اورنيلا سكر تكتب: زلزال قهرمان والتهافت الإنساني العالمي

profile
  • clock 11 فبراير 2023, 3:06:55 م
  • تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
Slide 01
google news تابعنا على جوجل نيوز

أكثر التوصيفات دلالة على القرن الواحد والعشرين، أنه قرن الأزمات الكبرى، والزلازل وفاتحتها زلزال قهرمان مرعش التركية، التي وصفت بالأعنف في التاريخ الحديث منذ زلزال أرزنجان عام 1939. واللافت هو حجم مساندة ودعم تركيا في لحظة تاريخية وإنسانية غاب فيها مشهد التنافس، وحل مكانه التقارب بين الخصوم، المتمثل بالموقف الأوروبي والسويدي خاصة، على خلفية العقوبات الاقتصادية من جهة، وحرق القرآن من جهة أخرى، فضلاً عن الدعم العالمي الإنساني الذي تلقته أنقرة من حشد وإغاثة دولية وتزويد لوجستي ومالي وغيره ما قد ينعش الاقتصاد التركي في الداخل.
الأمر الذي قد ينعكس بالإيجاب على السياسة التركية الداخلية والخارجية، خاصة أنها على أبواب انتخابات رئاسية سيتم فيها ظهور الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بصورة البطل القومي، بفعل خطابه الإنساني والوطني المؤثر الذي خاطب فيه العالم، سواء لجهة النكبة في الداخل التركي، أو دعمه لضحايا زلزال سوريا. كذلك سارعت اليونان لمساعدة أنقرة، حيث قدم رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكسي تعازيه ودعمه لتركيا، رغم الصراع والاستفزازات  الأخيرة في بحر إيجه، الأمر الذي قد يسهم في عودة الهدوء والاستقرار بين البلدين.

آن آوان تراكم رأسمال البشر وفق مفاهيم جديدة ونسق وجودي قابل للعيش وسط التحديات البشرية والمآسي الإنسانية التي تحتاج أفكارا جديدة

هذا المشهد الجديد الذي يعتري العلاقات الدولية مع تركيا، كان بمثابة تحول جديد في السياسة العالمية، على خط الإنسانية والعلاقات الدبلوماسية بين دول العالم، حيث تجاهل العالم في لحظة ما، لغة العنف والهيمنة والاستعلاء، وأسهموا بإعلاء صوت الإنسانية. وقد شهد هذا القرن العديد من الأحداث المأساوية التي تمثلت في الحروب والفقر والانحلال القيمي، بفعل ثورة التكنولوجيا والعلم حتى بات الحديث عن فيروسات مصنعة لا تستهدف المسنين فقط، بل أيضا، نوع جماعات عرقية محددة، أو أمما ودولا بعينها. إن هذا الحد من التقدم المعرفي بات يطرح علامات استفهام عديدة حول مصير كوكب الأرض، في ظل نوازع الإنسان للتدمير والهيمنة. نحن اليوم بصدد أزمات جديدة، وهي أزمات ومشكلات بيئية غير مسبوقة مثل التغير المناخي، وأزمات الطاقة والبحث عن الطاقة البديل، والذكاء الاصطناعي واستخدام التقنيات الحديثة والذكية التي يترتب عليها ضرر جسيم يقضي على النوع البشري والبيئي، هذا التهديد الموصول بالحداثة والمعرفة والاكتشافات الجديدة، أصبح مصدر فناء البشرية ليس على الصعيد الوجودي وحسب، بل أيضاً على المستوى القيمي والأخلاقي. ناهيك عن فيروس كورونا ومتحوراته. هذه التمظهرات أوضحتها ثقافة التباعد الاجتماعي في فرنسا، وثقافة العنصرية اتجاه المهاجرين في أوروبا عموما، والعنصرية اتجاه السود، واتباع سياسة الاستبدال، وقد صدر كتاب بعنوان «الاستبدال العظيم» الذي يحاكي سردية التهديد الوجودي الذي يواجهه الإنسان، جراء مركزية الذات الإنسانية. ويذهب الفيلسوف الأمريكي بول تايلور إلى نقد هذه المنظومة بتعريف المركزية الذاتية الإنسانية، على اعتبار أنها شائعة منذ حقبة العصور الوسطى، ومفادها مصطلح السلسلة العظمى للوجود والكون، باعتبار أن هذه السلسلة مكونة من موجودات لامتناهية، تحتكم في علاقتها إلى قوانين الحتمية الهيراركية، التي لا تتغير ولا تتبدل، وتبدأ بالقمة الأسمى إلى باقي الموجودات في الأسفل، وفق سلسلة تراتبية منتظمة، هذه التراتبية حسب تايلور هدفها توصيف واقع السيطرة التي تتعرض له تلك المخلوقات الأدنى درجة، بسبب سيطرة الإنسان وإخضاعه لجميع مخلوقات الأرض، باعتباره مفهوما إلهيا مباركا دينيا. وقد فسر تايلور هذه الأزمة التي يعيشها الإنسان اليوم من تدمير وزلازل وانحلال النسق الأخلاقية والتعالي على سنن الطبيعة، وسيطرة الإنسان على المخلوقات الأدنى أي البيئة والحيوانات والكائنات الحية الأخرى، إلى التقليد اليهودي – المسيحي الذي يرتكز على أسس دينية، باعتبار أن الإنسان نصب تاجا على رأس المخلوقات، ويتصرف معها بالطريقة التي تروق له لتحقيق منفعته ومصلحته. فالمسيحية في شكلها الغربي هي الديانة الأكثر تأسيسا لمركزية الذات الإنسانية في العالم، وهذا واضح في الكتاب المقدس العهد القديم، والعهد الجديد كقصة شجرة التين وقتل النباتات، والحديث عن الخطيئة مستثنيا من ذلك الموجودات البشرية، باعتبار أن أي فعل عنيف تجاه الموجودات غير البشرية لا يوسم بالإثم. بمعنى آخر أن الإنسان حسب الكتاب المقدس المسيحي يرفض اقتراف الخطايا ضد الله وضد الأنفس البشرية، لكن لا يرفضها ضد الحيوانات أو ضد العالم الطبيعي. غير أن هذا التفسير كان قاصرا على البعض، فالكتاب المقدس بريء من تلك الاتهامات القاصرة، فالله اعتنى بمخلوقاته غير البشرية، ويدلل على ذلك ما ورد في إنجيل متى الإصحاح 6: آية 26، من أن الله يعتني بالعصافير وزنابق الحقل، اذ تقول الآية: انظروا إلى طيور السماء، إنها لا تزرع ولا تحصد ولا تجمع إلى مخازن، وأبوكم السماوي يقوتها. ألستم أنتم بالأولى أفضل منها. صحيح أن الآية تؤكد هنا أفضلية الإنسان على باقي الموجودات لكن لا تنكر عناية الله بباقي الموجودات. هذه الآراء جعلت ماكس أولشليجر يصل إلى قناعة حكم حاسم، مفاده أنه لن يكون هناك حل لأزمة البيئة على الأقل في المجتمعات الديمقراطية بمعزل عن الدين. كذلك لم يطرح رجال الدين نسقا أخلاقيا جديدا ويقدمونه على أنه البديل الضروري للأخلاق القائمة على مركزية النزعة الإنسانية، ولم ينادوا أيضا بضرورة تغيير النظم الاقتصادية والسياسية كإجراء حتمي لوقف استنزاف الموارد الطبيعية. إن عالمية المشكلات والتحديات تتطلب حلولا عالمية وتعاونا عالميا وتضامنا إنسانيا عالميا يعترف ويقر بحقوق الطبيعة علينا، وأن الإنسان تم استخلافه في الأرض لتحقيق العمران والعدالة والمساواة، وليس التفاصح وفق النظريات الضيقة والقاصرة، فالإنسان وحده المسؤول عن هذه الكوارث الإيكولوجية، أي البيئية ولا سواه. من هنا يقول الفيلسوف الفرنسي ميشيل سير: «لقد غدت الفلسفة الديكارتية عالم السيادة وجعلتنا نتخلى عن عقولنا ونتمسك بهزيمة العالم، فأصبحت علاقتنا الأساسية بعالم الموضوعات هي الحرب والملكية».
في الختام، لقد آن آوان تراكم الرأسمال البشري وغير البشري وفق مفاهيم جديدة ونسق وجودي قابل للعيش وسط التحديات البشرية والمآسي الإنسانية التي تحتاج إلى أفكار جديدة تخاطب تحديات الكوكب والبشر والأحياء، وفق فلسفة العصر وتحدياته ومستلزماته، بإعلاء صوت التضامن الإنساني، كما هو حاصل اليوم على خلفية الزلزال في تركيا وسوريا. فما نطالب به هو كسر القوالب التقليدية والبحث عن الخلاص للبشرية، يضع حدا لواقع  الظلام والمظالم وأهل الظلام عبر وضع نظام جديد عادل وسعيد للإنسانية بعيدا عن الاغتراب الوجودي والتدمير الممنهج الذي تعتريه البلاهة والتفاهة والإدارة غير الرشيدة والمتوحشة التي استكلبت في أنانيتها ومركزيتها واستكبارها، من دون أن تعي أن سنن الطبيعة والحياة أقوى من أي مركزية ذاتية متعالية أسهمت في خلق فضاءات مصطنعة دمرت الإنسان والحجر والعقل البشري، وفق منظومة التفاهم والمراقبة ونظام التحديد الجيني، الذي عمل عليه خبراء عن طريق مشروع فيروس كورونا ومتحوراته. ما دفع عددا كبيرا من الفلاسفة الغربيين المهتمين بالشأن البيئي إلى دراسة تلك التحديات والكوارث، أمثال الفيلسوف الأمريكي بول تايلور والنرويجي آري نايس والفرنسي ميشيل سير والنمساوي فريتجوف كابرا وكثيرين غيرهم، وقد اختلف هؤلاء الفلاسفة حول تشخيص الداء والدواء، غير أنهم يشتركون في مسألة التعبير عن قلقهم العميق إزاء ما يتعرض له كوكب الأرض من دمار، ويشيرون إلى الإنسان بأصابع الاتهام  ويحملونه مسؤولية حدوث كل هذه الكوارث، لأمنهم، في الوقت عينه يعوٍّلون على نزوعه العقلي في تجاوز هذه الأزمات، لذلك اخترت لضيق المساحة فيلسوفا واحدا وهو الأمريكي بول تايلور لما تتميز به أطروحته الفلسفية القائمة على موقفه الأخلاقي تجاه أزمة البيئة، في سياق التأكيد على أنه كلما تقدم العصر أوجد الإنسان أساليب وأدوات جديدة أكثر عنفاً وتدميرنا من هنا ينبغي البحث في النظم الأخلاقية والإنسانية الجديدة التي يفرضها عصرنا الجديد، ليس بدافع إدانة التطور والحداثة والابتكار، بل بغية مناداة أسس فكرية أكثر عمقا وتفاعلا واستجابة لتحديات العصر ومشكلاته التي تقبع تحت اختزالات وتضييقات عديدة، حدت من معانيها المستوعبة والمؤطرة للوجود الإنساني التي تم حصرها وفق تأويلات وممارسات  أضرت بالبعد الإنساني والحضاري والعمراني، استعداداً لمعركة الخلاص الدائبة وموعظة سقوط الإنسان الأخير.
 


هام : هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير
التعليقات (0)