«فورين أفيرز»: كيف تستطيع أمريكا إطعام العالم؟

profile
  • clock 5 يوليو 2022, 7:01:11 م
  • تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
Slide 01
google news تابعنا على جوجل نيوز

نشرت مجلة «فورين أفيرز» الأمريكية مقالًا لكارلايل فورد رانج، أستاذ الاقتصاد التطبيقي والقانون بجامعة مينيسوتا، وروبن جونسون، نائب الرئيس الأول للشؤون العالمية السابق في جامعة كارجيل، حول ما تستطيع واشنطن أن تفعله بتوسيعها لبرنامج الإعارة والتأجير المطبق حاليًا في أوكرانيا من أجل تجنب الآثار المتفاقمة لأزمة الغذاء التي تلوح في سماء العالم بأسره بفعل الحرب الدائرة على أرض أوكرانيا.

ويستهل الكاتبان مقالهما بالقول: تسبَّب الغزو الروسي لأوكرانيا في مقتل عشرات الآلاف، وتشريد الملايين، وإلقاء الأسواق المالية العالمية في براثن الفوضى. ومن دون تحرك دولي جاد، ستؤدي الحرب إلى أزمة أخرى: سيعُم الجوع جميع أنحاء العالم. وتُعد روسيا وأوكرانيا منتجَيْن ومصدِّرين رئيسين للحبوب والسلع الزراعية الأخرى. وكان الصراع سببًا في تعطيل هذه التجارة تمامًا؛ ما قد يؤدي إلى عواقب كارثية.

وأغلقت روسيا موانئ البحر الأسود التي تصدِّر أوكرانيا من خلالها جميع حبوبها تقريبًا. وإلى جانب عدم رغبة شركات التأمين البحري في حماية الشحنات التي تنتقل عبر منطقة الحرب، سيقلل الصراع من صادرات القمح والذرة الأوكرانية والروسية التي تمر عبر البوسفور. وفرضت العقوبات الدولية قيودًا على صادرات الحبوب الروسية، وتدخَّلت في قدرتها على تمويل هذه الشحنات؛ مما يحد من قدرتها على جمع النقد الأجنبي الشحيح بالأساس، ويكلفها خسارة المشترين الأجانب.

وأدَّت الحرب إلى ارتفاع أسعار السلع الأساسية. وارتفعت أسعار القمح من 7.79 دولارات للبوشل (أداة قياس أمريكية وبريطانية للحبوب الجافة. 1 بوشل يساوي 27.2188 كيلو من القمح) في نهاية عام 2021 إلى 12.83 دولارًا للبوشل في منتصف مايو (آيار) من عام 2022، بزيادة قدرها 64%. وأبلغت الأمم المتحدة عن زيادة عامة في أسعار الغذاء العالمية على أساس سنوي من مارس (آذار) 2021 إلى مارس 2022 بأكثر من 30%. واستجابت بعض البلدان، لا سيما الصين والهند، للزيادة في الأسعار بتخزين المواد الغذائية وفرض ضوابط على الصادرات؛ مما أدَّى إلى تفاقم عدم استقرار الأسعار.

وتمثل أوكرانيا وروسيا ربع صادرات القمح العالمية على الأقل ونحو 60% من صادرات زيت عباد الشمس، لكن الأزمة تفوق النقص في هذه السلع. وكانت أسعار الغذاء والطاقة العالمية ترتفع بالفعل قبل الغزو الروسي، حيث أدَّت مجموعة من الكوارث الطبيعية واضطرابات سلسلة التوريد المرتبطة بالجائحة إلى وجود نقاط ساخنة لانعدام الأمن الغذائي في أكثر من 20 دولة.

ومن يناير (كانون الثاني) 2020 إلى أوائل عام 2022، ارتفع مؤشر أسعار المستهلك للأغذية في أمريكا بنحو 15% وفي ألمانيا بنحو 14%، لكنه ارتفع أكثر في البلدان الأكثر ضعفًا: ارتفع في مصر بأكثر من 21% وفي لبنان بنسبة مذهلة بلغت 402% في عام 2020، و438% في عام 2021، وبمعدل سنوي قدره 374% في الأشهر الأربعة الأولى من عام 2022. وتهدد الآثار غير المباشرة للغزو الروسي الآن بعد توفر المواد الغذائية الأساسية لكثير من الناس، لا سيما في الجنوب.

سابقة للعمل

يلفت الكاتبان إلى أن تصرفات الولايات المتحدة خلال الحرب العالمية الثانية تقدم نموذجًا للسياسة اليوم، ففي عام 1940، كانت المملكة المتحدة في موقف حرج، بعد استنزاف احتياطياتها الأجنبية وكانت تقريبًا لا تملك القدرة على صد ما بدا وكأنه غزو نازي وشيك للجزر البريطانية. وفي واشنطن سعى الرئيس الأمريكي آنذاك فرانكلين روزفلت، الذي كان مُشتَّتًا بين سياسات حرب خارجية وشيكة وانعزالية محلية، إلى حل من شأنه أن يسمح لحليفه البريطاني بالتسلُّح والغذاء.

وجاء رد واشنطن في مارس 1941: «قانون الإعارة والتأجير»، وهو برنامج مساعدات يكفل المجهود الحربي البريطاني. والإعارة والتأجير يعني توفير الولايات المتحدة للسفن والمعدات العسكرية للمملكة المتحدة، ولكنه يشمل أيضًا المساعدات الغذائية. وأرسلت الولايات المتحدة الحبوب، والدهون، والزيوت، والخضروات، واللحوم المعلبة، والحليب، والزبدة، والفواكه المجففة، والمكسرات لإطعام الشعب البريطاني، ودعم القوات البريطانية. وبلغت هذه المواد الغذائية أكثر من 13% من إجمالي شحنات الإعارة والتأجير.

وبعد أن هاجم هتلر الاتحاد السوفيتي في يونيو (حزيران) 1941، أصبح الاتحاد السوفيتي أيضًا أحد المتلقِّين الرئيسين لمساعدات الإعارة والتأجير. وفي المدة من 1941 حتى 1945، تلقى الاتحاد السوفيتي أكثر من 10 مليارات دولار من إجمالي 50 مليار من مساعدات الإعارة والتأجير الأمريكية، أي ما يعادل 162 مليار دولار بسعر اليوم، وأتى في المرتبة الثانية بعد المبلغ الهائل من المساعدات التي تلقتها بريطانيا.

إن هذا التاريخ يجب أن يشجِّع صانعي السياسات في واشنطن على معالجة أزمة الغذاء العالمية الجديدة. ولا يعاني العالم من نقص في الحبوب والغذاء فحسب، ولكن هناك بلدان عديدة تحتاج إلى المساعدات. كانت مصر مثلًا، أكبر مستورد للقمح في العالم، تحصل على 80 % من حبوبها من روسيا وأوكرانيا قبل بدء الحرب. وتواجه مصر الآن زيادة في أسعار القمح تتراوح بين 40 و50%.

ويوضح الباحث المصري عمار علي حسن، أن سعر رغيف الخبز «يحدد العلاقة بين الشعب والدولة» وكان العامل الرئيس الذي أشعل شرارة ثورة 2011 في مصر. ويعيش أكثر من ربع سكان مصر البالغ عددهم أكثر من 100 مليون نسمة تحت خط الفقر. ويعاني ما يقرب من 4 ملايين مصري من فقر مدقع، ولا يحصلون على الحد الأدنى من السعرات الحرارية. ومصر ليست وحدها في هذا الوضع الهش: أفغانستان، وإثيوبيا، وكينيا، ونيجيريا، وباكستان، وجنوب السودان، واليمن، والعديد من البلدان الأخرى في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تقف على حافة الهاوية.

الإعارة والتأجير لإطعام العالم

يضيف الكاتبان أنه في مايو وقَّع بايدن قانون الإعارة والتأجير لعام 2022 للدفاع عن الديمقراطية الأوكرانية، ليحيي برنامج الإعارة والتأجير لتزويد أوكرانيا بالأسلحة والعتاد. وسمح القانون باستئجار، أو إقراض معدات عسكرية لأوكرانيا ودول أوروبا الشرقية الأخرى، وإعفائها من قيود السنوات الخمس؛ مدة القروض والتكاليف التي تكبدتها الولايات المتحدة في تأجير المعدات. لكن يبدو أن المسؤولين الأمريكيين لم يتذكروا الدور الرئيس للغذاء في برامج الإعارة والتأجير السابقة.

يشير مشروع قانون التمويل التكميلي المصاحب لحزمة الإعارة والإيجار بوجه عام إلى «المساعدة الغذائية الطارئة للأشخاص في جميع أنحاء العالم الذين يعانون من الجوع نتيجة للحرب في أوكرانيا»، لكنه لا يقدم أحكامًا محددة لكيفية زيادة هذه المساعدة وتسليمها. وسوف تتوافق شحنات الإعارة والتأجير بسهولة مع الدعم الحالي للبلدان التي تتلقى المساعدة حاليًا من برنامج الأغذية العالمي.

ويقدم برنامج الأغذية العالمي كميات ضخمة من المواد الغذائية، بالإضافة إلى المساعدة الفنية لـ120 دولة، لكنه يعاني حاليًا من نقص مزمن في التمويل ونقص في الإمدادات – وكليهما من القضايا التي يمكن تخفيفها من خلال زيادة المساعدة في إطار برنامج الإعارة والتأجير. وفي يونيو من هذا العام أعلن برنامج الأغذية العالمي عن تعليق المساعدات الغذائية التي يقدمها إلى 1.7 مليون شخص في جنوب السودان بسبب نقص الأموال.

وتموَّل الوكالة حاليًا من خلال التبرعات الطوعية، حيث جمعت ما يقرب من 10 مليارات دولار في عام 2021، وهو ما يقل بمقدار 5.2 مليار عما كانت تحتاجه حتى قبل اندلاع الحرب في أوكرانيا. ويبلغ عدد موظفي برنامج الأغذية العالمي حوالي 21800 – 87% منهم موجودون في البلدان التي تخدمها الوكالة – لديهم سجل ناصع من التعامل الصادق ومنع المنتفعين والوسطاء الفاسدين من سرقة الطعام الذي تشتد الحاجة إليه. وسوف تتدفق مساعدات الإعارة المحددة إلى دعم التغذية للأمهات، والأطفال، وبرامج التغذية المدرسية، ومبادرات توصيل الطعام في المناطق الريفية، حيث تقل احتمالية ذهاب الأطفال إلى المدرسة.

الجوع في جميع أنحاء العالم

سيورَّد الغذاء من خلال القنوات التجارية العادية في الولايات المتحدة: شركات الحبوب والتعاونيات الكبيرة وشركات الألبان وشركات تصنيع الأغذية الأخرى. وفي معظم الحالات، سيجرى التعامل مع الصادرات الفعلية من جانب شركات التصدير التجارية التقليدية. وتمتلك هذه الشركات أو تستأجر مرافق تصدير، وهي على دراية بمسائل وساطة الشحن والتأمين، ولها تاريخ في خدمة الأسواق في شمال أفريقيا والشرق الأوسط ومناطق أخرى تعاني من انعدام الأمن الغذائي.

وستدفع حكومة الولايات المتحدة مقابل الغذاء، إما بموجب الاعتمادات المباشرة للتشريعات الأوكرانية أو تحت سلطة مؤسسة الائتمان السلعي التابعة لوزارة الزراعة الأمريكية. واشترت المؤسسة، التي أُنشِئت في عام 1933 باعتبارها جزءًا من أول تشريع تعديل زراعي للصفقة الجديدة، سلعًا فائضة للتخزين والمعونة الغذائية وبرامج الغداء المدرسية لأكثر من 80 عامًا ولديها موارد ميزانية وفيرة لا تتطلب مخصصات معينة. ويسمح ميثاق المؤسسة ببيع السلع الزراعية إلى الوكالات الحكومية الأخرى والحكومات الأجنبية والتبرع بالغذاء لوكالات الإغاثة المحلية أو الأجنبية أو الدولية، مثل برنامج الأغذية العالمي.

وسيغلب على هذه المساعدات القمح والذرة والأرز، مع كميات أقل من الزيوت النباتية ومنتجات الألبان والفواكه والخضروات المصنَّعة. ويعالج نظام تسويق الحبوب في الولايات المتحدة بانتظام الإنتاج الذي يزيد عن 500 مليون طن سنويًّا ويصدر من 100 إلى 150 مليون طن سنويًّا. ويجب أن تبدأ الشحنات من أمريكا على الفور ومن المرجح أن تستمر لعدة سنوات.

إن الولايات المتحدة قادرة على تقديم هذه المساعدات دون التسبب في تحويلات كبيرة عن وجهات التصدير الأخرى. واشترى مكتب المساعدات الإنسانية التابع للوكالة الأمريكية للتنمية الدولية 697 ألف طن متري من القمح الأمريكي في عام 2020 للمساعدة الغذائية، وهو ما يمثل 47% من جميع السلع التي اشترتها الوكالة، وكان القمح هو أكبر سلعة تُستخدَم في المساعدات الغذائية الطارئة وغير الطارئة.

والطن المتري يساوي 36.7 بوشل من القمح، ويبلغ 697 ألف طن متري 25 مليون بوشل، أي أقل من 5% من 590 مليون بوشل من القمح الشتوي الأمريكي الصلب أو 7% من 353 مليون بوشل من القمح اللين لحصاد عام 2022. وتبتلع صناعة الإيثانول أكثر من خمسة مليارات بوشل من الذرة الأمريكية (1 بوشل يساوي 20.412 كيلو من الذرة)، أي نحو 40% من المحصول الأمريكي، ويمكن بسهولة تحويل جزء من هذه الذرة إلى الصادرات.

ولن يزيد تقديم المساعدات لعالم جائع كثيرًا من أسعار المواد الغذائية في الولايات المتحدة. وينفق المستهلكون الأمريكيون أقل على الغذاء باعتبار ذلك نسبة مئوية من دخل الأسرة مقارنة بالمستهلكين في أي بلد آخر. كما تتمتع أمريكا بقدرة تصديرية كبيرة، ولا يوجد نقص في سفن المحيط الضرورية لنقل الطعام إلى الأماكن التي تحتاجها. إن المساعدة الغذائية الخارجية التي يمكن أن تصاحب اقتراح الإعارة والإيجار ستشكل جزءًا صغيرًا نسبيًّا من تجارة الأغذية العالمية، وبذلك يمكن خدمتها من خلال الممارسات الروتينية لتلك التجارة.

تجنب الأزمة

وأفاد الكاتبان أن التحديات التي تواجه الديمقراطية ورفاهية الإنسان، والتي يفرضها العدوان الروسي غير المبرر، حشدت الولايات المتحدة والعديد من حلفائها في الكفاح من أجل الدفاع عن حرية أوكرانيا. وواجهت واشنطن والاتحاد الأوروبي وحلفاؤهم بجرأة التحدي الذي يواجه الاستقرار الجيوسياسي الناجم عن الغزو الروسي من خلال توفير الذخائر والاستخبارات العسكرية والأسلحة المتطورة. وبدأت العقوبات المفروضة على الأوليغارشية الروسية والاقتصاد الروسي في إحداث تأثير ملموس، وكذلك السياسات في أوروبا لتقليل الاعتماد على الغاز والنفط الروسي.

والآن يجب توسيع قانون الإعارة والدفاع عن الديمقراطية الأوكرانية لعام 2022 لتقديم استجابة مماثلة لأزمة الغذاء العالمية الناجمة عن الغزو. وينبغي بذل كل جهد لتجنب سوء الإدارة البيروقراطية للمعونة والمساعدات الغذائية. واعتادت شركات السلع المتمرسة في المشتريات ولوجستيات الإدارة والتسليم القيامَ بأعمال تجارية بالتعاون مع برنامج الأغذية العالمي والوكالات الأخرى. ويوفر التوزيع داخل البلدان المتلقية، من خلال شركاء موثوق بهم مثل برنامج الأغذية العالمي، ضمانًا ضد المخالفات على أن يكون مصحوبًا برقابة وتدقيق من جانب واشنطن.

ويختتم الكاتبان مقالهما بالقول: ومن خلال اتخاذ إجراءات جادة لمنع حدوث أزمة غذاء عالمية، يمكن للولايات المتحدة أن تبدأ في استعادة الاحترام والشرعية التي فقدتها في السنوات الأخيرة من خلال إظهار الخير الملموس الذي يمكن أن تقدمه للآخرين.


 

 


 

 

التعليقات (0)