أحدث الموضوعات
د. مدى الفاتح يكتب: انهيار الحكومات: هل انتهى زمن الاستقرار الأوروبي؟
-
25 أكتوبر 2022, 5:08:21 م
- تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
كثيراً ما يتم الحديث عن المشكلات الاقتصادية التي تمر بها تركيا وعن مستوى التضخم القياسي الذي تعيشه الليرة، وتأثيرات ذلك في حالة الركود وتزايد نسب الفقر والبطالة والعجز العام. كل ما سبق هو حقيقة، فقد فقدت العملة المحلية نسبة كبيرة من قيمتها منذ بداية العام ووقعت الدولة التركية، كما غيرها، ضحية لأزمتين متعاقبتين: أزمة فيروس كورونا، وأزمة الصراع الروسي الأوكراني.
إلا أن النظر إلى الأمور بهذه الطريقة المجتزأة ليس كافياً للتقييم، ففي ظل الظروف الاستثنائية التي يمرّ بها العالم يمكن القول، إن الأزمات التركية ما تزال تحت السيطرة وقابلة للمعالجة، كما يمكن وصف الاقتصاد التركي بأنه مرن وقادر على التحمل وعلى امتصاص الضربات فيكفي أنه، وعلى عكس ما كانت تذهب إليه بعض التحليلات، لم ينهر إثر الأزمة العالمية أو جفاف السوق.
هذه الحقيقة تتعزز أكثر بالمقارنة مع الجيران في التكتل الأوروبي، ففي مقابل الاستقرار التركي النسبي، والمقدرة على تبني مشروعات كبيرة، والاحتفاظ بثقة المستثمرين، انهارت الحكومات في أكثر من بلد، آخرها بريطانيا، وخرج الآلاف من الغاضبين إلى الشوارع في تظاهرات غير مسبوقة من ناحية أعداد المشاركين فيها. لم يقتصر الأمر في أوروبا، خاصة الغربية، على هذا، بل زادت معدلات الجريمة، ما أكد أن حالة الاستقرار والأمان العام التي تعيشها القارة ليست ناتجة عن تشرب الأوروبيين للقيم، وإنما لكونهم في مجتمعات تمكنت من خلق حالة من الرفاه الاجتماعي، التي ينتج عنها بالضرورة تقليل لمستويات الجريمة، أي أن هذه المجتمعات، إذا ما تزايد الضغط الاقتصادي عليها، لن تصبح تلك الوادعة التي اعتدنا عليها، بل ستصبح أكثر توحشاً بكثير.
الأوليغارشية المحلية ولوبيات المال مجموعات أثبتت التجربة أنها قادرة على صناعة فوضى كبيرة في حال الاقتراب من مصالحها
الهزة الاقتصادية العالمية دفعت أسئلة فلسفية كثيرة إلى الواجهة عن المشروع النيوليبرالي، وعن الاقتصاد الحر وعما إذا كان هو النموذج الذي يجب أن يحتذى بشكله الحالي، وبما يتضمنه من وحدة وانفتاح بين الدول الأوروبية. لم يكن من المفاجئ في هذه الظروف أن تتألق وتزدهر الأحزاب اليمينية الرافضة للقيم الأوروبية، التي تتناقض أيديولوجياتها مع كل ما تم ترسيخه عبر العقود من مفاهيم حول أهمية العمل الجماعي، بل إن وصف حزب المرشحة الإيطالية لمنصب رئيس الوزراء، جورجيا ميلوني، بالفاشي الجديد تم تمريره والترويج له في السوق السياسي دون حساسيات تذكر.
الفوز بالانتخابات لم يعد المعضلة الأكبر، فقد فازت ميلوني لأن حزبها كان بعيداً من السلطة وبنى خطابه على دعوة الناس لتجريب أفكاره. هذا مشابه لما قامت به ليز تراس، التي استفادت من قلق البريطانيين على مستقبلهم وما بدؤوا يعانون منه من تضخم غير مسبوق، لتطلق وعوداً كبيراً بالسيطرة على الأسعار واستعادة الرفاه المفقود. المشكلة تكمن في أن الوفاء بتعهدات من قبيل خفض الضرائب، أو زيادة دعم السلع، أو تسهيل الإقراض البنكي يبدو صعبا في ظل المعطيات الاقتصادية الدولية، وهو صعب أيضاً لأن صبر المواطنين نفد ولم تعد محاولات إقناعهم بالانتظار حتى تؤتي السياسات النقدية ثمارها سهلاً. نضع في الاعتبار هنا أن الصدمة كانت كبيرة ومفاجئة، فلأول مرة، في تاريخ العملة الموحدة، يواجه المواطن الأوروبي شبح التضخم ويشعر بأن راتبه بات فاقدا للقيمة.
بريطانيا مثال جيد للصدمة العالمية، فبجانب أزمتي كورونا والحرب الأوكرانية، يواجه البلد المهم على الساحتين الأوروبية والعالمية، تداعيات الخروج من الاتحاد الأوروبي، الذي ولّد تعقيدات، ربما لم تكن جميعها في حسبان من صوتوا لصالح «البريكست». هذا الوضع الحرج ساهم في الإطاحة برئيس الوزراء السابق بوريس جونسون وساهم في تجريب بريطانيا لعدد من السياسات الفريدة والمثيرة للجدل، كمحاولة نقل المهاجرين غير الشرعيين لرواندا، كما تسبب أيضاً في تقديم تراس، التي بقيت في منصبها لأسابيع قصيرة، لاستقالتها. على ما يبدو فإن الدول الأوروبية لن تكون قادرة خلال السنوات القادمة على الاستمرار على نموذج الرفاه الذي بدأت في تبنيه منذ أواسط القرن الماضي، والذي جعلها متقدمة على كثير من الدول. سوف تكون لهذا تداعيات اجتماعية قاسية، فلطالما كانت سياسات مثل راتب البطالة وغيرها من مواد الرعاية الاجتماعية مثيرة للإعجاب، بل كانت تشكل أحد دوافع الهجرة بالنسبة لمواطني العالم الثالث، الذين كانوا يرون أنهم، حتى إن لم يتوفقوا في الحصول على عمل، فإن الدولة سترعاهم وتقدم لهم ما يحتاجون من أكل ومأوى.
عدم القدرة على تأمين احتياجات الأعداد الكبيرة من المواطنين، الذين كانوا يتلقون دعما للمساعدة على توفير سكن لائق، أو مواد غذائية، أو رعاية صحية مناسبة، سوف يجعل هؤلاء يواجهون مصيرهم باحثين عن أي طريق لكسب الرزق، بما في ذلك الطرق غير الشرعية، وليس ما ذكرنا من تزايد معدلات الجريمة إلا مجرد تنبيه على ما ينتظر الأوروبيين خلال السنوات المقبلة. لا يحتاج المرء هنا للنظر في المستقبل، فتكفي نظرة إلى واقع الحال في الشقيقة الأكبر، الولايات المتحدة، التي تبنت على عكس الأوروبيين منهجاً أكثر صرامة على الصعيد الاجتماعي، صار بموجبه تقديم الدعم للمحتاجين حالة استثنائية، ما جعل المواطنين مجبرين على الكد من أجل توفير نفقات معيشتهم. كانت هذه السياسة الاقتصادية الأمريكية إيجابية على صعيد توفير الملايين من الدولارات، التي كان من الممكن إنفاقها على الخدمات والمساعدات، لكن من ناحية أخرى تسببت في جعل البلاد متخمة بالعصابات والجريمة المنظمة وجيوش المشردين، الذين يفترشون شوارع مدنها الكبرى وممراتها. أوروبا أصبحت تحت ضغط هذه الصدمات أكثر تشابهاً، ففي حين كان يتم تقسيمها ما بين دول غنية وأخرى متعثرة اقتصادياً، أصبحت جميع بلدانها اليوم في حالة هي مزيج من انخفاض النمو، وضعف الإنتاجية، كما أصبحت سياسة احتواء الدول الأكثر هشاشة ومنحها مساعدات كفيلة بانتشالها من الانهيار غير مطروحة في ظل احتياج «الدول الأكبر» نفسها إلى من يساعدها على البقاء والاحتفاظ بمكانتها.
من المفارقات في قصة استقالة ليز تراس أنها نشرت في عام 2012 بالمشاركة مع السياسي المحافظ كواسي كوارتينج منشوراً تحت عنوان: «بريطانيا غير مقيدة» حذر من مصير إيطاليا التي كانت تعاني من أزمة اقتصادية، بعد عشر أعوام من هذا المنشور اقتربت بريطانيا أكثر من إيطاليا حتى وصفتها «إيكونومست» بـ»بريطاليا»، أي أنها نسخة من البلد الجنوبي الذي كان أوروبيو الشمال ينظرون إليه بازدراء.
فقدان الاستقرار يظهر في أكثر من بلد، فهو واضح في فرنسا المشغولة بالمظاهرات والاضطرابات، والتي يدور فيها نقاش حاد حالياً حول حدود الحق في الإضراب، كما أنه واضح أيضاً في بريطانيا، التي استبدلت منذ منتصف عام 2015 أربع رؤساء وزارة، بما لا يجعلها مشابهة فقط لإيطاليا، ولكن لكثير من دول الجنوب المهتزة سياسياً. استقالة ليز تراس وقصة صراعها مع «بنك إنكلترا» تخبرنا أنه، بالإضافة إلى التحديات الكبيرة التي تواجه الاقتصاد الأوروبي على المستوى الخارجي، فإن هناك تحديات أخرى داخلية تتمثل في محاولة الأوليغارشية المحلية ولوبيات المال الاحتفاظ بمكاسبها، وهي مجموعات أثبتت التجربة أنها قادرة على صناعة فوضى كبيرة في حال الاقتراب من مصالحها.
كاتب سوداني
كلمات دليلية
التعليقات (0)
أخبار متعلقة
أحدث الموضوعات
الأكثر قراءة
طارق مهني يكتب : بزنس المعارضة - سبوبة الزنازين منذ 4 سنوات
كفى (بورنو) سياسي وإعلامي منذ 5 سنوات
الموسوعة الشعرية
منصف الوهايبي يكتب :الشعرُ معرفةً منذ 4 سنوات
قصيدة "على باب الله" للشاعر الراحل فؤاد حداد، منذ 4 سنوات