يوسف داوود يكتب: جيوش موسكو: كيف يؤثر تعدد المجموعات العسكرية على مصالح روسيا؟

profile
  • clock 2 فبراير 2023, 3:26:00 م
  • تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
Slide 01
google news تابعنا على جوجل نيوز

لم يُثِرْ قرار الجنرال فاليري جيراسيموف القائد الجديد للقوات الروسية في أوكرانيا، بإلزام كافة الجنود والضباط الروس بحلق لحاهم، حفيظة أفراد القوات النظامية الروسية فحسب، بل امتدت ملامح الاستهجان إلى مقاتلي قوات فاجنر أيضاً المشارِكين في العمليات. هذا وقد فتحت ردود فعل المقاتلين الباب أمام التساؤلات الخاصة بأذرع روسيا العسكرية في الصراعات التي تنخرط فيها، ودلالات تنوع الفصائل المسلحة والتوسع في إمدادها بالعتاد والسلاح، خاصةً فيما يتعلق بمدى قدرة الكرملين على السيطرة على هذه الفصائل في مسرح العمليات، ناهيك عن مدى تأثير ذلك على استقرار الجيش الروسي نفسه ومن ثم مؤسسة الرئاسة أيضاً.

وفي الوقت الذي بدأت فيه الولايات المتحدة بسحب قواتها العسكرية من أجزاء من أفريقيا والشرق الأوسط، تعمل روسيا على توسيع نفوذها في هذه المناطق وغيرها عن طريق نشر أفراد قوات العمليات الخاصة ووحدات الاستخبارات والشركات العسكرية الخاصة (PMCs)، مثل مجموعة فاجنرWagner Group؛ وذلك بهدف زيادة نفوذ موسكو باستخدام قوى غير رسمية تمكنها من القيام بعمليات عسكرية مع الاحتفاظ بإمكانية التنصل من تبعيتها.

تنظيمات داعمة

تعتمد روسيا – إلى جانب القوات المسلحة الروسية النظامية – على عدد من التنظيمات والفصائل المسلحة؛ حيث تندرج الأذرع العسكرية الإضافية لموسكو تحت مجموعتَين رئيسيتَين؛ إحداهما الشركات العسكرية الخاصة، ولعل أبرزها قوات فاجنر، وهي منظمة شبه عسكرية روسية لها وضعية الشركة العسكرية الخاصة (PMC)، تجمع شبكات من المرتزقة، لدرجة تجعلها أشبه بالجيش الخاص التابع مباشرةً للرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

ورغم أن القانون الروسي يحظر التعاقد مع مقاتلين مأجورين، فإن قوات فاجنر تعمل لدعم المصالح الروسية بشكل مباشر، وتتلقى معدات عسكرية من وزارة الدفاع الروسية، وتستخدم منشآت وزارة الدفاع للتدريب، كما يعتقد أن رئيسها “يفجيني بريجوجين” أحد رجال الأعمال الروس المقربين من بوتين؛ ما يجعلها – بحكم الأمر الواقع – تابعة لوزارة الدفاع الروسية أو وكالة الاستخبارات العسكرية الروسية. هذا وقد تم الاستعانة بمقاتليها ضمن صفوف الجيش النظامي في الحرب الدائرة حالياً في أوكرانيا، كما برزت المجموعة على الصعيد العالمي لأول مرة خلال الحرب في دونباس بأوكرانيا؛ حيث ساعدت القوات الانفصالية لجمهوريتي دونيتسك ولوهانسك الشعبية من 2014 إلى 2015 لكن بشكل منفصل عن القوات النظامية الروسية.

وتضم الشركات العسكرية الخاصة المرتبطة بروسيا بعض الأسماء التي تصاعد حضورها خلال السنوات الماضية/ على غرار تشكيل E.N.O.T الذي تم إنشاؤه بواسطة إيجور مانجوشيف أحد وجوه الحركة القومية الروسية Svetlaya Rus الذي كان يهدف إلى إيجاد وسيلة للمواطنين المتشابهي الفكر للمشاركة في حرب دونباس. وعليه، أقام هو ورفاقه معسكرات في روسيا، وأرسلوا المتدربين إلى لوهانسك ودونيتسك لقتال القوات الأوكرانية. منذ ذلك الحين، عمل التشكيل كشركة عسكرية خاصة تحظى بدعم كبير من السلطات الروسية، كما شاركت في عمليات في سوريا وكاراباخ ودول أخرى.

وتتصل المجموعة الثانية للأذرع العسكرية الروسية بالفصائل المسلحة من الجمهوريات الروسية، وفي مقدمتها الفصائل الشيشانية؛ فقد كانت الكتيبتان الخاصتان فوستوك (Vostok) وزاباد (Zapad) وحدتَين تابعتَين لوكالة المخابرات العسكرية الروسية، ومقرهما في الشيشان. وكانت الغالبية العظمى من المقاتلين التابعين لهما من أصل شيشاني، بينما كان أفراد القيادة مختلطين من أصل روسي وشيشاني. تم تشكيل الكتائب الخاصة خلال الحرب الشيشانية الثانية كقوة من المتطوعين الشيشان تحت السيطرة المباشرة للحكومة الروسية للقيام بعمليات في غابات الشيشان الجبلية. ورغم حل هذه الفصائل رسمياً في 2008، فإن هيكلها التنظيمي لا يزال قائماً، ويتم الاستعانة بمقاتليها في الحروب الروسية، وآخرها الحرب الحالية في أوكرانيا.

تأثيرات محتملة

تُعد أوكرانيا من أولى حالات الاستخدام الروسي الموسع للشركات العسكرية الخاصة منذ عام 2014، ثم تم توسيع التجربة عندما أرسلت روسيا بعض المرتزقة الذين تم تدريبهم تحت إشراف القوات الخاصة في دول مثل سوريا وليبيا. ومع مرور الوقت، وسَّعت موسكو استخدام هذه الشركات الخاصة ليشمل وجودها دول أفريقيا جنوب الصحراء وأمريكا اللاتينية ومناطق أخرى، بما في ذلك دول مثل السودان وجمهورية أفريقيا الوسطى وموزمبيق ومدغشقر وفنزويلا.

هذا وتشير التقديرات إلى أن عدد الدول التي تشهد انخراط القوات الروسية شبه العسكرية – سواء الحالات المشكوك فيها أو المثبتة – يصل إلى 30 دولة موزعة على 4 قارات، وهو ما يؤشر على لعب الشركات العسكرية الخاصة دوراً مهماً في تحقيق الأهداف الاستراتيجية الروسية في المستقبل المنظور. وفي هذا الصدد، يشير التوظيف الموسع لأذرع عسكرية متعددة من قبل موسكو إلى عدد من التداعيات المحتملة:

1– مدى التأثير على مستويات الانضباط المعهودة: رجحت بعض التقديرات أن يؤدي الاعتماد المتزايد على هذه الوحدات المقاتلة ضمن العمليات التي يقوم بها الجيش الروسي النظامي، إلى التأثير على مستويات الانضباط المعهودة داخل صفوف الجيش.

وقد بدأت هذه التخوفات تطفو على السطح من جديد أثناء العملية العسكرية الروسية الحالية في أوكرانيا؛ حيث لوحظ تزايد المخالفات الانضباطية داخل وحدات الجيش الروسي المقاتلة في أوكرانيا، وهو الأمر الذي دفع جيراسيموف – عندما تولى القيادة المباشرة في أوكرانيا مؤخراً – إلى تكليف الضباط بقمع المخالفات، على غرار عدم الالتزام بالزي الرسمي، والسفر في المركبات المدنية، واستخدام الهواتف المحمولة، وقصات الشعر غير المعتادة، وهو ما قوبل بنوع من الامتعاض من بعض أفراد الجيش النظامي وقوات فاجنر والشركات الأمنية الأخرى على حد سواء.

كما اعتبر البعض القرارات الانضباطية الأخيرة بحَلق المقاتلين لحاهم بمنزلة غطاء على الفشل العملياتي الذي تعاني منه القوات الروسية النظامية وغير النظامية على حد سواء، على اعتبار أن إطلاق اللحى عادةً مسموح بها أثناء وقت الحروب، مواكبةً للظرف الطارئ، وهو ما قد يوصل شعوراً إلى أفراد هذه الشركات – خاصة المأجور منهم بصورة مؤقتة – بأن القيادة العسكرية مهتزة وتفتقد الحسم.

2– الانعكاسات المحتملة على صورة النظام السياسي خارجياً: ما دام أنه من المعلوم أن الكرملين هو من يوظف هذه الأذرع بشكل غير مباشر في العمليات العسكرية الخارجية، فإن الهزائم التي منيت بها القوات الروسية – نظامية وشبه نظامية – من شأنها أن تؤثر على صورة النظام الحاكم نفسه، الذي يفترض أن إدخال هذه الفصائل المسلحة في المعادلة سيزيد قوة الردع العسكري الكلية الخاصة به، ما دام مباحاً لهم القيام بعمليات قد يعاقِب عليها القانونُ الدوليُّ القواتِ النظاميةَ العاديةَ.

في السياق ذاته، أدت الهزائم الروسية في قاعدة تشيرنوبيفكا الجوية وإقليم خيرسون في أوكرانيا في منتصف وأواخر شهر نوفمبر 2022، إلى توجيه الانتقادات للنظام الروسي نظراً إلى عدم قدرة أفراد هذه الفصائل على حسم بعض المعارك لمدة طويلة؛ وذلك رغم تقديراتها المبدئية بإمكانية حسمها في وقت وجيز.

3– الارتدادات على تماسك النظام السياسي من الداخل: في ظل معطيات النظام السياسي الروسي، فإن اعتماد الكرملين على هذه الفصائل والحركات، لم يَلْقَ معارضة واضحة من الدائرة المحيطة بالرئيس بوتين، لكن لا يعني هذا الأمر عدم وجود تباينات في الآراء حول مدى استفادة النظام في النهاية من توظيفها. وقد تداولت بعض وسائل الأنباء أخباراً غير مؤكدة أن وزير الدفاع الروسي نفسه “سيرجي شويجو”، قد أشار على الرئيس بوتين بضرورة تقليل الاعتماد على قوات هذه الشركات في الحرب الدائرة في أوكرانيا؛ حتى لا يتسبب ذلك في انقسامات داخل الدائرة اللصيقة المحيطة به، التي تشكل النواة الأساسية لحفظ أمن واستقرار النظام الحالي.

4– احتمالية تكثيف الحصار الدولي على موسكو: طالما مثلت هذه الفصائل موضوعاً شائكاً للتناول في مباحثات الاتحاد الأوروبي أو داخل الكونجرس في الولايات المتحدة؛ ففي نوفمبر 2022، أصدرت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي عقوبات مغلظة ضد مجموعة “فاجنر” ومالكها يفجيني بريجوجين، كما اتخذ البرلمان الأوروبي خطوة إضافية باعتماد قرار يحث المجلس الأوروبي على وضع فاجنر على قائمة الإرهاب، وهو الأمر الذي تتدارسه حالياً واشنطن داخل أروقة صنع القرار.

وخلال الفترة الأخيرة، تحاول المنظمات غير الحكومية أيضاً تحميل فاجنر المسؤولية عن انتهاكات حقوق الإنسان المرتبطة بالعمليات المسلحة؛ ففي مارس 2022 تم تقديم شكوى جنائية ضد فاجنر لدى لجنة التحقيق في الاتحاد الروسي؛ حيث خلصت المحكمة الروسية إلى أنها ليست ملزمة بفتح تحقيق في هذه المسألة، وهو ما دفع مجوعة من المحامين البريطانيين إلى تحريك دعوى ضد فاجنر لمنح الأوكرانيين تعويضات عن ممارسات المجموعة؛ لذلك من المتوقع أن يؤدي الانخراط المتزايد لهذه القوات في العمليات العسكرية – خاصةً في الحرب الحالية التي يشحذ فيها الغرب كل موارده ضد روسيا – إلى مزيد من الحصار والضغط الغربي عليها، وبالتبعية على النظام الروسي المنشئ أو الداعم لها.

5– إمكانية تصاعد الخلافات حول أسباب التعثر الروسي: لا يمكن إغفال أن تعثر العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا يفتح المجال أمام تصاعد الصراع بين الأذرع الروسية العسكرية؛ بحيث يحاول كل طرف إلقاء المسؤولية على الآخر عن هذا التعثر الروسي. لقد ظهرت مؤشرات ذلك الأمر مع التقارير التي تحدثت عن انتقاد مؤسس شركة “فاجنر” يفجيني بريجوجين، لإدارة وزارة الدفاع الروسية الحرب الأوكرانية، وأنه أخبر بوتين شخصياً أن قادته العسكريين يسيئون إدارة الحرب. ويُظهر ما نشرته بعض التقارير الإعلامية عن انتقاد وتوبيخ “بريجوجين ” بشكل قاسٍ للأداء العسكري الروسي، تصاعد نفوذه وموثوقيته لدى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، مقابل اهتزاز الثقة بجنرالات وقيادات القوات المسلحة الروسية في ظل الخسائر التي يعانيها الجيش الروسي في الحرب الأوكرانية.

ورغم نفي مؤسس فاجنر تلك التقارير، فإنها إن صحت تشير إلى الدور المتصاعد لشركة فاجنر في المنظومة العسكرية الروسية، وأن الحرب الأوكرانية تمنحها فرصة تطوير وضعها ومكانتها. ويطرح احتمالات تطور نفوذ المجموعات شبه العسكرية وقياداتها مقابل الجيش الرسمي وقياداته؛ ما دفع البعض إلى اعتبار أن الأوضاع الحالية في موسكو تشير إلى صعود دور الميليشيات الخاصة والقوات شبه النظامية، وأن تعثُّر الجيش الروسي يعطي مزيداً من المساحة للميليشيات والشركات العسكرية الخاصة.

الخلاصة: رغم وجود بعض عوامل التأثير الناجمة عن زيادة الاعتماد الروسي على شركات الخدمات الأمنية والعسكرية والفصائل المسلحة في حروبها الخارجية، فإنه يمكن القول إن درجة تبلور هذه التأثيرات لا تزال غير كافية بالصورة التي يمكن معها الزعم بأنها أثرت – أو ستؤثر – بشكل مباشر على استقرار واستمرارية النظام السياسي في روسيا، وأن التقديرات التي ترجح من مساهمتها في تقويض أسس النظام، تتسم بقدر كبير من التمني Wishful thinking، وينقصها التدليل ببراهين ملموسة.


 


هام : هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير
التعليقات (0)