تسامح وعفو ودعوات بالهدى

profile
  • clock 12 أبريل 2022, 2:41:56 م
  • تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
Slide 01
google news تابعنا على جوجل نيوز

لم يشهد التاريخ الإنساني رجلاً عظيماً مثل رسولنا الكريم محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وسلم، فلم يكن صاحب رسالة عظيمة وحسب، وإنما كانت سيرته ومسيرته التي امتدت نحو ثلاثة وستين عاماً، أنموذجاً فريداً لرسول عظيم، ونبيٍّ كريم، وقائد مُلهَم، وإنسان بلغ من الصدق والأمانة والرأفة والرحمة والتسامح مع الآخر مبلغاً لم يصل إليه أحد من العالمين، ولِمَ لا وقد قال الله في شأنه: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم: 4 5]

أمر الله تعالى نبيه، صلى الله عليه وسلم، بالتسامح والعفو والإحسان، فقال سبحانه: «وَلَا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ. وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ» (فصِّلت: 34 و35). وعن أنس رضي الله عنه قال: كنت أمشي مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وعليه رداء نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجبذه (جذبه) بردائه جبذة شديدة، فنظرت إلى صفحة عنق رسول الله وقد أثرت بها حاشية الرداء من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد مُرْ لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه رسول الله فضحك ثم أمر له بعطاء.

وعن أنس رضي الله عنه قال: كان غلام يهودي يخدم النبي فمرض فأتاه يعوده، فقعد عند رأسه فقال له: أسْلم، فنظر إلى أبيه وهو عنده، فقال: أطع أبا القاسم.. فأسلَمَ، فخرج النبي وهو يقول: «الحمد لله الذي أنقذه من النار». وعن عمرو بن شعيب عن أبيه قال: ذُبِحتْ شاة  لابن عمرو في أهله، فقال: أهديتم لجارنا اليهوديّ؟ قالوا: لا، قال: ابعثوا إليه منها، فإني سمعتُ رسولَ الله يقول: «مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورِّثه».

وتتجلى هذه السماحة في معاملة الرسول، صلى الله عليه وسلم، لأهل الكتاب، فقد كان يزورهم ويكرمهم، ويحسن إليهم، ويعود مرضاهم، ويأخذ منهم ويعطيهم. ذكر ابن إسحاق في السيرة النبوية: أن وفد نجران، وهم من النصارى، لما قدموا على الرسول في المدينة، دخلوا عليه مسجده بعد العصر، فكانت صلاتهم، فقاموا يصلون في مسجده، فأراد الناس منعهم، فقال رسول الله: دعوهم، فاستقبلوا المشرق فصلوا صلاتهم.

ومن الأمثلة الدالة على سماحته، صلى الله عليه وسلم، ما روي عن الأسود بن سريع أن النبي أُتيَ بأسير، فقال: اللهم إني أتوب إليك، ولا أتوب إلى محمد، فقال النبي:عَرَف الحق لأهله.

وعن أبي أمامة، رضي الله عنه، قال: إن فتى شاباً أتى النبيَّ، صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ائذن لي بالزنا، فأقبل القوم عليه فزجروه، وقالوا: مه مه، فقال: ادنه، فدنا منه قريباً، قال: فجلس، قال: أتحبه لأمك؟ قال: لا واللَّه، جعلني اللَّه فداك، قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم، قال: أفتحبه لابنتك؟ قال: لا واللَّه، يا رسول اللَّه جعلني اللَّه فداك، قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم، قال: أفتحبه لأختك؟ قال: لا واللَّه، جعلني اللَّه فداك، قال: ولا الناس يحبونه لأخواتهم، قال: أفتحبه لعمتك؟ قال: لا واللَّه، جعلني اللَّه فداك، قال: ولا الناس يحبونه لعماتهم، قال أفتحبه لخالتك؟ قال: لا واللَّه جعلني اللَّه فداك، قال: ولا الناس يحبونه لخالاتهم قال: فوضع يده عليه وقال: اللَّهمّ اغفر ذنبه وطهر قلبه، وحَصِّنْ فرْجَه، فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء. وفي رواية أخرى: وقال: «اللهم طهر قلبه، واغفر ذنبه، وحَصِّنْ فرْجَه، فلم يكن شيء أبغض إليه منه» (أي: الزنا).

 ومن تسامحه، صلى الله عليه وسلم، كما يقول أنس بن مالك، خادم الرسول: خدمت النبي عشر سنين، فما قال لي أفٍّ قط، ولا قال لي لشيء صنعتُه: لم صنعتَه؟ ولا لشيء تركتُه: لم تركتَه؟ وكان لا يظلم أحداً أجرَه.

وجاء في الصحيحين من حديث جابر بن عبد الله، رضي الله عنهما، قال: كنا مع رسول الله بذاتِ الرِّقاع، فإذا أتَينَا على شجرةٍ ظَليلَة، تركنَاها لرسول الله، فجاء رجلٌ من المشركين حتى قام على رأس رسول الله بالسيفِ، فقال: من يمنَعُك مني؟ قال: الله، فسقطَ السيفُ من يدِه، فأخذَه رسولُ الله فقال: من يمنَعُك منِّي؟ قال: كُن كخير آخِذٍ، قال: أتشهَدُ أن لا إله إلا الله؟ قال: لا، ولكني أُعاهِدُك ألا أُقاتِلَك، ولا أكونُ مع قومٍ يُقاتِلُونك. فخلَّى سبيلَه. قال: فذهَبَ (الأعرابي) إلى أصحابه فقال: قد جِئتُكم من عند خير الناس.

ومن عظيم سماحَته، صلى الله عليه وسلم، دُعاؤه للمشركين رجاءَ أن يهدِيَ الله قلوبَهم للإسلام، ففي الصحيحيْن من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قدِمَ الطُّفيلُ وأصحابُه فقالوا: يا رسول الله، إن دَوساً قد كفَرَت وأبَت، فادعُ الله عليها، فقيل: هلَكَت دَوس، هلَكَت دَوس، فقال صلى الله عليه وسلم: اللهمَّ اهدِ دَوْساً وائتِ بهم، اللهمَّ اهدِ دَوْساً وائتِ بهم.

وفطِنَ إلى ذلك يهُود، فكانوا يتظاهَرُون بالعُطاس عند رسول الله رجاءَ أن يدعو لهم بالرحمة، فعن أبي موسى الأشعري، رضي الله عنه، قال: كان اليهود يتعاطَسُون عند النبي يرجُون أن يقول لهم: يرحَمُكم الله، فيقولُ صلى الله عليه وسلم: يهدِيكم اللهُ ويُصلِحُ بالَكم.

روى محمد بن الحسن الشيباني، صاحب أبي حنيفة: أن النبي بعث إلى أهل مكة مالاً لما قحطوا؛ ليوزَّع على فقرائهم. هذا على الرغم مما قاساه من أهل مكة من العنت والأذى هو وأصحابه. وقالت أسماء بنت أبي بكر: قدمت أمي وهي مشركة، في عهد قريش إذ عاهدوا، فأتيت النبي فقلت: يا رسول الله، إن أمي قدمت وهي راغبة، أفأصِلُها؟ قال: نعم، صِلي أمك.

يقول الزعيم الهندي المهاتما غاندي (1869-1948):«أردت أن أعرف صفات الرجل الذي يملك دون نزاع قلوب ملايين البشر.. أصبحت مقتنعاً كل الاقتناع بأن السيف لم يكن الوسيلة التي من خلالها اكتسب الإسلام مكانته، بل كان ذلك من خلال بساطة الرسول مع دقته وصدقه في الوعود، وتفانيه وإخلاصه لأصدقائه وأتباعه، وشجاعته مع ثقته المطلقة في ربه وفي رسالته.. هذه الصفات هي التي مهّدت الطريق، وتخطّت المصاعب وليس السيف. بعد انتهائي من قراءة الجزء الثاني من حياة الرسول وجدت نفسي آسِفاً لعدم وجود المزيد للتعرف أكثر إلى حياته العظيمة».

 


 

كلمات دليلية
التعليقات (0)