أحدث الموضوعات
د. أيمن العتوم يكتب: بيني وبينك … اشتباك المُفردات
-
14 أبريل 2022, 1:03:20 م
- تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
كانتْ لي منذُ الصّغر هواية اللّعب بالكلمات، الانتِقال السّلس أو الحَرِج بين مُفرداتها، ومحاولة إيجاد الكلمة البديلة، كان دائِمًا هاجِسي في كلّ نصٍّ قرأتُه منذُ البدايات: ماذا لو ؟! ماذا لو قال الشّاعر أو الكاتب هذه المفردة بدلًا من تلك، ماذا لو قال غير ما قال مِمّا يسمح به المقال؟! أذكر أنّني لَمّا قرأتُ بيت المُتنبّي:
إذا اشتبهَتْ دموعٌ في خُدودٍ
تَبيّنَ مَنْ بَكى مِمّنْ تباكَى
قلتُ: لماذا لا تكون إذا اشتبكتْ دموعُ في خدودٍ؛ فالاشتِباك، الّذي يتضمّنُ الاشتِباه فيما يتضمّنه أفضل، ناهيكَ بصوت حروفها الّتي تكاد تسمع فيه تدافعًا وطِعانًا، أضِف إلى تجانسها مع كلمة تباكى الّتي في آخر البيت في ثلاثة حروف هي التّاء، والباء، والكاف. ثُمّ لم يُعجبني رأيي، فقلتُ لماذا لا تكون: «إذا اشتعلتْ دموعٌ في خدود»؛ فقولنا جرادٌ مُشْعِلٌ، إذا انتشر وجَرى في كلِّ وجه، فتعني القوّة والكثرة والانتِشار، وقولنا غُرَّةٌ شَعْلاءُ يعني أنْ تأْخذ الغُرّة وهي الشّعر الكثيف إِحدى العينين حتى تدخل فيها، وهذا يُناسب امتلاء العين بالدّمع حتّى تفيضَ المقلتان به فتتدفّق على الخدود، والاشتِعال يعني فيما يعني الاحتِراق الّذي يتناسبُ مع حرقة الدّموع وحرارتها، ولكنّنا سنصطدم بقوله (تبيّن)؛ فالتّبيُّن أو التّباين يكون بين مُستوَيَين أو بين نقيضَين كما أراد الشّاعر بين البُكاء والتّباكي، ولكنّ اشتعل تذهب إلى مستوى واحد وهو الاشتِعال الحقيقيّ لا المُصطَنَع، فالكلمة لا تفي تمامًا بما أراد الشّاعر، فعدلتُ عن أنْ أجدها مناسبةً! فقلتُ: لماذا لا تكون «إذا اشتجرتْ دموعٌ في خدودٍ»، فالاشتِجار يدلّ على ألف معنًى يزيد على الاشتِباه الّذي أراده المتنبّي؛ فاشتجر الشّيءُ تعني تداخل بعضُه في بعض، ويقال: اشتجرت الرّماح إذا اختلطت لكثرتها من جهة، ولعدم معرفة مَنْ كان منها معك مِمّن كان منها ضِدّك من جهةٍ أخرى، ويقال كذلك اشتجرت الأصابع إذا تشابكتْ، واشتجر القوم تخالَفوا وتنازَعوا. وأعجبتْني هذه الكلمة أكثر. لكنّني أيضًا قلت: لماذا لا تكون: إذا اشتهرتْ دموعٌ في خدود؛ أي إذا ظهرتْ بوجهٍ جليّ فَرُئِيتْ لكثرتها، وهذا يتناسبُ مع قَفْلة البيت بكلمة (تباكَى) إذْ إنّ مَنْ يبدو هنا باكِيًا يريد لدموعه الاشتِهار، فهو لم يبكِ بل تباكَى.. وهكذا؛ ومع أنّ الكلمات الخمس (اشتبهتْ، واشتعلت، واشتبكتْ، واشتجرت، واشتهرت) مشتركة كلّها في وزنٍ واحدٍ، وفاؤها واحدة وهي الشّين إلاّ أنّ البَوْن بين كلّ كلمةٍ وأخرى شاسعٌ. وفكّرتُ لماذا لا يستطيع الشّاعر أنْ يضعَ كلّ الخيارات الممكنة الأخرى إلى جانب كلّ كلمةٍ يقولها، فكلمات العربيّة رائعة وقادرةٌ على أنْ تُصيبكَ بحالةٍ من الانخِطاف إلى حَدّ يصعبُ تخيّله، إنّ كلماتها أكثر من النّجوم، والانتِقاء منها أسهل من اغتراف كأسٍ من الماء من محيطٍ متلاطم، ثُمّ قلتُ إذا لم يفعل هو ذلك، فلماذا لم يفعله الشُّرّاح والنّقّاد؟».
هام : هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير
كلمات دليلية
التعليقات (0)
أحدث الموضوعات
الأكثر قراءة
طارق مهني يكتب : بزنس المعارضة - سبوبة الزنازين منذ 4 سنوات
كفى (بورنو) سياسي وإعلامي منذ 5 سنوات
حكايات شعبية