبحت المؤسسات الدولية ببساطة ساحات جديدة للمنافسة. وبدلاً من تسهيل التعاون، تعمل المؤسسات الدولية بدرجة متزايدة على تفاقم النزاع؛ إذ تحرف روسيا والصين هذه المؤسسات عن أغراضها المقصودة، على سبيل المثال خلال رئاسة روسيا اجتماع مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، تدخلت جيوشها عسكرياً في أوكرانيا في فبراير. وبالمثل، استخدمت الصين نفوذها في منظمة الصحة العالمية لإحباط إجراء تحقيق فعال في أصول نشأة كوفيد–19. ووفقاً للمقال، يتنافس الدكتاتوريون على مقاعد في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة لضمان إفلات انتهاكاتهم الفظيعة لحقوق الإنسان من التدقيق.
ب– بروز الاعتماد الدولي المتبادل كمُسبِّب للصراع: يجادل العلماء الليبراليون أيضاً بأن الاعتماد الاقتصادي المتبادل يخفف من حدة الصراع، لكن هذه النظرية كانت دائماً تعاني من مشكلة، وهو ما يثير التساؤل حول “هل تقود التجارة العلاقات الجيدة؟ أم أن العلاقات الجيدة هي التي تقود التجارة؟”. وتظهر الإجابة جلية في الوقت الفعلي؛ إذ يدرك العالم الليبرالي أنه يعتمد اعتماداً كبيراً من الناحية الاقتصادية على أعدائه في موسكو وبكين، وأنه ينفصل بأسرع ما يمكن.
إذ انسحبت الشركات الغربية من روسيا بين عشية وضحاها، كما تُقيِّد التشريعات واللوائح الجديدة في الولايات المتحدة وأوروبا واليابان التجارة والاستثمار في الصين. ومن غير المنطقي أن تستثمر “وول ستريت” في شركات التكنولوجيا الصينية التي تعمل مع جيش التحرير الشعبي الصيني لتطوير أسلحة تهدف إلى قتل الأمريكيين. ومن ناحية أخرى، يشير المقال إلى أن الصين تنفصل أيضاً عن العالم الليبرالي؛ فعلى سبيل المثال، يحظر الرئيس الصيني “شي” شركات التكنولوجيا الصينية من الإدراج في “وول ستريت”؛ لأنه لا يريد مشاركة معلومات الملكية مع القوى الغربية. في هذا السياق، يؤكد المقال أن الترابط الاقتصادي بين العالمين الليبرالي وغير الليبرالي الذي كان بمنزلة ثِقَل ضد الصراع، آخذ في التآكل الآن.
جـ– صعوبة حصر تعاون الدول الديمقراطية مع نظيراتها: تجادل نظرية السلام الديمقراطي بأن الديمقراطيات تتعاون مع الديمقراطيات الأخرى. ولكن خط الصدع المركزي في النظام الدولي اليوم، كما يشرح الرئيس بايدن، هو “المعركة بين الديمقراطية والاستبداد”. ومن المؤكد أن الولايات المتحدة لا تزال تحتفظ بعلاقات ودية ببعض الدول غير الديمقراطية، لكن النظام العالمي منقسم على نحو متزايد بين الولايات المتحدة وحلفائها الديمقراطيين الموجودين في الناتو واليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا من جانب، وبين الأنظمة الاستبدادية للصين وروسيا وإيران من جانب آخر، وهو ما قد يرجعنا تاريخياً إلى أصداء صراع العالم الحر ضد ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية واليابان الإمبراطورية.
4– موقف النظرية البنائية من التطوُّرات الدولية: يمكن تناول أبرز مقولات البنائية في خِضمِّ الوضع الدولي الراهن؛ وذلك على النحو الآتي:
أ– تراجع عالمية المعايير القيمية حول العالم: كانت الحجج البنائية حول تأثيرات التهدئة للمعايير العالمية دائماً مشوبة بالشكوك حول إذا ما كانت هذه المعايير عالمية حقاً؛ ففي الواقع تنخرط الصين في الإبادة الجماعية في شينجيانج، وتُصدِر روسيا تهديدات نووية مروعة، وتسيء معاملة أسرى الحرب في أوكرانيا.
ب– عودة الجدل حول أفضلية نظم الحكم: قد يلاحظ البنائيون أن الانقسام بين الديمقراطية والأوتوقراطية في السياسة الدولية، ليس مجرد مسألة حكم، بل تتعلق بأساليب الحياة؛ فغالباً ما تكون خطب وكتابات شي وبوتين صخباً أيديولوجياً حول تفوُّق الأنظمة الاستبدادية وإخفاقات الديمقراطية. ويشير المقال إلى عودة منافسة القرن العشرين حول إذا ما كانت الحكومات الديمقراطية أو الأوتوقراطية يمكن أن تقدم الأفضل لشعوبها؛ ما يضيف عنصراً أيديولوجياً أكثر خطورة إلى هذه المنافسة.
ختاماً، يشير المقال إلى أنه يمكن تحقيق أفضل فهم للسياسة الدولية عن طريق المزج بين النظريات؛ إذ يفضل الكثير من البشر نظاماً دولياً ليبرالياً، ولا يمكن تحقيق هذا النظام إلا من خلال القوة العسكرية الواقعية للولايات المتحدة وحلفائها الديمقراطيين. وعلاوة على ذلك، تشير 2500 سنة من النظرية والتاريخ إلى أن الديمقراطيات تميل إلى الانتصار في منافسات القوة الصارمة، وأن الأنظمة الاستبدادية ستخرج بشكل كارثي في النهاية. ولكن لسوء الحظ غالباً ما تظهر لحظات تحول التاريخ نحو العدالة فقط بعد حروب القوى العظمى.
كلمات دليلية
التعليقات (0)
أخبار متعلقة
أحدث الموضوعات
الأكثر قراءة
طارق مهني يكتب : بزنس المعارضة - سبوبة الزنازين منذ 4 سنوات
كفى (بورنو) سياسي وإعلامي منذ 5 سنوات
قراءة في كتاب