أرتيم شيبوف و يوليا شيبوفا يكتبان: منظور تاريخي: هل هناك قصور في الدراسات الغربية حول روسيا؟

profile
  • clock 14 فبراير 2023, 3:01:22 م
  • تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
Slide 01
google news تابعنا على جوجل نيوز

عرض: د. إيمان أحمد عبد الحليم

تواجه الدراسات والبرامج الغربية الخاصة بروسيا ونطاقها المحيط مأزقاً كبيراً؛ حيث تعيد – عن غير قصد – تأكيد الرؤية الروسية الخاصة بإمبراطوريتها التاريخية، وما تراه من حقوق في نطاقها الجغرافي. ويأتي ذلك في إطار الطبيعة الإمبريالية التاريخية التي لا جدال عليها لروسيا، والتي أعادت الحرب الأوكرانية تأكيدها؛ الأمر الذي يجب أن يكون دافعاً للدراسات الغربية لإعادة النظر في كيفية تناولها قضايا روسيا وأوروبا الشرقية على نحو عام. وفي ضوء هذا نشر موقع “فورين بوليسي” تقريراً لـ”أرتيم شيبوف” و”يوليا شيبوفا”، بعنوان “حان الوقت لإنهاء الاستعمار في دراسات روسيا الغربية”، في 11 فبراير 2023، ويمكن استعراض أبرز ما جاء فيه على النحو التالي:

1- اعتبار روسيا قوة إمبريالية تاريخية لا جدال فيها: من الحقائق التاريخية كون روسيا قوة إمبريالية؛ حيث تجنبت الإمبراطورية الروسية بعد الحرب العالمية الأولى التقسيم الذي تعرضت له الإمبراطوريات الأخرى المتعددة الأعراق، مثل الإمبراطوريتين العثمانية، والنمساوية المجرية، ولم يستعد الاتحاد السوفييتي فقط معظم الأراضي غير الروسية التي أعلنت استقلالها عن موسكو في أعقاب ثورة 1917 البلشفية (بما في ذلك أوكرانيا وبيلاروسيا وجورجيا وأرمينيا وأذربيجان)، بل وسَّع إمبراطوريته في سياق الحرب العالمية الثانية، بضم مولدوفا والجزء الغربي من أوكرانيا وأراضٍ أخرى. وحتى عندما تم حل الإمبراطوريتين الفرنسية والبريطانية، كان الاتحاد السوفييتي يوسع نفوذه الاستعماري بتشديد قبضته على أوروبا الشرقية والوسطى بحملات قمع دموية وأعمال عسكرية.

2- إعادة تأسيس الإمبراطورية بعد تفكك الاتحاد السوفييتي: بعد فترة وجيزة من تفكك جمهوريات الاتحاد السوفييتي في عام 1991، شرعت روسيا في إعادة تأسيس إمبراطوريتها التاريخية. وتضمنت هذه الجهود دعم حركات انفصالية بتحريض روسي في الدول المجاورة، والتدخلات العسكرية، والضم غير القانوني، وانتشار المرتزقة، وشن الهجمات الإلكترونية، والتلاعب بالانتخابات، وتجنيد سياسيين، بجانب شن حملات التضليل الضخمة. أما في داخل روسيا – التي لا تزال نسيجاً من الأراضي والشعوب التي تم احتلالها واستعمارها في ظل القياصرة والشيوعيين – فقد تضمنت هذه الجهود حروباً وصدامات جماعية، كما هو الحال في الشيشان.

3- إهمال طبيعة روسيا الاستعمارية في الدراسات الغربية: بالرغم من الطبيعة الاستعمارية الواضحة لروسيا، التي أكدتها مرة أخرى الحرب في أوكرانيا، فإن الدراسات الغربية دأبت على تناول قضايا روسيا والدول المحيطة في إطار واحد، كان من شأنه بلورة الرؤية الروسية بخصوص إمبراطوريتها التاريخية؛ إذ لا يزال الكثيرون يواصلون رؤية أوكرانيا والدول الأخرى للاتحاد السوفييتي السابق من خلال عدسة بناء الإمبراطورية في موسكو، مع تقليل معظم الدراسات والبرامج الخاصة بروسيا في الغرب من أهمية التاريخ الغني والثقافات المتنوعة والهويات القومية الفريدة لشرق أوروبا ودول البلطيق والقوقاز وآسيا الوسطى، ناهيك عن العديد من الشعوب غير الروسية التي تم استعمارها، والتي تعيش في مساحات شاسعة من أراضي الاتحاد الروسي.

4- تجسيد الحرب الأوكرانية معضلة الدراسات الغربية: من الأمثلة لنظر الدراسات الغربية إلى المستعمرات الروسية السابقة باعتبار أنها لا تزال واقعة في المدار الروسي، ملاحظة أن عدداً قليلاً فقط من الجامعات الأمريكية تقدم دروساً في التاريخ الأوكراني، رغم حقيقة أن أوكرانيا – التي يبلغ عدد سكانها أكثر من 40 مليون نسمة – لديها ثقافة ولغة وتقاليد وطنية تطورت بشكل مختلف عن روسيا لمئات السنين، فضلاً عن أن أوكرانيا تقدم – خاصةً منذ استقلالها في عام 1991 – مجموعة متماسكة من الخيارات الجيوسياسية تلفت نظر العالم إلى أنها دولة مستقلة ذات هوية وتوجه أوروبيين. ومع ذلك، تستمر الأوساط الأكاديمية الغربية في إقحام البلاد في الفضاء الروسي.

5- ارتباط تسمية “أوراسيا” بعقيدة مركزية للقومية الروسية: تعكس كذلك تسمية “أوراسيا” المستخدمة اليوم من قبل العديد من الجامعات ومؤسسات الفكر والرأي في الغرب عقيدة مركزية للقومية الروسية؛ الأمر الذي ينسجم مع رؤى أيديولوجية خاصة بمصطلح الأوراسية في روسيا، وهي الرؤى التي تروج لإنشاء دولة أوراسية من خلال إعادة قهر المستعمرات الروسية السابقة، وإقامة الهيمنة السلافية والأرثوذكسية، وتهميش الدول الأخرى. وأيضاً فإن رؤية الرئيس “فلاديمير بوتين” الخيالية للتاريخ والمصير الروسي، تُردد أصداء مثل هذه الأفكار الأوراسية بشكل متزايد. ومن ثم، فإنه عندما توضع أوكرانيا أو جورجيا أو مولدوفا أو بيلاروسيا في الدراسات الغربية تحت تصنيف “أوراسيا”، فإن الرسالة الضمنية تشير إلى أن هذه المستعمرات الروسية السابقة باقية في مجال نفوذ روسيا.

وختاماً، فإنه على ضوء ما سبق، يجب العمل للقضاء على الاستعمار في الدراسات الغربية الخاصة بروسيا ونطاقها المحيط، ومن خلال استبعاد الجامعات ومراكز الفكر على جانبي المحيط الأطلسي، مصطلح “أوراسيا” من أسماء برامجها، وعلى أن تعيد مراكز الدراسات الروسية الحالية تركيز اهتمامها لتعكس التاريخ والتجارب المعاصرة للشعوب الأصلية التي تعيش في الاتحاد الروسي اليوم؛ وذلك مع الحاجة لإنشاء وتقوية المؤسسات التي تدرس المستعمرات الروسية السابقة، وبما يشمل الدراسات الأوكرانية وتتار القرم، والدراسات البيلاروسية والجورجية والمولدوفية، وما إلى ذلك.


هام : هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير
التعليقات (0)