د. مدى الفاتح يكتب: الحق في المدينة: أسئلة المدن الكبرى

profile
  • clock 15 نوفمبر 2022, 5:31:06 م
  • تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
Slide 01
google news تابعنا على جوجل نيوز

من يمتلك الحق في التمتع بالمدينة والتنظير حول واقعها ومستقبلها؟ هل هو الساكن الأصلي، أم الوافد من مناطق أخرى، الذي وجد فيها فرصة للمعيشة وكسب الرزق؟ السؤال أكثر تعقيدا مما يبدو، ومع توسع المدن وازدياد الكثافة السكانية يطرح اليوم أكثر من أي وقت مضى، خاصة في المدن التي بدأت تفقد قدرتها على الاستيعاب بسبب الأعداد الكبيرة من القادمين.
الانتقال إلى المدن الكبرى والعواصم هو اتجاه عالمي، فحتى في البلدان التي تعمل على خلق تنمية متكافئة بين أنحائها المختلفة، فإن الناس تنزع للبحث عن ظروف حياة أفضل في المدينة التي يتوفر فيها ما لا يتوفر في غيرها.
للتحايل على هذا التوجه العالمي تلجأ بعض الدول لتغيير العاصمة، كما حدث في المثال النيجيري، وكما هو معلن في مخطط تغيير العاصمة الإندونيسية، كما تحاول دول أخرى نقل الخدمات الحكومية إلى مكان جديد خارج دائرة الازدحام. في مناطق أخرى من العالم تكون الأمور أكثر حساسية من الناحية السياسية والاجتماعية، وهو ما يظهر في حالة السودان وعاصمته الخرطوم، التي توسعت وتضاعفت مساحتها عدة مراتٍ، وامتدت فيها المباني الخرسانية والمشروعات السكنية بشكل كاد يقضي على كل مساحة خضراء. المدينة العجوز أصبحت عاجزة بشكل واضح عن توفير الخدمات لسكانها، وبسبب الانفجار السكاني وضيق الممرات، أصبح الانتقال بين أرجائها بمثابة التحدي. لأنه لا يوجد إحصاء سكاني حديث يمكن الاستشهاد به، فإن المرء لن يستطيع أن يعتمد سوى على التقديرات، التي تخبر أن نسبة كبيرة من سكان السودان، قد تصل إلى الربع أو الثلث، تعيش في مدينة الخرطوم وامتداداتها. هذه التقديرات هي التفسير الوحيد لوجود مساحات شاسعة من الأراضي التي صارت شبه خالية من السكان في أكثر من منطقة، بما فيها مناطق كانت مأهولة في السابق.
على مدى عقود ماضية كان يتم الحديث في السودان عن التنمية المتوازنة وعن تحقيق الحكم الفيدرالي الذي يصبح بموجبه كل إقليم أو ولاية شبه مستقل في إدارة شؤونه والتصرف بموارده، بما يقلل الحاجة للاتصال بالعاصمة، ويوفر فرصاً كافية للتعليم الجيد والعمل وبقية الاحتياجات المعيشية. للأسف فإن كل ذلك كان محض حديث، ولم يتمخض عن أي عمل ملموس، حتى بعد أن أدى تجاهل المطالب الإقليمية لانفصال الإقليم الجنوبي ولظهور الصراع في دارفور. في حقيقة الأمر، لم تكن دارفور، أو غرب السودان، هي المكان الوحيد الذي يعاني من تعقيدات تنموية، حيث يلاحظ الزائر للشرق أو الشمال أو حتى المناطق النائية، التي تبعد كيلومترات محدودة عن وسط الخرطوم، أن هناك مشكلة، وأن مجموعة متزايدة من السكان سوف تكون مضطرة للانتقال إلى العاصمة، من أجل البحث عن فرص أفضل.

الانتقال إلى المدن الكبرى والعواصم اتجاه عالمي، فالناس تنزع للبحث عن ظروف حياة أفضل في المدينة التي يتوفر فيها ما لا يتوفر في غيرها

إلى جانب التنازع بين الريفيين وأهل الحواضر حول الحق في الاستمتاع بالمدينة، تظهر طبقة أخرى لتطالب بحقها في المكان، وهي طبقة السياح، التي تتعامل مع مناطق السياحة العالمية على أساس أنها ليست ملكا حصريا لأهلها، وإنما للجميع.
هذا الأمر واضح بشدة، حينما يتعلق الأمر بمدن مثل فينيسيا الإيطالية، التي تبرز فيها حركات اجتماعية وبيئية، رافضة لتزايد أعداد السياح، أو مطالبة بإغلاق الباب في وجوههم أو تخفيض أعدادهم. ترى هذه الجماعات أن توافد أعداد تقدر بملايين السياح كل عام، وهو الأمر الذي كان ينظر إليه على نحو إيجابي على مدى عقود، لم يعد كذلك، بل صار أمراً له الكثير من الآثار السلبية، كتلوث البيئة والضغط على البنية التحتية، إضافة إلى غلاء الأسعار بالنسبة لسكان المدينة الذين أصبحوا يعانون في سبيل دفع نفقات مساكنهم، التي يتصاعد معدل إيجاراتها، لدرجة الاضطرار للانتقال لمناطق خارج المركز السياحي للمدينة. بالنسبة لهؤلاء المواطنين هم يرون أنهم باتوا في صراع مع السياح، الذين يتعاملون مع المدينة كإرث عالمي. وجهة النظر المحلية هي أن هذه المدينة ليست في حقيقتها ملكاً للعالم، وإن سمح سكانها للجميع بالقدوم إليها وزيارتها، ولكنها ملك بالدرجة الأولى لسكانها الأصليين، الذين قد لا يسعدهم أن تفقد مذاقها الطبيعي كمدينة حية، أو أن تتحول لمجرد متحف أو مزار. الأمر متشابه عندما يتعلق الأمر بالعاصمة الفرنسية، باريس، فمن الشائع القول إن افتقاد الباريسيين لروح الدعابة وتميزهم بضيق الخلق، إنما يرجع للأعداد الكبيرة من السياح التي تعقد حياة المواطن العادي، الذي لا يرغب سوى بشوارع خالية وخدمات لا يكون عليها ضغط، وأسعار متناسبة مع دخله. إسطنبول التركية مثال آخر للتنازع حول الحق في المدينة. تحاول الحكومة التركية، التي تتأهب في العام المقبل للاحتفال بمئوية الاستقلال، أن تجعل منها خليطاً من الحضارة العثمانية والمعاصرة الحداثية، عبر استلهام الماضي ووضعه في موازاة مشاريع حداثية كمركز أتاتورك الثقافي (تكلفته كانت حوالي200 مليون دولار)، أو كمطار إسطنبول الجديد، الذي يتوقع أن يكون الأكبر عالميا، أو غير ذلك من المشروعات الجديدة التي تتميز بمعمار يجمع بين مدارس فنية متنوعة. محاولة الجمع بين القوالب المختلفة لم تمر من دون صراعات، فمن ناحية يود البعض أن يرى في إسطنبول ظلا لتاريخ الخلافة الإسلامية، في حين يود آخرون أن تحتفظ المدينة بطابعها الحداثي وبعلمانيتها وبحيادها في وجه الثقافات والأديان، معتبرين أن هناك تهديداً يواجه المدينة و»أسلمة». الصراع بين الرؤى المختلفة يأخذ أحيانا طابعاً عنيفاً، كما حصل في أحداث «غيزي بارك» الشهيرة في عام 2013، والتي أوضحت أن النزاع، الذي يبدو بسيطًا حول مستقبل حديقة، يمكن أن يتسبب في زعزعة الأمن وفي أزمة سياسية.
فرنسا مثال لهذا النوع من التجاذب، لنتذكر أننا مدينون في استخدامنا لتعبير «الحق في المدينة» للمنظر الماركسي هنري لوفيفر، الذي ابتدر هذا النقاش على خلفية الثورة الاجتماعية الشهيرة في مايو/أيار 1968. حينها كان لوفيفر يطالب بمنح «الشارع» بعض السلطة التي تمنحه إمكانية المشاركة في تخطيط المدن وصنع مستقبلها، لم يلبث التعبير أن تحول على يد هنري لوفيفر، وأيضا على يد ديفيد هارفي، كلاهما ماركسيان وكلاهما ألف كتاباً حول الموضوع، إلى مساق فلسفي عميق. يربط هارفي في أطروحته «من الحق في المدينة إلى ثورة الحضر» بين المدينة والثورة وهو مبحث جدير بالنقاش، خاصة في سياق دراسة الموجات الأخيرة من الثورات العربية، التي لعبت فيها المدن وحركات الاحتجاج المدينية والعاصمية الدور الأساسي المشابه لدور العمال في النظرية الماركسية. يذهب هارفي للقول إن أهل المدن، سواء كانوا من سكانها الأصليين، أو من الوافدين بسبب ظروف العمل، يبدون الأكثر انشغالاً بتغيير الوضع القائم أو بالبحث عن العدالة الاجتماعية. باستخدام التعبير الماركسي هم الأكثر اهتماماً بمناهضة الرأسمالية، التي تتحكم بطريقة حياتهم وبشكل مدنهم عبر رجال الأعمال. تشكل المصالح الذاتية والضيقة لرجال الأعمال والمستثمرين واقع ومستقبل المخططات الحضرية. يمكن أن نضرب مثالًا لذلك بالتوسع في المساحات الاستثمارية والسياحية على حساب سكان المناطق الشعبية وحقهم في الوجود. في عام 2003 صدر «الميثاق العالمي للحق في المدينة» داعيًا للتطبيق الكامل لحقوق المواطنة ومستوياتها ولمشاركة المواطنين في تنمية وتطوير البيئة الحضرية، كما دخل المصطلح معجم الأمم المتحدة واجتماعاتها.
*كاتب سوداني

التعليقات (0)