<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?>
<rss version="2.0">
    <channel>
        <title><![CDATA[ 180 مقالات ]]></title>
        <link><![CDATA[ https://180mqalat.com/feed ]]></link>
        <description><![CDATA[ نحرص على تقديم محتوى ثقافي هادف لكل القارئين، وذلك من خلال عرض الكثير من المعلومات التي تخص العديد من المجالات المختلفة مثل الثقافية والمنوعات والطب والفن والمعلومات العامة بالإضافة إلى اهتمام الموقع الى إثراء وتعزيز المحتوى العربي 180mqalat.com  ]]></description>
        <language>ar</language>
        <pubDate>2026-08-12 23:43:26</pubDate>

                    <item>
                <title><![CDATA[خلدون الشيخ يكتب: هل يفقد مانشستر سيتي كل شيء؟]]></title>
                <link>خلدون-الشيخ-يكتب-هل-يفقد-مانشستر-سيتي-كل-شيء؟</link>
                <description><![CDATA[<p style="text-align:justify;">صدمت رابطة الدوري الإنكليزي الممتاز عالم كرة القدم بتوجيه 113 تهمة بخروقات الى نادي مانشستر سيتي المملوك لمجموعة «أبوظبي للاستثمار والتنمية»، ما قد يقود الى عقوبات افتراضية عدة، أفضلها سيئ وأسوأها كارثي، وكأنها تهدم كل ما بنته المجموعة الإماراتية على مدى 15 عاماً من عمر تملكها للنادي.<br>التهم تتوزع على 4 عناصر رئيسية، أولها تستند على تضخيم المداخيل من الرعاة والمعلنين، وأبرز الأمثلة ما يتعلق بالمداخيل من الراعي الرئيسي «طيران الاتحاد»، وهو ما اشتكى منه الكثير من الخبراء والمحللين، معتبرين أن الجار مانشستر يونايتد الأكبر تاريخياً وجماهيرية وانجازات، لم يحقق مثل هكذا مداخيل من رعاته، فيما أشار آخرون الى أن العملاقين الاسبانيين ريال مدريد وبرشلونة أيضاً لا يحققون مثل هذه المداخيل من رعاتهم.<br>العنصر الثاني استند على عدد من الخروقات المتعلقة بدفع رواتب عدد من المنتسبين له، كالمدرب السابق الإيطالي روبرتو مانشيني، الذي قاد النادي الى أول بطولة دوري منذ 55 عاماً، والذي تقول الرابطة انه حصل على راتب يضاهي راتبه الرسمي عبر نادي الجزيرة الاماراتي المملوك للشيخ منصور مالك السيتي أيضاً. والعنصر الثالث يتعلق بكسره لقواعد العدل المالي التي يطبقها الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا)، والتي خاض السيتي معه معركة قانونية في 2020 خرج منها بأقل الخسائر. والعنصر الرابع يتعلق برفضه للتعاون مع رابطة الدوري الممتاز طيلة السنوات الأربع الماضية في تحقيقاتها.<br>طبعا ما يحدث، غير مسبوق في تاريخ الكرة الإنكليزية، وهو بكل تأكيد سينقل مستقبل اللعبة الى آفاق جديدة من الحذر والريبة من الملاك الأثرياء لبقية الأندية، لكن في المقابل إدارة السيتي واثقة من قدرتها على اسقاط كل هذه الاتهامات، مثلما فعلت من اليويفا في السابق، رغم ان محكمة العدل الدولية (كاس)، لم تبرئه من تهم اليويفا، بل أسقطت تهماً بالتقادم وأخرى خفضت فيها الغرامة المادية من 27 مليون يورو الى 9 ملايين يورو، لكن ما قد يعد خبراً سيئاً للسيتي، أن رابطة الدوري الممتاز لن تسقط أي تهمة بالتقادم، خصوصاً انها استغرقت 4 سنوات وهي تتحرى ما وجدته، بناء على المعلومات المنشورة في الصحيفة الألمانية «دير شبيغل» في 2018، والمسربة من «هاكر» برتغالي.<br>السيتي قد ينجح في الخروج من هذه الأزمة، التي قد تمتد شهورا وسنوات للبت فيها وإصدار حكم، قد يشكل زلزالا في الكرة الإنكليزية، بغرامات مادية، لكن جماهيره تخشى ان تكون العقوبات أغلظ واكثر قسوة، كمعاقبته بخصم نقاط على غرار ما حصل ليوفنتوس في الدوري الإيطالي، الذي خصم منه 15 نقطة، والأنكى ان يتم تهبيط النادي الى الدرجات الدنيا عبر شطبه، على غرار ما حصل مع رينجرز في الدوري الاسكتلندي، ولكن المرعب لجماهير السيتي ان يتم تجريد النادي من الألقاب التي حققها خلال الفترة الممتدة بين 2009 و2018، وهي 3 ألقاب دوري و3 كؤوس محترفين وكأس اتحاد واحد، أي بمعنى آخر سيتم هدم كل ما بنته مجموعة أبوظبي طيلة السنوات الماضية.<br>رغم ثقة البعض بقدرة السيتي ومحاميه على الخروج من هذه الأزمة بسلام، الا ان البعض الآخر يشير الى صراع سياسي بين الحكومة البريطانية ورابطة الدوري الممتاز، قاد الى تكشير الرابطة عن أنيابها، خصوصا بعد نية الحكومة اصدار مشروع «الورقة البيضاء»، الذي ينص على تعيين لجنة مستقلة لمراقبة ممارسات أندية الدرجة الممتازة المادية، وتسجيل أي خروقات، ما يعني التقليل من عمل رابطة الدوري ونفوذها، وهو ما ترفضه الرابطة.<br>مهما حدث فان الأمور لن تعود مثلما كانت في السابق، وستكون إدارات مثل تشلسي ومانشستر يونايتد ونيوكاسل حذرة في تعاملاتها المستقبلية، خصوصا بعدما كسر تشلسي كل الأرقام القياسية في نافذتي الانتقالات الصيفية والشتوية، والذي من المؤكد أنه سيقود ادارته الى صدام وشيك مع اليويفا والسلطات المحلية.<br>ولأن هذه الاتهامات عير مسبوقة في تاريخ الدرجة الممتازة، أو البريميرليغ، فانه لا توجد معايير محددة أو أمثلة سابقة ممكن أن تستند اليها الرابطة وتكون لها مرجعاً، ما قد يجعل كل الاحتمالات قائمة للوقوع، فرغم أن الامر قد يمتد الى 6 سنوات بمشاركة محامين وخبراء من الأعتى والأكبر في اختصاصاتهم، الا ان النهاية قد تكون سعيدة للسيتي بتبرأته، او مقبولة للطرفين بغرامة مالية وتحذير شفهي، واما تنتهي بانتصار للرابطة بايقاع أشد العقوبات على السيتي، وقد تصل الى حد هدم كل ما بني منذ 2008.</p><p><br>&nbsp;</p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[موقع 180 مقالات]]></author>
                <guid>16413</guid>
                <pubDate>Sun, 12 Feb 2023 15:40:52 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[محمد الصباني يكتب: اللغة العربية بين الحضور والغياب]]></title>
                <link>محمد-الصباني-يكتب-اللغة-العربية-بين-الحضور-والغياب</link>
                <description><![CDATA[<p style="text-align:justify;">يعاني حاضرنا العربي من عدة أزمات تأتي على رأسها أزمة تدخل الأجنبي لا تدخل مثاقفة وانفتاح، وإنما تدخل هيمنة واستتباع، ومن ضمن تجليات هذه الهيمنة في أبهى صورة لها الهيمنة اللغوية التي غيّبت لغتنا وأحضرت لغته، كما طوت ثقافتنا بإلحاح ونشرت ثقافته.</p><p style="text-align:justify;">إن اللغة الأجنبية لغة غائبة في مجتمعنا، ولا نقصد بالغياب عدم حضورها، ذلك بأن حضورها ثابت، لكنها لغة مُحْضَرَةٌ غير حاضرة، وبذلك تظل غائبة لأنها غائبة عند العربي، وغائبة عن وجدانه ومخياله، ونتيجة لذلك لا بد أن تكون غائبة عن بيانه.</p><p style="text-align:justify;">إن صعوبة المشتكى منها ليست بسبب عدم فهم اللغة الأجنبية وعدم التكلم بها وإنما الصعوبة تكمن في عدم القدرة على التوصيل والتبليغ، ذلك بأن اللغة الغائبة عن المخيال والوجدان لا يمكن أن تعوض اللغة الحاضرة في هذا الوجدان وذلك المخيال، وعليه فإن الصعوبة المشتكى منها كامنة في غياب التداول الأجنبي عن وجدان العربي ومخياله، ومن ثم فلن تكون هذه اللغة الأجنبية حاضرة في البيان، وعلى الرغم من المحاولات التي قامت والقائمة والتي ستقام في ضبط اللغة الأجنبية فإنها لن تتعدى أن تكون ضبطا تقنيا لا تداوليا، أي إنها تعامل مع اللغة في مستواها الأفقي فقط لا في مستواها الأفقي والعمودي معا، كما هو الشأن في اللغة الحاضرة.</p><p style="text-align:justify;">إن الذي يدّعي أن العربية غائبة أكيد أنه لم يَرَ حقيقة الأشياء، أو أنه خانه التعبير ويقصد أن العربية مُغَيّبَة على غرار اللغة الأجنبية المُحْضَرَة، وما دامت اللغة قد اندرجت هنا في مقولة المفعولية، فإما أن تكون مُحارَبَة إذا كانت مُغَيّبَة، وإما أن تكون مفروضة إذا كانت مُحْضَرَة، ولذلك فالتفاعل الحقيقي هو التفاعل المزدوج بمقولة الفاعلية حتى يلد ويثمر وينتج، ولا لغة أقدر على هذا التزاوج المثمر من اللغة الحاضرة في الوجدان والمخيال ومن ثم الحاضرة في الإبداع والبيان.</p><p style="text-align:justify;">المفهوم من هذا أن نشبه لغتنا وأن تُشْبِهَنا لغتنا، أي أن نكون نحن لغتنا وأن تكون لغتنا نحن، ولاحظوا التناغم الحاصل بين "نحن" الدال على الذات وبين "نا" في كلمة "لغتـ(نا)" الدال على الذات أيضا، بمعنى لن أكون أنا حتى أكون أنا هو أنا.</p><p style="text-align:justify;">وعليه، فإننا إذا أشبهنا لغةَ غيرنا أو بعبارة أخرى إذا أشبهنا لغتَه، وافترضنا أن لغتَه أشبهتنا، أي أن نكون نحن لغته، وتكون لغته نحن، ولاحظوا التنافر القائم بين "نا" في كلمة "أشبهتـ(نا)" الدالة على الذات وبين "ـه" في كلمة لغتـ"ـه" الدالة على الآخر، فإن المحصلة من كل هذا ستكون هي أنني لن أكون أنا حتى أكون (أنا) هو،(هو)، وهذا لعمري لا يستقيم إلا كمن يساوي الثلاثة بالاثنين، وللمنطق أن يجيب.</p><p style="text-align:justify;">من أجل كل ذلك نرى أن المُحْضِرَ للغة المُحْضَرَةِ لا يقوم بشيء قدر قيامه بإحضار الفعل الثقافي للغة، وتهميشه للفعل اللغوي المتعلق بها، إيمانا منه بأن الفعل الثقافي هو الآلية القادرة على إعادة إنتاج نموذجه واستمرار لغته الثقافية، ولا يهمه حينئذ ما تمارسه الأنا على ذاتها من انسلاخ ولا ما تعيشه من ضياع بفعل الكشط الذي تنصرم منه الأنا من أناها حتى تصير "هو" الذي هو (هو)، وحينئذ يعيش هذا بالـ"هو" ومن دون أناه، وبالتالي يُغَيّبُ كما غُيّبَتْ لغته.</p><p style="text-align:justify;">وهكذا يصير شبيها بلغته، لا على جهة كونها حاضرة، بحيث إن الأنا تساوي "أنا"، وإنما يشبهها من جهة كونها مغيبة، بحيث إن "الأنا" تصير "هو" في مرحلة قبْلية، ثم يتحول بعدها "هو" إلى "هو"، وبذلك وفي جميع الحالات فإن هذا المغيب قد أشبه لغته على الرغم من سعيه الحثيث إلى فك الارتباط بهذا الشبه بسبب هول الانسلاخ الذي مارسه على الذات، وما دام قد أشبهها في جميع حالاته فما عليه إلا أن يختار جهة الشبه بينهما، فإما الحضور وإما الغياب.</p><p style="text-align:justify;">إن تغييب اللغة العربية ليس مرده إلى ضعف في أصل اللغة كما يدعي البعض أو إلى عدم قدرتها على مواكبة العصر كما يدعي آخرون، بل هو تغييب مرتبط بالصراع الحضاري المهيمن الذي لا يسعى إلى شيء سعيه إلى إضعاف النماذج التي يمكن أن تضاهيه أو تتجاوزه في قابل الأيام، ليقينه بما عند هذا الخصم الحضاري من عوامل القوة الثقافية، يشهد بها واقعه اللغوي، فمعجمه مملوء بالألفاظ العربية التي لا تخفى على المبتدئين فضلا عن المتخصصين.</p><p style="text-align:justify;"><strong>النهضات المعتمدة على الفعل الترجمي مؤرقة لأعداء العربية خصوصا، ولذلك ما زلنا نسمع أصواتا داخل الوطن العربي ترفض كل ارتقاء بهذا الفعل، بل تستصغره وتحقره من خلال إلغاء مادة الترجمة في كثير من المدارس والمؤسسات والإتيان على شعبها في الجامعات والتشكيك في قدرتها على نقل مضامين المعارف والمعلومات.</strong></p><p style="text-align:justify;">كما يشهد بها واقعه العالمي، جغرافية وثقافة، إذ تبين بالملموس أن كل المجتمعات التي رسّمت لغة غيرها تعليميًّا ومؤسسيًّا لم تزدد إلا تخلفا وتبعية، وأن المجتمعات التي تعلمت لغة غيرها لكنها لم تتخذ منها وسيلة تدريس استطاعت أن تتقدم وتزدهر.</p><p style="text-align:justify;">ولن نجد مثل اليابان شاهدا على هذا، إذ إنها لم تفرط في لغتها وإنما دافعت عن حضورها وناجزت كل فعلٍ للتغييب يمكن أن يمارس عليها، فانتدبت نخبة من المثقفين لتعلم لغات الغير، ومن ثم ترجمة معارفهم النافعة إلى الأجيال اليابانية المتعاقبة، فكان فعل الترجمة وسيلة إلى التثاقف والتعلم والتطور مع حفظ الذات من الذوبان.</p><p style="text-align:justify;">إن هذا الفعل الترجمي هو الترس الذي ينبغي أن تواجه به لغتنا وثقافتنا وحضارتنا ما تُرمى به من تشنيع الانغلاق وعدم الانفتاح، لأنه انفتاح مع حفظ الهوية الصغرى والكبرى، حفظ للهوية الصغرى باستبقاء لغة الوجدان والإبداع، وحفظ للهوية الكبرى باستبقاء النوافذ مفتوحة لتجديد التهوية والإفادة من حِكَم العالمين، لكن من دون هدم الجدران وإنكار الأساسات.</p><p style="text-align:justify;">إن هذا التثاقف الياباني القائم على الفعل الترجمي هو نفسه الذي قامت به من قبل الحضارة العربية والإسلامية حين كانت تحكم العالم، حيث إنها اجتهدت في ترجمة المعارف اليونانية والهندية والفارسية إلى لغتها وزادت عليها من إبداعها وعطائها حتى أصبحت لغة الحضارة والثقافة والمعرفة التي لا يُدخل إلى علم من العلوم دون التمكن منها، ومنه صارت الأمم التي تريد التطور ناقلة منها إلى لغاتها حتى تحافظ على كينوناتها وحضورها هي أيضا.</p><p style="text-align:justify;">من أجل ذلك، قد تكون هذه النهضات المعتمدة على الفعل الترجمي مؤرقة لأعداء العربية خصوصا، ولذلك ما زلنا نسمع أصواتا داخل الوطن العربي ترفض كل ارتقاء بهذا الفعل، بل تستصغره وتحقره من خلال إلغاء مادة الترجمة في كثير من المدارس والمؤسسات والإتيان على شعبها في الجامعات والتشكيك في قدرتها على نقل مضامين المعارف والمعلومات، إلى غير ذلك من المراوغات التي تتعمد وضع العراقيل في وجه فعل الترجمة.</p><p style="text-align:justify;">والحقيقة أنه لا أبشع من هذا الفعل في التهوين من قيمة الإنسان باعتباره كائنا حرا، إذ إن التشنيع الذي يمارسه أعداء العربية على فعل الترجمة، باعتباره فعلا يحفظ للغة الأمة كينونتها ووجودها، وللأمة حضارتها وحضورها، ذلك بأنه تشنيع يستغفل العقل العربي بإدخاله في دوامة من المقولات النظرية لشغله عن ملاحظة الحقائق التاريخية كما أشرنا إليها في التجربة العربية والإسلامية، وعن الحقائق الواقعية كما أومأنا إليها في التجربة اليابانية الحديثة.</p><p style="text-align:justify;">وفي الختام، لا بد من الإلحاح على تطوير لغتنا العربية، فعلى الرغم من عوامل القوة التي تتمتع بها من حيث هي لغة الدين الإسلامي الذي يوحّد أزيد من مليار ونصف مليار مسلم، كلهم يؤذنون باللغة العربية، ويصلّون بها ويقرؤون القرآن الكريم بها، وبها يسبّحون ويذكرون ويمارسون شعائرهم الدينية عامة، لذلك لا يمكن تصور وجود مسلم، ولو كان غير عربي عرقا، لا يتعلم العربية من أجل المقصد الديني السالف.</p><p style="text-align:justify;">كذلك فإن اللغة العربية وسيلة توحيدية تضاهي الدين وتتفوق عليه في توحيد مختلف الأجناس والقوميات الموجودة في الفضاء العربي وإن كانت غير مسلمة، لثبوت نجاح التواصل بينها جميعها بسبب عامل وحدة اللغة التي هي العربية.</p><p style="text-align:justify;">هذا زيادة على حضورها المتميز في المنظمات الدولية كاليونيسكو والأمم المتحدة ومؤسساتها وجامعة الدول العربية وفروعها وغيرها من المنظمات العالمية، كما أن هذا الحضور المتميز يبرز أيضا في الإعلام المرئي والمكتوب على الرغم من معاول الهدم الكثيرة التي تسعى إلى تغييبها عن الفضاء العالمي.</p><p style="text-align:justify;">إن هذا الحضور المتميز لم يقف عند حدود القنوات العربية المشهورة وإنما تجاوزه إلى القنوات الإعلامية الغربية بما فيها وكالات الأنباء الأميركية والبريطانية والروسية والفرنسية وغيرها.</p><p style="text-align:justify;">يتزكى كل هذا بالنظر إلى العديد من الصحف والمجلات التي تطبع بالعربية وتوزع بالملايين داخل الوطن العربي وخارجه. وبذكر الخارج يمكن الإشارة في هذا السياق إلى عامل آخر من عوامل القوة لدى هذه اللغة وهو المتمثل في حضورها لغةً للتدريس في كثير من الجامعات الغربية من خلال المعاهد العلمية الخاصة بالجاليات العربية والمسلمة، وهناك عوامل أخرى ليس هنا مجال التوسع في ذكرها وتحليلها ودراستها.</p><p style="text-align:justify;">وبالعودة إلى ما سبق، فعلى الرغم من كل هذه المظاهر التي تجعل العربية حاضرة وحية، لا بد من الأخذ بيدها حتى تكون قادرة على مواكبة العالم والعالمين، وذلك بتعزيز حضورها في العالم الرقمي، وتمكينها من إدارة تقنيات الشبكات والاتصالات، كما عزز المعطى الديني سابقا حضورها في العالم الواقعي، ومكّنها من إدارة مختلف التجارب والأجناس بتوحيد لسانها بفعل عامل الدين، فأضحت لغة غنية بخبرات الأمم الأخرى، فكان لها التأثير والأثر مع ضرورة ملاحظة الفرق طبعا بين طبيعة المعطى الديني وطبيعة المعطى الرقمي منهجا وبناء واستقطابا.</p><p style="text-align:justify;">ثم لا بد من إعادة النظر في القوائم التي تجمع الرصيد اللغوي للعربية، وذلك بتجديد النظر في تأليف المعجم العربي بما يحفظ للعربية راهنيتها ومواكبتها، إن كان على مستوى طريقة ترتيب الكلمات، وطريقة شرح المصطلحات أو على مستوى استحضار المقامات والسياقات ومنهجية توظيف الاستشهادات.</p><p style="text-align:justify;">ولا يخفى أن تطوير اللغة العربية لم يعد عمل الأفراد وحدهم، وإنما هو عمل الجامعات والمختبرات ومسالك الدراسات العليا، وجماع القول إن العربية تحتاج إلى عمل مؤسسي ينطلق من مؤسسات تتضافر جهودها خدمة لهذا التطوير وتلك المواكبة.</p><p style="text-align:justify;">وإذا جرّنا الحديث إلى مأسسة اللغة، فلا بد من الإلحاح على توفير بنية تشريعية وقانونية نحمي بها لغتنا من كل انتهاك أو تحقير أو تقزيم، بما فيها قانون احترام اللغة العربية في الفضاءات العمومية على غرار كثير من الدول المتقدمة.</p><p style="text-align:justify;">كما أن مأسسة اللغة تقتضي من مؤسسات اللغة العربية إقناع كل الفاعلين المجتمعيين بجدوى هذه اللغة اقتصادا وسياسة وأمنا، ليسهم كل فاعل من جهته في حفظ هذه اللغة باعتبارها وسيلة ربح ووسيلة تدبير ووسيلة لحفظ سلامة المجتمع وأمنه.</p><p style="text-align:justify;">فعلى المستوى الاقتصادي مثلا، يمكن الحديث عن الرأسمال اللغوي، فطبع كتاب باللغة العربية هو مظنة ربح كبير، لأن فضاء نشره وعرضه وتلقيه وبيعه واسع جدا يمتد من الرباط إلى جاكرتا، بينما طبعه بلهجات عامية أو لغات أجنبية أخرى يجعله منحصرا في مجال ضيق الجغرافية التي تعيش فيها تلك اللهجات أو اللغات الأجنبية، وللمستثمر وشادي الربح أن يتدبر.</p><p style="text-align:justify;">إن اللغة العربية لدى أهلها بمنزلة البصمة التي تميز كل إنسان، لأننا مهما تقمّصنا لغة غيرنا ازددنا انسلاخا عن ذواتنا، ذلك بأن التداول الذي نشأ فيه العربي له طريقته الخاصة في تناول الوجود والنظر إليه، وهو بطبيعة الحال يختلف حتما عن التداول الذي نشأ فيه غير العربي، ولذلك تختلف طرائق التعبير وكيفيات تركيب الجمل وترتيب ألفاظها، لأن التصورات التي تنتج التداول الأول تختلف منطلقاتها ومآلاتها عن التصورات التي تنتج التداول الثاني، ومن ثم تختلف المضامين وطرق التعامل مع المعاني التي تميز الشخصية الحضارية والثقافية لكل أمة من الأمم.</p><p style="text-align:justify;">&nbsp;</p><p>&nbsp;</p><p>&nbsp;</p><p>&nbsp;</p><p>&nbsp;</p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[موقع 180 مقالات]]></author>
                <guid>15939</guid>
                <pubDate>Mon, 26 Dec 2022 16:47:51 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[نجلاء محفوظ تكتب: أخطاء شائعة عن القوة النفسية]]></title>
                <link>نجلاء-محفوظ-تكتب-أخطاء-شائعة-عن-القوة-النفسية</link>
                <description><![CDATA[<p style="text-align:justify;">لا أحد يتمتع بها طوال الوقت، تخفت وقد تتعرض “لهزات” عنيفة -أحيانًا- بعد صدمات غير متوقعة من أحد المقربين أو أزمات حادة، إنها القوة النفسية، وبعيدًا عن التعريفات العلمية “الجافة” نرى أنها ضد العجز وترتبط بالرغبة “الحاسمة” في العيش بأفضل ما يمكن، والقدرة على التصرف، وأن يكون الإنسان أقوى من رغباته ومن عاداته، ويمنع سيطرة&nbsp;الـ“غير” والظروف على العمر واحترامه، وعدم السماح بضياعه “والتشبث” دومًا بالتحكم به بأيدينا “واسترداده” فور تسربه، ورفض الانحناء للضغوط “ونوقن” بالقول البديع: “ما لم تنحن لن يستطيع أحد امتطاء ظهرك”.</p><p style="text-align:justify;">نتفق مع الرائع دوستويفسكي القائل: “احتاج للقوة، بغيرها لا يصل المرء لشيء، والقوة لا تنال إلا بالقوة هذا ما لا يعرفونه”، فصنع القوة النفسية يزيدها والعكس صحيح.</p><p style="text-align:justify;">لعنة التبرير من أعداء القوة النفسية، وكذلك “توهم” صعوبة النهوض من الأزمات “والأبشع” إلقاء النفس في هاوية اليأس من النجاة، كمريض يخاف من علاج جرح ويتركه، فيضطر للبتر، ومن أجمل الأمثال “الداعمة” للقوة النفسية: “وجع ساعة ولا كل ساعة”.</p><p style="text-align:justify;">تنقص القوة النفسية عند المرض والمحن وموت من نحب أو مرضهم، فنشعر ببعض الضعف، وعندما نستسلم له ينهكنا، وإذا تأخرنا في طرده يتمكن منا، والاستسلام دومًا “اختيار” وليس قدرًا.</p><p style="text-align:justify;"><strong>الأخطاء الشائعة:</strong></p><p style="text-align:justify;">من أعداء القوة النفسية مصاحبة من “يتلذذون” بنشر الإحباط، ومتابعة منشوراتهم على وسائل التواصل، وكأننا نتنفس بكامل إرادتنا أدخنة “مسمومة”، ثم نتساءل أين راحت قوتنا وإرادتنا؟</p><p style="text-align:justify;">من الأخطاء الشائعة أن الأقوياء نفسيًا لا يكتئبون، وإذا حزنوا فسريعًا ما يقهرونه، ولا تنتابهم مشاعر القلق والتوتر والاضطراب والخوف والإحباط والتردد، ولا يبكون ويتلقون المشاكل “كالجبال”، ولا يتأثرون -وإن تأثروا- فلوقت قليل جدًا، ولا ينهارون أبدًا ولديهم دائمًا خطط بديلة، “ويتنفسون” السلام والرضا والفرح دومًا، ولا أحد بالكون كذلك.</p><p style="text-align:justify;">وكأن القوي جسديًا لا يُصاب بالبرد أو بكورونا وغيرهما، فالجميع معرضون للإصابة، والمهم كيف نتعامل بعدها؟ هل نفزع ونبدد قوتنا النفسية أم “نتماسك” ولو قمنا بتمثيلها؟</p><p style="text-align:justify;">من “يختارون” القوة النفسية ويأخذون بأسبابها عندما تهتز قوتهم كأي سفينة عند مواجهتها لأمواج عاتية، لا يرثون لأنفسهم -وإن فعلوا- لا يطيلون ذلك، ولا يقارنون حياتهم بحياة الآخرين “إلا” للاستفادة من تجاربهم، ولا يتعجلون البحث عن العون الخارجي وكأنهم كمن يستطيع السير وحده ويبحث عمن يستند عليه، “ويسارعون” بتهدئة أنفسهم أولًا بتذكير النفس بأن الرحمن يحفظهم، وأن تقليل الخسائر “بأنواعها “مكسب” والفوز باستراحة محارب، “والاهتمام” بتجنب ما يضاعف أوجاعهم، وتذكير النفس بأنها “مؤقتة” وتذكر انتصاراتهم السابقة والفرح بها -وإن قلت- والانشغال بأي أمور يدوية ولو ترتيب أغراضهم، فالعمل اليدوي يهدئ العقل ويمنح الفرح بالإنجاز.</p><p style="text-align:justify;">من الخطأ الشائع الزعم بأن بعضهم يولد بقوة نفسية، لتبرير “لخطيئة” إضعاف النفس والادعاء باحتكار جنس للقوة النفسية أو ارتباطها بسن الشباب وتضاؤلها بعده، أو أن كثرة الأحداث المؤلمة “تأكل” القوة النفسية، فالمؤكد أننا نستطيع زيادتها “بشرط” رفض الشعور بسوء الحظ وزرع بالقلب والعقل، وأن الأمور كانت يمكن أن تكون أسوأ، وكما قال هوجو: “الألم ثمرة لا يضعها الله أبدًا على فرع ضعيف”، ولا نطلب الفرح بالألم واحتضانه بالطبع، وننبه فقط لمنع الانطفاء “والانكفاء” نفسيًا بسببه.</p><p style="text-align:justify;"><strong>التعامل مع الامتنان</strong></p><p style="text-align:justify;">الضعف النفسي ليس ابتلاء كما يروج بعضهم، بل اختيار، فالقوة النفسية كأي قوة “لا” نعثر عليها مصادفة، ولا تأتينا لأننا “سألنا” عن الطريق لاكتسابها فقط، ويجب التخطيط للفوز بها وتحويل الخطة لواقع “والتنبه” لإغلاق الأبواب كلها&nbsp;التي تمنع “تمتعنا” بها.</p><p style="text-align:justify;">من أهمها تعجل النتائج أو توقع “تغيير” تفكير أو تصرفات من نتعامل معهم، “والأذكى” تغيير ردود أفعالنا ومنع الاسترسال بالضيق من “غباوات” بعض البشر وغباراتهم التي يلقون بها علينا من حين لآخر والتشاغل عنها بما ينفعنا.</p><p style="text-align:justify;">ونتجنب –أو نضع حواجز نفسية- عند اضطرارنا لصحبة من “يختارون” السلبية وتضخيم المعاناة التي لا تخلو منها أي حياة، ونتشاغل عنها بما يضيف لنا، فالفراغ “أخبث” عدو، فيجعلنا نبالغ في التفكير في الضغوط ليس لحلها بل للانبطاح أمامها، بينما “تناسيها” ولو قليلًا يخفف من حدتها ويمنحنا “استراحة” نحتاجها جميعا بشدة.</p><p style="text-align:justify;">يضاعف الامتنان القوة النفسية فتذكرنا بما لدينا فيجعلنا أفضل وأقوى وأقل شعورًا بالإحباط؛ فما حصلنا عليه سابقًا وبعضه لم “نتوقعه”، سيجعلنا أكثر تفاؤلًا بما نتمناه اليوم وأقل تعجلًا وأكثر صبرًا على ما نكره.</p><p style="text-align:justify;">نود التعامل مع الامتنان كـ”ضرورة” وليس كرفاهية؛ فغيابه يقلل المناعة النفسية والصحية ويضعف القدرات ويخصم من النجاح “والزهوة” والقوة النفسية، والعكس صحيح.</p><p style="text-align:justify;">لا شيء يسرق القوة النفسية ويبددها كالاستسلام للإحباط الذي “يضعف” الإرادة “وينهك” الجسد، ويجعلنا “نتأثر” بشدة بأي موقف لا يستحق اهتمامًا.</p><p style="text-align:justify;">يقال عن حق، “الأوضاع التي تفرض علينا لا يجب أن تشل إرادتنا، بل تفرض علينا حسابات أدق”، ونود تذكر أن لا أحد يصبح ضعيفًا نفسيًا فجأة، بل “يسمح” بتسربها بتوهم أنه لن يستطيع مواجهة ما يكره أو يتعامل معه كتحد وامتحان ومسألة كرامة أو حياة أو موت، والاستنفار “الزائد” يصنع الهزائم لا الانتصارات، فالأفضل المواجهة “بهدوء” نفسي وهو من أهم أسلحة القوة النفسية، وبإمكاننا تمثيله حتى يصبح واقعًا “والاستمتاع” بإضافة خبرات جدية لأنفسنا والاحتفال بنجاحنا وإن لم نحدث الاعتزاز بالمحاولة، والتعامل بمنظور نفسي جديد يمنحنا القوة “ويوقف” استنزافنا نفسيًا.</p><p style="text-align:justify;">لنحظى بالقوة، يجب تنقية علاقاتنا الإنسانية “وطرد” ما يخصم منا وتدعيم ما يضيف والتخلص التدريجي بما يخصم بلطف وبحزم ودون تراجع، وتجنب الخطأ البشع بالبحث عمن “يمنحنا” القوة النفسية، وكأننا “نستطيع” التنفس ونعتمد على أسطوانات الأكسجين؛ فكلنا نستطيع “صنع” قوتنا النفسية وطرد الإنهاك النفسي بعيدًا، الذي “يستنزف” من يوهمون أنفسهم بالضعف النفسي.</p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[موقع 180 مقالات]]></author>
                <guid>15912</guid>
                <pubDate>Fri, 23 Dec 2022 15:41:51 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[هاني بشر يكتب: صراع الروايات الدرامية في تجارب السينما والحرب]]></title>
                <link>هاني-بشر-يكتب-صراع-الروايات-الدرامية-في-تجارب-السينما-والحرب</link>
                <description><![CDATA[<p style="text-align:justify;">عجت منطقة الحجر الأسود المدمرة في دمشق بالصينيين وسط أرتال من الجنود والدبابات في مشهد غير مألوف. فقد شرع أفراد بالزي اليمني التقليدي بالتحرك وسط جنود آخرين يرتدون الزي العسكري اليمني مع أفراد سوريين فيما يبدو، وكأنه صراع آخر غير المألوف في سوريا. لم يبدد غموض المشهد سوى يافطة باللون الأحمر القاني مكتوب عليها بالعربية "أول فيلم صيني يبدأ تصويره في سوريا، بالتوفيق" بالإضافة لعبارات أخرى باللغتين الصينية والإنجليزية فيما بدا وكأنها رسالة موجهة للمشاهدين المتحدثين بهذه اللغات الثلاث. كانت هذه هي المشاهد القليلة المسربة من تصوير فيلم "عملية الديار" من إنتاج الممثل الصيني الشهير الحائز على جائزة الأوسكار جاكي شان، وإخراج الصيني الشاب سون ين شي قبل أشهر قليلة من العام الحالي 2022.</p><p style="text-align:justify;">يجسد الفيلم قصة حقيقة تدور فصولها في اليمن عام 2015 حين تمكنت الصين من إجلاء نحو 600 شخص من دبلوماسييها ورعاياها، من اليمن بسبب الحرب، بالإضافة إلى 200 من جنسيات مختلفة، خلال 13 يوما. وهو فيلم مدعوم بشكل رسمي من الخارجية الصينية ويعد من الإنتاجات السينمائية القليلة حول الحرب الدائرة في اليمن حاليا. وهو يقدم وجهة النظر الصينية الرسمية التي تصف العملية بأنها تدل على أن الصين "عالمية وإنسانية ومسؤولة كقوى عظمى".</p><p style="text-align:justify;">ويعطي الفيلم الضوء الأخضر لتجارب قادمة سواء من الصين أو غيرها من الدول كي تحول مآسي الحروب العربية الحالية إلى سرديات سينمائية تقدم بها نفسها عبر الشاشة الفضية.</p><p style="text-align:justify;">العلاقة بين السينما والحرب لا تنحصر في محاولة تقديم الرواية السياسية عبر السينما، سواء عن طريق دول أو أفراد، بل تتسع لتشمل ذروة الأمل والألم والتحولات المصيرية الكبرى مما يفجر فيضان المشاعر لدى المبدعين السينمائيين لتحويل كل هذا إلى سرد بصري. ولهذا فليس غريبا أن تواكب كثير من الحروب صعود وظهور موجات سينمائية مثل حركة الواقعية الجديدة أو الواقعية الإيطالية الجديدة في السينما التي أعقبت أزمات اقتصادية عصفت بمجتمعات أوروبا في أعقاب الحرب العالمية الثانية.</p><p style="text-align:justify;">وقد أثرت الحرب أيضا على النقد السينمائي وعلاقته بالتلفزيون في العالم العربي، فقد رافق حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 برنامج "السينما والحرب" الشهير الذي كان يقدمه المذيع الراحل أحمد سمير. وكان يعرض أفلاما عن الحروب ومثل نوعا من التعبئة الثقافية للصراع مع إسرائيل آنذاك. وبعد أن وضعت الحرب أوزارها توقف البرنامج، لكنه أعطى شرارة الاستمرار لعملية نقد متلفز للسينما، وظهر برنامج نادي السينما عام 1975 الذي استمرت الدكتورة درية شرف الدين في تقديمه لسنوات طويلة ليس فقط كمذيعة ولكن كناقدة سينمائية وأستاذة في أكاديمية الفنون. وكان يقوم بإعداده الناقد السينمائي الراحل يوسف شريف رزق الله أحد أعضاء جماعة السينما الجديدة التي ظهرت في أعقاب حرب 1967.</p><blockquote><p style="text-align:justify;"><strong>نادرا ما تجد أفلاما سينمائية تتحدث عن قصص الأفغان أنفسهم رغم أن البلاد مليئة بكثير من القصص والحكايات وبها تاريخ وتنوع عرقي وتراث وثقافة مما يعد منبعا لعدد لا نهائي من القصص المثيرة</strong></p></blockquote><h2 style="text-align:justify;"><strong>قصص الحرب المنسية في السينما</strong></h2><p style="text-align:justify;">لا يكفي أن تكون الحرب طويلة أو مأساوية كي تروي السينما قصتها. فكم من حروب طواها النسيان. وكم من حروب امتدت لعقود طويلة ودامية، ولم يصل للسينما من قصصها الإنسانية سوى قصة الجندي الغازي المحارب وليس قصة الإنسان صاحب الأرض المقهور. من هذه الحروب حرب أفغانستان التي امتدت من عام 2001 وحتى 2021 في 10 سنوات عجاف أنهكت المواطن الأفغاني. هذا الإنسان الذي تاهت قصته ما بين أفلام داعمة لهذه الحرب وأخرى منددة بها.</p><p style="text-align:justify;">فهناك أفلام عارضت دخول الولايات المتحدة في حرب على أفغانستان مثل الفيلم الأميركي "أسود وحملان" عام 2007 من إخراج روبرت ريدفورد والذي ينتقد السياسة الأميركية. أو فيلم المخرج الشهير مايكل مور "فهرنهايت 9\11" الذي قدم نقدا لاذعا للرئيس الأميركي جورج دبليو بوش والحرب على أفغانستان بشكل عام، مقابل أفلام أخرى تستعرض القدرات الاستخباراتية في أفغانستان مثل فيلم "ثلاثون دقيقة بعد منتصف الليل" عام 2012 من إخراج كاثرين بيغالو والذي يدور حول طريقة اغتيال زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن.</p><p style="text-align:justify;">القاسم المشترك بين كل هذه الأفلام على اختلاف مشاربها هو تمحورها حول الجندي الأميركي والسياسة الأميركية. ونادرا ما تجد أفلاما سينمائية تتحدث عن قصص الأفغان أنفسهم رغم أن البلاد مليئة بكثير من القصص والحكايات وبها تاريخ وتنوع عرقي وتراث وثقافة مما يعد منبعا لعدد لا نهائي من القصص المثيرة. والاستثناء الذي يثبت القاعدة هنا هي أفلام مثل "عدَّاء الطائرة الورقية" عام 2007 من إخراج مارك فورتسر عن رواية الكاتب الأميركي الأفغاني خالد حسيني عن قصة صبيين أفغانيين.</p><p style="text-align:justify;">وعلى العكس من تجربة أفغانستان، تبرز تجربة الحرب الأهلية اللبنانية التي تمحورت حولها هوية السينما اللبنانية الحديثة بسبب كثافة الإنتاج السينمائي وتنوعه الذي بدأ قبيل اندلاع الحرب وواكب فصولها الدامية وامتد بعدها بسنوات. وهي حالة سينمائية فريدة عربيا وربما عالميا، يصفها الكاتب محمد سويد في كتابه "السينما المؤجلة، أفلام الحرب الأهلية اللبنانية" بكونها متاهات دخلها السينمائي اللبناني في أتون الحرب.</p><p style="text-align:justify;">واعتبر سويد أن سينما الحرب لا يمكن أن توجد في ظل الحرب وإنما هي عملية طويلة ومعقدة تحتاج لرؤية جيل الشباب الذي وجد نفسه بين خيارين، إما السير في ركب لعبة الحرب العنيفة أو التحول لثقافة أخرى مضادة لفكرة الحرب أصلا. واستغل الكاتب مصير وهوية السينما اللبنانية دائمة العزف على وتر الحرب لكشف أزمة الهوية والسردية التاريخية في لبنان، وأن السينما اللبنانية ما هي إلا تعبير عن هذه الأزمة. وأن فكرة الحرب في لبنان ليست منحصرة في صراع الهويات اللبنانية ضمن الحرب الأهلية وإنما تعبير عن سلسلة من الحروب مرت عبر لبنان من القرن الـ 19 وما بعده، فما أن يفيق اللبناني من حرب حتى يدخل في أخرى.</p><p>&nbsp;</p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[موقع 180 مقالات]]></author>
                <guid>15493</guid>
                <pubDate>Thu, 10 Nov 2022 15:49:05 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[أيهود باراك يكتب: الفشل ليس نهاية الطريق..]]></title>
                <link>أيهود-باراك-يكتب-الفشل-ليس-نهاية-الطريق</link>
                <description><![CDATA[<p style="text-align:justify;"><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(51,51,51);">قال الناخب قولته.</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(51,51,51);">النتيجة أليمة لكن واضحة. وسنستغرق مزيداً من الوقت كي نهضم معناها، ونجري حساباً للنفس، ونقدر الوضع لبلورة اتجاهات عمل للمستقبل. ومع ذلك يوجد مجال لتشخيص خطوط توجيه لكل تفكير مستقبلي.</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(51,51,51);">كتلتنا، "كتلة التغيير"، هُزمت في الانتخابات. وانتصرت كتلة نتنياهو. هذا يعني أنهم سيقيمون الحكومة. ولا يعني هذا أن طريقهم هو الصحيح لإسرائيل. في الحالة التي أمامنا العكس هو الصحيح. كان يمكن للأمر ان يكون مختلفاً: لو وافقت ميخائيلي على الوحدة مع غلئون، ولو كان لابيد أنزل نسبة الحسم الى 2 في المئة، ولو كانت حكومة التغيير سنت على الفور، قبل 14 شهرا، قانون المتهم. لكن في هذه اللحظة كل هذا حليب مسكوب.</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(51,51,51);">النتيجة أليمة كما أسلفنا، لكنها شرعية وينبغي احترامها. كوطني أتمنى للحكومة التي ستقوم أن تعمل بنجاح من أجل كل مواطني الدولة. كوطني أعرف بأنها مبنية لهدف آخر تماما، اي للسيطرة المعادية على جهاز القضاء وعلى سلطة القانون كي تحرر نتنياهو وآخرين من ربقة القانون في ظل سحق أسس الديمقراطية. آمل أن تسقط بسرعة.</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(51,51,51);">جاء كل الحديث "الحضاري" لنتنياهو في جلسة الكنيست لإحياء الذكرى الـ 27 لاغتيال رابين ليخلق، بالتعاون مع مؤيديه في وسائل الإعلام والسذج في "كتلة الأمل"، اجواء احتمالات الوحدة، لإضعاف مطالب بن غفير وسموتريتش.</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(51,51,51);">لو كنا اليوم في الوضع الذي سبق حرب "الأيام الستة" أو عشية حرب مع إيران، لكان ثمة مجال للنظر في حكومة طوارئ بأي تشكيلة واجبة. لكن كون التهديد الأساس على الدولة الآن هو نوايا رئيس الوزراء المرشح، وفي مركزها إصراره على التخريب المنهاجي لقيم الحقيقة والثقة وتقويض استقلالية الذراع القضائية ومحافل إنفاذ القانون، وتصفية فرص حل الدولتين، والاستقرار في حكم على نمط هنغاري – بولندي، فلا مجال للوحدة.</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(51,51,51);">يقال بالتالي ان احزاب "كتلة الامل" لا يمكنها أن تتحد في حكومة برئاسة مَن أساس نواياه اطفاؤها. حتى لو اجتهد في الاسابيع القادمة لخلق انطباع آخر. من الصعب أن ننسى التحريض، كراهية الاخوة، وطرق عمل عالم الجريمة التي رأيناها تستخدم حتى قبل أيام قليلة. ومن الغباء ان نتوقع ألا تعود في لحظة تستوجب احتياجات المرشح لرئاسة الوزراء ذلك.</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(51,51,51);">صحيح أننا نسير نحو فترة ظلامية. لا نعرف كم من الوقت وليس واضحاً ما ستكون عليه الاضرار على طول الطريق. تجربة الحياة تفيدنا بأن هذا سيكون أسوأ مما نتمناه واقل سوءاً مما نحن نخافه. لكن في اساس الامور نحن، وليس طائفة البيبيين، في الجانب الصحيح من التاريخ. واليأس ليس خطة عمل. بعد الليل، وان طال، يأتي النور من جديد. امام طبيعة التهديد على المجتمع الإسرائيلي الذي تنطوي عليه ظاهرة "البيبية" محظور لـ "كتلة الامل" ان تطـأطئ رأسها في اي وضع، ومن المحظور الاستسلام لإحساس الوهن الذي يرافق دوما كل فشل تنفيذي او تبخر التأييد بين قسم من رواد الرأي والشخصيات العامة والإعلامية. على هذا المعسكر الكبير، وان لم يكن أغلبية في الأصوات التي اجتازت نسبة الحسم، ان يرفع قامته، وان يشد عضده، وان يعيد النظر في المسار ويتحرك الى الأمام. الفشل ليس نهاية الطريق بل هو حافز قوي لاستخلاص الدروس والاستعداد للظروف المتغيرة. لا ينبغي الخوف من المرحلة الأولى التي نكون فيها منعزلين نسبيا، والا نستسلم للشر، ألا نستسلم للتشهير، الا نستسلم لتشويه اليهودية والصهيونية الذي تنطوي عليه "عقيدة" شركاء "البيبية" في الطريق. ألا نستسلم للتعب، للرغبة الشخصية في وضع حد للخلاف.</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(51,51,51);">على "كتلة الامل" ان تكافح في سبيل الصورة المناسبة والطريق والمستقبل لإسرائيل. هذا ايضا وقت حرج للكثيرين. هذا انساني ايضا. من الحيوي أن نواصل الكفاح الى أن ننتصر. أعرف ان هذا يبدو اليوم شبه منقطع عن الواقع. هذا ليس كذلك. والنتيجة بعيدة المدى متعلقة قبل كل شيء بقدرتنا على أن نوجه نظرنا الى أسباب الفشل، الى ما وراء الأسباب الفنية التي عددتها، وان نبني من جديدا "معسكر الأمل"، من الأساس.</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(51,51,51);">هذا في أيدينا – وفي ذلك سنُختبر.</span><br><br><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(51,51,51);">عن "يديعوت"</span></p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[موقع 180 مقالات]]></author>
                <guid>15473</guid>
                <pubDate>Tue, 08 Nov 2022 16:01:16 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[بارمي أولسون يكتب: إيلون ماسك لتحويل «تويتر» إلى تطبيق... لكل شيء فكرة سيئة!]]></title>
                <link>بارمي-أولسون-يكتب-إيلون-ماسك-لتحويل-«تويتر»-إلى-تطبيق-لكل-شيء-فكرة-سيئة</link>
                <description><![CDATA[<p style="text-align:justify;">لأن طموحات إيلون ماسك كانت دائماً إما أن «يكبر حجمه أو يعود من حيث أتى»، لم تكن أخبار شرائه شركة «تويتر إنك» بالمفاجأة الكبيرة. ولأن تطلعاته بشأن تلك المنصة عظيمة، فإن حلمه ليس شراء «تويتر» لتحسينها فحسب، بل إنشاء «تطبيق يقدم كل شيء»، يفعل للمستخدم كل ما يريده ويحتاجه.<br>الفكرة لا تتعارض مع العقل، ببساطة لأن هناك كثيراً من «التطبيقات الفائقة» في آسيا منذ فترة طويلة. فهناك أكثر من مليار مواطن صيني يستخدمون رمز الاستجابة السريعة «QR» من خلال تطبيق «WeChat» التابع لشركة «Tencent Holdings Ltd»، للقيام بجميع المهام التي تتخيلها، بدءاً من شراء سلع البقالة إلى حجز موعد مع طبيب الأسنان أو مشاركة الصور مع الأصدقاء أو ممارسة ألعاب الفيديو وانتهاء باستخراج بطاقة هوية صادرة عن الحكومة من خلال التطبيق ذاته.<br>أمام موظفي «تويتر» في يونيو (حزيران)، وقف ماسك يقول: «أنت تعيش حياتك في الصين على WeChat. إذا تمكنا من إعادة إنشاء ذلك باستخدام (تويتر)، فسنحقق نجاحاً كبيراً».<br>يمكنك بسهولة أن تلحظ حرص ماسك على نسخ ذلك النموذج. إذا كان حقاً يريد مضاعفة إيرادات «تويتر» خمس مرات لتبلغ 26.4 مليار دولار، فستكون إحدى الطرق هي جعلها جزءاً من منصة تستضيف كثيراً من أنشطة السداد التي يستطيع أن يجنى كثيراً من خلالها. فقد حقق «WeChat» عائدات تقدر بنحو 17.5 مليار دولار في عام 2021، غالبيتها من خلال الإعلانات وعن طريق الحصول على حصة من المعاملات والألعاب وتسليم البضائع وغيرها من الخدمات في سوق الخدمات الرقمية المزدهرة، إذ يستخدم أكثر من نصف مليار شخص آلاف التطبيقات المصغرة داخل «WeChat» يومياً.<br>يعد تطبيق شركة «Grab»، ومقرها سنغافورة - التي تضم كيانات مثل «سوفت بنك غروب كورب» و«أوبر تكنولوجيز» كأكبر مساهمين فيها - تطبيقاً فائقاً يقدم خدمات نقل الركاب وتوصيل الطعام وتنفيذ المدفوعات الرقمية.<br>لكن إنشاء تطبيق ممتاز أمر صعب لسبب جوهري، هو أن الأميركيين يقدمون مدفوعات عبر الهاتف الجوال بوتيرة أقل بكثير من نظرائهم الصينيين. ويعود نجاح «WeChat» كمركز تعاملات يومية إلى إطلاقه في الوقت المناسب، تحديداً في عام 2011، عندما كانت مبيعات الهواتف الذكية في الصين تتفجر.<br>أصبح تصنيع قاعدة مستخدمين جديدة كبيرة مثل «واتساب» أو «فيسبوك» أو «WeChat» أمراً مستحيلاً الآن، وسيكون الأمر أشبه بمحاولة تكرار انفجار نمو نيويورك لتصبح مدينة ضخمة خلال القرن التاسع عشر. لقد مر وقت الازدهار، والشبكات ترسخت بالفعل.<br>لسنوات طويلة، سعى «وادي السيليكون» لإنشاء تطبيقاته الفائقة الخاصة استناداً لفكرة أن منصة مدفوعات قوية يمكن أن تدعم الخدمات مترامية الأطراف بالطريقة نفسها التي يعمل بها «WeChat Pay». لكن جهود «فيسبوك» لتأسيس خدمات الدفع، بما في ذلك منصة تشفير «ليبرا»، انهارت. وفيما تأتي هيمنة «WeChat» جزئياً من العمل بشكل وثيق مع الحكومة الصينية، فإن شركات التكنولوجيا الأميركية الكبرى لديها علاقة مختلفة تماماً مع المنظمين والدولة، حيث يتصدون لدعوات لتفتيت كياناتهم.<br>تبدو عمليات التقليص كاستراتيجية مالية حكيمة على أي حال. فقد أغلق «فيسبوك» عدداً من قطاعات الأعمال، فيما تراجع «إنستغرام» عن بعض خدماته بعد انتقادات بتضخم قطاعاته.<br>إذا كان ماسك عازماً حقاً على السير في هذا المسار، فيمكنه السعي لشراء «PayPal «Holdings Inc، ليغلق الدائرة على نفسه بعد المشاركة في تأسيس «PayPal» منذ أكثر من عقدين من الزمان. فـ«تويتر» ستضيف ميزات إضافية إلى نظامها الأساسي، لذلك ربما تحتاج إلى شراء خدمة مدفوعات شاملة.<br>لكن جاك دورسي، أحد مؤسسي «تويتر»، كان بإمكانه فعل ذلك عندما كان يقود كلاً من «تويتر» وعملاق المدفوعات «سكوير»، الذي يُطلق عليه الآن «Block Inc». على الأرجح لأنه أدرك أن ذلك لن ينجح، حيث لم يكن المستهلكون الأميركيون مستعدين لاستخدام تطبيقات متعددة المهام، وهو ما أثار جدلاً من النقاشات الموسعة مع المنظمين أيضاً.<br>على أي حال، قد لا تكون فكرة ذكية لشخص متقلب مثل ماسك أن يشرف على تطبيق يشارك فيه الملايين في التعليقات الاجتماعية والمدفوعات والتسوق وغيرها. فخطوة كهذه من شأنها أن تمنح أغنى رجل في العالم، مستوى جديداً من القوة غير المسبوقة التي قد يكون ماسك نفسه، ونحن أيضاً، في غنى عنها.<br>رغم امتلاك ماسك لقاعدة جماهيرية عملاقة بفضل شركة «تسلا» وكونه مروجاً ذاتياً بارعاً، فهو أيضاً معروف بوعوده الكبيرة التي لا يفي بها. لذلك، نتمنى أن يكون كل ما ذكرناه مجرد فكرة جديدة سرعان ما تتلاشى كغيرها. لنأمل ذلك.</p><p style="text-align:justify;">- بالاتفاق مع «بلومبرغ»</p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[موقع 180 مقالات]]></author>
                <guid>15226</guid>
                <pubDate>Sat, 08 Oct 2022 12:38:43 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[هاني بشر يكتب: حالة الكتاب السينمائي العربي وتعزيز ثقافة الصورة]]></title>
                <link>هاني-بشر-يكتب-حالة-الكتاب-السينمائي-العربي-وتعزيز-ثقافة-الصورة</link>
                <description><![CDATA[<p style="text-align:justify;">كان سكان مدينة فاس المغربية على موعد مع حدث فني وثقافي تناول تأريخا بصريا وثقافيا ومعماريا لتاريخهم السينمائي. فقد زينت صور مختلف السينمات المغربية جدران إحدى قاعات المعهد الثقافي الفرنسي بالمدينة في معرض للمصور الفرنسي فرانسوا بوران الذي استقر في الرباط منذ نحو 10 سنوات. والمعرض هو حصيلة 3 سنوات قضاها بوران يطوف مدن وبلدات المغرب المختلفة من أقصى الشمال لأقصى الجنوب كي يسبر أغوار صالات العرض السينمائية لا سيما القديمة منها ليؤلف كتاب "صالات سينما المغرب، أضواء على القاعات المظلمة للمملكة" والذي صدر هذا العام 2022.</p><p style="text-align:justify;">يروي الكتاب تاريخ هذه القاعات خصوصا تلك التي افتتحت مطلع القرن الماضي عام 1913 مثل سينما الكسار في مدينة طنجة، بالإضافة للمهرجانات السينمائية التي احتضنتها هذه الصالات. ويمزج هذا كله بأشكال التصميمات الهندسية لها وكيف أنها شاهدة على طبيعة التحولات المعمارية في البلاد. وبالإضافة لإطلاق الكتاب، قام بوران بتصوير هذه الأماكن ليقدم حصادا بصريا في معرض فني للصور. ويعد الكتاب واحدا من تجارب التأليف السينمائي التي تستهدف التوثيق. وهو تجربة ثرية كغيرها من تجارب التأليف في مجال السينما والتي اعتاد عليها القارئ والمؤلف الغربي كما اعتادت عليها دور النشر.</p><p style="text-align:justify;">وظيفة الكتاب السينمائي ليست تكميلية للجانب الفني الذي تقدمه السينما وإنما تأسيسه لرفع الوعي. فهو من ناحية يعزز من ثقافة الصورة لدى المشاهد عندما يمكّنه من إمساك مفاتيح فك شفرتها وتتبع جمالياتها، كما يربطه بأهم المدراس الفنية التي ظهرت أو تظهر في العالم، ويعرض أيضا لأبرز التطورات الفنية والتقنية في العالم الذي يدور حوله. وتأليف الكتاب السينمائي ليس حكرا على النقاد أو الأكاديميين، فله دور توثيقي كالكتاب الفرنسي المذكور حول صالات السينما في المغرب، وله أيضا دور تعليمي مثل الكتب التعليمية المبسطة لأسس المونتاج مثلا أو خطوات كتابة السيناريو.</p><p style="text-align:justify;">أتذكر عندما زرت مقر معهد الفيلم البريطاني في لندن بمنطقة "ساوث بانك" هالني حجم مكتبة بيع الكتب الملحقة بالمعهد المطل على نهر التايمز. وتشمل هذه الكتب كافة أوجه النشاط السينمائي وكل ما يتعلق بإنتاج وإخراج الأفلام بالإضافة للجوانب الثقافية المرتبطة بها. والأهم هو وجود دار نشر نشطة تابعة للمعهد تطبع كتبا سينمائية بشكل مستمر.</p><p style="text-align:justify;"><strong>المشكلة الرئيسية في كثير من الكتب السينمائية العربية أنها تلجأ للحل الأخير كطريقة سريعة للنشر والتوزيع كما يحدث في مهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط. فقد لجأ المهرجان لطباعة 11 كتابا كلها تقريبا عن المشاهير السينمائيين والنجوم في دورته التي تقام في أكتوبر/تشرين الأول 2022، مثل كتاب "محمود حميدة نجم الفن السابع" لعاطف بشاي و"دنيا بنت سمير ودلال" لطارق الشناوي.</strong></p><p style="text-align:justify;">ولفت نظري وجود كتب تتناول أفلاما بعينها منها على سبيل المثال كتاب "تايتنك" من تأليف ديفيد لوبين عن الفيلم الأميركي الشهير ضمن سلسلة كتب عن الكلاسيكيات الحديثة. ويقدم الكتاب نظرة عامة على الفيلم مدعومة بالصور وكأنك تعيد مشاهدة الفيلم مرة أخرى ولكن من منظور ثقافي ومعرفي. ويعرض الكتاب آراء المثقفين حول الفيلم الذين يرونه عملا سطحيا يناسب الفتيات المهووسات وكيف أن مؤلف الكتاب يختلف مع هذه النظرة.</p><p style="text-align:justify;">إذ يرى أن قصة الفيلم تحمل كثيرا من الرمزية التي وجد فيها المشاهدون أنفسهم وهم يستعرضون مشاكل الطبقية الاجتماعية الحالية بين الأغنياء والفقراء وطبيعة الحب وماهية التضحية. الأمر الذي كان أحد العوامل الذي جعلته الفيلم الأول الذي يحقق عائدات بمقدار مليار دولار في دور السينما في العالم.</p><p style="text-align:justify;">&nbsp;</p><h2 style="text-align:justify;"><strong>الكتاب السينمائي العربي</strong></h2><p style="text-align:justify;">قد لا تكون السينما العربية متقدمة من حيث الشكل والمضمون بنفس درجة التجربة السينمائية الأوروبية أو الأميركية لكن قطعا لديها تجربة تستحق التدوين والتوثيق. فثمة رواية أخرى عن كل فيلم سينمائي تستحق أن تروى ويعرفها الجمهور. وهي رواية قد تتصل بصميم العمل الفني نفسه وتقييمه ومعرفة مستويات الجمال والتعبير فيه أو بالظروف الإنتاجية المحيطة به. وقد تكون هذه الرواية بقلم المخرجين أو المنتجين أو الممثلين أو النقاد أو حتى كل هؤلاء.</p><ul style="list-style-type:disc;"><li style="text-align:justify;">يمتلك الكتاب السينمائي فرصا تسويقية مسبقة للنجاح، أولها وأبرزها أنه مبني على عمل فني له جمهور شاهده وتفاعل معه.</li><li style="text-align:justify;">ثانيا إذا ارتبط بأحد النجوم أو المشاهير فإنه يضيف قيمة تسويقية أخرى.</li><li style="text-align:justify;">المشكلة الرئيسية في كثير من الكتب السينمائية العربية أنها تلجأ للحل الأخير كطريقة سريعة للنشر والتوزيع كما يحدث في مهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط. فقد لجأ المهرجان لطباعة أحد عشر كتابا كلها تقريبا عن المشاهير السينمائيين والنجوم في دورته التي تقام في أكتوبر/تشرين الأول 2022، مثل كتاب "محمود حميدة نجم الفن السابع" لعاطف بشاي و"دنيا بنت سمير ودلال" لطارق الشناوي. بالإضافة إلى كتاب عن مسيرة</li><li style="text-align:justify;">المخرج سعيد حامد الذي سيتم تكريمه. ولو كانت الحاجة ملحة للتركيز على هذه الشخصيات تحديدا لكان الأفضل والأفيد أن يدون محمود حميدة كتابا بنفسه عن تجربته السينمائية وفي الصحافة السينمائية بشكل خاص باعتباره مؤسسا لمجلة الفن السابع.الأمر نفسه ينطبق على تجربة المخرج سعيد حامد والممثلة دنيا سمير غانم. وهي نوع من الكتابة مختلف عن رؤية الناقد لهما.</li></ul><p style="text-align:justify;">هذه المشكلة ليست موجودة لدى جهات نشر نادرة مثل سلسلة كتب "آفاق السينما" الصادرة عن الهيئة العامة لقصور الثقافة المصرية. وربما ما تعانيه هذه السلسلة ليس جودة الموضوعات ولا الترجمة بقدر ما هو قصور التوزيع والترويج والإخراج الجذاب الذي يجلب الجمهور. كما أن قائمة المؤلفين تفتقر إلى الذين يمارسون المهنة على مستوياتها المختلفة. لنتخيل إن كانت لدينا كتب بأقلام مخرجين من أمثال المصري عاطف الطيب عن أفلامه المصرية أو السوري الأميركي مصطفى العقاد عن تجربته في هوليود ومع أفلام الرسالة وعمر المختار أو المخرج السوري عمر أميرالاي عن تجربته الرائدة في الفيلم الوثائقي.</p><p style="text-align:justify;">إن أزمة السينما العربية لا تكمن فقط في رفع يد كثير من الدول عن دعمها بل يساهم غياب ثقافة الصورة والحس النقدي عند المشاهد في تعميق الأزمة. وهنا تنبع أهمية التعامل مع السينما كثقافة والنظر للكتاب السينمائي من هذا المنظور من أجل رفع الوعي الفني لدى المتلقي وجعله لا يهضم كل ما يقدم له بل يقبل ويرفض ويقيِّم، وحينها يُقيم له المنتجون والمخرجون ألف اعتبار مما يساهم في جودة الأعمال السينمائية المقدمة.</p><p>&nbsp;</p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[موقع 180 مقالات]]></author>
                <guid>15210</guid>
                <pubDate>Thu, 06 Oct 2022 10:00:51 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[علي عقلة عرسان يكتب: واقِعٌ مُرٌّ وحَاجَة إلى مواقفِ إبداعٍ ومُبدعين]]></title>
                <link>علي-عقلة-عرسان-يكتب-واقِعٌ-مُرٌّ-وحَاجَة-إلى-مواقفِ-إبداعٍ-ومُبدعين</link>
                <description><![CDATA[<p style="text-align:justify;">الحَرفُ خاصة والإبداعُ عامة يمكن أن يكون على الإنسان نعمة أو نقمة، وأن يكون مُحرِّراً أو مُقَيِّداً، مُحَرِّضاً أو مُثَبِّطاً، هادياً أو مُضَلِّلاً، سيفاً في اليد أو خنجراً في الخَصْر.. حسب الحامل والمحمول، المرسل والمتلقي، وحسب مناخ الكتابة والإبداع وتحررهما من التبعية والعوائق والموانع، أو تبعيتهما للمعوِّقين والمانعين والمستثمرين في المعرفة والإبداع سلباً أو إيجاباً، وقدرتهما على الصمود وامتلاك القدرة والرغبة والإرادة.<br>&nbsp; &nbsp;&nbsp;<br>فالحرف مغموساً في الدِّفء، وينز ماء الورد، ويحمل وجيب القلب وحرارته، وأغنى بالألوان من قوس قزح، وعامراً بالإيحاءات، ويلمع بالتلميح إلى المشاعر والعواطف، ويثير شتى الانفعالات.. عند المحبين والعاطفيين والحالمين والمستثمرين في هذا المجال.. وهو والنغم والفرشاة عندهم نفث أشعة ترتسم لوحات، وتسطِّر على أديم الماء والفضاء قصص شوق وترنُّحات توق، وأشكال تمرد وتخبط.. ويتحول عندهم إلى ثورات غضب، ومرارت ألم، وغصص عيش، ومعاناة مرة حين يغيم الأفق، وينقطع الوصل، ويستنزفهم الحنين، وتبتلع " الحوتَة" قمرَ الحب.<br><br>والحرف مغموساً بالدم والدمع، ينصب علقماً في الحلق وينتشب فيه شوكَ صَبَّار، ويصبح سيفاً صقيل الحد مُصلتاً فوق هامات واقفين في رمضاء الوقت على مفارق الأحداث والأزمات والصراعات الدامية.. عند ضحايا الأزمات والصراعات والحروب من الأدوات والفقراء والمساكين والمظلومين والمحرومين، والمستهدفين بالعدوان والاحتلال والاستبداد والاستعباد، وعند الأسرى في المعتقلات والسجون، والنازحين في أوطانهم والمهجرين منها والملاحقين فيها بالقهر والموت.. ووعاء معاناة ولسانها وبيانها.<br>&nbsp;<br>وفيضَ وعيٍ وصَحوةً وإرادةً وعزماً يكون الإبداع بأشكاله وألوانه في متاريس المدافعين عن أنفسهم وأوطانهم ومقدساتهم وحقوقهم ومبادئهم وعقائدهم، ومعرفيةً وانتماءً تاريخياً وحضارياً، وراويةً صحيحة لحقائق التاريخ. وسطوع غضب يكون وصوت ضمير وأجنحة نضال تحلق في فضاء العالم، ودفق أمل في جسد المحاصرين والمقهورين والمتعبين. وانطلاقة أقوى من الرصاص تحفر في الذاكرة والوجدان وفي صفحات التاريخ ووجه الزمان وقائع سجلتها مواقف الإنسان المنذور لقيمه وحريته ووطنه وعقيدته.. تثبِّت تغيُّرات أملتها إرادتُه الواعية، وتحدو مسيرته سيرورة وصيرورة نحو بلوغ أهدافه المرتجاة.. وحاملَ رفيف أمل بحرية وأمن وعدل، وقوةً تحمي الإنسان وحقوقه وكرامته.. وحامي معايير أخلاقية بحساسية موازين الذهب، يقيمها الإيمان ويضعها حداً بين الحق والباطل، وصحوات ضمائر تحكُم السلوك والنزوات والنيَّات ما ظَهرَ منها وما بطَن، وتنسكب صلاحاً وإصلاحاً وبلسماً يشفي الأنفس مما تجد.&nbsp;<br><br>وتغوص خناجر في قلب الظلم والطغيان، وتنهي سطوة الجبابرة الطغاة، وتحكم الجهل والجاهلين بحاكمية المعرفة والعلم، وتحكم الطالحين بالصالحين.. وتكون قوة وعيٍ كشَّاف يُري مَن يَرى طرقَ الخير ويقدر على النهوض والتقدم بكفاءة وإخلاص، وتلغي سطوة الإنسان على أخيه الإنسان.&nbsp;<br><br>والإبداع في الأدب والفكر والفن تألقُ وعيٍ وخُلُقٍ وإرادة، تألقٌ روحي ومعرفي يبني بالتربية والثقافة والإيمان أفرادً وشعوباً وأوطاناً، ويقيم صروح حضارة وحصوناً تصونها، ويصنع قوة شاملة بعلومها وعديدها وعددها وعتادها بأصولها وفروعها، وعزيمة القائمين بها وعليها.. ويكون.. ويكون.. ويكون.. وتتعدد روافده بتعدد الأرواح والرؤى والأفكار، والاهتمامات والمهام والهمم والهموم. والابداع بتجلياته ومنتجاته كافة مدعو في زماننا ووطننا العربي اليوم إلى أن ينهل من قلوب المحبين، وجراح المُصابين، وصبر الفقراء والمشردين، وعزم المقاومين والقادرين والأَكْفَاء ما يصنع توق الجماهير إلى الانعتاق والتحرر والتحرير والاستقلال، وصَبْوَها إلى التطور والتطوير والاكتفاء والارتقاء، ويدفع باتجاه تحقيق الأهداف الحيوية للأمة في الوجودي الكريم الحي الفاعل في مجالات الرقي والحضارة.<br>&nbsp;<br>ففي وطننا العربي الكبير اليوم بؤس وواقع بائس، وانغماس ضار في تناقضات عميقة، وتنافر وتدابر وتقاتل فاجع، وانخراط في أزمات وصراعات دامية وحروب مهلكة.. وكل ذلك متداخل مع مشكلات اقتصادية وسياسية واجتماعية وفساد وإفساد، وفقر وإفقار، وجوع وتجويع، ومتداخل عضوياً أيضاً مع التَّفلُّت من المسؤوليات الوطنية والقومية عن القضايا المصيرية وعلى رأسها قضية فلسطين، ومِن الانتماء وواجباته، ومن التطلع إلى وحدة المسار والمصير للتخلص من الرَّاهن المؤلم والمستقبل المظلم.<br><br>وهذا الواقع يفرض على كل منا أن يتعامل معه تعاملاً نوعياً مختلفاً عن كل ما سبق من تعامل.. ويشكل دعوة لكل من يعنيهم شأن الوطن والأمة، الوجود والمصير، الحرية والإنسان، ولكل مَن تعنيهم الحقيقة ولا يعنيهم الظهور الشخصي باسمها وعلى جثتها، والمنذورين لأمتهم وحريتها واستقلالها ووحدتها.. باستنبات الكلمات والمواقف في تربة الواقع وأوجاع الأوضاع الراهنة، ومصداقية الوقائع الصادمة، ومرارة المعاناة وعمق الجراح وعياً قومياً منقذاً..&nbsp;</p><p style="text-align:justify;">في وطننا العربي الكبير اليوم بؤس وواقع بائس، وانغماس ضار في تناقضات عميقة، وتنافر وتدابر وتقاتل فاجع، وانخراط في أزمات وصراعات دامية وحروب مهلكة.. وكل ذلك متداخل مع مشكلات اقتصادية وسياسية واجتماعية وفساد وإفساد، وفقر وإفقار، وجوع وتجويع، ومتداخل عضوياً أيضاً مع التَّفلُّت من المسؤوليات الوطنية والقومية عن القضايا المصيرية وعلى رأسها قضية فلسطين،<br><br>بعيداً عن الأبراج العاجية وفذلكاتها وأوهامها وتوهماتها، وعن الشطحات الكلامية وصَبواتها، وعن الارتباطات المشبوهة والتبعيات والموالاة لغير الأمة وتبعاتها وانعكاساتها، وعن كل شكل مِن أشكال التخريب التربوي والاجتماعي والإعلامي والثقافي.. دعوة&nbsp; إلى أن يُستنبت الحرفُ في الجراح المَلِحَة، في تربة الواقع المُر والمواجع الكثيرة، في مناخ التوتر المنذر بالشرور.. دعوة مفادها أن: "أيها الحامل ضوءً وتوهجاً وضوع وفاءٍ وأنواع رؤى، وقولاً يبذر تعقلاً ويستنبت عملاً، ويُشرِع في الأنفس ومدى الآفاق أملاً.. أيها الناشد حقيقة تشفي، ومصداقية معافاة تعطي للقول والفعل والوجود والحوار معنى، وإلى ما تقدمه من رؤى وآراء وجهود وجهاد ثمرة وغنى.. تعال افلح أرضاً تحتاج إلى من يحرثها، وارتبط أخذاً وعطاء بأناس يحتاجون إلى من يعطيهم بإخلاص، ويترجم عنهم بدقة وحيوية.. تعال خذ منهم واعطهم، تعال إلى حياة إبداع يستمد حيويته من حياة طفل يحميك في الوقت الذي تعرف فيه الدنيا كلها أن من واجبك أن تحميه بلحمك ودمك، تعال افلح تربة الواقع الراهن والظرف الراهن وأرض الدم والنضال التي يقدم لها المقاومون دماً، وتكاد لا تقدم لها أنت حبراً مضاءً بوهج الروح والانتماء الصادق والموضوعية والمنهجية والعلمية ـ العملية..&nbsp;<br><br>تعال عش ظرف من يموتون ليمنحوك وطناً حُراً سيداً عزيزاً، وحرفاً طيباً بسخونة رغيف الخبز، ودفئاً يقيك صقيع المكان والزمان والغربة.. تعال افلح أرضاً بكراً، وأنر عقلاً، وافتح نهج حق بروح الإيمان الحق.. تعال ابدع وادفع بالرأي الحر والحرف النيِّر ظلامَ الظلم عن الإنسان وزحف الأعداء على الأوطان.. تعال ابذر عطفاً، وامسح دمعاً، وآسِ جراحاً، وأشرِق أملاً.. في زمنٍ ضاعت فيه الأرض، والقيم، والأخلاق، وفسد مِعيارُ الحكم، وشَقي الناس بأهل الحكم.<br><br>تعال عزز سلامة المركب الذي يقل الجميع، ويواجه العواصف الهوجاء.. وإلا فإنك تسفح جهدك ولا تكون حاجة لكلماتك وغنائك وفنك وبكائك ومواساتك بعد فوات الأوان، لأنه لن يكون هناك من يسمعك ولا من تنقذه ولا من يحتاج إليك.. تعال استنبت حرفك في مناخ واقع مأساوي يختلف عن كل ما عرفت وما شكَّل مناخ عطائك السابق، فوطن الأمة يُستباح، والاحتلال يتمدد، والتبعية للأعداء وموالاتهم ورفع راياتهم تلغي السيادة وتحل محل الاستقلال..&nbsp;<br><br>إن فساد الآراء والرؤى والأحكام والحُكام يعرِّش ويزيد مدى المعاناة.. الناس في المأساة والبأساء، والخيام تنوح، ومخيمات البؤس البشري تكثر وتكبر، والناس فيها يموجون بين موت وموت.. هذا وقت الإنقاذ والاستنقاذ، ولا مجال لترف الحرف ولا لعزلته وانعزاله.. وهو لا يهتدي ولا يهدي ولا يحيا ولا يُحيي إذا ما استطاب التهويم وأوغل في التوهم ونشد الإغلاق والإبهام، أو اكتفى بنشدان جمال الأساليب والتراكيب والصور والاكتفاء بذلك.. فواقعنا ومقومات عيشنا وعوامل نهوضنا وتطورنا وقدرتنا على الدفاع عن أنفسنا تستدعي نهجاً آخر.. وعلينا اليوم أن ننغرس ونغرس حروفنا في ساحات نضالنا وتربة شهدائنا وتفاصيل أوضاعنا.. في مياديننا الوطنية، وبيئتنا المدماة، وإرثنا النضالي، وتراثنا الحي.. وأن نتأصل في تربة الأصيل، ونعمل على ما يشكل جوهر وجودنا وهويتنا وصمودنا ومقاومتنا ويفضي بنا إلى التحرير والحرية.&nbsp;</p><p style="text-align:justify;">إن فساد الآراء والرؤى والأحكام والحُكام يعرِّش ويزيد مدى المعاناة.. الناس في المأساة والبأساء، والخيام تنوح، ومخيمات البؤس البشري تكثر وتكبر، والناس فيها يموجون بين موت وموت.. هذا وقت الإنقاذ والاستنقاذ، ولا مجال لترف الحرف ولا لعزلته وانعزاله.<br>من هذا كله تستمد الكتابة موضوعاتها ونسغ حياتها وتأخذ وتعطي وتتفاعل في مثل هذا المناخ، لأن ما يمكن أن يتم في هذا المناخ وفي هذه المجالات من تفاعل خلاق بين المبدع ومتلقي الإبداع ينتج إبداعاً منتمياً للإنسانية والحياة، ويجعله مؤثراً وفاعلاً وقادراً على التغيير. والأبداع الحق لا يريد ولا ينبغي له أن يكون بعيداً عن الحياة والناس إذا ما أراد لنفسه أن يحمل هوية وخصوصية وأن يبقى ويتسامى ويرتقي بالإنسان، وتنفتح أمامه فرص الانتشار والخلود..<br><br>إن أرضنا خصبة أيها العزيز الذي يفلح أرض الأنفس والضمائر والقلوب والأرواح، ويبذر فيها الأخلاق والقيم الخيِّرَة والرُّؤى السليمة والقوة المنقذة بالإبداع والكَلِم الطيب والفكر البناء والرُّؤى والقيم. إن مسؤوليتنا مكلفة يا حامل الحرف، وليس هناك ما يُسوِّغ أن نبقى في مجاهل أرض بعيدة أو غريبة مهما وجدنا فيها من صنوف الراحة والاستقرار والأمن و" نعمة" اجترار ما يريحنا ويسعدنا ويمتعنا.. فهناك دم أطفال ونساء ورجال يراق ظلماً وعدواناً، وهناك من يبذل دمه ويعاني في المعتقلات والسجون ويضحي بالكثير لمواجهة الظلم والقهر والعدوان والاحتلال والعنصرية البغيضة، وهناك مَن يضحون مِن أجل الحرية والعدالة والمبدأ والحق في الحياة، ومَن يموتون من أجلنا ومن أجل تأكيد الانتماء بكل معانيه، ونضال يومي يُخاض في وطننا ضد العدو الصهيوني والمحتل وداعموه وضد الطغيان والاستبداد والظالم، وضد من توطَّن في نفوسهم ورؤسهم الغزو الثقافي، والتبعية ومولاة أعداء الأمة والدونية والاستسلام للهوان، ومن سكنتهم أمراض الطائفية والتعصب والتطرف وفسدت رؤاهم ومعاييرهم الوطنية والقومية والأخلاقية، وغاصوا في الإثم والدم، وغدا القتل عملاً من أعمالهم اليومية، والسكوت عليهم مشاركة لهم في الجريمة ومضاعفة للإجرام، وخطراً على الوجود.. من دون أن يطالهم عقاب، أو يحكمهم قانون، أو يردعهم ضمير أو يلجمهم عقل ودين وخُلُقٌ.<br><br><strong>وإنما الأممُ الأخلاق ما بقيَت&nbsp; &nbsp; &nbsp; فإن هُمُو ذهبَتْ أخلاقُهم ذَهبوا</strong></p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[موقع 180 مقالات]]></author>
                <guid>15028</guid>
                <pubDate>Sat, 17 Sep 2022 18:06:09 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[د. عمار علي حسن يكتب: المعاني الكامنة في سيرة نجيب الريحاني]]></title>
                <link>د-عمار-علي-حسن-يكتب-المعاني-الكامنة-في-سيرة-نجيب-الريحاني</link>
                <description><![CDATA[<p style="text-align:justify;">لم يمت الفنان الكبير نجيب الريحاني عام 1949 بل عاش إلى الآن، ذهب جسده وبقي فنه، ثم أخيرًا ظهرت سيرته المكتملة عن “دار بتانة” بالقاهرة.</p><p style="text-align:justify;">من عثر عليها، وقال إن سيرته التي نشرت من قبل كانت ناقصة، وهو الشاعر والمؤرخ الأدبي الأستاذ شعبان يوسف، يتهم “دار الهلال” بأنها حذفت أشياء إيجابية عن “الملك فاروق” من تلك السيرة، بعد قيام “ثورة يوليو” 1952، وحديثها البائد عن “العهد البائد” بشخوصه وأفكاره ومقتنياته.</p><p style="text-align:justify;">المهم أن السيرة الآن باتت بين أيدينا، وهي لواحد من عمالقة التمثيل في العالم العربي، مسبوقة بدراسة مستفيضة لشعبان يوسف.</p><p style="text-align:justify;">وملحوقة بعدد وافر من المقالات التي كتبت عن الريحاني للكبار من أمثال عباس العقاد ويحيى حقي ونعمان عاشور ومحمد تيمور وزكي طليمات وصلاح عبد الصبور وسعد الدين وهبة وسعد أردش وأحمد عباس صالح.</p><h2 style="text-align:justify;"><strong>أسباب كتابة مذكرات نجيب ريحاني</strong></h2><p style="text-align:justify;">انبرى يوسف في دراسته تلك للدفاع عن الريحاني، ورد عنه كل قدح فيه، وفسر أسبابه، واستشهد في هذا على ما ذكره عنه من قدروا له دوره الفني، ورثوه حين غاب، ثم أضاف إليه ما وجده في أرشيف هذه الفترة من كتابات عن الفن والثقافة والسياسة والمجتمع، ومن قريحته كناقد أدبي.</p><h3 style="text-align:justify;"><strong>دنو الأجل</strong></h3><p style="text-align:justify;">قرأت هذه السيرة وما سبقها ولحقها، ودار في رأسي سؤال: لماذا كتب الريحاني سيرته؟ وظني أنه فعل هذا لأسباب، ليست بخافية على كثيرين، أولها شعوره بدنو الأجل.</p><p style="text-align:justify;">إذ شرع فيها بينما كانت صحته تعتل وهو يمضي في الثامنة والخمسين من عمره، وكانت علته مضنية إلى درجة أن الأطباء نصحوه بألا يقف مرة ثانية على خشبة المسرح، أو أمام الكاميرا.</p><p style="text-align:justify;">لكنه خالفهم في هذا، وكأنه يردد ما قاله نجيب محفوظ فيما بعد ناظرًا إلى قلبه الذي أتبعه الهوى: “والله ما أسقمني إلا الشفاء”.</p><h3 style="text-align:justify;"><strong>الاعتزاز بفن التمثيل</strong></h3><p style="text-align:justify;">السبب الثاني هو اعتزاز الريحاني بدوره في الحياة عمومًا، وفي فن التمثيل خصوصًا، فهو واحد من المؤسسين الكبار، أعطى الفن عمره وأخذ منه الذيوع والمجد والمال، الذي كان لا يستقر في جيبه طويلًا، فظل يتقلب بين عيشين متناقضين، ملك متوج وشحاذ بائس.</p><h3 style="text-align:justify;"><strong>حدس نجيب الريحاني</strong></h3><p style="text-align:justify;">السبب الثالث هو حدس الريحاني الذي كان يدرك، على ما يبدو، أن المسرح سيضيع، وهو ما جرى بالفعل، فقد بقيت أفلام السينما، وقديمها يعاني الآن من عطب ويحتاج إلى ترميم للصوت والصورة.</p><p style="text-align:justify;">أما المسرح القديم فلم يتم تصويره إلا بعد ظهور التلفزيون في مصر، وهذا كان بعد رحيل الريحاني بسنوات، وبمرور الوقت بات المسرح الجديد نفسه يعاني من إهمال.</p><p style="text-align:justify;">من يكتب مسرحية لا يجد من ينشرها، وإذا رزق النص بمن يقوم بتمثيله فإن أغلب العروض ما أن تبدأ حتى تنتهي، لأن الجمهور تغيرت وجهته.</p><h3 style="text-align:justify;"><strong>الاختلاف على شخصية الريحاني</strong></h3><p style="text-align:justify;">السبب الرابع أن الريحاني كان يشعر أنه شخصية خلافية، فهناك من يرفعه إلى عنان السماء، وهناك من يرميه إلى أسفل سافلين، فرأى أن يفصل هو بين الفريقين بكتابة سيرته، ليروي عن نفسه، ولا يترك هذا لغيره.</p><h3 style="text-align:justify;"><strong>تعويض الغياب عن المسرح والسينما</strong></h3><p style="text-align:justify;">الخامس هو أن الريحاني أراد أن يُسّرِي عن نفسه بعد أن تدهورت صحته ولم يعد قادرًا على الاستمرار في فنه، وربما رأى في كتابة مثل هذا النص ما يعوض الغياب عن خشبة المسرح وشاشة السينما.</p><h3 style="text-align:justify;"><strong>رسالة شكر وامتنان</strong></h3><p style="text-align:justify;">السبب السادس هو رغبة الريحاني في أن يبدي عرفانًا شديدًا لمن ساهموا في صناعته كفنان، ويبدي غبنًا من أولئك الذين أرادوا أن يعرقلوا مسيرته.</p><p style="text-align:justify;">صاغ الريحاني مذكراته بلغة شفاهية أو محكية فبدا وكأنه يسامر القارئ، وهي مسألة يعرفها من عاصروا مسرح الريحاني أو شاهدوا أفلامه.</p><h2 style="text-align:justify;"><strong>الريحاني بين المسرح والسينما</strong></h2><p style="text-align:justify;">إذ بدا لي أنا شخصيًا كقارئ أن الريحاني يجلس إلى جانبي، وكل حرف مكتوب في تلك السيرة تخيلته منطوقًا بلسان كاتبها، وبطريقته الساخرة، التي يمتزج فيها الضحك بالبكاء.</p><p style="text-align:justify;">لا سيما أن الكاتب تحدث بضمير “الأنا”، الحميم في كتابة السير الذاتية، وأعطانا مقاطع صغيرة متتالية، أو دفقات محكية بسيطة، منشغلًا فقط بالفن وما يتعلق به، ومبتعدًا إلى حد كبير عن ذكر السياق السياسي ـ الاجتماعي الذي كان يحيط به.</p><p style="text-align:justify;">تضمنت مذكرات الريحاني أشياء عن تطور المسرح المصري، وبداية ظهور السينما والمخاوف التي كانت تنتاب الواقفين على خشبات المسرح من الوقوف أمام أضواء الكاميرات.</p><p style="text-align:justify;">ثم علاقة الفن المصري بالعربي، وما لعبه عرب المهجر من دور فني في بلاد الغربة، وكذلك بعض ما يدور في مجتمع أهل الفن.</p><h2 style="text-align:justify;"><strong>المعاني الكامنة في سيرة الضاحك الباكي “نجيب الريحاني”</strong></h2><p style="text-align:justify;">هناك كثير من الأشياء المضمرة في هذه السيرة، والمعاني الكامنة في سطورها، والتي من الممكن أن تفيد من يقرؤها.</p><h3 style="text-align:justify;"><strong>السعي وراء الهدف</strong></h3><p style="text-align:justify;">أولها أن يسعى الإنسان خلف الهدف الذي يحلم به، ويتخفف من كل ما يعيقه، ويمتلك في هذا روحًا متمردة، فالريحاني تمرد على الوظيفة براتبها المضمون، وتسلسها المأمون، وذهب إلى الفن خالي الوفاض، لا يعرف كيف يدبر قوت يومه، ولأنه أخلص لحلمه فقد نال ما يريد.</p><h3 style="text-align:justify;"><strong>لا يأس مع الحياة</strong></h3><p style="text-align:justify;">المعنى الثاني هو أن يوقن الذاهب إلى هدفه بأن الحياة فيها كثير من التعرجات، وأنها تمضي بين صعود وهبوط، وقيام وقعود، وغفوة ويقظة.</p><p style="text-align:justify;">المهم ألا ييأس الإنسان في لحظات الهبوط والقعود والغفوة، فحياة الريحاني مضت على هذا المنوال، من نجاح مبهر، إلى فشل ذريع، ثم نجاح جديد، لكن الستار أسدل على حياته بعد أن كانت أسطورته الفنية قد اكتملت.</p><h3 style="text-align:justify;"><strong>رسالة الفن قائمة</strong></h3><p style="text-align:justify;">المعنى الثالث يخص ذلك الجدل الذي يدور عن فردية الفن وذاتيته، فهنا يعلمنا الريحاني أن تلك الذاتية ليس بوسعها أن تجور على “الجماعية”، إذ إن الفنان يتأثر بمن حوله، والممثل لا ينجح وحده، إنما حين يجد النص الجيد، والمخرج الجيد، والمصور الجيد أيضا.</p><p style="text-align:justify;">في الوقت ذاته يمكن أن ندرك من هذه المذكرات أن رسالة الفن هي الفن نفسه، وأن المحاولات البائسة لتحويله إلى وعظ أو منشور أو أيديولوجيا تضر دوره، وتطفئ بريقه، وتُذهب عنه الإبداع والاختلاق.</p><h3 style="text-align:justify;"><strong>دور السلطة في حياة الفن</strong></h3><p style="text-align:justify;">أما الرابع فيتعلق بدور السلطة في حياة الفن، وهي متنوعة بين سلطة سياسية ودينية واجتماعية، والأولى والثانية أخف وطأة من الثالثة.</p><p style="text-align:justify;">الريحاني لم يضنه نقد السلطة السياسة له، متمثلة بالأساس في الملك عبد الله عاهل الأردن الأسبق الذي لم يرق له عرضًا للريحاني في عمَّان، ولا باتهام السلطة له في مصر بأنه ينتصر في إحدى مسرحياته للاستعمار الإنجليزي، وهي مسألة نفاها الريحاني تمامًا.</p><p style="text-align:justify;">كذلك لم تضنه السلطة الدينية حين غضب الأزهر والكنيسة والمعبد اليهودي عليه وقت عرض مسرحية “حسن ومرقص وكوهين”، لكن أضناه غضب الجمهور منه أحيانًا، حين تم اتهامه بالإسفاف والسخرية من “ابن البلد”، لا سيما مع مسرحياته عن “كشكش بيه عمدة كفر البلاص”.</p><h3 style="text-align:justify;"><strong>علاقة الفن بالصحافة</strong></h3><p style="text-align:justify;">الخامس يرتبط بعلاقة الفن بالصحافة، وكيف يمكن للأخيرة أن تلعب دورًا كبيرًا من خلال النقد الأمين والخلاق في تطوير الفن، والعكس صحيح.</p><h3 style="text-align:justify;"><strong>المنافسة الشريفة</strong></h3><p style="text-align:justify;">السادس، وهو القديم المتجدد، يتمثل في “الملكية الفكرية”، فقد وجد الريحاني من يقلدون الشخصية التي اخترعها، وهي “كشكش بيه” في لبنان والمهجر وحتى في سوق روض الفرج، وكل مقلد كان يزعم أنه الأصل، وأن الريحاني هو من يقلده.</p><p style="text-align:justify;">السادس هو ما تعطيه المنافسة الشريفة للفن من قدرة على التطور والتجدد المستمرين، وهي مسألة ظهرت من خلال التنافس الشديد بين الريحاني وعلي الكسار، وكيف كان كل منهما يرد على الآخر بمسرحية جديدة يتابعها الجمهور في شغف.</p><p style="text-align:justify;">أما السابع فيخص روح مصر، التي اعتادت دومًا احتضان الغريب، ومنحه الفرصة كاملة، فالريحاني تعود جذوره إلى العراق، لكن المصريين تعاملوا معه دومًا على أنه من غرس أرض النيل.</p><h2 style="text-align:justify;"><strong>وفاة نجيب الريحاني</strong></h2><p style="text-align:justify;">مات الريحاني، الذي طالما أضحكنا وهو يخفي عنا دموعه الدفينة قبل قيام ثورة يوليو بثلاث سنوات، وقد يكون مات في الوقت المناسب.</p><p style="text-align:justify;">ربما لو امتد به الأجل لطلب منه أن يخصص مسرحياته لخدمة توجهات ضباط يوليو السياسية، وهي ما وجد غيره نفسه مضطرًا إلى التساوق معها وهو مرغم.</p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[موقع 180 مقالات]]></author>
                <guid>14999</guid>
                <pubDate>Wed, 14 Sep 2022 18:32:15 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[امير تاج السر يكتب: النصوص والاقتباسات]]></title>
                <link>امير-تاج-السر-يكتب-النصوص-والاقتباسات</link>
                <description><![CDATA[<p style="text-align:justify;"><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">أثناء مرورنا في مواقع التواصل الاجتماعي، أو أي مواقع أخرى فيها من يهتم بالقراءة والكتابة، وحتى في يوتيوب، ذلك الموقع الكبير الممتلئ بكل شيء، نعثر على أقوال لأشخاص معروفين، رددوها في ما مضى غالبا في مناسبات معينة، أو نعثر على اقتباسات من كتب، تزيل باسم الكتاب الذين ذكروها في كتبهم، ويبدو الذين ينقلون كل ذلك، في قمة السعادة، أنهم شاركوا بشيء ذي قيمة.</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">صراحة ليس كل ما يقال أو يكتب جدير بالاعتداد به واعتباره مفخرة أو معرفة يتوجب الامتلاء بها ونقلها إلى الآخرين، خاصة تلك الأقوال التقليدية التي تقال في مناسبات معينة وينتهي تأثيرها في اعتقادي، بانتهاء المناسبات التي قيلت فيها. أيضا تلك التي تقال في أزمنة بعيدة تماما عن الحاضر، وبالتالي ثمة بون شاسع بين وقت إطلاقها وهذا الزمن.</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">بالنسبة للمقتطفات التي قد يلتقطها البعض من القصص والروايات وقصائد الشعر، فهذه في رأيي ليست متفقاً عليها بالضرورة، وتحدثنا كثيرا عن موضوع تذوق الأعمال الأدبية والفنية، وكيف يختلف من شخص لآخر، بحيث تجد أشياء تعجب البعض، وفي الوقت نفسه يعتبرها البعض الآخر، مجرد ثرثرة بلا معنى. ولعلنا جميعا نلاحظ هذا الكم الهائل من الاقتباسات من الروايات، نقرأه بشكل يومي، ودائما ثمة إحساس مني كقارئ، أنه يفرض علي بالرغم من أني قد لا أتذوق بعضه. مثلا عبارة: سنرى يا شمس، أنت أم حبيبتي، المقتبسة قطعا من رواية، إنها عبارة عادية كلاسيكية، لم تضف لتذوقي شيئا جديدا، بينما هي بالنسبة للذي اقتبسها، ونشرها، تعني أشياء كثيرة، على الأقل تسعد ذائقته، وتجعله يركض بها بين صفحات التواصل الاجتماعي.</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">أيضا عبارة مثل: هل لا زلت هنا؟ إنه تساؤل أو سؤال ورد في نص ما، وكان له قطعا ما يبرره، وأيضا له إجابة بالتأكيد، حتى لو كانت إجابة مقتضبة، أو صامتة بهز الوجه، أو لا إجابة لكن سيصف الكاتب، كيف امتنع الشخص عن الرد وأدار ظهره للسائل ومضى. أما إيراده كمقتبس جميل فهو شيء غير منطقي، وأنا كقارئ لن أعبر بهذا النص المقتبس، من دون أن أتساءل: ماذا يعني؟</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">هنا بالتأكيد لا يعني شيئا، إنها جملة خالية من المعنى، لأنها وردت في هيئة سؤال بحاجة إلى إجابة.</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">وكنت سألت مرة أحد المهتمين بهذه الاقتباسات، ونشر جملة من إحدى رواياتي، لم تكن بالنسبة لي أكثر من جملة داخل رواية، تعطي معناها حين تقرأ داخل الرواية، سألته:</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">ما الذي أعجبك في هذه الجملة؟</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">قال لي كلاما كثيرا لم أهضمه صراحة، إنه مدح مفرط للجملة التي قرأتها مرات عدة بعد ذلك، ولم أجد فيها كل هذا الطرب.</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">قد يقول أحدهم، إن رأيي كان مصادرة لرأي القارئ، الذي هو حر في اختيار ما يشاء ليقرأه ويقتبس منه.</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">وهذه حقيقة، لكن من حق أي شخص آخر أيضا أن يتساءل عن السبب في إعجاب القارئ بنص ما، وربما يكون هناك سبب غامض على القارئ إضاءته.</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">بالنسبة للقدم، وعودة بعض النصوص إلى زمن بعيد، لا يمت لهذا الزمن بصلة، ولا توجد ثمة حلقة من الوصال تصله به، فقد أعدت هذه الأيام قراءة مجموعتين قصصيتين للكاتب الروسي أنطون تشيخوف. طبعا من إنتاج القرن التاسع عشر، وتشيخوف من الذين يحظون بقدر كبير من احترام المقتبسين، حيث تتكرر كثير من جمله المأخوذة من داخل نصوصه القصيرة.</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">لا أذكر متى قرأت لتشيخوف آخر مرة، لكن قطعا منذ سنوات طويلة، أيام كنت أتأسس كقارئ لا كاتب، وهو وكل الكتاب الروس المخضرمين، أمثال ليف تولستوي وديستوفسكي، تمت ترجمتهم مبكرا، حيث كان الناس في وقت ما مغرمين بالاشتراكية، ويساهمون في نشر أدب روسيا. كما أن عددا كبيرا من العرب تلقى تعليمه العالي هناك، لكن قطعا لم تعجبني القراءة هذه المرة. أحسست بها بعيدة عن تذوقي الحالي، واستغربت لماذا تعاد طباعة أعمال قديمة جدا في هذا الزمن، ولا ينقصنا الأعمال بكل تأكيد، فنحن ننتج القصص والروايات بصورة تشبه إنتاج الخبز، ولدينا دور نشر تشبه المخابز كثيرا، حيث ترص الأعمال الأدبية في المطابع، وتلتقط ما «يتحمص» منها لتوزعه.</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">هذا بالتأكيد ليس انتقاصا من تشيخوف، فقد كان في زمنه كاتب عظيما، ولا الأدب الكلاسيكي كله، فقد استفدنا كثيرا منه، من أجل أن نتطور. إنما أردت أن أبين اختلاف التذوق بعد مضي زمن من التعرف على الكاتب، ولو منحت لكاتب معاصر قصة مثل «حال العمال» التي يصف فيها الكاتب تعاطف طبيب شاب مع فتاة مصابة بحالة نفسية، بالرغم من ثراء أسرتها، وامتلاكها لكثير من المصانع والأطيان، لربما كتبها بصورة أفضل. وصراحة لم أحس بأي دهشة أو إعجاب أثناء القراءة، وبحثت عن جملة تصلح اقتباسا لأرى كيف يحدث ذلك، فلم أعثر. كانت القصة كلها نصائح من الطبيب بضرورة الاسترخاء، والتنفس ببطء، وشد الغطاء جيدا أثناء النوم، وعدم الخوف من رؤية الكوابيس، وهكذا، كان الأمر درسا في الإيجابية بلا شك، لكنه لم يكن درسا في الإبداع.</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">في مقابل كل هذا، توجد اقتباسات حقيقية، اقتباسات ذات جدوى، معظمها من الشعر مما يدعم كلامي الذي أردده دائما، إن الشعر أكثر احتمالا للمأساة، ومحاولة ترميمها من النثر.</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">تمر علينا في الحقيقة اقتباسات من شعر لوركا، وآرثر رامبو، ومحمود درويش وعبد الله البردوني، والجواهري وسعدي يوسف، وغيرهم من الشعراء القدامى والمعاصرين، وهذه نتذوقها كلنا بكل تأكيد</span></p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[موقع 180 مقالات]]></author>
                <guid>14871</guid>
                <pubDate>Sun, 04 Sep 2022 13:47:33 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[فاطمة ناعوت تكتب: نجيب محفوظ.. العصىُّ على الغياب]]></title>
                <link>فاطمة-ناعوت-تكتب-نجيب-محفوظ-العصىُّ-على-الغياب</link>
                <description><![CDATA[<p style="text-align:justify;"><strong>فى أحد لقاءاتنا بالخالد «نجيب محفوظ» عام ٢٠٠٣، وفى ڤيلا الدكتور «يحيى الرخاوى» بحى المقطم، مِلتُ نحوه وهمستُ بسؤال: «أستاذ نجيب، هل تذكر اسم طاعنك؟»، فابتسم بوهنٍ وحرك رأسَه دلالة النفى، ثم همس لى: «لكننى سامحته!».. هكذا العمالقةُ أمام الصغار. الكبارُ يغفرون للصغار طيشَهم وحماقاتِهم؛ لأنهم يدركون أن الصغارَ لا يعلمون ماذا يفعلون.</strong></p><p style="text-align:justify;">ونحن كذلك لا نذكر اسم المجرمَيْن اللذين طعنا عنق «نجيب محفوظ»، لكننا نعرفُ «نجيب محفوظ» العصىُّ على النسيان. ولا نعرف اسم قاتل شاعر العرب أبى الطيب المتنبى، لكننا نعرفُ «المتنبى»، لأن قصائده تملأ الدنيا ولا يخبو جمالُها مع القرون. ولا نعرفُ اسم الأُمى الذى اغتال «فرج فودة»، لكننا نعرفُ جيدًا «د. فرج فودة»، لأن مشعله لا يزال وهاجًا وسيظل. نحن لا نعرفُ اسمَ قاتل عالمة الذرّة المصرية النابغة «سميرة موسى» فى أحد وديان أمريكا الموحشة، لكننا نعرف من هى «سميرة موسى» وما كانت ستؤديه لمصر لو لم تغتلها يدُ الموساد الآثمة وهى فى وهج جمالها. نحن لا نعرفُ اسم الكاهن الذى كفّر جاليليو وحكم عليه بالموت، لكننا نعرف «جاليليو جاليلى» وكشوفاته المدهشة فى علوم الفلك والفيزياء. نحن لا نذكر اسم شانق «عمر المختار»، المناضل الليبى النبيل، لكننا نعرف «عمر المختار» ونذكر مقولته: «سيكون عمرى أطول من عمر شانقى». هل يعرف أحدكم اسم صالب «الحلاج»، أو قاتل «السهروردى»، أو من سحل «هيباثيا» من جدائلها، والذين كفّروا «ابن عربى» و«ابن الفارض» و«ابن رشد» و«ابن المقفع» و«لسان الدين الخطيب» و«نصر حامد أبوزيد» و«طه حسين».. وغيرهم المئات من نوابغ العالم وعظماء التاريخ؟!.. لا، إنما نعرف تلك الرموز التى لا يخبو ضوؤها، وأما قاتلوهم الخاملون، فمحلّهم خانة النسيان المعتمة.. ويؤكد لنا التاريخُ أن أولئك العظماء النبلاء الذين اغتالتهم يدُ الجهل والتكفير والحسد، أعمارهم أطولُ من أعمار قاتليهم.</p><p style="text-align:justify;"><strong>لا أحد يذكر اسم طاعن نجيب محفوظ ولا من كفّروه وأهانوا تراثه، لكننا نعرف قيمة «نجيب محفوظ»، ونحفظ رواياته ونرى شخوصها تعيش بيننا، ونعرف أن أمس الأول: ٣٠ أغسطس، يوافق الذكرى السادسة عشرة ليوم مغادرته هذا العالم العنصرى ضيّق الأفق إلى حيث عالم آخر شاسع رحب لا يضيق بالإبداع والخيال والعلم والحبّ والفكر المختلف، بل يقدّر الفن الرفيع ويحترم «العقلَ»، هدية الله الأولى للإنسان.</strong></p><p style="text-align:justify;"><strong>للتاريخ مصفاةٌ قاسيةٌ عمياء لا تجامل. تُسقط الحَصى البليد، وتُبقى الدُّرَّ الثمين. يذكرُ التاريخُ فرائدَ العظماء، ويمحو من كتابه النكراتِ المهاويس الذين قتلوهم أو طعنوهم أو كفّروهم أو اغتالوهم معنويًّا وأدبيًّا أو أقاموا ضدهم دعاوى قضائية. لهذا نبتسمُ فى إشفاق حين يلاحقنا البلداءُ بالقضايا ويقضون أعمارهم فى قاعات المحاكم فى محاولات دؤوب لجرّنا إلى السجون. لأننا نعرف أننا موجودون حتى وإن قضينا نَحبنا فى عتمات السجون، بينما هم منسيون وإن عاشوا ألف عام.</strong></p><p style="text-align:justify;"><strong>في أحد لقاءاتنا الأخيرة معه فى فندق شبرد، انتبهتُ إلى أننى- على كثرة ما أقتنى من روايات «نجيب محفوظ»- لم أحظَ بعدُ بتوقيع منه على أىٍّ منها؟!.. نهضتُ من مقعدى وركضتُ إلى فندق سميراميس المواجه، وارتقيتُ الدَّرجَ إلى حيث المكتبة التى تضمُّ أعمال الكاتب الكبير. امتدت أصابعى رأسًا إلى «الطريق»، الرواية الأقرب إلى قلبى، حيث «البحث عن هوية»، «البحث عن حُلم». وعدتُ إلى صالون الأستاذ ركضًا، وكان الأستاذُ ينتظرُ بقلمه كى يوقّع باسمه على الرواية وعلى («الطريق»: نجيب محفوظ،...).</strong></p><p style="text-align:justify;"><strong>بعد حادثة الخنجر، أصبح يكتبُ ببطء شديد وبحروفٍ كبيرة. بعدما كتب اسمَه فى دقائقَ طوالٍ كأنها الدهرُ؛ حاولتُ سحبَ الرواية من بين يديه وأنا أشعر بالخجل لما سببته له من جهد وتعب. تمسّكَ الأستاذُ بالكتاب ليكتبَ التاريخ، ثم نظر فى عينى قائلا: «إوعى توقّعى اسمك دون تاريخ!»، وكان درسًا لم أخلفه أبدًا، كلما وقّعت أحد كتبى لقارئ. واستغرقتْه كتابةُ التاريخ خمسَ دقائق أخرى مضافةً إلى الخمس الأولى التى كتب فيها اسمه بخط مرتعش. وصار ذلك التوقيعُ أثمنَ ما فى مكتبتى. دسستُ كتابى/ الكنز فى حقيبتى ثم أخذنى الصمتُ الطويل.. أستمعُ إليه، وأستمتعُ بخفة ظلّه وقفشاته السياسية وإلماحاته الذكية التى تشير إلى نصاعة وعى لم ينل منه تراكمُ العقود وغزارة العمل والطعنةُ الحمقاء.</strong></p><p style="text-align:justify;"><strong>اليوم، أتمّ الأديب نجيب محفوظ عامه السادس عشر بعيدًا عن صخب العالم، بعدما انحنى له العالمُ احترامًا حين حصد لمصر وللعرب «نوبل الآداب» عام ١٩٨٨. لم ننسه، ونسينا الذين على عقولهم أقفالها ممن أفتوا بقتله.</strong></p><p style="text-align:justify;"><strong>«نجيب محفوظ».. كل سنة وأنت أكثر وجودًا وحياةً ممن أخفقوا فى قراءتك.</strong></p><p style="text-align:center;">&nbsp;</p><p style="text-align:center;">&nbsp;</p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[موقع 180 مقالات]]></author>
                <guid>14844</guid>
                <pubDate>Thu, 01 Sep 2022 16:13:07 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[السيد ولد اباه يكتب: العروبة من المنظور الاستراتيجي]]></title>
                <link>السيد-ولد-اباه-يكتب-العروبة-من-المنظور-الاستراتيجي</link>
                <description><![CDATA[<p style="text-align:justify;"><span style="color:rgb(0,0,0);"><strong>العروبة من المنظور الاستراتيجي</strong></span></p><p style="text-align:justify;"><span style="color:rgb(0,0,0);"><strong>استخدام العربية كان العامل الأساس في بناء الهوية العربية ببلدان كثيرة تنتمي اليوم للنسيج القومي العربي يتجاوز حيز الدول والمجتمعات التي نسميها العربية.</strong></span></p><p style="text-align:justify;"><span style="color:rgb(0,0,0);"><strong>كانت اللغة العربية طيلة العصور الوسطى اللغة الأساسية للعلوم والثقافة والفكر في كل العالم الإسلامي، من الشرق الأقصى إلى المجال الفارسي وبلاد ما وراء النهر انتهاء بأفريقيا.</strong></span></p><p style="text-align:justify;"><span style="color:rgb(0,0,0);"><strong>ولم يكن حضور العربية محصوراً بالمجتمعات المسلمة إذ تفيد دراسات تاريخية موضوعية أن جل اللغات الأفريقية بكل مناطق القارة بما فيها جنوبها كانت تكتب بالحرف العربي.</strong></span></p><p style="text-align:justify;"><span style="color:rgb(0,0,0);"><strong>ينبغي توسيع دائرة العروبة نحو تصور لغوي وثقافي بمنظمة دولية مكملة لجامعة الدول العربية باسم الرابطة العالمية للعروبة، لا بالمفهوم القومي بل من المنظور اللغوي والثقافي الأوسع.</strong></span></p><p style="text-align:justify;"><span style="color:rgb(0,0,0);"><strong>* * *</strong></span></p><p style="text-align:justify;"><span style="color:rgb(0,0,0);">كان الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا ميتران يقول إن فرنسا لم يبق لها من أدوات ريادتها العالمية إلا لغتها التي هي اليوم محور نفوذها في ثلاث قارات كبرى، ولهذا النفوذ فوائده الاستراتيجية والاقتصادية البديهية.</span></p><p style="text-align:justify;"><span style="color:rgb(0,0,0);">نجحت فرنسا رغم تراجع لغتها في إنشاء تكتل عالمي للفرانكفونية يضم 88 دولة، أغلبها لا يستخدم اللغة الفرنسية إلا بطريقة محدودة وجزئية، لكن هذه الرابطة هي الذراع الاستراتيجي والثقافي لهذه الدولة الأوروبية التي كانت في السابق مهيمنة على مناطق شاسعة من العالم.</span></p><p style="text-align:justify;"><span style="color:rgb(0,0,0);">كنت في السابق دعوت إلى توسيع دائرة العروبة إلى هذا التصور اللغوي والثقافي، بإنشاء منظمة دولية مكملة لجامعة الدول العربية بإسم الرابطة العالمية للعروبة، لا بالمفهوم القومي الخاص وإنما من المنظور اللغوي والثقافي الأوسع. لا يخفى على أحد أن استخدام اللغة الذي كان هو العامل الأساس في بناء الهوية العربية في كثير من البلدان التي تنتمي اليوم إلى النسيج القومي العربي يتجاوز بكثير حيز الدول والمجتمعات التي نطلق عليها صفة وتسمية العربية.</span></p><p style="text-align:justify;"><span style="color:rgb(0,0,0);">لقد كانت اللغة العربية طيلة العصور الوسطى اللغة الأساسية للعلوم والثقافة والفكر في كل العالم الإسلامي، من الشرق الأقصى إلى المجال الفارسي وبلاد ما وراء النهر انتهاء بأفريقيا.</span></p><p style="text-align:justify;"><span style="color:rgb(0,0,0);">ولم يكن هذا الحضور محصوراً في المجتمعات المسلمة، إذ تفيد الدراسات التاريخية الموضوعية أن جل اللغات الأفريقية في كل مناطق القارة بما فيها جنوبها كانت تكتب بالحرف العربي.</span></p><p style="text-align:justify;"><span style="color:rgb(0,0,0);">في هذا السياق، كان الرئيس السنغالي الأسبق ليبولد سيدار سنغور (المسيحي) يقول إنما يزعمه علماء الاثنولوجيا الأوربيون من أن الثقافة الأفريقية شفهية غير مكتوبة لا ينسجم مع الواقع التاريخي، مستشهدا بتراث مدينة تمبكتو (المالية حاليا) الذي يضم آلاف المخطوطات العربية النفيسة في كل المجالات.</span></p><p style="text-align:justify;"><span style="color:rgb(0,0,0);">وفي دراساته المهمة حول الفلسفة الأفريقية، ذهب سليمان بشير ديان إلى أن الإسهامات الفلسفية الأفريقية المهمة تمت من داخل مدرسة تمبكتو في العصور الوسطى وكانت عن طريق اللغة العربية.</span></p><p style="text-align:justify;"><span style="color:rgb(0,0,0);">لقد اتجه الكثير من الدول الأفريقية راهناً إلى اعتماد اللغة العربية لغة دراسة وعمل، كما هو شأن تشاد والنيجر ومالي وإريتريا وبعض مناطق نيجيريا. وهي كلها بلدان لا تنتمي إلى جامعة الدول العربية لكنها تعتز بتراثها الثقافي العربي.</span></p><p style="text-align:justify;"><span style="color:rgb(0,0,0);">قبل سنوات، حضرت في دكار ملتقى كبيرا للشعراء الأفارقة الناطقين بالعربية، وفوجئت بأن عشرات الشعراء من العديد من البلدان الأفريقية لا يقلون شأناً في الإبداع والاعتزاز بالروح الأدبية العربية عن نظرائهم من العرب.</span></p><p style="text-align:justify;"><span style="color:rgb(0,0,0);">بل إن العديد من حواضر العلم والتراث الأفريقية مثل تمبكتو وجني وكنو وطوبى وتيواون وكولخ لا تزال إلى اليوم مدناً عربية يتحدث أهلها اللسان العربي، ويدرسون في معاهد وجامعات أهلية ناطقة بالعربية.</span></p><p style="text-align:justify;"><span style="color:rgb(0,0,0);">إن هذا الرصيد التاريخي والتراثي الهائل لم يستثمر بالطريقة الصحيحة والناجعة عربياً، رغم الخطوات الجبارة التي قطعت في السبعينيات ضمن توجهات الشراكة العربية الأفريقية التي شكلت في ذروة الحرب الباردة وحركة عدم الانحياز محوراً أساسياً من محاور الدبلوماسية العربية.</span></p><p style="text-align:justify;"><span style="color:rgb(0,0,0);">والواقع أن برامج الشراكة الاقتصادية والتنموية التي مولها العرب بسخاء في تلك الفترة، لم تنطلق من هذه الخلفية الثقافية الاستراتيجية أي النظر إلى العروبة كرابطة مشتركة يمكن أن يؤسس عليها تصور جيوسياسي مكين، بدلاً من ترك الدول الأفريقية فريسة لصراع الكومونولث الانجليزي والفرانكفونية الفرنسية.</span></p><p style="text-align:justify;"><span style="color:rgb(0,0,0);">في أيام إشراف العلامة السوداني محي الدين صابر على المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم طرح مشروع تعليم العربية لغير الناطقين بها الذي استهدف على الخصوص الأفارقة المسلمين ضمن مقاربة واسعة لتدعيم موقع اللغة العربية في الحقل الثقافي التربوي الأفريقي.</span></p><p style="text-align:justify;"><span style="color:rgb(0,0,0);">وكان من بين مكونات هذه الاستراتيجية الإسهام في كتابة اللغات الأفريقية بالحرف العربي (على غرار الفارسية والأوردية ). وكان محي الدين صابر يدعو إلى توسيع جامعة الدول العربية إلى كل الدول الناطقة ولو جزئيا بالعربية، كما كان الشأن بالنسبة للصومال وجيبوتي أوانها وجزر القمر لاحقا.</span></p><p style="text-align:justify;"><span style="color:rgb(0,0,0);">قد لا يكون هذا المشروع واقعيا اليوم، ولا هو خيار بالنسبة للدول الأفريقية ( وبعض الدول الآسيوية المسلمة) الناطقة بالعربية، لكن ربما يكون من المناسب الشروع عملياً في بناء التكتل الدولي الموسع للبلدان ذات الرصيد العربي المشترك في اللغة والثقافة.</span></p><p style="text-align:justify;"><span style="color:rgb(0,0,0);">هذا التكتل سيكون في حال تأسيسه قوة دولية وازنة وظهيراً منيعاً للعالم العربي، تجسيدا لما يدعو إليه جل العرب من تشبث بالتنوع الثقافي والتفاعل الحضاري المثمر.</span></p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[موقع 180 مقالات]]></author>
                <guid>14826</guid>
                <pubDate>Tue, 30 Aug 2022 15:19:02 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[عمار حسن يكتب: الشاعر الفلسطينى «محمود درويش».. ذكرى لا تموت]]></title>
                <link>عمار-حسن-يكتب-الشاعر-الفلسطينى-«محمود-درويش»-ذكرى-لا-تموت</link>
                <description><![CDATA[<p style="text-align:justify;"><strong>فى التاسع من أغسطس سنة 2008، رحل الشاعر الكبير محمود درويش مكتملا، وحط عن كتفيه وطنه المثخن بالجراح ودفاتر شعره المفعم بالألم والأمل. مر إلى محطته الأخيرة فوق جسر عريض يصل الأدب بالسياسة ويربط الحداثة بالقضية، وعلى جانبيه ترفرف أزهار شعره الفياض الأخاذ الموشّى ببلاغة آسرة وجمال بديع. وشاء الله أن يحط درويش رحاله الآن قبل أن تراوده لعبة الفراغ أو يساوره شك فى أن الشعر الخالص يكون بالضرورة مجردًا من أى أثقال وأحمال والتزامات، وأن الشاعر الكبير هو الذى يسير إلى العالم فوق حطام الأطر العامة والسرديات الكبرى، داهسا بقدميه الأفكار والأوطان والقيم وكل حبل سرى يربط الفرد بجماعته، وأن الوصول للعالمية يتطلب فك الارتباط بمسار الماضى المشحون بحب عصافير الجليل، والجلوس فوق هامة جبل الكرمل، والذهاب إلى ما وراء البحار بعينين لا يرتد فيهما ظل العلم، وفم لا يعذبه النشيد، وأقدام لم يعفرها يومًا تراب الوطن</strong></p><p style="text-align:justify;"><strong>ورغم أن درويش لم يسقط يوما بشعره إلى هوة الدعاية الرخيصة، والوعظ البائس، والأيديولوجيات الجامدة التى تقتل أدبية الأدب وفنية الفن، فقد أخذ قبل شهر من رحيله يفكر فى أن يجرح الشريان الذى ربطه بالناس من المحيط إلى الخليج، وينزع بعض لبنات من الجدار الذى استندت إليه تجربته الشعرية كلها واستراحت، مدفوعا بقنوط من المقاومة التى أغوتها السلطة، والسلطة التى استعبدها الفساد، والأخوين اللذين التقيا بسيفيهما.</strong></p><p style="text-align:justify;"><strong>وقف درويش فى آخر أمسية أحياها بمدينة «إرل» الفرنسية ليعلن هجره السياسة ووصله الشعر، ناسيًا أن الأولى كانت لديه المادة الخام التى أطلق فى أوصالها سحر اللغة، وفتنة الصورة، وطرب الموسيقى؛ ليصنع شعرا غير مسبوق فى تاريخ العرب المعاصر، منح صاحبه وظيفة حياتية، ونحت له دورا ظاهرا، وأفسح لقدميه مكانا مريحا فى الزحام، حتى صار رمزا مكتمل الملامح لوطن عصىّ على الاقتلاع والفناء، وخريطة تزهو فى الذاكرة وتصل الماء بالماء مهما تآكلت حدودها وطمست معالمها.</strong></p><p style="text-align:justify;"><strong>كاد درويش أن ينسى فى لحظة عابرة أن قلوب العرب استضافته واحتضنته، وعقولهم قد عولت عليه بعد أن أنشدهم كلمات أقوى من القنابل، ودما بوسعه أن ينتصر على السيف، وضحية تعذب الجلاد، وسجينا أكثر سعادة من السجان. ولم يكن أحد بوسعه أن يغفر له لو خلع رداءه وذهب إلى العالم مجردا من الحجر والكوفية والحصان والطريق، ولم يكن للذين رفعوه فوق أكتافهم حتى طاولت هامته السماء أن يتركوه قائما لو أنه أشعل النار فى قصائده المكتوبة بالدم والعرق والغرين وزيت الزيتون، واستمع إلى من حاولوا إيهامه بأنه ضحية «القضية» وأن «فردوس الحداثة» لا يدخله إلا من ترك كل شىء وراء ظهره.</strong></p><p style="text-align:justify;"><strong>لم يعن هؤلاء بأن يفتحوا فرجة للحوار مع درويش حول كتاب فرانسيس ستونز «الحرب الثقافية الباردة» أو كتاب تزفيتيان تودورف الأخير «الأدب فى خطر»، ولم يستفيضوا فى الكلام معه عن سر خلود المتنبى وجلال الدين الرومى وطاغور ولوركا وليرمانتوف وناظم حكمت، فقط أرادوا أن يخطفوه فى غفلة من الوطن والناس، بعد أن مارس بعضهم عليه قدرًا من التجاهل لأنه ظل مخلصا للوزن والصورة والمفارقات، وأغمضوا عيونهم عن المسارب التى حفرها درويش بين «التفعيلة» و«النثر»، وبين الخاص والعام، وبين اليومى العابر والمكنوز فى جعبة التاريخ، وتعمدوا أن يهيلوا التراب على حقيقة جلية كشمس الظهيرة تقول إن درويش كتب للعشق والموت والمطر والشجر والرضا والغضب والقلق والاطمئنان، والكثير من المشاعر والقيم الإنسانية العابرة للسدود والحدود والقيود، وأنه حين كتب عن البنادق والخنادق على أرض فلسطين وفى المنافى، فإن كتابته لم تكن أبدا مجرد رصاصة طائشة، ولا حفنة تراب تذروها الرياح، بل كانت عملا إنسانيا بديعا وخالدا، يرى كثيرون فى مشارق الأرض ومغاربها أنفسهم بين حروف كلماته، ويتذوقونه فى ذاته، مستمتعين بجماله المبهر، حتى وإن كانوا من غير المتعاطفين مع شوق قوم درويش إلى الحرية والكفاية والحياة الطبيعية للآدميين.</strong></p><p style="text-align:justify;"><strong>لو أن درويش أمعن النظر مليًا فيما يدور عنه فى عقل ومخيلة أعدائه ـ والحق ما يشهد به الأعداء ـ ما اهتزت شعرة واحدة فى رأسه لمن أشعلوا فى رأسه الظنون عن شاعريته. فها هو سان سوميخ، أستاذ الأدب العربى بجامعة تل أبيب، يراه واحدًا من أكبر شعراء العربية، ويتساوى لديه فى المكانة مع الناقد والمفكر الكبير الراحل إدوارد سعيد، ويقول: «كانت بدايات درويش ضمن حركة الكلاسيكية الجديدة فى الشعر، لكن مع مرور الوقت تفجرت لغته الشعرية الثرية وخلط بين ما هو سياسى وما هو شخصى، فكتب عن الحب والعائلة وخيبة الأمل من دون أن ينسى الإطار العام الذى يحكم كل هذا».</strong></p><p style="text-align:justify;"><strong>وها هو الأديب الإسرائيلى أ. ب. يهوشواع يقول عن درويش فى معرض مقال رثاء باهت: «كان شاعرا كبيرا، ومن يقرأ شعره حتى لو كان مترجما عن لغته الأصلية يتأثر بصورة عميقة من ثراء بلاغته، والحرية الشعرية التى أجازها لنفسه».</strong></p><p style="text-align:justify;"><strong>ولم يُقدَّر لدرويش أن يقرأ ما كتبته عنه كبريات الصحف الأجنبية، فها هى «تيلجراف» تصفه بـ «شاعر المقاومة» و«إندبندنت» تعتبره «الأوديسا الفلسطينية» و«نيويورك تايمز» تقول إن «كلماته المؤلمة عن المنفى والشتات وأبياته العذبة عن الإنسانية جعلته رجل الأدب الفلسطينى، وواحدا من أكبر شعراء العرب المعاصرين».</strong></p><p style="text-align:justify;"><strong>هذا يدل على أن العالم كله لم يرَ درويش إلا ملتصقًا بقضيته العادلة، التى لم يتهمها أحد بأنها نالت من شاعريته وحجزته عن الانطلاق إلى العالمية سوى حفنة مغرضة من النقاد العرب حاولت أن تهبط بقيمة درويش لتعلى من قامة شعراء أقصر، وسعت بخبث ظاهر إلى تجريد الفلسطينيين من أحد أسلحتهم القوية فى معركة المصير، وهو شعر درويش ورفيقيه سميح القاسم وتوفيق زياد.</strong></p><p style="text-align:justify;"><strong>مات درويش قبل أن يفيض بين جوانحه غم أسود مما يجرى بين فتح وحماس، فيكبر داخله القنوط وتصغر القضية ويتسع طريق من وسوسوا له بأن يشرع فى كتابة «نسيان الذاكرة» ويسقط من حساباته «ذاكرة للنسيان»، وأن يهش عن باله أى ضنى وهو يرى الحصان وحيدا ويتيما، والظل العالى ينحسر حتى يموت تحت أحذية الغزاة الثقيلة.</strong></p><p>&nbsp;</p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[موقع 180 مقالات]]></author>
                <guid>14787</guid>
                <pubDate>Fri, 26 Aug 2022 15:45:07 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[غادة السمان تكتب: الجواهري الكبير الذي دعمني ادبيا]]></title>
                <link>غادة-السمان-تكتب-الجواهري-الكبير-الذي-دعمني-ادبيا</link>
                <description><![CDATA[<p style="text-align:justify;">منذ ربع قرن رحل شاعر العراق الكبير مهدي الجواهري، ولم تتح لي الفرصة قبل ذلك لشكره على شهادته بأدبي، ولا أنكر أنها أفرحتني وجعلتني أشعر بالامتنان نحو ذلك العراقي الذي يشبه بلده الكريم:<br>يعطي ولا يأخذ، وكله سخاء نفسي.<br>ففي حوار للشاعر الكبير الجواهري، أصابني حظ من جواهره في ما قاله للزميل الراحل حافظ محفوظ الذي حاوره ولم نكن نعمل معاً في مجلة «الحوادث» يومئذ. سأل محفوظ الشاعر الكبير الجواهري عمن يعجبه من الكاتبات والكتاب.</p><p style="text-align:justify;">كم دعمني بعدما طالعني</p><p style="text-align:justify;">قال الجواهري لحافظ محفوظ حرفياً، رداً على أسئلته، ما يلي: «أنا معجب جداً بما تكتبه غادة السمان. قرأت لها فافتخرت بنفسي وافتخرت بأن تكون للأمة العربية كاتبة بهذا المستوى»، وأضاف الجواهري المزيد إلى شهادته التي أفتخر بها ونشرتها على غلاف العديد من كتبي لأنها تجتذب القارئ (ولن أبرئ نفسي من المباهاة والفخر)!<br>ربع قرن مر منذ اليوم الذي قرأت فيه شهادته الداعمة لأدبي وأنا أقرر الاتصال به وشكره ولقائه، لكننا نتوهم دائماً أن ثمة الكثير من الوقت، فعلام العجلة؟! ثم يداهمنا الزمن كأنه يقول لنا: أيها الحمقى، الموت آت، فإذا كانت لديكم كلمة طيبة لا تؤجلوا قولها. وارتكبت حماقة التأجيل ورحل الجواهري منذ ربع قرن حتى دون أن أقول له كلمة شكراً. كأننا سنعيش إلى الأبد!!</p><p style="text-align:justify;">هل تريد الحياة قرنين؟</p><p style="text-align:justify;">قرأت أن العلماء «يعملون حالياً على تطوير دواء من شأنه أن يطول به عمر البشر إلى 200 سنة» وتفاصيل أخرى كثيرة حول ذلك. من طرفي، لا أريد أن أعيش 200 سنة، ولدي شروطي: أن أعيشها بنضارة الشباب! وأحببت رأي الدكتور ستيل لصحيفة (دايلي ميل) البريطانية الذي لا يرى سبباً بيولوجياً في عدم إمكانية إطالة حياة المرء حتى 200 سنة، لكنني أرى سبباً نفسياً؛ فمع الزمن نفقد الاعتراف بأننا نفقد الكثير من حيوية الشباب وحتى نزواته الجميلة، فهل نريد أن نطيل أعمارنا كشبه جثث في السرير نرقب شاشة التلفزيون ونعجز عن ركوب طائرة للسياحة مثلاً واكتشاف أماكن جديدة في كوكبنا وتنمية صداقات جديدة وربما قصص حب؟</p><p style="text-align:justify;">اعتراف!</p><p style="text-align:justify;">من طرفي، أتمنى أن أموت حين يشاء الخالق وينتهي عمري. لكنني أتمنى أيضاً العودة إلى الحياة مرة واحدة كل قرن، ويوماً واحداً أو كل نصف قرن لأرى ما الذي سيحدث للشعوب في كوكبنا كل نصف قرن.<br>أتمنى أن أرى ماذا سيحدث لفلسطين الحبيبة المحتلة بعد نصف قرن؟ وهل سيظل الإسرائيلي يلعب دور الجلاد؟ هل سيظل المستوطن يقطع أشجار الزيتون والبرتقال؟ وهل سيظل يهدم بيوت الفلسطيني؟ وهل سيظل يخترع لنفسه اسم «المستوطن» بدلاً من «المحتل»؟ أتمنى أن أعود إلى الحياة ليوم واحد كل نصف قرن (أو كل قرن) فقط لأعرف ما سيدور يومئذ في كوكنا على كل صعيد: العلم، العدالة الاجتماعية، التعصب ضد عرق ما، والحروب، والقتلى هدراً بالاختراعات المبيدة، وكل ما يشغلنا اليوم وما أطول القائمة! أريد أن أعيش يوماً كل نصف قرن أو قرن بدافع الفضول! وبدافع الرغبة في الالتقاء بمن فاتني التعرف إليهم، مثلاً الشاعر العراقي الكبير الجواهري، الذي سبقني منذ ربع قرن على الأقل إلى الحياة الباقية (من دنيانا الفانية).</p><p style="text-align:justify;">اتق شر من أحسنت إليه!</p><p style="text-align:justify;">جاء في جريدة (صن) البريطانية حكاية عن أسرة من (برادفور ـ إنكلترا) فتحت بابها للاجئ/لاجئة أوكرانية. توني ولورنا غارنيت أحبا الإحسان إلى من هو/هي في حاجة إلى مأوى إذا كان مهاجراً من حرب أوكرانيا. وهكذا دخلت إلى بيتهما الأوكرانية الشقراء الجميلة صوفيا الشابة (22 سنة)، وبدلاً من الاهتمام بطفليهما ومصادقة ربة البيت لورنا، اهتمت بالزوج! وبعد أسبوعين أغرم الزوج باللاجئة الأوكرانية وتخلى عن أسرته ومضى معها، وهجر زوجته وطفليه!<br>هذه الحكاية التي نشرتها الصحيفة البريطانية (صن) لا تعني رفض أي لاجئ أوكراني في بيت آمن، بل تعني الحذر!</p><p style="text-align:justify;">كان عليّ الحذر منها</p><p style="text-align:justify;">صحافية مبتدئة لبنانية، جاءت تطلب مني حواراً وقالت إذا لم أجب على أسئلتها للصفحة الثقافية، فلن يتم تعيينها في الصحيفة التي أرسلها لي مدير الصفحة الثقافية في الجريدة أيام ازدهار لبنان صحافياً وعلى كل صعيد. وقلت لها باللهجة الشامية (تكرم عينك) سأجيب على أسئلتك الأدبية. أسئلة عادية سبق أن أجبت على ما يشبهها، لكنني قررت أن عليّ مساعدتها، فأنا أحترم الحاجة إلى العمل والراتب الشهري.<br>لكنني حين قرأت أسئلتها، وهي عادية، فوجئت برداءة لغتها العربية؛ ففي كل سؤال أكثر من غلطة، حيث نصبت الفاعل (وأمور مشابهة) بلغة ركيكة، وأدركت أن هذه الشابة لن تستطيع العمل في حقل الصحافة لرداءة لغتها. وهكذا صححت لها الأخطاء في أسئلتها وهي قصيرة جداً، وصرت أعيد كتابة كل سؤال قبل جوابي، فماذا فعلت الصحافية التي حاورتني؟<br>وضعت عنواناً لموضوعها: السمان في دوري السائل والمجيب!<br>وأضحى الحوار نجاحاً كبيراً للصحافية وأنا التي أنقذتها من الطرد من العمل. وتذكرت عبارة «اتق شر من أحسنت إليه».<br>أما الصحافية ب. (لن أذكر اسمها الكامل) فسواي لم يتعامل معها على هذا النحو، وركاكة لغتها لم تعد سراً، ولم تعد تعمل في حقل الكتابة. ولكنها علمتني درساً: اتق شر من أحسنت إليه. ولن أُعيد اليوم كتابة أسئلة كلها أخطاء بخط يدي، بل صرت أتركها على حالها!<br>والبعض يدفع الثمن للأسف، عن قلة وفاء سواه!</p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[غادة السمان]]></author>
                <guid>14733</guid>
                <pubDate>Sat, 20 Aug 2022 14:02:47 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[عمار علي حسن يكتب:تجليات صوفية]]></title>
                <link>عمار-علي-حسن-يكتب-تجليات-صوفية</link>
                <description><![CDATA[<p style="text-align:justify;"><strong>قلبى مقبوض، خامد فى صدرى. أحس أنه يضغط على دمى بقسوة، لكنه لا يدعه ينفلت. سجن صار هو، بل زنزانة لا فتحة فيها لشمس أو هواء، وجدرانها صلدة وزلقة. يهتز جسدى، ليفك حصارى، لكن لا شىء يزول من خوفى.</strong></p><p style="text-align:justify;"><strong>أقول له: أخافك</strong></p><p style="text-align:justify;"><strong>لكن هذا وجل على عجل. فالمريد التائه، الذى هو أنا، لا يلبث أن تسكنه رغبة فى عبث، وشىء من رجاء، ينفرج له الانقباض. تفتح أبواب السجن. تنزاح الزنزانة الضيقة. تنجلى الظلمة الحالكة. ينهمر النور الآتى من بعيد</strong></p><p style="text-align:justify;"><strong>القبض قبضان. شعور بالتفريط، وآخر بالأسى. أسى على ما فرطت فيه، وهو كثير غزير، يُخنق لكنه لا يُميت، وكيف يموت موصول بربه، حتى لو كان يعبث. قبض ليس من نار يتوعدون بها الأشرار، الذين لا يمضون على الأرض هونًا، ولا يجلبون إلى الأرض السلام، ولا يأتون للناس بالمسرة. إنما هو قبض من تذكر تفريط مخلوق فى حق خالقه، وإنكار للنعمة السابغة التى أنعم بها عليه. قبض يصنعه نقص المحبة، أو الشك فى نصاعة القول، وطهر المسلك. قبض لا يلبث أن تهزه النفس اللوامة، التى تسمع صوتًا يأتيها من كل جانب:</strong></p><p style="text-align:justify;"><strong>ـ لا يخاف من ظن بى خيرًا، ولو فى لحظة عابرة، من ليل أو نهار.</strong></p><p style="text-align:justify;"><strong>2- البسط</strong></p><p style="text-align:justify;"><strong>أرجوه فانبسط. تنفرج الشدة، وينفتح السبيل. على باب الرجاء أقف صامتًا، أطرق باب قلبى، وأنتظر. لا أسمع سوى صوت الصمت، فحتى وجيب القلب قد خمد فى غمرة التمنى، لم يمت، لكنه ربما ذاب فى لهف انتظار تقريب وترحيب.</strong></p><p style="text-align:justify;"><strong>هل أنا لا أزال حيًا؟ أسأل، فالصمت التام موت. تأتى الإجابة:</strong></p><p style="text-align:justify;"><strong>ـ الرجاء حياة، والبسط فوق الرجاء.</strong></p><p style="text-align:justify;"><strong>أطمع، وأسأل: هل القبض موت؟</strong></p><p style="text-align:justify;"><strong>تأتى الإجابة:</strong></p><p style="text-align:justify;"><strong>ـ عيشة ضنك.</strong></p><p style="text-align:justify;"><strong>أقول مرتجفًا، حتى تتساقط الحروف تحت قدمى:</strong></p><p style="text-align:justify;"><strong>ـ لك العتبى حتى ترضى.</strong></p><p style="text-align:justify;"><strong>فأسمع صوتًا صافيًا:</strong></p><p style="text-align:justify;"><strong>ـ دام الود مادام العتاب.</strong></p><p style="text-align:justify;"><strong>ينشرح صدرى، وأبسط كفىَّ، لتستقبلا المطر الذى يهطل أمامى على الطريق، فتنبت أزهار لم أرَ لها مثيلًا. يزول الحذر، وتروح الوحشة. تتساوى فى رأسى كل الأمور، صغيرها وكبيرها، وأيسرها وأعسرها، فأمضى فى تسليم وامتثال مطمئنًا حرًا، لا أستوحش شيئًا، ولا أخاف البلوى.</strong></p><p style="text-align:justify;"><strong>3ـ الهيبة</strong></p><p style="text-align:justify;"><strong>متى أهاب حتى الغياب؟</strong></p><p style="text-align:justify;"><strong>أغيب فلا أحس بجسدى. يذهب عنى ثقله وألمه وأدرانه. لا يتأتى هذا إلا إذا حضرت الحقيقة كاملة، وصرت من أهل التمكين، الذين تسمو أحوالهم عن التغير، ويُمحى من نفوسهم الانشغال بالذات والصفات.</strong></p><p style="text-align:justify;"><strong>الهيبة فوق القبض، فالمقبوض يشعر بارتجاف قلبه، ويدرك سعيه إلى السكون. أما من يهاب فيضربه خوفه ضربة قاضية، فلا يدع له، ولو لبرهة، أن يحس بما يجرى فى دمه، ولا ما يلوح لعينيه، ولا ما يتناهى إلى أذنيه. تنقطع مع الهيبة الأسباب، فلا تكون هى السبيل إلى إدراك الوجود. يتوقف الزمن، فلا تذكر لما مضى، ولا توقع لما هو آتٍ.</strong></p><p style="text-align:justify;"><strong>4- الأنس</strong></p><p style="text-align:justify;"><strong>الأنس فوق الرجاء. هو حضور من غياب. هو زوال الهيبة. هو بهجة وألفة. هو رقص وغناء. هو دوران ودبيب وانشراح. هو تماهٍ فى الفرح، يغلب أى كدر. هو انتصار على الانقباض، يغلب أى يأس، وكيف ييأس من روح الله من يؤمن به، ويحب خلقه.</strong></p><p style="text-align:justify;"><strong>الله فى قلبى يؤنسنى، فأمضى وفى نفسى أُنسى. أرى من فرط الأُنس كل شىء فى الوجود جميلًا، حتى الأشرار، أراهم سيرجعون يومًا إلى ما ينفع الناس. أرى العصاة واقفين على باب التوبة، وأثق فى أنه سيُفتح لهم يومًا، وأن هذا اليوم آتٍ دون شك. أتسامى عن الصغائر، وأتسامح مع ما يجرى، فهو عندى قدر مقدر، ودور مرسوم للعباد.</strong></p><p style="text-align:justify;"><strong>5ـ الوجد</strong></p><p style="text-align:justify;"><strong>أطربنى لحن لم أسمع له مثيلًا، يمتزج فيه الشجن بالفرح، صادف قلبى دون إرادة منى، فلم أعرف وقتها إن كان علىَّ أن أبكى، أو أضحك. كان وِردًا آتيًا من بعيد، له حلاوة وطلاوة، رددته فى سريرتى، فلما غلبنى صدحت به، غير عابئ بالذين يمرون حولى. غاب من عينىَّ وعن أذنىَّ كل شاهد.</strong></p><p style="text-align:justify;"><strong>حضر سلطان الحقيقة، فاستغرقنى ما أنا فيه. شهدت وذهبت طائعًا وغرقـت. نار الاشتياق انبلجت نورًا، وصار وجدى وجودًا، بينما أفنى فى الحق، فبقيت به أسمع وأرى.</strong></p><p style="text-align:justify;"><strong>6ـ الخاطر</strong></p><p style="text-align:justify;"><strong>لا يخلو إنسان من خواطر، ترد إليه دون إرادة منه، فإن جاءت من الله كانت إلهامًا، وإن جادت بها النفس فهى الهواجس، أما إن بثتها الشياطين فهى الوساوس.</strong></p><p style="text-align:justify;"><strong>من يُلهم يربح، ومن يُوسوس له يخسر، ومن تتصارع داخله الهواجس يسكنه القلق. والإلهام لا يخلو من قلق إن كان فى المعرفة، فالذى يعرف يقلق، والمهجوس يقاوم من أجل أن ينعم بالسكينة، فإن جاءته كان له نصيب من الإلهام.</strong></p><p style="text-align:justify;"><strong>وكم من خواطر سوداء دمرت، وخواطر بيضاء عمَّرت. ومن بيض الخواطر يولد الإشراق، وهو دفقة تجتاح عقول علماء وأدباء فيبدعون، وعقول أولياء فتكشف لهم الحُجب.</strong></p><p style="text-align:justify;"><strong>وإذا قال المريد لشيخه: رأيت فيما يرى اليقظان، سيقول له الشيخ: حدثنى عن الخواطر. ولأن المريد لا يرد لشيخه طلبًا، فإنه سيفيض فى شرح خواطره. لكن ليس كل مريد بقادر على فعل هذا. فهناك من يعجز لسانه عن التعبير، ويؤمن أن الصمت أبلغ من الكلام. هناك من تلجمه الهيبة. هناك من يتعلثم، وكأن حروفه قد شُدت إلى صخور ضخمة. هناك من ينسى. هناك من يغرق فى الخواطر، فيمهله شيخه.</strong></p><p style="text-align:justify;"><strong>لا يختلف فى هذا إن كان الأمر إلهامًا أم هواجس ووساوس. ففى الخواطر يتساوى العجز عن التعبير، عند الذين يكونون مع الله، أو هؤلاء الذين يقفون، على النقيض، مع الشيطان.</strong></p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[موقع 180 مقالات]]></author>
                <guid>14643</guid>
                <pubDate>Fri, 12 Aug 2022 15:34:41 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[رشيد المومني يكتب:واقع محروس بأشباح الغياب]]></title>
                <link>رشيد-المومني-يكتب-واقع-محروس-بأشباح-الغياب</link>
                <description><![CDATA[<p style="text-align:justify;">ذاك هو «الواقع المجتمعي» «يم» هادر من الثوابت والمتغيرات، نكون معها مطالبين بالوجود خارجه من حين لآخر، كلما أصابت إقامتنا الطويلة فيه لوثة الدوار. علما بأن هاجس الوجود الظرفي خارج محيطه، يظل محض وهم، قد يسعفنا – ما أمكن – بفرصة تغيير زاوية رؤيتنا إلى ما انجلى من مقوماته، أو استتر، عسانا نتدارك بذلك ما يغيب عنا من إواليات اشتغاله.<br>فتغيير زاوية الرؤية، يعني مبدئيا تنويع وتجديد تموضعنا فيه، بما يسمح بتوسيع مجال الرؤية، والكشف عن المزيد من بؤرها الاختبارية، المساهمة عمليا في توسيع حقل اشتغال الدلالة. الأمر الذي سيظل عصيا على التحقق، كلما استمرت الدوامة في إحكام قبضتها عليك، حيث تكون مكرها وضدا عليك، للتفاعل الآلي مع المنبهات الكيدية، التي تشحنك بها ملحقات الجزئي العابر والمفاجئ. وهي المنبهات ذاتها التي يتأجج بها تباعا أوار ‘الدوامة». هكذا ودون حاجة لأن تكون معصوب العينين، ستجد نفسك خلسة معفى تماما أو تكاد، من تحمل مسؤولية الرؤية، بما يعنيه ذلك من مسلمة طيك الشامل، لكل ما له صلة من قريب أو بعيد بهاجس التأمل أو التفكير.<br>وهذه مجرد إشارات مبتسرة نسوقها، من أجل إحالة القارئ الكريم على مختلف الخطابات الفلسفية والسوسيولوجية، وكذا الأيديولوجية، التي تفرزها المقاربات المتمحورة حول حركية الواقع المجتمعي، وطبعا دون إغفال الخطابات الدينية والأخلاقية. فبصرف النظر عن تعدد المنهجيات المعرفية الموظفة في مقاربة مختلف الأبعاد التي تتشكل على ضوئها خصوصيته، فإنه سيظل بموازاة ذلك، عصيا على أي تأطير نظري، يهدف إلى اختزاله في أنساق ثابتة، مهما بلغت هذه الأنساق من قوة إجرائية، وذلك بالنظر لتنوع آليات اشتغاله، وتنوع آفاق هذا الاشتغال.<br>والجدير بالذكر، أن تمنع «الواقع» عن التأطير الآلي، هو أحد العوامل الأساسية المساهمة في تحديد خصوصيته، بوصفه مختبرا ملائما لتفاعل الاختيارات والمنهجيات المتعددة، من حيث اختصاصاتها ومرجعياتها. ويكفي أن نستحضر في هذا السياق – على سبيل المثال لا الحصر- مفهوم السلطة الذي يمتلك في حد ذاته شبكة متاهية ولامتناهية من الدلالات والتأويلات، انسجاما مع تعدد وتنوع السياقات الموظفة فيه. إنه مفهوم واحد من حيث الظاهر، لكنه من حيث العمق يمتلك عشرات الأرواح المتنافرة والمتناحرة. باعتبار أن الواقع المجتمعي هو التجسيد الفعلي والموضوعي لسلطة قادرة على ممارسة عنفها على الأفراد، في الصيغة نفسها التي يصعّد فيها هو أيضا، وتيرة ممانعته الذاتية للعنف الممارس عليه ماديا ورمزيا، من قبل سلطة المؤسسات التشريعية والتنفيذية، التي تدور في فلك النظام. فداخل هذه الدائرة الملغمة بكل أصناف العنف المادي والرمزي، تنفتح ما لا حصر ولا عد لها من المسارات السلطوية والمتسلطة، التي لا يستقيم وجودها العادي والطبيعي، إلا بقوة ردعها وتدجينها لسلطة الآخر، على أرضية تأويلها الخاص لترسانة القوانين المدنية والدينية، فضلا عن التأثير الممارس من قبل سلط القيم والأعراف المكرسة والمتواضع عليها.</p><p style="text-align:justify;">&nbsp;فعلى ضوء هذه التجاذبات الطاحنة، التي يفرزها المفهوم الملتبس للسلطة، يمكن قراءة كل ما يموج به الواقع المجتمعي، من خطابات سياسية وثقافية وإبداعية، وقد بدت معززة بأقصى ما تمتلكه من نزوعات هيمنية وإقصائية، متخذة من شعار جدوى «تقبل!» مبدأ الاختلاف، وأيضا من سياق الترويج لقيم للتفاهم والحوار، ذرائع «حضارية «! لمفاقمة كل ما من شأنه تعميق الوعي بحتمية المواجهة المفتوحة على احتمالاتها المتوقعة، أو غير المتوقعة. علما أن السلطة ككل، تندرج ضمن المكونات الأساسية للحامض النووي لدى الكائن المجتمعي.<br>وإذا ما نحن أخذنا في الاعتبار، تجذر الخطوط العريضة لهذا التوصيف في الواقع العام لدى شعوب الأرض كافة، فإن «المتخلفة» منها «وهي التي تعنينا في هذا السياق» تظل حتما محتفظة ببؤس «خصوصيتها» المعبر عنها أساسا، في تدني وعيها الحضاري والثقافي بمفهوم المصالح العليا المطروحة عليها. وهو مفهوم يفترض فيه أن يكون بمثابة أفق مشترك، تطمح الذات المجتمعية إلى استشرافه، بما يعنيه ذلك من وجوب توافر ميثاق رمزي، يلزمها بتملك كل الشروط المعرفية المؤهلة لتحقيق هذا الطموح، لعل أهمها السعي إلى الارتقاء بمطالب الخطاب من حده البدائي البسيط والساذج، إلى آخر مؤطر بأسئلة الراهن، المنفتح على مدارات الكوني.<br>وكما هو معلوم، فإن الحد البدائي ـ بالنسبة للمجتمعات المتخلفة – يحيلنا حتما على دواخل تلك الملاذات المغلقة، التي تستنفد فيها الذات طاقتها باستسلامها الكلي لإكراهات كل ما هو «طارئ» يهيمن فيه قلق تأمين ما قل من حاجيات المعيش ومقتضياته. الشيء الذي يؤثر سلبا في إمكانية امتلاكها لخطاب قابل للاندراج في مسارات استشرافاتها الحضارية والثقافية. وبالتالي، فإن استحالة امتلاكها للخطاب، يجعلها عرضة للاختراق من قبل «أصداء» الخطابات النشاز، المتهاطلة عليها من ظلمات الأمكنة والأزمنة. ما يؤدي إلى تصعيد الإحساس باستدامة حالة «الدوامة» حيث ما من مجال أو أمل في وضع أي ترسيمة لأي خطاب محتمل، يمتلك حده الأدنى من العقلانية والموضوعية. وهي وضعية من شأنها حرمان خطابات هذه الشعوب الممثلة بنخبها، من حظوة الانتماء إلى خطابات المنتدى الكوني، بالمفهوم الثقافي والحضاري للكلمة. بما تعنيه كلمة الحرمان من نهاية صلاحية مؤهلاتها الفكرية والإبداعية، الشيء الذي يحولها إلى مجرد عبء «كمي» تضيق به حركية المشهد، فضلا عن الأعطاب الرمزية التي يلحقها بدواليب عربتها، المكتظة كالعادة بأشباح حماة الهوية، وغيلان النهب.<br>إن دورها ومن هذا المنطلق، ينحصر أولا وأخيرا في معاينة ما يحدث هناك في العالم المتقدم، والاكتفاء بالتفرج على مجرياته، دون امتلاك حق الانتقال إلى مستوى المشاركة في «المايحدث» سواء بالنسبة للبرمجة، التخطيط، أو الإنجاز. مع الأخذ بعين الاعتبار، أن كلا من المعاينة والتفرج، لا يخضعان هما أيضا إلى أي مقومات عقلانية، يعتد بها في هذا السياق.<br>غير أننا لا نلبث أن نصطدم برؤية النخب ذاتها، وهي تجاهر باحتجاجها على ما يوجه إليها من نقد جارح، مستميتة لتأكيد «إيجابية» حضورها في المشهد، بكل ما طالته إمكاناتها من وسائل ووسائط، غالبا ما تكون مطبوعة بالارتجال والعشوائية، المفتقرة إلى الحد الأدنى من بعد النظر وسداد الرأي. ذلك أن الهشاشة المزمنة التي يعاني منها المشهد، تمعن في إجبار مؤثثاته الذهنية والسلوكية على تلقي مختلف فصائل الاختراق، الصادرة عن المنابر الداخلية والخارجية، الخبيرة بتقنية تصنيع الخطابات، ما يجرد المنهجية التي تعتمدها هذه النخب، من مصداقية الفهم والتأويل، سواء تعلق الأمر بالأسئلة المطروحة على الذات، أو على الآخر.<br>وهو في نهاية المطاف، تجريد يدمي ويعمي ما تبقى من بصيرتها المعرفية، ليزج بها في دوامات سجالات، لا قبل لها بمقاربة فوضى الأنساق التي يعج بها الواقع، كما لا قبل لها باستيعاب دلالة الخطابات التي لا تتوقف آلة الفكر الغربي عن إغراقها بها.<br>وتلك هي أنكى القطائع التي يمكن أن تقع أولا: بين مكونات النخب، ثم بينها وبين مكونات الواقع، بفعل عمق الفجوة الفاصلة بينهما، التي يتعذر ردمها جراء استفحال ظاهرة التوسع الحثيث والعبثي، لشبكة سلط هجينة متنافرة الجبهات، والمرجعيات والغايات. شبكة مأهولة بكائنات هجينة وسعيدة بتبادل شراسة النهش، داخل فضاءات مسيجة بأشواك الأمية، ومحروسة بغيلان النهب.</p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[موقع 180 مقالات]]></author>
                <guid>14638</guid>
                <pubDate>Fri, 12 Aug 2022 14:54:26 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[خطيب بدلة يكتب:هذا الشاعر من جماعتنا]]></title>
                <link>خطيب-بدلة-يكتب-هذا-الشاعر-من-جماعتنا</link>
                <description><![CDATA[<p>عاد الحديث في سورية، قبل أيام، إلى ما تسمّى "الموافقات الأمنية"، فقد حضر عازف الكمان جهاد عقل ليعزف في مهرجان فني، فنقعوه ساعتين في الكواليس بانتظار الموافقة، ثم أعادوه من حيث أتى. وقصّة الموافقات الأمنية يعرفها الجَدُّ والجدّة، والأبُ والأم، والأبناء والبنات، والأحفاد والحفيدات. وتعرفها، كذلك، الحيواناتُ الأليفة، كالقطة، والكلب الذي يعوي على السيارات العابرة. الشعب السوري ذكي، وعنده حسّ عملي. لذلك لا يرهق نفسه في حفظ قائمة الأشياء التي يتطلب إنجازُها موافقة أمنية، فالأسهل أن يعرف الأشياءَ التي "لا" تحتاج موافقات.</p><p>نحن الذين كنا نشتغل فيما يسميه حزبُ البعث "الحقلَ الثقافي" نَعرف حكاياتٍ كثيرة، ومتنوّعة، عن نصوصٍ وإبداعات تعب مبدعوها فيها، مؤملين أن تخرج إلى النور، ولكن الموافقة الأمنية لعبت، في اللحظات الأخيرة، الدور الذي يسمّيه أهلُنا "جعيص خَرّاب اللُعَب". كان في مدينة إدلب عدة فرق مسرحية للهواة. وذات يوم، كانت إحدى الفرق في صالة الخنساء تُجري بروفة على نص مسرحي للكاتب المصري، محمود دياب، في أثناء البروفة فُتح الباب، وأطل رجلٌ بثياب مدنية، وقال: لا تتعبوا أنفسكم، هذه المسرحية لن يُسمح بعرضها. وخرج. بهت الممثلون والمخرج لحظات، ثم راحوا يتساءلون عمّن يكون هذا؟ يا تُرى، من أي فرع مخابرات؟ وهل يعقل أن يكون شخصاً عادياً ينتحل شخصية عنصر الأمن؟ وكان بإمكانهم أن يتأكّدوا من ذلك، ولكنهم اتفقوا على إلغاء العرض، من مبدأ: لا تنم بين القبور كيلا ترى مناماتٍ وحشة.</p><p>روى لي الفنان الكوميدي الراحل عمر حجّو حكاية بالغة الروعة. قال إن الرقابة على فرقة المسرح الشعبي في حلب كانت تقتصر على رقابة الأمن السياسي، وكان صف ضابط، برتبة "مساعد"، يتولى هذا العمل. ولأن "حضرة المساعد" كان يتدخل في الشاردة والواردة، فقد خطرت له ولزملائه فكرة جهنمية؛ أن تتحوّل الفصول التي تقدمها الفرقة إلى المسرح الإيمائي (البانتوميم). ومنذ ذلك الوقت، أصبحت العلاقة مع الرقابة مضحكة، يرسلون إليهم عبارة: يرجى الموافقة على تقديم نص مسرحي من دون حوار على خشبة المسرح الشعبي. فتأتي الموافقة بسرعة. ولكن حضرة المساعد شعر بأن هذه الفرقة تريد أن تضربه كُمّاً (تخوزقه)، فأرسل إلى الفرقة كتاباً يطلب منهم ملخصاً للفصل الكوميدي الإيمائي الذي ينوون تقديمه، وأن تلتزم الفرقة بهذا الملخص، فلا تشذّ عنه أثناء تقديمه على الخشبة! وكان من الطبيعي أن تمنع دائرةُ الرقابة المسرحيةَ التي كتبها سعد الله ونوس بعنوان "حفلة سمر من أجل 5 حزيران"، فعنوانها يوحي بأن الكاتب يتجرّأ على السخرية من الهزيمة التي كان مجرّدُ التلميح إليها ممنوعاً، فما بالك بالسخرية منها؟</p><p>يستطيع كاتب هذه السطور أن يورد ما لا يحسب الحاسب من الأمثلة على تدخلات الرقابة في الشأن الثقافي السوري، ومنها أن مدير المركز الثقافي في إحدى المدن الساحلية، وهو فاسد، وفي الوقت ذاته، صاحب نكتة، كان يعطي لعنصر الأمن السياسي الذي يأتي لمراقبة ما يجري في الأمسيات، ملخّصاً عن مضمون القصص والأشعار التي تلقى، بطريقة مضحكة، يقول له، مثلاً: اكتب. أشاد الشاعر فلان، في قصائده، باللُحمة الوطنية، وبالقيادة الحكيمة للسيد الرئيس، وأما القاص علان فحكى عن الغزو الثقافي، وألمح إلى ضرورة التصدّي للمؤامرات الإمبريالية، وأن تكون سورية صخرة تتكسّر عليها كل أمواج التآمر العاتية. ولكن، في ذات يوم، وقع المدير المذكور وعضو الأمن كلاهما في مأزق، إذ ألقى أحدُ الشعراء قصيدة حداثوية غامضة إلى درجة أن الناقد الشاطر لا يستطيع أن يخرج منها بجملةٍ مفيدة. احتار صاحبنا في ماذا سيملي على عنصر الأمن الذي كان يجلس أمامه وقد فتح فمه وأرخى أشياءه، وفجأة قال له: اكتب. هذا الشاعر من جماعتنا!</p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[موقع 180 مقالات]]></author>
                <guid>14468</guid>
                <pubDate>Tue, 26 Jul 2022 16:21:25 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[غادة السمان يكتب: زواج على القمر!]]></title>
                <link>غادة-السمان-يكتب-زواج-على-القمر</link>
                <description><![CDATA[<p style="text-align:justify;">حب المغترب لوطنه الأم هو الحب الكبير الذي يدوم، لكن حب المغترب لوطنه الأم لبنان ليس حباً أعمى بل هو الحب.. المبصر!<br>يغني وديع الصافي: «يا مهاجرين ارجعوا، غالي الوطن غالي.. لبنان صوته اسمعوا صوت العتب عالي».<br>ولكن العتب ليس على المغترب بل على الذين جعلوا لبنان مغترباً عن نفسه وأصله. كان لبنان يلقب عن حق بسويسرا الشرق، ثم جاءت الحرب الأهلية وذيولها وجاء الانفجار المروع في مرفأ بيروت.<br>وجاء بعض حكامه من «أولاد الحلال»، وهكذا فالكهرباء مقطوعة إلا من ساعة في اليوم، ولا أحد يحن للحياة في الظلام ولمتاعب المحرك الكهربائي المنزلي ونفقاته والافتقار إلى المال ثمناً للمازوت، فالبنوك استولت على أموال أودعها الناس أمانة ليومهم الأسود، وجاء اليوم الأسود وما من مال يعاد. والمتهمون بإفقار الشعب اللبناني يحكمه بعضهم (فيك الخصام وأنت الخصم والحكم!).. وأكتفي بتعداد هذه المآسي المحلية عن وطن نعشقه لكنه (هاجر) عن نفسه، ولذا هاجرنا!</p><p style="text-align:justify;">الحب القاتل المجرم</p><p style="text-align:justify;">كلمة «الحب» ملتبسة وأحياناً تعني الجريمة.<br>وهو ما حدث في أفغانستان في مدينة زرنج بالقرب من الحدود الإيرانية، هذا مثلاً رجل قتل 10 من أفراد عائلته (زوجتان وأبناء) لماذا؟ لرغبته في الزواج مرة ثالثة بعدما رفضت ذلك زوجته الأولى وبعض أولاده، وهكذا قتل الجميع ليتزوج للمرة الثالثة من حبيبته! أهذا رجل بعرف قلبه الحب؟ ومن هي (المجنونة) التي يمكن أن ترضى بالزواج منه؟ إنه يستحق الزواج من جدران السجن المؤبد. وقد نشرت الصحف تحذير وزراء ألمان من تنامي ظاهرة العنف ضد النساء، ولكن ماذا عن قتل الأولاد وتنامي ظاهرة العنف حتى ضد أولاد القاتل؟</p><p style="text-align:justify;">هذا هو الحب!</p><p style="text-align:justify;">لن أنسى حكاية ذلك الشاب اليمني من مدينة تعز ونُبله العربي، فقد أصر على إقامة حفل زفافه والزواج من خطيبته حتى بعد بتر قدمها بقذيفة حوثية. ورفض العريس الإعلان عن شهامته في الصحف، ورفض ذكر اسمه في المطبوعات. هذا هو الحب والوفاء.. وهو نادر في أيام يقتل فيها الرجل أولاده وزوجته الأولى فالثانية ليتزوج من جديد ثالثة!</p><p style="text-align:justify;">أولئك الشجعان ضد اليأس</p><p style="text-align:justify;">لدي احترام خاص للذين يفقدون ساقاً أو ذراعاً في حرب ما، ويرفضون اليأس، بل يحاولون أن تظل حياتهم مجدية لهم وللآخرين، لأن في مجرد وجودهم تشجيعاً لأمثالهم ضد اليأس. قرأت مؤخراً عن مباريات المنتخب العراقي لمبتوري الأطراف، يركضون بساق اصطناعية مستعينين بعكازين. فذلك يعلمنا درساً ضد اليأس والعزلة والخجل من نظرات الإشفاق. الأمير هاري حفيد ملكة بريطانيا إليزابيت الثانية أسس (حين عاد كجندي من الحرب في أفغانستان) نادياً رياضياً لمبتوري أحد الأطراف في الحرب خاصاً بكرة القدم. وكان يرعاه ويحضر مبارياته، مما رفع الروح المعنوية للجنود البريطانيين الذين فقدوا ساقاً في الحرب. ومنذ رحيل هاري عن العائلة البريطانية المالكة مع ميغان ميركل، زوجته، لم نعد نسمع شيئاً عن مباريات فريق كرة القدم للمحاربين القدامى من مبتوري الأطراف فداء لوطنهم.</p><p style="text-align:justify;">درس في الشجاعة ضد القدر</p><p style="text-align:justify;">نشرت مجلة (فواسي) الفرنسية تحقيقاً في صفحتين عن شاب وسيم فرنسي بترت أطرافه كلها حين كان في السادسة من العمر بسبب المرض. ويبدو في صوره كلها ضاحكاً كأنه يتحدى القدر ومرضه الذي كان سبباً في بتر أطرافه. وأضحى اليوم بطل العالم في سباحة مبتوري الأطراف. أشخاص مثله، واسمه ثيو كورين، يعطوننا درساً في رفض اليأس والشجاعة في مواجهة أقدار غاشمة.<br>ويقول ثيو كورين إنه لو استيقظ ذات يوم ووجد نفسه بكامل أعضائه المبتورة لما عرف ما الذي يفعله بنفسه! ولا ندري أهو صادق أم أنها المكابرة؟</p><p style="text-align:justify;">المهم أن يدوم الزواج</p><p style="text-align:justify;">لسبب ما يتوهم البعض أن عقد الزواج في أماكن غير مألوفة ستجعله يدوم. وهكذا ومنذ خمسة أعوام، صار العشاق يرغبون في عقد زواجهم في أماكن ليست عادية، مثل ناطحة السحاب (إمباير ستيت) في نيويورك مثلاً، ويصعد معهم الكاهن وشهود الزواج!<br>ولكن البعض يرغب في عقد الزواج في غواصة، في قاع البحر، وقلما يلتقي أحدهم بكاهن يرضى بتلك المغامرة.. والشهود مثله أيضاً. أما الذين يتزوجون في أعلى مبنى (الإمباير ستيت) فعليهم عقد قرانهم يوم (عيد الحب)، فذلك ليس مسموحاً في الأيام الأخرى!<br>وهكذا تم عقد زواج ثلاثة عشاق في يوم الحب في (الإمباير ستيت) ثالث أعلى مبنى في نيويورك. ومن يدري، فقد يأتي ملياردير ويقرر عقد قرانه فوق سطح القمر بعدما صار الوصول إليه ممكناً إذا كنت بالغ الثراء وأعددت الصاروخ اللازم لذلك. وهكذا لن ترتدي العروس ثوب الزفاف المألوف، بل الثوب الذي يسمح بالمشي فوق القمر دون الاختناق. ثم إن المهم ليس عقد الزواج على قمة (الإمباير ستيت) أو حتى سطح القمر، أو غواصة في قاع البحر.<br>المهم أن يدوم الزواج، حتى لو عقده كاهن في كنيسة متواضعة في أي مكان.. أو جاء الشيخ إلى بيت عربي أو ذهبوا إليه.<br>أما نحن العرب، فلن نواجه هذه المعضلة.. وسيأتي الشيخ لعقد القران بحضور أهل الخطيبين، والمهم دائماً أن يدوم الزواج.<br>وما تبقى (ديكورات) حتى ولو كان (الديكور) قمراً!</p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[غادة السمان]]></author>
                <guid>14431</guid>
                <pubDate>Sat, 23 Jul 2022 16:38:39 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[حسن داوود يكتب:«لسع الثلج» لطه خليل: حيث لا علاج للهزائم إلا بالأحلام]]></title>
                <link>حسن-داوود-يكتب-«لسع-الثلج»-لطه-خليل-حيث-لا-علاج-للهزائم-إلا-بالأحلام</link>
                <description><![CDATA[<p style="text-align:justify;">لم تفِ الحياة بما وعدت الصديقين به. أولهما، إسماعيل الذي لم يكن يعلم أن اختلاف مذهبه عن مذهب هبة، محبوبته، سيؤدّي إلى انفصالهما. العمل السياسي الذي انخرط فيه، وكذلك الكتب التي كان قرأها، جعلاه يظن أن ما هو هناك، في الكتب، هو هنا في الحياة، أو أنه ظنّ، على الأقل، أنهما يصعب أن يكونا مختلفين هكذا مسدودة طريق أولهما أمام طريق ثانيهما. لم يملك إزاء ذلك إلا أن يكرّر الكلام الشائع عن تحكّم الماضي، الذي انقضى منذ ما يزيد عن ألف سنة، بحاضر البشر.<br>ولا يقتصر ذلك التحكّم على ما قد يردّ به أهل هبة على المتقدم للزواج منها، بل على صعيد آكثر هولا، يمكنه أن يؤدّي إلى حرب وحشية مدمرة. في ذلك الجزء من الرواية، جزء إسماعيل، وصفٌ لمعركة حربية عنيفة بين الجنود، وكان إسماعيل أحدهم يؤدي خدمته الإجبارية، والأخوان المسلمين في حماه. هناك، ولسوء طالعه، وجب على إسماعيل أن يكون قائد المجموعة التي ترابط أمام بيت هبة، بل كان عليه أن يأمر بإطلاق النار على تلك النافذة التي ظهر له خلفها ما ظنّه خيال حبيبته، لم يستطع أن يفعل، بدلا من ذلك أفرغ الطلقات الثلاثين من سلاحه الرشاش على يده، تلك التي انفصلت عن جسمه. وهو أعقب فعلته تلك برحيله في أحد تلك القوارب الهاربة براكبيها من عالمهم الذي ما عادوا يطيقون العيش فيه.<br>أما الرجل الثاني، بل الأول طالما أن الرواية تبتدىء به وبه تنتهي، فهو يارو. كان يلتقي إسماعيل، الأكبر منه سنا والأوسع تجربة، مجالسا إياه ومستمعا له دون أن يشاركه الاستغراق بشرب العرق حتى السكر والنوم. تبدأ الرواية مع يارو في أحد شوارع دمشق، حيث التقى صدفة بفيليتسيا السويسرية، كان قد التقاها من قبل في إحدى السهرات، وعلق بها وظلّ، بعد عودتها إلى سويسرا يكتب لها، دون دراية بما ينبغي أن يكون عليه التصرف الغرامي، رسائل حبّ لا تكلّ.<br>كان خارجا من علاقة محبطة مع هيلا الكردية مثله، والأيوبية بما ينسبها إلى جدها الأعلى صلاح الدين، هذا النسب مدعاة لاعتزازها، لكنها مع ذلك لم تتوقف عن قراءة الكتب الماركسية والتشعب في أجنحتها وتياراتها، وقد أُحبطت علاقة يارو بها بسبب السياسة وما تستجره من علاقات شخصية مستجدّة. وعلى أي حال لم يكن حال يارو مختلفا عن حال هيلا لجهة توزعه بين انتماءين أو ثقافتين، فهو بعد اكتسابه وعيا سياسيا تحصّل له من التجارب والكتب، لا يفوته الحنين إلى منشئه القومي. في يفاعته واظب على زيارة ضريح صلاح الدين الأيوبي في دمشق، ومخاطبته علّه يسمع منه جوابا.</p><blockquote><p style="text-align:justify;"><strong>هناك زمنان كتابيان في رواية طه خليل، ذاك أنها انتقلت من زمن واقعي، بل مغرق في واقعيته، إلى عالم سحري وخرافي، كأن تلك الرحلة إلى جبال كردستان لم تكن إلا حلما اخترق الزمن الأول، وانتهى، كما ينتهي الحلم، باستفاقة يارو بين أحضان فيليتسيا.</strong></p></blockquote><p style="text-align:justify;">وها هو، دون سابق تخطيط، يرى نفسه منضمّا إلى الأنصار الذين يقاتلون في كردستان، منفصلا بذلك عن حياة سياسية واجتماعية حفل بها تاريخه الشخصي في سوريا. في فصول الرواية الأخيرة وصفٌ للرحلة التي أوصلته إلى جبال هاكاري «زهرة جبال كردستان». استغرقت تفاصيل الرحلة إلى تلك الجبال، ومن ثم إلى سلسلة جبال أورامار، ما يقرب من ثلث الكتاب وكلّها تجري في واحد من الفصول الأربعة، حيث تساقط الثلوج لا يتوقف، وحيث تتجمدّ أطراف المجموعة التي ترافقه، رجالا ونساء، إلى حدّ الاضطرار إلى قطع بعضها. لكن دائما، وبالترافق مع قسوتها، لا يغيب احتفاله بتلك الطبيعة، مكانا مكانا، وإسما إسما. كأننا، في ما نقرأ نتابع تفاصيل تلك الرحلة، نشعر بالوقع العميق لأسماء الجبال وهو يتركّز في وجدان يارو، العائد بقوة إلى كرديتّه. الأسماء المحمّلة بوقعها وحده، دون حاجة إلى ذكر ما حفل به تاريخ كل من هذه الأمكنة.<br>وفي هذا الامتداد المكاني المهدَّد من رجال البشمركة في الجنوب، أولئك الذين انضموا إلى القوات التركية بسبب الخوف والسعي للأمان، والهجومات التي يقوم بها الأتراك، «أحفاد سلجوق» كما يطلق عليهم الكاتب، ليس إلا المدى الشاسع الخالي إلا من قساوة الثلج وامتداده اللامتناهي. ثلوج وجبال وأسماء جبال، هكذا كأننا في زمن ما قبل إشغال الأرض بساكنيها. لا تجري هنا إلا الاقتحامات التي يقوم بها شباب الأنصار، ثم يعودون من بعدها إلى حامياتهم. هذا المكان الأسطوري سيجنّح خيال الكردي يارو، كما خيال طه خليل، كاتب الرواية، حيث فجأة، يبدأ شبح صلاح الدين الأيوبي بالظهور، رجلا كبيرا وقديما. في مخاطباته ليارو يقول، إنه الأكثر معرفة بهذه الجبال، والعارف بما قد يحدث وما لن يحدث فيها. في ظهوره الثاني بدا مقطوع الساق، إثر مواجهة خاضها، لكن على جذع الشجرة الذي انتزعه ليجعل منه ساقا أخرى، كانت تنبت فروع يسرع إلى تقصيفها.<br>هناك زمنان كتابيان في رواية طه خليل، ذاك أنها انتقلت من زمن واقعي، بل مغرق في واقعيته، إلى عالم سحري وخرافي، كأن تلك الرحلة إلى جبال كردستان لم تكن إلا حلما اخترق الزمن الأول، وانتهى، كما ينتهي الحلم، باستفاقة يارو بين أحضان فيليتسيا. ثم، لمزيد من إرجاع الحياة إلى واقعيتها، يقرّر يارو أن يهاجر بصحبة فيليتسيا إلى بلدها، حيث لم تعد الحياة ممكنة في هذه البلاد. سأعيش هناك معك يا فيليتسيا، قال لها مستعيدا ما فعله إسماعيل، صديقه وسابقه الهارب من وجعه وخيباته.</p><p style="text-align:justify;">رواية طه خليل «لسع الثلج» صدرت عن دار نفرتيتي في القاهرة في 200 صفحة ـ 2022</p><p style="text-align:justify;">كاتب لبناني</p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[موقع 180 مقالات]]></author>
                <guid>14350</guid>
                <pubDate>Thu, 14 Jul 2022 15:52:04 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[عزيز الحدادي يكتب: السياسة فن الاحتيال!]]></title>
                <link>عزيز-الحدادي-يكتب-السياسة-فن-الاحتيال</link>
                <description><![CDATA[<p style="text-align:justify;">السياسة تحولت إلى حزب، والحزب تحول إلى مقاولة انتخابية لجلب المنفعة لبعض العائلات المقدسة في المغرب الراهن، هكذا تحولت السياسة إلى مهنة من لا مهنة له، مع ضمان تقاعد مريح مدى الحياة. لكن ألا يؤدي هذا التراجع السياسي إلى انهيار السياسة كأنبل العلوم؟ كيف يمكن للحزب السياسي أن ينتقل من صناعة النخب وتأطير المجتمع المدني إلى مقاولة لجلب المنفعة؟ وكيف يمكن التوجه نحو المال والسلطة بدلا من التوجه إلى خدمة الشعب؟<br>الاختلاف السياسي صداقة، لأن الأعداء يأبون السير في الطريق نفسه. فكيف يستطيعون. سنحاول أن نجعل معنى للسياسة وأن نستفيد من سؤال السياسة انطلاقا من سؤال الأخلاق. كما أن علاقة الفلاسفة والسياسة كانت علاقة متوترة منذ القدم. فصوت السياسيين لا يسمع عند الفلاسفة، كما أن صوت الفلاسفة لا يسمع عند السياسيين، ولذلك فإن السياسة عندما نسألها ونقول لها هل السياسة قادرة على خلق الحرية والعدالة والكرامة، لا نسمع الإجابة، وبعبارة أخرى ماذا يستطيع الأفراد عمله عندما ينتظمون ويفكرون من خلال حزب سياسي، وهل للسياسة أعداء؟ الذي يعني أن ننتظر خمس سنوات لتجديد الشخص الذي يزعج وجوده هؤلاء الذين ينتقدونه. يقول كارل ماركس «إن الاختلاف السياسي مع العدل متناقض» أي أن هناك صراعا فكريا وليس صراعا آخر. السياسة أيضا عندما تتحول إلى سياسة متعالية يصبح الفضاء معتما ورجعيا. ما معنى الهوية ضد الحرية والعلمانية؟ السياسة الحقيقية لا تعرف التوقف لأنها تشتغل دائما من أجل سعادة الناس.</p><p style="text-align:justify;">السياسة عندما يتم رهنها في الانتخابات فهي تحدد من قبل مجموعة صغيرة من المترددين، أولئك لا يمتلكون رأيا، بل هو محدد سلفا. فالناس الذين لا يمتلكون التزاما فعليا يشكلون كتلا ثابتة يميلون أحيانا لهذا الطرف وأحيانا إلى طرف آخر. أناس سمتهم الجوهرية هي التردد، وقرارهم غير مبني على قناعة، هو قرار اللامقرر، هم الذين لم يقرروا بعد وسيقررون في الانتخابات. إذن مسألة الانتخابات بالنسبة للفيلسوف لعبة لبعض المترددين الذين يبحثون عن مصالحهم ويتركون مصلحة العامة أي مصلحة الوطن، فهذه الإشكالية هي التي سننطلق منها. سننطلق من الأخلاق للوصول إلى السياسة، عبر جزر الفلسفة، فالأخلاق هي علم السعادة، فالذين لا يعرفون السعادة من المستحيل أن يسيروا الأمة بكاملها.<br>فالإنسان يبحث عن السعادة، لكنه لا يعرف طريق بلوغها، وهي السياسة فلا داعي للهروب من السياسة. فالإنسان كائن سياسي لا بد من جعل السياسة تنتقل من مرحلة الفراغ الأخلاقي إلى مرحلة الامتلاء بالأخلاق، والعقل هو الذي يجعل من السياسة سياسة، ويجعل الإنسان إنسانا. ما معنى أن يكون الإنسان كائنا حرا يبحث عن الحرية، وهو يهرب من السياسة؟ النظام القديم يستثمر في الانحطاط السياسي من أجل أن يصل إلى السلطة، فالسلطة هي غاية وليس الشعب. فنحن نريد السياسة غاية وليس الشعب. فنحن نريد السياسة التي تهدف إلى الشعب، أي التي تجعل من الشعب غاية. هذه السياسة التي ستكون الإجابة عن إمكانية الحكم بالحرية، وجعل الأخلاق هدفا، وليس مدخلا للسياسة الحقيقية هي عدم الهروب من السياسة، هو ما جعل مجموعة من المترددين، الذين ليس لهم قرار ولا يعرفون ما معنى الالتزام بانتماء سياسي فهم يرتحلون من هذا إلى ذاك.</p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[موقع 180 مقالات]]></author>
                <guid>14349</guid>
                <pubDate>Thu, 14 Jul 2022 15:42:48 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[عبدالحفيظ بن جلولي يكتب: وعي التغيير واشتراطات المتخيل في رواية «ارتياب»]]></title>
                <link>عبدالحفيظ-بن-جلولي-يكتب-وعي-التغيير-واشتراطات-المتخيل-في-رواية-«ارتياب»</link>
                <description><![CDATA[<p style="text-align:justify;">إذا كان لوكاتش يعتبر الرواية «ملحمة بورجوازية» فإنه يؤكد على أنها حالة توفيقية بين الملحمة والتراجيديا، أي أنها تحمل عناصر الوحدة والقطيعة بين الذات والموضوع، وهنا يكمن سر الرواية، باعتبارها مرافقا للإنسان ترتبط بتطور الوعي كما يرى هيغل، فالقطيعة التي تحملها الرواية قد تكون مع الواقع الذي يتأسس باعتباره أكثر وعيا بالإنسان مقابل المتخيل، والوحدة تتأسس عند المفصل الذي يجعل الواقع استمرار للمتخيل، باعتبار هذا الأخير رافدا مهما له، ومن هذا الجدل تلم الرواية شتات كينونتها وعيا بالعالم، وهو ما تقدمه رواية «ارتياب» للسعودي بدر السماري، حيث الشروع في قراءتها وهي الصادرة عام 2014 يعود بالقارئ إلى التحولات العميقة والمزلزلة التي تتم في المجتمع السعودي حاضرا.</p><p style="text-align:justify;"><strong>الرصد التخييلي للواقع السعودي</strong></p><p style="text-align:justify;">تُعتبر رواية «ارتياب» رصدا جماليا باحتماليات القبح/الجمال عندما يؤول إلى السرد، للواقع المجتمعي السعودي، من حيث ارتباطه بالذاكرة التاريخية أكثر من ارتباطه بالواقع، وارتباطه بمحليته أكثر من ارتباطه بالكونية: «وحين قيل له إنها مجسم لكوكب الأرض، استشاط غضبا، وأصدر أمرا للجندي بمصادرة المجسم» فالرواية تبتدئ بجملة نافية: «مبارك لم يرد التحية..» ومبارك شخصية رئيسية من حيث رؤيته التغييرية للمجتمع، ويتأسس هامشيا من حيث رؤية المجتمع للأسود، لكنه يؤثث حركته كفاعل سردي باتخاذ مواقف تغييرية كفكرتي تشكيل ملعب للكرة: «إذ استطاع مبارك تحويل الأرض الخلاء الكبيرة إلى ملعب» وتكوين مكتبة، في مسار السرد تتمظهر سجنيته في جهة الغربي الذي يستثمر في المكان، ولما أحس بانفصاليته عن الواقع المجتمعي انتقل إلى «حي البادية»: «حزم أمتعته وخرج بكل إرادته نحو بقية الشعب وسكن في شارع حي البادية» حيث العودة إلى الوعي المجتمعي، في هذه الحركة السردية تنبثق الحركة المجتمعية باعتبارها ارتيابا من الآخر المهيمن كونه يشكل خطرا على الهوية، لكن في الوقت ذاته وعي «مبارك» تطور انطلاقا من ذات الآخر الخطِر.<br>لم يرد السلام مبارك على «متعب» الذي سوف يغير اسمه مع تطور الأحداث إلى «ذيبان» والمقابلة بينهما تجد معنى في أبيض/أسود، لكن وعي الرواية يوازن بين القطيعة والوحدة، بين الذات والموضوع في شخصية «مبارك» إذ عدم رد السلام يمكن أن يحمل إمكانية التمرد، الذي تشير إليه الرواية باعتباره بداية أطلق شرارتها الملك «فيصل» 72، وبالتالي، يعود التواؤم بين الذات والموضوع في صورة التوافق المجتمعي الذي ينشده الوعي السعودي بالذات في تطوره من الانغلاق إلى الانفتاح، وهو ما سيتحقق في إدراك «ذيبان» لذاته المتعبة بالوحدة، بعد طلاقه من «أم فيصل» ومبادرته الجريئة في طلب الارتباط بـ«غزيل» بعد وفاة زوجها «أبو جابر» المناضل والمثقف، وهو «الشريك» الذي لم يبلغ درجة «التاجر» بينما «غزيل» تاجرة ماشية، ورغم محاولات ابنها «جابر» الملازم أول لمنع الزواج، إلا أن إصرار «ذيبان» كسر قاعدة مجتمعية عرفية، وانتقل بالوعي إلى التواشج في العلاقات عن طريق «الحب» وكسر معيار الذات المعطوبة عمريا، والذي يمثل سرديا المعادل الموضوعي للانخراط في الحركة المجتمعية المتعددة في هرمها العُمْري، وفي تشاركيتها الوجدانية، والهدف من ذلك استعادة اللحمة المجتمعية في مظاهرها الإنسانية المتوافقة والطبيعة البشرية.</p><p style="text-align:justify;"><strong>المكان وعي التحول ووعي الحداثة</strong></p><p style="text-align:justify;">ضمن حركة «مبارك» السردية انتقاله من «الحي السكني للشركة» إلى «شارع حي البادية» والمواجهة قائمة باعتبار الهوية الشارعية التي تشكل المعادل الموضوعي للمدينة، أو الحيز الذي تتحقق فيه الحركة النشيطة المنتجة للحياة، أو «الهامش اليقظ» بتعبير عبد الكبير الخطيبي، على أساس اشتغال الوعي، والانتقال بين حيين يكشف عن الهلامية في ترتيب الحداثة في وعينا العربي، إذ نجد محمد عابد الجابري يدعو إلى «التأصيل الثقافي للحداثة في وعينا العربي» أي استلهام الحداثة بمعايير التجديد من الداخل، وفق المعيار القيمي المنسجم والذات العربية وتاريخها، بما لا يعني الانغلاق الحضاري الذي لا يساهم في إدماج الذات في التحولات الكونية والإفادة منها انطلاقا من الهوية الثابتة، والاختلاف التاريخي والقيمي والأخلاقي بين الذوات المتعددة في المنتظم العالمي.</p><blockquote><p style="text-align:justify;"><strong>الرواية تثير إشكالية عميقة من حيث تهيؤ المجتمع العربي لقبول فكرة الحرية، لا باعتبارها انفكاكا من أسر أعراف بالية تحكمت في الأفراد وأحالتهم إلى مجرد صدى لما يتردد في المجتمع، لكن فكرة الحرية المشروطة بالمسؤولية، «صار ثوب الحرية فضفاضا..» فالحرية لا تتأسس وعيا تاما بالحركة في فضاء لا معايير تؤطره.</strong></p></blockquote><p style="text-align:justify;">هناك حيان بما يوحي بالتشابه العضوي لكليهما، لكن الحي السكني للشركة منتج، وحي البادية مستهلك، وحركة «مبارك» تمثل العودة إلى الذات: «حزم أمتعته وخرج بكل إرادته نحو بقية الشعب، وسكن في شارع حي البادية» وسرديا يمثل هذا الانتقال حركة مستقرة في وعي الحرية، لأن الرواية تمثل الإقامة في الحي السكني للشركة، بالإقامة داخل الـ«أسوار» وهو ما يعني السجن داخل هوية، تنبثق من جنسية الشركة وقيمها الوجودية، والتخلي عنها «إراديا» يعني الانفصال التحرري من ثقافة وقيم ووعي مختلفين، لكن المهم أنه سوف يباشر التغيير في «شارع حي البادية» بالروح التغييرية ذاتها القائمة في الوعي التحريري ـ الغربي ـ المنتج للحياة في شقها المادي النشيط، والضروري لإنتاج الوعي بالكينونة، «لكن مبارك عاد.. قرر أن يواجه الأشياء في وسط الشارع».</p><p style="text-align:justify;"><strong>الوعي بالحرية مناط إدراكها</strong></p><p style="text-align:justify;">ينتظم وعي العبودية في المجتمع العربي، ليس باعتباره استعبادا للأشخاص لكن للوعي، أي ارتهان الوعي لمستوى من التحجر الذي يحيل الذات إلى مستعبد لقيم العرف والثقافة السائدة، والخجل المرضي من مواجهة الواقع، وكل ما تقوم به الشخصيات في مستويات معينة من مستواها السردي يمثل تمردا على الاستعباد القيمي للأشياء ومنه العبودية بمفهوم سلب الحرية للأشخاص بسبب اللون، فإصرار «مبارك» على إقامة المكتبة وتوضيب قطعة الأرض لتصير ملعبا، وإصرار ذيبان على الزواج من غزيل، وعدم رضوخها لإرادة ابنها في ذلك، وقرار ابن معتاز في الزواج من «حياة» مع معارضة «فطيم» جميعه يمثل ذلك الوعي التحرري في مواجهة الواقع ومن ثم تغييره، والإشارة إلى إلغاء الرق من خلال القائم بالسلطة الملك «فيصل» يمثل الإحالة الأشد ضرورة للانخراط الشامل في التغيير، أي التوافق المجتمعي سلطة وجماهيرا في ذلك، «حتى إنك قبلت أن تبقى في مزرعة الشيخ بعد أن أقر الملك فيصل قرار إعتاق الرق».<br>لكن الرواية تثير إشكالية عميقة من حيث تهيؤ المجتمع العربي لقبول فكرة الحرية، لا باعتبارها انفكاكا من أسر أعراف بالية تحكمت في الأفراد وأحالتهم إلى مجرد صدى لما يتردد في المجتمع، لكن فكرة الحرية المشروطة بالمسؤولية، «صار ثوب الحرية فضفاضا..» فالحرية لا تتأسس وعيا تاما بالحركة في فضاء لا معايير تؤطره. إن صفة «فضفاص» تشكل الوضع الفكري والتأملي الذي يشمل الوعي وهو يستأنس بالقرب من الحرية، فمجرد الإحساس بها يمثل الحالة القصوى لنشوة الذات، باعتبارها ترسم أفق الفكر بذاتها، ومن ثم ينطلق العقل في تصميم المفاهيم والتصورات والأخيلة التي تجعل من المسار الحضاري كامنا في الجماهير، باعتبارهم الإرادة الواعية النافية لأي ارتياب، في الطريق نحو تأكيد الكينونة، ولهذا اندلع السؤال الوجودي/الحضاري كما دوي تَحَمّلَه السرد بصعوبة، لكن التلقي حاول أن يؤثث له بنيات استفهامية لعله يصل إلى عمق السؤال المتعلق بمحطة الانطلاق بعد العطالة التي أصابت الحركة نحو أفق الوعي، «لكنك رميت السؤال أخيرا: (متى نوصل)».</p><p style="text-align:justify;"><strong>التجربة والإحساس بـ«ارتياب» و«بؤس»</strong></p><p style="text-align:justify;">أظن أن إمبرتو إيكو استلهم عنوانه «القارئ في الحكاية» من خلال تجربته في القراءة، وتعني عندي الإحساس الذي نجده في صحبة بعض الكتب، إحساس أننا مشاركون في خيال الرواية، أفكارها ومفارقاتها، و«ارتياب» شعرتُ بأنها تدفعني إلى تحرير هذه التجربة، إذ إنها تؤثث معمار السرد بجزأين الفاصل بينهما ليس الحدث، بل ترتيب الرؤية لتأكيد التغيير في الواقع السعودي، إذ ينغلق الجزء الأول على شخوص آيلة إلى النهاية (الآباء) بينما ينفتح الجزء الثاني على القادمين على الحياة ويمثلهم «متعب» ابن «ذيبان» الذي يعود من أمريكا ليباشر تفجير ملاحظاته المثيرة في واقع يتغير، فبدا الجزء الثاني بمثابة «النافذة» في معمار الرواية المطلة على «الشارع» الذي يمثله الجزء الأول.<br>يفتتح السرد حركة «متعب» بـ«البؤس» الذي يشعره حيال حدوث بعض الأشياء، ويستمر هذا الإحساس مكرسا في الجزء الثاني كعلامة على ارتياب السرد من شيء ما، تماما كما يكرس السرد حالة الـ«ارتياب» في الجزء الأول، كلمتان يُسجل رنينهما في وعي القارئ، لأن الرواية تحاول أن ترسم واقع ذات تخشى التغيير المشوه: «الأشياء بلا شك تتغير، ومن الصعب تحديد إن كانت تمضي نحو النمو أو التداعي» ولهذا تأسس السرد بين التغيير المحتمل أن يكون بائسا والارتياب في أن يكون هناك تغيير.</p><p>كاتب جزائري</p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[موقع 180 مقالات]]></author>
                <guid>14314</guid>
                <pubDate>Wed, 06 Jul 2022 17:47:11 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[صالح الرزوق يكتب: الشعر الجاهلي ومشاريع الحداثة العربية: قراءة في كتاب لوهب رومية]]></title>
                <link>صالح-الرزوق-يكتب-الشعر-الجاهلي-ومشاريع-الحداثة-العربية-قراءة-في-كتاب-لوهب-رومية</link>
                <description><![CDATA[<p style="text-align:justify;">يبدأ وهب رومية في كتابه «شعرنا القديم والنقد الجديد» من التشكيك بدعاوى الحداثة التي انهالت علينا دون مقدمات، ووظفت الأسطورة لتحميل الشعر العربي موضوعات من خارجه. وكان «يحدوها إيمان ساذج بكل شيء جديد مع نفور من كل شيء قديم» الأمر الذي جعلها تقوم على «مشاعر بغيضة بالزهو والخيلاء والإحساس بالأرستقراطية». لكن في رأيي لا يوجد مشروع موحد للحداثة العربية. ولا أعتقد أنها تحض على عزلة المثقف أو تعالي النخبة. وكان الاختباء وراء جدار اللغة هو الذي يبني جدارا وجوديا بين الإنسان وحياته. فالمعرفة لا تتطور دون تطوير أدوات التعبير عنها، وإن بالغت بعض الاتجاهات الحداثية بتفكيك العقل وتدميره، فقد حددت بعض الاتجاهات الكلاسيكية مكان إقامة الوجدان وحجرت عليه داخل مساحة ميتة ومعزولة من التاريخ. وقد توزع مشروع الحداثة العربية بين تفكير ليبرالي وضع حدا لوصاية العقل التاريخي على التعبير، وأساليب تؤمن بدور التفسير في إنتاج محاكاة لرؤيا وليس لوضع قائم. وعليه يمكن للأفكار الجديدة أن تكون ذات موقف سياسي معارض لدورة الواقع. بتعبير آخر مثلما يمكن أن يخدم الشيء الجديد الاتجاه الثوري، يمكنه خدمة التفكير السلفي.<br>إن خروج مجتمع الجزيرة العربية بعد القرن الخامس من الطور الأسطوري، كما لاحظ رومية، يعبر عن زحف للمشاعر مع تحول في المفاهيم، فقد «نصب كل شاعر من ذاته النرجسية إلهاً هادياً ومدافعاً». وربما وجد في ذاته القدرة على تمثيل بقية الأرباب الحارسة للفكر الغيبي. وهذا أول تمهيد لمخاض انتهى بصورة جديدة للإنسان الشامل – أو نائب وكيل إله احتكر سلطات كل الأرباب لنفسه، ولجهة غامضة ومجهولة. وفي هذه التصورات شعرية سوف تنتقل عبر نشاط الحديث والرواية والخطابة (المونولوجات الشعرية) إلى الشعر. وربما يجوز لنا أن ننظر للمدونة التي حلت محل الشعر كما لو أنها تصورات شعرية. <strong>وهنا لا بد من التذكير بثلاث ملاحظات.</strong><br>أولا، لم يصلنا غير مقدار بسيط من الشعر العربي. والقسط الأوفر ضاع بسبب الإهمال أو المنع المتعمد، فالرقابة والحروب الثقافية موجودة في كل الأوقات.<br>ثانيا، نحن نعرف الشعر الرسمي المكتوب بلهجة عرب الشمال.<br>ثالثا، هذا يعني بالضرورة غياب الشعر الشعبي.<br>ويتبادر لذهني سؤال غريب. لماذا كان الشاعر الجاهلي يهيم على وجهه في الصحراء وبين كثبان الرمال ويعمى عن الحدود البحرية الطويلة، التي تحاصر اليابسة من الغرب والجنوب. ومهما كانت الغايات والأهداف فهي بالنتيجة تقتطع جزءا مهما من الحقيقة الروحية لعرب العصر الجاهلي، وتدمر البنية المتكاملة لثقافتهم الدينية وما يوازيها من نشاط أسطوري محلي أو منقول. وإذا كانت الحمولة النباتية flora والحيوانية fauna علامة سيميوطيقية، كما يقول رومية مع الجاحظ، هذا يعني أن نصف الحقيقة محجوب عن أنظارنا، فالشعر الجاهلي يقتصر على اليابسة، ولا يشير إلى الأسماك والحيتان والمراكب والبحارة والغواصين. وتوجب علينا أن ننتظر الكاتب المجهول مؤلف «ألف ليلة» لنسمع عن عجائب المحيطات، بالإضافة إلى المشرع الذي لم يترك شيئا في حياة العرب المادية إلا وأغلقه بأوامر إلهية صارمة تتدخل في طريقة طهي الطعام وتقديمه. وفرض عليه ذلك تغطية الحلال والحرام في الصيد، سواء على اليابسة أو في الفضاء والماء، وبهذه الطريقة اغتنت المخيلة العربية بعجائب وسيمياء المخلوقات.</p><blockquote><p style="text-align:justify;"><strong>يتردد الشاعر الجاهلي على قوس عريض من التأملات الديكارتية، ويجملها رومية في: الهوية والانتماء، ودراما الحياة والموت أو مشكلة الخلود. وقد اختار البدو قبل الإسلام مبدأ الصراع لتحقيق أسمى غاية للإنسان، أو الاستسلام للرغبات.</strong></p></blockquote><p style="text-align:justify;">إن التفكير الأسطوري شيء والاستفادة من الحساسية الشعرية للأسطورة شيء آخر. وقد انطوى الشعر الجاهلي على عدة اتجاهات أسطورية، إن كان بعضها يدل على نفحة إيمانية أو تفكير ديني، عكس بعضها الآخر موقفا اغترابيا من مفاجآت الواقع، وما يتخلله من مصادفات وعجائب وبقايا أنظمة متخلفة تسخر الشعوذة والسحر والكهانة المزيفة. وأنا مع رومية، أن التفسير الأسطوري وحده مضلل ويساعد على تراكم أوهام غير مقصودة. ولا يمكن أن تجزم أن الشاعر الجاهلي وظّف الأسطورة كما فعل أودن في «درع أسخيلوس» أو سكوت ماينار في «جلجامش وقصائد أخرى» أو فيليب تيرمان في قصائد مجموعته «هذه آياتنا» التي بناها بشكل أثر على أثر، (والتعبير للروسي فلاديمير شاروف) فقد اختار أن تكون قصائده مثل حاشية على أسفار التوراة. وهذه أيضا هي الحيلة الفنية التي تبناها البولوني جيسلاف ميوش في عمله المتأخر «الفضاء الثاني» وتناول فيه قضايا إيمانية عميقة ذات علاقة بمعنى الندم المسيحي، وذلك دعا رومية للإشارة إلى ضرورة «قراءة مفهوم القصيدة الجاهلية وليس ملاحظة أغراضها». فتتابع الأغراض «يعتدي على وحدة منظور كل قصيدة ويحولها إلى لحظات منفصلة» ويحرمها من مضمونها التاريخي ومن الأسباب الموجبة. وبمعرفة هذه الأسباب «يمكن الانتقال من الكلام الظاهر إلى المعنى المستتر والرمزي أو المعادل الموضوعي» (كما يقول حرفيا).<br>إن التعبير الفني والجمالي المقصود وغير المقصود له أسباب وجدانية تتبدل بين عصر وآخر. وهذا وحده يكفي للتركيز على السياق التاريخي والبيئي لكل تركيب. فالليل مصدر للهم والابتلاء عند امرئ القيس، غير أنه أداة مساعدة للتهدئة والتثبيت عند الشنفرى والمتلمس، وهذا دليل على «الصفة الذاتية للشعر العربي» وإن كان المديح يغلف الذات بقليل من التواضع والحياء فهي تحتل كل الساحة في قصائد التباهي والتفاخر، حتى إن الشاعر يعمى عن غيره ولا يكاد يرى في العالم سوى نفسه. بمعنى أنه يتحول لذات متضخمة ونرجسية. ويحدد الدكتور رومية صفات هذه الذات بأنها تتصف بالنفي والهدم والتدمير، وأنها غامضة وتؤمن باستخدام القوة، ولذلك لا تحقق نفسها إلا بواسطة البطش. ومن هنا تفشت في الشعر الجاهلي صور المعارك والخيل والسيوف.<br>وقد نشأ الحس المأساوي عند العرب، كما يرى رومية، من تغليب حياة المخاطر على حياة الدعة والهدوء، وحتمية الانكسار أمام الموت وسلطان الطبيعة القاهر. وهذا هو السبب الحقيقي في دموية الشاعر الجاهلي وفي الدخول لموضوعه من باب البكاء على المكان الدارس، وبين المخاطرة والبكاء على الأطلال يوجد درب مشاق، والقانون الوحيد الذي يتحكم به، كما ذكر رومية، هو الحركة. وكل رموز الشعر الجاهلي «متحركة وأهمها الشمس والقمر والنوق» وحتى الماضي الميت يثير موقف ندم ونوستالجيا، تتخلله مونولوجات تثير تيارا مستمرا من الحزن والوقائع العجيبة. فالوقفة على الأطلال نافذة للمقارنة ببن الحاضر والماضي، ودعوة للبحث عن المجهول الذي يقول عنه رومية إنه «المعرفة التي لا تتأتى دون معاناة أو تجارب» وبلا خوض في سيول من الدم وبحر من الرمال. وهكذا يتردد الشاعر الجاهلي على قوس عريض من التأملات الديكارتية، ويجملها رومية في: الهوية والانتماء، ودراما الحياة والموت أو مشكلة الخلود. وقد اختار البدو قبل الإسلام مبدأ الصراع لتحقيق أسمى غاية للإنسان، أو الاستسلام للرغبات. ويعكس ذلك تجاهلا تاما للحياة الثانية، فهي ظلام وسكون أو عدم، والغريب في هذا المضمار أن الشاعر الجاهلي لم يفهم لغز الموت، ولم يتصالح معه. وكان مثل كل أنواع الأنتلجنسيا لا يفهم الواقع إلا بالتجربة أو التكهن. وكلاهما لم يقدم له أي تصور وظيفي عن حياة مستقرة ومسكن دائم. وكذلك الحال بالنسبة للظواهر الفضائية فقد كان يتعاقب عليها الأضداد، النور والظلام، وكانت تحتلها رموز التشاؤم – الغراب، ورموز الغدر والقتل – سباع الطيور (الكواسر). ويفتح هذا البند نافذة جانبية على علاقات صراع مستمر تقلل الفرص بحياة طويلة. وتوجد عدة مناسبات ينشب فيها الصراع بين كائنات فضائية كالعقبان وكائنات أرضية كالثعالب، وكأن ذلك انعكاسا لحقيقة مؤلمة وهي التوزيع الهرمي للمخلوقات. وهو قانون يحكم علاقة العشائر وأبناء العشيرة الواحدة أيضا. وهذا مبدأ من المبادئ الاجتماعية الذي تفرعت عنه عدة مبادئ حكمت حياة العرب ومهدت للرسالة التي ستعاني من عدة انقطاعات وصراعات، سوف تعزل المبدأ الاستراتيجي عن أهداف مرحلية يسميها رومية في خاتمة كتابه باسم: «الذات المقنعة».</p><p style="text-align:justify;">كاتب سوري</p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[موقع 180 مقالات]]></author>
                <guid>14298</guid>
                <pubDate>Sun, 03 Jul 2022 19:12:08 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[غادة السمان تكتب: من قوارب الموت إلى موت آخر!]]></title>
                <link>غادة-السمان-تكتب-من-قوارب-الموت-إلى-موت-آخر</link>
                <description><![CDATA[<p style="text-align:justify;">يستقلون مراكب بلا «إطارات نجاة» هرباً من بلادهم التي تحرمهم من الكهرباء والماء والعلاج الطبي المجاني وغير ذلك، إلى بلدان أخرى تنعم بذلك. وإذا وصلوا أحياء ولم تغرق مراكب الهرب، سيتوهمون للوهلة الأولى أنهم في «بر الأمان».<br>لكن الغرب المرفه يعاني أيضاً من موت آخر مختلف، وهذا خبر قرأته في صحيفة أثق بأخبارها تلخص ذلك كله في حادثة تتكرر ولا يمكن أن تحدث في عالمنا العربي وسواه من البلدان التي يهرب أولادها منها في قوارب ويغامرون بالموت للوصول إلى بلاد «النعمة» والحرية.</p><p style="text-align:justify;"><strong>الجار قبل الدار</strong></p><p style="text-align:justify;">ثمة خبر أعجز عن مسحه من ذاكرتي، وهو اكتشاف جثة مسنة ألمانية داخل مسكنها بعد عام ونصف على وفاتها.<br>طوال عام ونصف لم يسأل أحد عنها، احتضرت وحدها، ماتت وحدها، لا جارة تسأل عنها ولا أولادها. هل لها أولاد؟ لا نعرف شيئاً غير أن رائحة جثتها فاحت، وهكذا اضطر رجال الشرطة لاقتحام بيتها، ولم يدهشهم موتها منذ عام ونصف، فذلك يتكرر في الغرب، ولا يمكن أن يحدث عندنا في البلاد التي نركب منها في قوارب الموت هرباً إلى حياة نتوهمها أفضل. وما زلت أعتقد أن الحل ليس في مغادرة أوطاننا، بل في تحسين مستوى الحياة فيها. والحاكم عندنا (وحاشيته) يتحملون مسؤولية كل عربي أو لبناني أو إفريقي يستقل مراكب الهرب. وحتى اليوم لم نسمع خبراً واحداً عن (قارب موت) يهرب من أوروبا متسللاً إلى لبنان أو أي بلد عربي هرباً من (جحيم) الحياة في بلده، في فرنسا أو بريطانيا، كما نفعل نحن!<br>ماذا ينقصنا غير لحظة صحو على واقعنا المرير وعلى إهمال بعض حكامنا؟</p><p style="text-align:justify;"><strong>حين يكون قائد الطائرة نائماً!</strong></p><p style="text-align:justify;">كلما قررت السفر أطالع خبراً عن طائرة تحطمت وقتل جميع ركابها.. وليس لعطل في الطائرة، بل لعطل في (رأس) قائدها! هذا قائد طائرة قرر الانتحار، وأحب اصطحاب الركاب كلهم معه إلى الأبدية دون أن يستشيرهم! ونقرأ في الصحف صباح اليوم التالي أن طائرة ما تحطمت بركابها لسبب مجهول، وأنهم يفتشون عن الصندوق الأسود (بالمناسبة لونه برتقالي) للاستماع إلى حوار قائد الطائرة مع برج المراقبة على أمل معرفة سبب تحطم الطائرة. وهي أخبار مأساوية حين نتذكر أهل الذين قتلوا في تحطم الطائرة.<br>وآخر هذه الأخبار التي دفعت بي إلى إلغاء رحلة بالطائرة كنت أخطط لها أن طياراً إيطالياً كان يقود طائرة غلبه النوم أثناء ذلك، ولم يفكر بأن (نوم الهناء) الذي استسلم له يمكن أن يتسبب في تحطم الطائرة وقتل ركابها جميعاً (وأنا منهم) لو كنت معهم.<br>حين نركب طائرة ما في المرة القادمة علينا الذهاب إلى غرفة الطيار (المقفلة عادة خوفاً من اختطافها) ونترك له على بابها ورقة نقول له فيها: أرجوك لا تنتحر قبل الهبوط بنا، وورقة أخرى نقول فيها: أرجوك ألا تنام ريثما نصل أحياء!!<br>ترى، هل صار السفر بسياراتنا أكثر أماناً؟ ولكننا لا نستطيع قطع المحيط بين باريس ونيويورك سباحة.. ولا مفر من الطائرة، فليرحمنا الله، وليشعر الطيار بالمسؤولية.</p><p style="text-align:justify;"><strong>الفئران في لبنان</strong></p><p style="text-align:justify;">في مخابرة هاتفية تكاد تكون أسبوعية بيني في باريس وإحدى صديقاتي في لبنان، اشتكت من كثرة الفئران في بيروت حيث تعيش. قلت لها: هل تعرفين أن الجرذان منتشرة بكثرة في باريس، وسمعت أحد المذيعين في التلفزيون الفرنسي يقول: إن عدد الجرذان في باريس ضعف عدد سكانها!! هذا مع العلم أن شاحنات نقل أكياس القمامة تعمل كل يوم، والسيدة رئيسة محافظة باريس آن هيدالفو (وكانت قد رشحت نفسها لرئاسة الجمهورية) تولي عناية للنظافة في باريس. وقلت لصديقتي بأن تبتاع أقراصاً لقتل الفئران وتوزعها على الشرفات شرط التأكد أنها ليست سامة للإنسان. يبدو أنه لا مفر من ارتكاب جرائم القتل في لبنان، على الأقل عدد (جيش) الجرذان. وبعدما تم اكتشاف فيروس «جدري القرود» بعد «كوفيد 19» وقيل إن أصله من الخفاش، ترى هل سنصاب بفيروس الفئران؟ وهل علينا قتل بقية جيراننا في هذا الكوكب (كالخفاش والقرود والفئران) كي نظل أحياء؟</p><p style="text-align:justify;"><strong>مهازل الترجمة الحرفية</strong></p><p style="text-align:justify;">لكل لغة تعابير خاصة بها، على المترجم أن يتقن اللغة التي يترجم منها إلى العربية لكيلا يقع في فخ الترجمة الحرفية.<br>كمثال، أذكر أنني أيام الدراسة في لندن، سألت في مخابرة هاتفية إحدى صديقاتي البريطانيات: هل تمطر؟ هل أرتدي قبعة المطر وأحمل معي مظلة؟ قالت لي حرفياً: إنها تمطر قططاً وكلاباً، وهو تعبير إنكليزي يعني أنها تمطر بشدة. إذا كان أحدهم يترجم قصة يقول أحد أبطالها ما قالته لي صديقتي «إنها تمطر قططاً وكلاباً»، فمن الضروري ترجمة العبارة إلى «إنها تمطر بشدة». وأعترف أنني أحمل الكثير من الاحترام لمهنة المترجم، لأن عليه دائماً ترجمة روح النص قبل الترجمة الحرفية له، وذلك ينسحب على كل نص يترجمه. للمترجم الجيد فضل على الرواية التي قام بترجمتها أو القصة، فهو يعيد خلقها بلغة أخرى دون أن يخون روحها.</p><p style="text-align:justify;"><strong>جيران بيتهوفن!</strong></p><p style="text-align:justify;">لي صديقة لبنانية كان بيتها أيام الحرب الأهلية يقع على أحد (خطوط التماس) حيث الانفجارات والمعارك، وهكذا حين غادرت بيروت إلى باريس (مثلي) اختارت بيتاً في مبنى بالغ الهدوء، كأن الناس يتحدثون فيه همساً. التقيتها مؤخراً لشرب القهوة معاً في أحد مقاهي جادة (الشانزيليزيه) التي يصر الفرنسيون على تسميتها بأجمل جادة في العالم. ووجدتها تعيسة واشتكت لي: الهدوء الذي كان يعم المبنى الذي أقيم فيه أعدمه (شاب/شابة) وربما امرأة أو رجل مسن، إذ إنها تسمع من أحد جيرانها صوت عزف على البيانو، وذلك يغتال صمتاً هادئاً طالما حلمت به في لبنان. قلت لها: بوسعك الشكوى (لناطور) المبنى، بحيث يُذكّر العازفة/العازف أنه من الممنوع في القانون الفرنسي إقلاق راحة الجيران، أي أنه ليس من حق أحد تحويل بيته إلى استديو للموسيقى والعزف. لم أجرؤ على سؤالها هل العزف على البيانو جيد ولماذا لا تستمتع به، إذ أضافت: حين أتمدد للراحة بعد الظهر ولا أريد سماع صوت، يبدأ العزف. قلت لنفسي: إنها لعنة الرفاهية. كيف أذكرها بما عانته في بيروت من (عزف) القصف وانفجار القنابل؟<br>تخيلت حال جيران الفنان المبدع بيتهوفن، هل كانوا يستمتعون بعزفه أم كان ذلك يضايقهم ضيق صديقتي بعازفها؟<br>هل كان جيران بيتهوفن (الذي زرت عدة بيوت أقام فيها) يعرفون قيمة هذا العزف وهذه الموسيقى التي ستخلد على مر الزمان؟ ترى، هل العازفة/العازف جار صديقتي، بيتهوفن آخر يحلم جيرانه بكسر أصابعه كي لا يعزف؟ الحياة مراوغة، ولا نعرف قيمة المبدع إلا بعد رحيله، والزمان يعري الإبداع، فهل جار صديقتي بيتهوفن آخر يضيق به جيرانه؟</p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[غادة السمان]]></author>
                <guid>14291</guid>
                <pubDate>Sun, 03 Jul 2022 07:04:48 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[رشيد سكري يكتب: «أقلام» المغربية والقضية الفلسطينية]]></title>
                <link>رشيد-سكري-يكتب-«أقلام»-المغربية-والقضية-الفلسطينية</link>
                <description><![CDATA[<p style="text-align:justify;">خمسون سنة مرت على العدد الأول من مجلة «أقلام» المغربية عبّرت لعقود، عن طموح وآمال في التغيير نحو الأفضل. الالتزام والأخلاق والدفاع عن المواقف، كان هو الخط التحريري الذي التزمت به المجلة تجاه قرائها. فكانت مواجهة الواقع، إحدى الوسائل الكفيلة لإبلاغ الصوت، الذي ظلت تدافع عنه المجلة منذ صدور العدد الأول، قبل توقفها، لتستأنف مسارها من جديد بعد ذلك. والميزة الأساسية، التي انفردت بها المرحلة الثانية من عمر المجلة، أنها وسَّعت من طاقم هيئة التحرير، بل أصبح مستقلا لتضم أسماء لامعة في المشهد الثقافي المغربي، فإلى جانب محمد عابد الجابري الفيلسوف ومحمد زنيبر، نجد عالم اللسانيات إدريس السغروشني، فضلا عن المؤرخ وعالم الاجتماع محمد القبلي، بالإضافة إلى الطبيب عبد الكريم العمري المتخصص في الأمراض المعدية. إنها شلة من المثقفين المغاربة، الذين حملوا لواء التنوير والنقد بهدف البناء، والتخلص من إرث استعماري أثقل كاهلهم، فانفتحت تجاربهم الإبداعية على أسئلة السياسة والوطنية والقومية.<br>إنشاء مجلة «أقلام» المغربية صادف، في بحر الستينيات من القرن الماضي، أنشطة اتحاد كتاب المغرب، الذي كان ينظر إلى الواقع المغربي نظرة ملؤها السعي نحو خلق واجهة ثقافية جديدة، تقطع الصلة مع واقع موبوء خلقته سياسة الاستعمار، عن طريق طمس الهوية المغربية، وتكريس التبعية العمياء اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا وأخيرا ثقافيا. وفي خضم هذه الريح العاتية، التي تتقاذف مصائر البلاد والعباد، ارتأت مجلة «أقلام» أن تعطي أولوية للمثقف المغربي، الذي دخل غمار التحدي الحقيقي في مغرب ما بعد الاستقلال، بهدف استكمال التحرير ونشدان الحرية؛ وتأسيسا لمشروع ثقافي واعد، من خلال المثقفين المغاربة العضويين أمثال: محمد عابد الجابري وعبد الله العروي، ومحمد القبلي إلى جانب عبد الكبير الخطيبي ومحمد إبراهيم بوعلو واللائحة طويلة…<br>كان الوعي، بأهمية التخلي عن الصورة النمطية السلبية، التي وسمت المثقف المغربي، أمرا في غاية الأهمية، عن طريق رفض الانغلاق على الذات، وجعل الانفتاح فانوسا يضيء عوالم الجهل والتخلف، ويقضي على تبعات الاستعمار. «أقلام» راهنت على التحدي بخلق أسباب ثقافة جديدة، تعمل على بلورة تصورها طيلة أعدادها، التي وصلت إلى حدود بداية الثمانينيات إلى خمسين عددا، قبل أن تستأنف مجلة «فكر ونقد» الخط التحريري الذي دشنته مجلة «أقلام». فطيلة هذه الأعداد نجد مواضيع تعبر عن حساسية جديدة تجاه الذات والموضوع، بما هو يراهن على التنوع والاختلاف. فمن بين أهم المواضيع، التي استأثرت باهتمام المجلة، في عددها الأول الصادر في مايو/أيار 1972، نجد مقالين؛ أولهما للمناضل اليساري عمر بنجلون تحت عنوان «القضية الفلسطينية ودور المثقف المغربي» وثانيهما لمحمد الأخصاصي الذي عنونه بـ»القضية الفلسطينية؛ كيف نعرفها؟ وكيف نعرف بها؟». عمر بنجلون اعتبر نصرة القضية الفلسطينية وجها من وجوه التحرير، إذ يقول «فإنه من اللازم كذلك أن ننطلق من حقيقة بديهية، ألا وهي الموقف بالنسبة للقضية الفلسطينية فكريا وعمليا، لا ينفصل عن الموقف بالنسبة لقضايا التحرير».</p><blockquote><p style="text-align:justify;"><strong>كان الوعي، بأهمية التخلي عن الصورة النمطية السلبية، التي وسمت المثقف المغربي، أمرا في غاية الأهمية، عن طريق رفض الانغلاق على الذات، وجعل الانفتاح فانوسا يضيء عوالم الجهل والتخلف، ويقضي على تبعات الاستعمار.</strong></p></blockquote><p style="text-align:justify;">فبعد نكبة 1967، تصاعدت لغة التكتيك، التي ترمي إلى تصحيح الأفكار المهيمنة على الفكر القومي والتخلص من وثنيته، فمن بين النقاط الحاسمة التي دافع عنها عمر بنجلون، في هذا المقال هي: حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، بعيدا كل البعد عن المزايدات الأيديولوجية، التي تفرغ القضية من محتواها، كما وجه نداء قويّا إلى كل الفصائل المتناحرة، التي تمثل الشعب الفلسطيني إلى توحيد الجهود والصفوف، لرفع لواء الوحدة والتضامن من أجل نصرة قضية التحرير. أما بالنسبة للدور الذي سيلعبه المثقف المغربي، في خضم هذا المعترك الحامي الوطيس، هو التعريف بصراع سياسي مفتعل، ومدعم من طرف الإمبريالية العالمية، بغية خلق وطن مستقل ليهودية العالم، وبالتالي زرع كيان دخيل في قلب الأمة العربية، هدفه القضاء على آمال الشعب العربي. فالمثقف المغربي، بهذا المعنى، معني بهذه التحولات العالمية في ظل الانتماءات الحزبية، الساعية نحو فرض الأمر الواقع في مختلف المنابر الوطنية والدولية.<br>أما محمد الأخصاصي، في مناظرة حول «فلسطين» التي ألقيت، في جامعة محمد الخامس في نوفمبر/تشرين الثاني 1971، في كلية العلوم، تحمل عنوان «القضية الفلسطينية؛ كيف نعرفها؟ وكيف نعرف بها؟» فإنه ركز على المواثيق الدولية، التي منحت للشعب الفلسطيني الحق في تقرير مصيره. وفي هذا المضمار بسط الأخصاصي أهمية الثورة، التي يخوضها الفلسطينيون في تحرير أراضيهم من الاحتلال، وبناء مجتمع ديمقراطي شعبي يتسع للعرب واليهود على أرض فلسطين. وبهذا كانت المواجهة مفتوحة بين طرفين غير متكافئين؛ كيان استعماري مجهز بأحدث الوسائل والتقنيات فتكا وتدميرا، ومجتمع أعزل شـُتت وهُجّر، من بلده قسرا، إلى أكثر من وطن فوق هذه الأرض. بالموازاة مع ذلك، فلهذه المواجهة، حسب محمد الأخصاصي، أبعاد ثلاثة أهمها:<br>أ ـ البعد القومي: صرح الكاتب بأنه ثمة ارتباط عضوي بين المصيرين؛ العربي والفلسطيني.<br>ب ـ البعد الطبقي: ومن أهم مرتكزاته، تحرر الطبقة العاملة والمثقفة من القبضة الحديدية التي تمارسها قوى مساندة للمد الإمبريالي في المنطقة العربية.<br>ج ـ البعد الأممي: يعرف هذا البعد بالقضية الفلسطينية من زاوية الصراع بين الشعوب التواقة إلى التحرر وتقرير مصيرها، وقوى تريد فرض هيمنتها على الموارد الطبيعية، واستغلال النفوذ، بهدف التحكم في البلاد والعباد.<br>مجلة «أقلام» المغربية ذات الخط التحريري المنفتح، على كل القضايا الوطنية والدولية، كانت نقطة مضيئة في الساحة الثقافية المغربية والعربية، حيث كان سندها، الأول والأخير، هو التفكير الحر والديمقراطي، بمختلف تمظهراته السياسية والاجتماعية والثقافية، بل أضحت منارة لمنبر حر طيلة عقدين من الزمن تقريبا، إذا لم نستثن مرحلة نكوصها وتوقفها عن الإصدار، بفعل عوامل مادية في الأساس. فالمثقفون المغاربة كانوا، ولا يزالون، دائما في قلب العاصفة، التي تنخر كيان الأمة العربية، بإمداداتهم المعرفية والفكرية الرامية إلى تنوير الرأي العام الوطني والعربي والدولي أيضا، ما دام واقعُهم السياسي، ما زال صالحا للإمداد وللإبداع.</p><p style="text-align:justify;">كاتب من المغرب</p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[موقع 180 مقالات]]></author>
                <guid>14286</guid>
                <pubDate>Fri, 01 Jul 2022 18:16:51 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[رشيد المومني يكتب: إقامات فكرية في أرخبيلات الشعر]]></title>
                <link>رشيد-المومني-يكتب-إقامات-فكرية-في-أرخبيلات-الشعر</link>
                <description><![CDATA[<p style="text-align:justify;">ما من فكر عظيم، ومتوج بحظوة أنواره، إلا وتسكنه ذات شعرية، يعود لها فضل تجديد طاقته المعرفية على امتداد أمكنته وأزمنته. وهي القناعة التي تجعل من الشعر إطارا ملائما، لاستضافة أهم المفاهيم الفكرية والفلسفية، بما فيها تلك الأكثر براغماتية. ومرد ذلك، يعود إلى كونه الأرخبيل الآهل بالهبات، الذي تطمئن أسئلة الوجود إلى الإقامة في فضاءاتها، خاصة منها الأسئلة الأصلية، التي رافقت انطلاقة مشروع إقامة الوجود البشري في هذا العالم، باعتبارها أسئلة معنية باستكناه مكامن الحقائق الجوهرية، والمستنكفة لكل تصنيف، يحشرها داخل الخانات التي تتنازع ملكيتها كل من المنظومات العقلانية، والمنظومات الشعورية والحسية، فضلا عن الإشارات التي تتبادل بثها نيازك اليقظة والحلم.<br>إن الشعر وتبعا لذلك، يأخذ شكل مرجع معلن وسري في آن، الذي تستند إليه جل الخطابات، في منهجية ترسيمها لحدودها. لا فرق في ذلك بين الخطاب الفلسفي، والخطاب الديني والأسطوري. كما لا فرق في ذاك بين الخطاب السياسي والاجتماعي، ثم بين الفن الموسيقي والسينمائي، وغيرها من الاختصاصات ذات الطابع العلمي الدقيق، إلى جانب ما تزخر به قرائح العقلاء وهلوسات المجانين. حيث ترتفع – بقوة الشعري – الحواجز الفاصلة بين مقولات هؤلاء، وأطاريح أولئك، كي تغدو متحررة تماما من أسر مرجعياتها، ما يساهم في تجديد حياتها، وفي مضاعفة ديناميتها الإجرائية، كي تنخرط في تدشين منعطفات نوعية وإضافية، من مسارات ترحالها المعرفي.</p><p style="text-align:justify;">فالشعر من هذا المنطلق، يبدأ حيث تنتهي الحبسة الفكرية والفلسفية، متجاوزا بذلك محدودية دائرة السؤال النظري، في اتجاه أرخبيلاته التي تمارس فيها أسئلة الكائن متعة خلخلتها لصروح اليقين، بعد أن فوضت له الذات الكونية، مسؤولية الحديث بلسان حالها المتعدد المنازل والمقامات. فما من مسكوت عنه في أرخبيلات السؤال الشعري، وما من استنفاد يتهدد مفاهيمها وإشكالياتها. إنها الفضاءات التي تتقاطع فيها المسارات، سواء كانت متجهة إلى العدم، أو مقبلة منه، وسواء كانت محتفية بجلال الكينونة، أو كاشفة عن بهتانها. بخلاف المنظومات الفلسفية التي يحتجب أفقها فور استنفادها لما تطرحه من أسئلة، فبقدر ما تكون هذه المنظومات وهي في أوج عطائها، عبارة عن مفاتيح إجرائية، مؤهلة لفتح ما لا حصر له من الخزانات الدلالية، إلا أنها وفي مراحل تالية، قد تنقلب على صلاحيتها، لتحكم إغلاق خزانها على ذاتها، وعلى الناطقين بلسان حالها. لذلك سيكون من الطبيعي، الجزم بأن أهمية الشعر، تكمن في إعلانه عن سلطة حضوره، حيث تحكم الحبسة قبضتها على خطاب المنظومة الفكرية.<br>فالمفهوم، ومهما كان مثقلا بحمولته الفلسفية، ومؤطرا بصرامة قوانينها، فإنه لا يلبث أن يستعيد حريته فور ولوجه أرخبيلات القول الشعري، الذي يتجاوز بفضله حدود التأويل المنصوص عليه في القول الفلسفي. إنها الحرية التي تمده بالمزيد من هوامش القول، والتأويل، والمساءلة، خاصة حينما تكون مثقلة بإحالاتها الميتافيزيقية، فمفاهيم من قبيل الوجود والزمن والبقاء والعدم، والكائن والكينونة والهوية، والذات والحرية والعقل والذاكرة، على سبيل المثال لا الحصر، وبمجموع ما يتفرع عنها من خطابات ومقولات ومنظومات ومواقف، وما تستلزمه من منهجيات، ستظل موضوع مقاربات دائمة، قابلة للتعدد والتنوع والاختلاف. والأصل في ذلك، قابليتها للتكيف مع كل ما يجد من أسئلة، وما يتفرع عنها من هوامش تفسيرية، وتعريفية، وتأويلية.</p><blockquote><p style="text-align:justify;"><strong>ولعل حضور «الثغرة» الممهد لتداعي البناء، هو ما يعجل بالحاجة الماسة إلى ترميمه «شعريا» بغية تمديد فترة صلاحيته. مع التذكير بأن الثغرة ذاتها، هي بمثابة النواة المنتظرة لانبجاس خطاب، يحتمل أن يكون مضادا تماما للأصل الذي تشكل فيه.</strong></p></blockquote><p style="text-align:justify;">واستنادا إلى معطيات تاريخ الفكر المقارن، فإن المفاهيم غالبا ما تضيق بالتأطير النظري الثابت، لتجنح باستمرار إلى تغيير جلدها، دون أن تكون بالضرورة شبيهة بالأفعى. فكل ما يتم إقراره في شأنها من تصورات، لا يلبث أن يصبح لاغيا ومتجاوزا، بحكم ما يطال سيرورتها المعرفية من تحولات، حيث يمكن القول إن تشكلها رهن بطبيعة الدينامية الثقافية المحايثة لها، باعتبار أنه منجز لا يتحقق بالسلاسة المتوقعة، بقدر ما هو نتاج سلسلة متتالية من الشد والجذب المعرفي، المتطلع إلى تحيين حلول مؤقتة للإشكاليات المطروحة.<br>والتأكيد على الحلول المؤقتة هنا، يعني مبدئيا استحالة تتويجها بأي يقين مطلق، من شأنه تكريس استمراريتها اللامشروطة. ما يعني أن تقبلنا وتفاعلنا مع التدبير التأويلي والتفسيري للمفهوم الفكري أو الجمالي، مصدره الاطمئنان إلى التطابق الظرفي، القائم بين آليات التلقي والمقتضيات العامة التي يتميز بها هذا التدبير. لذلك سيكون من الطبيعي أن تتعايش الخطابات المتناقضة والمتعارضة حول المفهوم ذاته، في حقبة زمنية واحدة، يتسع معها المجال لإضافة المزيد من الإبدالات التصحيحية والتغييرية، حيث ينبغي الإقرار باستحالة وجود بناء نظري مثالي، تستوفي لبناته كل شروط تناضدها وتلاحمها. فالثغرة تكون حاضرة هناك في مقتله رغم احتجابها، بوصفها العلامة الدالة بامتياز على حتمية انهياره، إن على المدى القريب، أو البعيد.</p><p style="text-align:justify;">ولعل حضور «الثغرة» الممهد لتداعي البناء، هو ما يعجل بالحاجة الماسة إلى ترميمه «شعريا» بغية تمديد فترة صلاحيته. مع التذكير بأن الثغرة ذاتها، هي بمثابة النواة المنتظرة لانبجاس خطاب، يحتمل أن يكون مضادا تماما للأصل الذي تشكل فيه.<br>وبالنظر إلى أن مجال اشتغال الخطاب الفكري، خاصة منه الفلسفي، يتميز بتوجهه الافتراضي والاحتمالي، فإن مفاهيمه تكون مدعوة للتسلح بيقين مضمر، يعدها بوهم تحقق انتظاراتها. وفي اعتقادنا أن اليقين المطلق بتحقق ما يندرج في حكم الاحتمال، جد ضروري في عملية بناء الخطاب، خاصة حينما يراوح بين مقاربته لأسئلة الطبيعة ولما وراءها. ذلك أن تسرب الحد الأدنى من الشك إلى يقينه، من شأنه تحجيم حركيته، ما يؤدي عمليا إلى إفراغه من حمولته الفكرية والاستشرافية. وهو إلزام ضمني، يتنكر له الشعر جملة وتفصيلا، لأنه غير معني بـ»البرهنة» على ما يخوض فيه من قول، وبوح وإيماء وشطح وإحالة وإيحاء، وغيرها من المقومات المؤطرة بجماليات مجازية واستعارية، لا تخضع بتاتا لقوانين الإلزام والتعاقد التواصلي. ولعل خاصية تحرر القول الشعري من تعاقدات البرهنة، هي المؤثرة في انفتاحه على مختلف الشطحات المجازية والاستعارية، التي تميزه عن باقي الخطابات الفكرية والجمالية، التي تجد فيه رافدا فعليا لبلورة أطروحاتها، دون أن تجاهر بذلك.</p><p style="text-align:justify;">مع الإشارة إلى أن القياس المبطن بشحنته الشعرية، هو الإطار الذي تعتمده الخطابات الفلسفية في برهنتها على مقولاتها، خاصة منها المتعلقة بالإشكالات الميتافيزيقية، حيث تعمل على إضاءة مقومات ما هو مجرد، بمقومات ما هو مادي وملموس، انطلاقا من اقتناعها بقدرتها على التقاط ما تعتبره عنصرا مشتركا بين الطرفين. وهو سياق يوحي بحضور تلك الرؤية الشعرية، التي تتمكن بقوة جماليتها من استمالة القراءة وإقناعها، ففي غمرة تناول الخطاب الفكري لإشكالياته المعقدة، التي لا تخلو أحيانا من جفافها، فإنه لا يتردد في الاستنجاد بضوء التوليف الشعري، الذي يفتح الطريق أمام القراءة، كي تنتشي جماليا بما تتمثله، ضمن السياق العقلاني الذي يكون مهيمنا، باعتباره الأصل في بناء الخطاب. ما يدعونا للقول، إن الخطاب الفكري /الفلسفي ومهما بلغ من الموضوعية والعقلانية، سيظل بحاجة ماسة إلى ما تيسر من شعرية القول وشفافيته، التي تنتزعه من مضايق الاستحالة المغلقة، حيث الفضاءات المنفتحة على حظوة الإمكان. حظوة تسمح للذات بالإعلان عن هويتها عبر جمالية البوح، لعلها تتخلص ولو إلى حين، من نهب القيم المشتركة الشبيهة بغيلان أسطورية، لا تكف عن نهش كبدها، ما لم يتدخل ذلك الكائن الطائش، المسمى على سبيل الاستئناس الرمزي، بالشعر.</p><p style="text-align:justify;">شاعر وكاتب من المغرب</p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[موقع 180 مقالات]]></author>
                <guid>14275</guid>
                <pubDate>Tue, 28 Jun 2022 17:10:57 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[د. عمار علي حسن يكتب: نجيب محفوظ في صحبة المهمشين]]></title>
                <link>د-عمار-علي-حسن-يكتب-نجيب-محفوظ-في-صحبة-المهمشين</link>
                <description><![CDATA[<p style="text-align:justify;">هناك اعتقاد سائد في أن أديبنا الكبير نجيب محفوظ صب جل اهتمامه على الطبقة الوسطى، التي انتمى إليها، ونسج على ضفافها أغلب أعماله الإبداعية الرائعة، من قصص وروايات، واقعية ورومانسية، نابتة من هذه الأرض وذلك المجتمع، أو متخيلة تنحت عالما موازيا، لم يمر يوما على الدنيا.</p><p style="text-align:justify;">لكن من يمعن النظر فيما كتبه محفوظ يكتشف أن الرجل أعطى الطبقة الدنيا وزنا كبيرا من انشغاله، ومن سطور أعماله، ليس فقط في عالم “الحرافيش” الذين يعانون من سطوة الفتوات وتجبرهم،</p><p style="text-align:justify;">أو عالم الفقر المدقع الذي تصوره رواية “بداية ونهاية”، بل أيضا بالنسبة للمهمشين، الذين يقطنون على أطراف المدن، في أحياء عشوائية، تعج بالفوضى والبؤس.</p><h2 style="text-align:justify;"><strong>الأحياء العشوائية في رواية قلب الليل</strong></h2><p style="text-align:justify;">وهناك رواية رسم فيها محفوظ ملامح الأحياء العشوائية، التي باتت تشغل بال العديد من الأدباء مع مطلع القرن الحادي والعشرين، وهي رواية “قلب الليل”، ثم زاد عليها بما ورد في إحدى قصص مجموعته “القرار الأخير”، التي نشرها عقب حصوله على جائرة نوبل في الآداب عام 1988.</p><h3 style="text-align:justify;"><strong>بطل رواية قلب الليل</strong></h3><p style="text-align:justify;"><a href="https://mashroo3na.com/wp-content/uploads/2022/06/%D9%82%D9%84%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%8A%D9%84-%D9%86%D8%AC%D9%8A%D8%A8-%D9%85%D8%AD%D9%81%D9%88%D8%B8.png"><img src="https://mashroo3na.com/wp-content/uploads/2022/06/%D9%82%D9%84%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%8A%D9%84-%D9%86%D8%AC%D9%8A%D8%A8-%D9%85%D8%AD%D9%81%D9%88%D8%B8.png" alt="الليل نجيب محفوظ - نجيب محفوظ في صحبة المهمشين" srcset="//mashroo3na.com/wp-content/uploads/2022/06/قلب-الليل-نجيب-محفوظ.png 322w, //mashroo3na.com/wp-content/uploads/2022/06/قلب-الليل-نجيب-محفوظ-200x300.png 200w" sizes="100vw" width="322"></a></p><p style="text-align:justify;">ففي روايته هذه تطالعنا شخصية “جعفر الراوي”، التي تأخذنا أشواقه ومشاعره إلى “عشش الترجمان” على طرف القاهرة، بعد أن أحب، وهو سليل العائلة العريقة ذات الجاه والصيت والمال،</p><p style="text-align:justify;">مروانة، التي ترعى الغنم مع والدتها، وتنتمي إلى طائفة “الغجر”، وتعيش في مكان بائس يصفه السارد في ثنايا الرواية بـ”معسكر الشياطين” مرة و”معسكر المتشردين” مرة أخرى.</p><p style="text-align:justify;">وخلال رحلة الراوي إلى هذا المكان لا يهتم محفوظ كثيرا بمعالمه، بل يركز على سلوكيات وتصرفات سكان المناطق العشوائية، فيصفهم على لسان محمد شكرون، الصديق المخلص لجعفر الراوي، بقوله: “أولئك الناس مع كل شر إلا الذي يسيل لعابك عليه”.</p><p style="text-align:justify;">ويقصد أنهم مستعدون أن يفعلوا كل الفواحش ما ظهر منها وما بطن، إلا التفريط في شرف بناتهم. وقد دفع هذا الراوي إلى أن يقصد عشش الترجمان ليطلب يد مروانة من قريب لها.</p><h3 style="text-align:justify;"><strong>زيارة إلى عشش الترجمان</strong></h3><p style="text-align:justify;">هنا يبين محفوظ جانبا آخر من سلوكيات هؤلاء الناس وحرفتهم التي يعيشون منها، حين يسرد على لسان شكرون قوله: “كنا أول غريبين يشقان سبيلهما في عشش الترجمان نهارا دون أن يتعرضا للموت. حدقت فينا أعين شريرة باستطلاع ساخر وتحد.</p><p style="text-align:justify;">وتوقفت الحركة دقيقة، حركة تدريب القرود وجز الغنم ووزن المخدرات وجلاء الأدوات المسروقة ودق الطبول. وتجمع حولنا نفر من الغلمان، وراحوا يحيون الشيخ جعفر قائلين: شد العمة شد، تحت العمة قرد”.</p><p style="text-align:justify;">وما سبق يبين هامشية الحرف التي يمتهنها هؤلاء، وتعارض بعضها مع القانون، وخطره على المجتمع، بقدر ما يظهر سوء سلوكهم حيال الغريب، وبالطبع إزاء بعضهم البعض.</p><h3 style="text-align:justify;"><strong>حوار بين شكرون وكبير عشش الترجمان</strong></h3><p style="text-align:justify;">ولا تقتصر هذه البذاءة على الصغار، بل إن الكبار أيضا يوصمون بها، وهو ما نكتشفه من الحوار الذي دار بين شكرون والرجل قريب مروانة: “ومضينا إلى العجوز الجالس أمام كوخه، وأم مروانة واقفة بين يديه، وتصافحنا وكان طاعنا في السن حتى الموت، فقالت أم مروانة نيابة عنه:</p><p style="text-align:justify;">ـ إنه يرحب بكما.</p><p style="text-align:justify;">فقال العجوز يخاطبها بعد أن لكمها في ظهرها:</p><p style="text-align:justify;">ـ لأنك أنت توافقين، عليك اللعنة..</p><p style="text-align:justify;">فقال محمد شكرون:</p><p style="text-align:justify;">ـ صاحبي من أصل كريم.</p><p style="text-align:justify;">فبصق العجوز قائلا:</p><p style="text-align:justify;">ـ طظ.</p><p style="text-align:justify;">فقال محمد شكرون محرجا:</p><p style="text-align:justify;">ـ وهو يعمل…</p><p style="text-align:justify;">ولكن العجوز قاطعه:</p><p style="text-align:justify;">ـ لا يهمنا العمل أيضا!</p><p style="text-align:justify;">ـ أخلاقه…</p><p style="text-align:justify;">فقاطعه العجوز:</p><p style="text-align:justify;">ـ ولا تهمنا الأخلاق!</p><p style="text-align:justify;">فقال شكرون وهو يتحلى بمزيد من الصبر:</p><p style="text-align:justify;">ـ بكل إيجاز نريد كريمتكم على سنة الله ورسوله.</p><p style="text-align:justify;">فضحك العجوز عن فم خال تماما وقال:</p><p style="text-align:justify;">ـ مع ألف سلامة.. تكلم عن المهر.</p><p style="text-align:justify;">ـ تكلم أنت.. فأنت كبيرنا.</p><p style="text-align:justify;">فانتفخ العجوز قائلا:</p><p style="text-align:justify;">ـ عشرة جنيهات في يدي هذه.</p><p style="text-align:justify;">وبسط يده، فتحركت أم مروانة حركة غامضة، فقطب العجوز قائلا:</p><p style="text-align:justify;">ـ لنقرأ الفاتحة.</p><p style="text-align:justify;">وانطلقت من حولنا الزغاريد”.</p><h3 style="text-align:justify;"><strong>فحش أخلاقي وفوضى سلوكية</strong></h3><p style="text-align:justify;">وفي موضع آخر من الرواية يبين السارد على لسان جعفر كيف استمر هذا الفحش في القول والفعل معه، بعد زواجه من مروانة، فها هو ذا يقول: “وتسحبني من يدي لزيارة أمها وقريبها العجوز في معسكر الشياطين، ليضحك المخرف ويقول لي:</p><p style="text-align:justify;">ـ ألم يكن من الأفضل أن تعمل إماما لجامع؟</p><p style="text-align:justify;">أو يبارك بطن زوجتي قائلا للجنين:</p><p style="text-align:justify;">ـ شرفنا وكن قاتلا، فقد ضقنا باللصوص والمهربين!</p><p style="text-align:justify;">ويسخر من أصلي الكريم قائلا:</p><p style="text-align:justify;">ـ من جدك الراوي؟ أنا جدك الحقيقي، وأهبك هذه المرأة الجميلة، التي تمتص قذائف غرائزك الشريرة”.</p><p style="text-align:justify;">وهذا الفحش الأخلاقي والفوضى السلوكية امتدت إلى مروانة ذاتها، وانتقلت معها إلى عالمها الجديد، بعد أن اكترى جعفر لها شقة جديدة مجهزة بالخرنفش، هي في كل الأحوال أفضل بكثير من العشش والأكواخ التي كانت تعيش فيها، ثم عمل منشدا في جوقة شكرون، وهي مهنة أفضل وأرقي من كثير من المهن التي يعمل بها أهلها.</p><h3 style="text-align:justify;"><strong>مروانة وسلوكياتها البغيضة</strong></h3><p style="text-align:justify;">فها هو ذا جعفر يصفها قائلا: “مروانة لا تحسن تنظيف الشقة، ولا طهي الطعام، وتمضي حافية نصف عارية منتفشة الشعر، تتحدى الخيال وتناقر الهواء”.</p><p style="text-align:justify;">ثم يصفها في موضع آخر بأنها “إذا تجردت من رمز الإثارة الجنونية، فإنما تتمخض عن لا شيء البتة، أو تتمخض عن ذئبة”، وأنها “مجرد إثارة، ليست امرأة، لا هي ربة بيت، ولا هي أم، ولا هي سيدة بالمعنى، وصفاتها الجوهرية خليقة بأن تخلق منها رجلا، بل قاطع طريق”.</p><p style="text-align:justify;">ويفصل هذا الرأي في موضع ثان في الرواية حين يقول عنها: “إذا غضبت حطمت ما بين يديها، مزقت ملابسي، طوحت بكراسة الأغاني والتواشيح من النافذة، التحمت معي في عراك، وأصيح بها:</p><p style="text-align:justify;">ـ إنك أبغض إلي من الموت.</p><p style="text-align:justify;">فتصيح بي:</p><p style="text-align:justify;">ـ إنك أبغض من القيح.</p><p style="text-align:justify;">وفي موضع ثالث يزيد في وصف شراستها فيقول إنها “قوية متحدية سليطة اللسان طويلة اليد، كأنما خلقت لتقاتل”.</p><h3 style="text-align:justify;"><strong>عالم العشوائيات مستهجن للغريب حبيب لأهله</strong></h3><p style="text-align:justify;">وفي نظر السارد فإن عالم العشوائيات يبدو غريبا مستهجنا ومنبوذا بالنسبة لمن يعيشون خارجه، مثلما بان على شكرون حين اشمأز من الحوار الذي دار مع كبير سكان عشش الترجمان، لكنه آثر الصمت حتى لا يغضب صاحبه؛ “لم يعلق محمد شكرون بكلمة احتراما لعواطفي”.</p><p style="text-align:justify;">إلا أن هذا العالم يظل أليفا حبيبا بالنسبة لأهله، فمروانة “معتزة بنفسها وبقومها، تكاد تسبغ قداسة على التراب الذي منه جاءت كوردة برية”، وها هي ذي تقول لجعفر: “لا يوجد رجال خارج عشش الترجمان”.</p><h2 style="text-align:justify;"><strong>الأحياء العشوائية في مجموعة القرار الأخير</strong></h2><p style="text-align:justify;"><a href="https://mashroo3na.com/wp-content/uploads/2022/06/%D8%B1%D9%88%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AE%D9%8A%D8%B1-%D9%86%D8%AC%D9%8A%D8%A8-%D9%85%D8%AD%D9%81%D9%88%D8%B8.jpg"><img src="https://mashroo3na.com/wp-content/uploads/2022/06/%D8%B1%D9%88%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AE%D9%8A%D8%B1-%D9%86%D8%AC%D9%8A%D8%A8-%D9%85%D8%AD%D9%81%D9%88%D8%B8.jpg" alt="القرار الأخير نجيب محفوظ - نجيب محفوظ في صحبة المهمشين" srcset="//mashroo3na.com/wp-content/uploads/2022/06/رواية-القرار-الأخير-نجيب-محفوظ.jpg 318w, //mashroo3na.com/wp-content/uploads/2022/06/رواية-القرار-الأخير-نجيب-محفوظ-207x300.jpg 207w" sizes="100vw" width="318"></a></p><p style="text-align:justify;">لكن محفوظ انتقل في إحدى قصص مجموعة “القرار الأخير” إلى مستوى آخر من الحديث عن العشوائيات، انصبت هذه المرة على وصف المكان إلى جانب عرض السلوك والتصرفات.</p><p style="text-align:justify;">ففي قصة “المهد” يصف محفوظ أولاد الشوارع على لسان بطل القصة، وهو طفل، وصفا لا يختلف عما ورد في الرواية السابقة، إذ يرى أن: “خرقهم للتقاليد المرعية فلا حدود له، يرددون الأغاني الفاحشة، فنشعر بالفطرة أنها تُرشِّح من يحفظها للنار وبئس القرار”.</p><p style="text-align:justify;">لكن بطل القصة يمنحهم صفات إيجابية، لم ترد في الرواية، إذ يصفهم بأنهم “على قدر كبير من خفة الروح”، ثم يقول: “ويومٌ يمر دون لقاء مع أولئك أو هؤلاء لا يحسب من العمر”.</p><h3 style="text-align:justify;"><strong>كيف وصف محفوظ العشوائيات من الداخل؟</strong></h3><p style="text-align:justify;">وعلى خلاف وصف العشوائيات من الخارج في “قلب الليل”، يلج محفوظ إلى داخلها لكن بتحسب شديد وعلى استحياء، فها هو ذا يصف منظر أولاد الشوارع بأن أسمالهم بالية وأقدامهم حافية، ويصف بيتًا يقع في حي عشوائي،</p><p style="text-align:justify;">ويعد حالة لترييف المدينة، بقوله: “وسط البيت مملكة تنعم بحرية مطلقة. سقفه سماء الفصول الأربعة بألوانها المتباينة. وفي الأفق قباب عديدة ومآذن مفردة ومزدوجة، تستوي بينها مئذنة الحسين كالعروس بقدها الممشوق المنطلق.</p><p style="text-align:justify;">الكتاكيت تتجمع وتتلاصق تحت الشعاع كأنها خميلة متكاملة الألوان. نقيق الدجاج يترامى من وراء الباب الخشب. رؤوس الأرانب تبرز من أفواه البلاليص المائلة. وأنت تجمع البيض في حجر جلبابك، وتقدم أعواد البرسيم للأرانب، وترمي الحب للكتاكيت”.</p><h2 style="text-align:justify;"><strong>قصور الحديث عن الأحياء العشوائية في أدب نجيب محفوظ</strong></h2><p style="text-align:justify;">وكل الاستشهادات السابق ذكرها تبرهن على أن محفوظ لم يهمل تناول حياة “سكان المناطق العشوائية” في أدبه، لكنها ليست كافية بأي حال من الأحول لتثبت أن هذا العالم الهامشي، كان يحتل موقعا متقدما من اهتمام أديبنا العربي الكبير.</p><p style="text-align:justify;">فمحفوظ ظل في أغلب أعماله مخلصا للقاهرة الأولى، قبل أن تتريف وتحط الأحياء العشوائية على جنباتها، أو تمتد على شكل زوائد دودية في جسد بعض أحيائها العريقة والجديدة الغنية، لتدل على تناقض طبقي صارخ، وانقسام اجتماعي حاد،</p><p style="text-align:justify;">تعيشه مصر في الوقت الراهن، بعد انهيار الطبقة الوسطى، التي أخلص لها محفوظ، ومنحها سمعه وبصره وقلمه، فرسم ملامحها، وفاض في عرض تفاصيل حياتها ببراعة شديدة، كان مردها الأساسي انتماء محفوظ إليها، ومعرفته التامة بها، وبطرائق معيشتها.</p><h2 style="text-align:justify;"><strong>أسباب تراجع الحديث عن الأحياء العشوائية في أدب محفوظ</strong></h2><p style="text-align:justify;">أما الأحياء العشوائية فقد نمت في وقت كانت فيه صحة محفوظ تتراجع، واهتماماته الاجتماعية تنخفض إلى الحد البسيط الذي سمح له به سنه المتقدم، وشيخوخته الضعيفة.</p><p style="text-align:justify;">فلما باتت هذه الأحياء الهامشية ظاهرة تقتحم العين اقتحاما، وتحتل حيزا كبيرا من انشغال علماء الاجتماع والسياسة، ومن تفكير صانعي القرار ومتخذيه بعد الربط بين “التهميش” و”الإرهاب”، أخذ الأدب يلتفت إليها بشدة، ويكتب عنها باتساع، ويروي حكايات من قلبها، تحمل قدرا هائلا من الصدق الفني والواقعية.</p><p style="text-align:justify;">أما محفوظ فلم يعايش سكان المقابر أو يتجول في العشوائيات، حيث الأكواخ وعزب الصفيح والشوارع المختنقة والبشر المتعبين البائسين، ومن ثم فلم يفلح في تصويرها على وجه دقيق، بل وقف على تخومها، وبنى معلوماته عنها إما من السماع أو القراءة العابرة.</p><p style="text-align:justify;">ويأتي ذلك على العكس مما فعل مع الطبقات الدنيا في المدينة خلال رواية “بداية ونهاية”، فقد راح محفوظ يصف حال أبطالها الفقراء، ويعرض تفاصيل حياتهم ومعيشتهم، في المأكل والمشرب والملبس والمأوى، وشكل الأثاث ونوعه،</p><p style="text-align:justify;">فنجح بذلك في تحقيق كل ما يطلبه “المكان” من الروائي، إذ إن وصف الأمكنة لا يتأتى على وجهه الأكمل من دون ربطه بمكوناته، أو بالأشياء التي تلتصق به، وتشكل جزءا أصيلا منه.</p><h2 style="text-align:justify;"><strong>إبد اع محفوظ عن العشوائية إبداعا باهتا</strong></h2><p style="text-align:justify;">وفي هذه الناحية كان إبداع محفوظ عن العشوائية –سكنا وسلوكا– إبداعا باهتا، ليس على مستوى الكم فحسب، بل أيضا على مستوى الكيف.</p><p style="text-align:justify;">فمحفوظ رأى هذه الأحياء وسكانها من الخارج، خاصة في “قلب الليل” التي تتسم الشخصيات العشوائية فيها بالنمطية، وتتصف بالقبح الشديد، أو “الشر الخالص”، المتمثل في فحش القول والتصرف، وانهيار القيم وغياب التقاليد التي ارتضتها الجماعة العادية والسوية وتوافقت عليها.</p><p style="text-align:justify;">فحتى الشيء الذي أعجب بطل الرواية جعفر الراوي في مروانة ارتبط أساسا بإمكاناتها الجسدية، فهي في نظره “فاتنة بفطرتها، كلسان من لهب” و”تتدفق منها الفتنة والسحر والتحدي”.</p><p style="text-align:justify;">وهذه الإمكانات تحولت في نظر الراوي إلى طاقة شر، لأنها جعلته يستسلم في رحابها كاشفا عن ضعفه بقوة وعنف، يجري كمطارد أو مجنون فاقد الوعي، وهنا يقول لشكرون: “إني ضحية الشهوة العمياء”.</p><h2 style="text-align:justify;"><strong>هل تعمد نجيب محفوظ إهمال العشوائيات؟</strong></h2><p style="text-align:justify;">إن هذا الصوت الخافت لسكان العشوائيات في أدب نجيب محفوظ لا ينبع من تعمد الرجل إهمالهم، أو التعالي عليهم، فهم في خاتمة المطاف ينتمون إلى عالم “الحرافيش” الذي شيد محفوظ الجزء الكبير من أدبه على أحلامهم وأشواقهم إلى العدالة،</p><p style="text-align:justify;">إنما ينبع من عدم إلمامه الكافي بهذه الدنيا الجديدة، التي طفحت وفاحت رائحتها في وقت كان فيه محفوظ يكاد أن يشرف على إنهاء مشروعه الروائي، بعد حصوله على جائزة نوبل وهو ابن السابعة والسبعين عاما، خاصة بعد توعك قدرته على الكتابة إثر محاولة اغتياله عام 1994.</p><p style="text-align:justify;">وفي ظني فإن الظروف لو كانت أتاحت لمحفوظ أن يلج إلى هذا العالم المتوحش، الغارق في البؤس والفوضي، فمن المحتم أنه كان سيسلط عليه ضوءًا مبهرًا في رواياته وقصصه الأخيرة،</p><p style="text-align:justify;">في ظل رغبته المتجددة في أن يواكب تطورات عصره، ويهتم بالتغيرات الاجتماعية والتحولات الطبقية، وهو ما بان من تعليقه على قصة “الحب فوق هضبة الهرم” التي عالجت مشكلات الشباب الجديد في الحصول على عمل مناسب وسكن وتجهيز بيت الزوجية.</p><p style="text-align:justify;">هذه سلسلة من المقالات حول أدب&nbsp;نجيب محفوظ&nbsp;وشخصه، بوصفه “المعلم الأكبر” في مسيرة الرواية العربية، الذي تعددت زوايا علاقته بكل القادمين بعده، لتتراوح بين التأثر التام، الذي يصل إلى حد الاقتطاف والتمثل،</p><p style="text-align:justify;">وبين التمرد عليه وتحديه، أو بمعنى أدق محاولة الخروج من عباءته، بغية التجديد في الشكل والمضمون، مرورا بأنماط متدرجة من تقليد النص المحفوظي أو العيش في رحابه.</p><p style="text-align:justify;">نجيب محفوظ، كفنان وإنسان، له كثير في ذمة الناس، وعليه أيضا ما لا يمكن تجاهله، لا سيما أولئك الذين كانوا يعولون عليه أن يرفع صوته أعلى في سبيل الحرية والعدالة الاجتماعية، ولا يكتفي فقط بالإيمان بهاتين القيمتين في أدبه.</p><p style="text-align:justify;">&nbsp;</p><p style="text-align:justify;">*****************</p><p style="text-align:justify;">&nbsp;</p><p style="text-align:justify;"><img class="image_resized" style="width:9.21%;" src="https://mashroo3na.com/wp-content/uploads/2020/12/130768058_941623066366501_3771199173048331798_n-180x180.png" alt="صورة د. عمار علي حسن" srcset="https://mashroo3na.com/wp-content/uploads/2020/12/130768058_941623066366501_3771199173048331798_n-360x360.png 2x" sizes="100vw" width="180"><strong>د. عمار علي حسن</strong></p><p style="text-align:justify;">روائي ومفكر مصري</p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[موقع 180 مقالات]]></author>
                <guid>14236</guid>
                <pubDate>Wed, 22 Jun 2022 12:25:34 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[دبلوماسية الشعر بين المغرب والجزائر]]></title>
                <link>دبلوماسية-الشعر-بين-المغرب-والجزائر</link>
                <description><![CDATA[<p style="text-align:justify;"><strong><img class="image_resized" style="width:60px;" src="https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2018/08/%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%87%D8%A7%D8%AC%D9%8A-%D9%86%D8%AA-150x150.jpg" alt=""> محمد الديهاجي</strong></p><p style="text-align:justify;">يمكن للشعر أن يشكل أفُقُا للتعايش، فيه نَنفتِح على بعضنا باختلافاتنا الممكنة.. أفقا يَجمعُنا ويُوحّدُنا على وطنيةٍ ذاتِ جِذعٍ جمالي مُشترَك.. لأنه يمنحنا إمكانية الحوار والتشارُكَ في بناء كينونة متحررة من كل الحدود والنعرات الشوفينية المعيقة للعيش فوق أرض، عليها ما يستحق الحياة. فليس من شك في أن الشعر في إمكانه أن يلعب أدوارا توحِيديةً عالمية، هادِفةً لما فيه سلامُ الإنسانية، تحت لواء قيم الجمال.<br>ومن هذه المساعي الجميلة، تجربة المغربي عادل لطفي والجزائري عبد الرزاق بوكبة، من خلال عمل شعري زجلي بهي بعنوان «الثلجنار» وهو يزخر بقيم جمالية مختلفة تماما عما درجت عليه عادة الشعر العامي في الوطن العربي، بحثا عن كينونة أخرى، تفي بوعدها.<br>والحق أتصور أن القصيدة الزجلية الجزائرية وشقيقتها المغربية صنوان مع قوة التمايز والاختلاف الشعري كحق تقتضيه الحداثة وترتهن إليه. الحداثة في توثبها غير المنقطع، وتشخصنها الرؤياوي عند هذا الشاعر أو ذاك، ضدا من كل ميتافيزيقا شعرية أو دوكسا جمالي.</p><p style="text-align:justify;"><strong>العنونة والقلب وبداية السياحة</strong></p><p style="text-align:justify;">لا شك في أن العنوان في النظريات الأدبية الحديثة أصبح على قدر كبير من الأهمية. فهو بمثابة الرأس للجسد كما يقول محمد مفتاح. والمتأمل لعنوان هذا العمل بوصفه أفقا لشعر مختلف، في إمكانه أن يلاحظ، بالبداهة، كثيرا من الغرابة المؤسَّسة على القلب (أقصد قلْب ونقض القيم والمفاهيم) إيذانا بشعرية جديدة، آثرتُ نعتها بشعرية المفارقة. هي مفارقة ليست صُدفوية، ولا حتى اعتباطية، وإنما هي متلبّسة بقصدية ظاهراتية باشلارية تحديدا، في بناء وتشييد صرح كينونتها المتعاكسة، وفق ما يمكن تسميته بـ»الصورة الفارغة» تلك الصورة التي يمحوها بعضها، إيذانا بميثاق جديد بين الشاعرين والقارئ، منذ العتبة الأولى. فإن تجمع بين الثلج والنار في عبارة واحدة، بين الشيء وضده، فإنك لا محالة تسعى جاهدا للمجاوزة بها ولها. المجاوزة ها هنا باعتبارها أحد أهم اشتراطات الحداثة. إن جمعا من هذا النوع، هو تشوف حاذق لأفق مبتهج، وسعيٌ دؤوبٌ من طرف الشاعرين نحو تخلّق كينونة مضاعفة وشيكة، ومتفتحة على صيرورتها بكل احتمالاتها حتى إن كانت مربكة لهما ولقناعاتهما الخاصة. تلكم هي المفارقة الكبرى في هذا العمل.<br>أعود إلى عبارة «الثلجنار» وهذه المرة انطلاقا من مبدأ المقايسة مع الخلفية الإبستيمية للفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار. فالثلج عند بوكبة هو الماء عند باشلار. والنار لهب. وهما معا عنصران من ضمن العناصر الأربعة المكونة لكوسمولوجية الكون: الماء، النار، الهواء والتراب.<br>أصل الثلج ماء، ومآله التحول إلى ماء كامتداد أفقي، عند باشلار. أما النار فهي لهبٌ ذاتُ ألسنة عمودية. وفي كل «كائن عمودي تسود شعلة، بشكل خاص الشعلة هي العنصر الدينامي للحياة المستقيمة» (غاستون باشلار). والشاعر باعتباره كائنا عموديا، هو كذلك شعلة، ويدُهُ شعلة لأن مسار خط اليد عمودي. فهي شعلة يستضيء ويحترق بها. والوعي بهذه الدلالة لا تتحقق إلا لشاعر يُنصتُ جيدا لهسيس اليد الملبد بالضوء دائما. فهل التقاء العمودي بالأفقي في مسارٍ هو من بين الأغراض المستدعية للحلم في هذا العمل؟ من هذه الخلفية الإبستيمية، ينطلق الشاعر عادل لطفي في بناء عوالمه المتخيلة، إذ يُصرّح بذلك، غمزا ولمزا، في توطئته لـ»كتاب النار» التي تضمنت قولة لغاستون باشلار. فالنار شمس وروح وقصيدة.. يقول:<br>النار<br>طرف من الشمس<br>…طرف يتيم.<br>القصيدة جمرة كادية<br>بغى يطفيها السكات<br>ما قدرش<br>أما الشاعر عبد الرزاق بوكبة فيقول في مفارقة ضاجّة بالغرابة المستقوية بالجمع بين ما لا يُجمع، بين الثلج والنار، منتصرا للنار كباعث على الحياة:<br>– رميت شوقي ليك<br>في الثلج<br>زاد شعل.<br>يقول أيضا:<br>جداتي..<br>تحكيلي في ليل الثلج<br>وأنا نفكر<br>فريقك<br>حطت جمرة في فمي<br>قلتل(ها)ك: هذا عشاي.<br>لقد تحول الثلج، في لعبة القلب، إلى نار، والنار صارت طعاما، وتأسيسا على ذلك يمكن اعتبار النار، عند الشاعرين معا، عاملا محرضا على الحب والكتابة والحياة في أرقى وأبهى تجلياتها. أنبه هنا إلى أن الشاعر بوكبة لم يقتصر فقط على هندمة كينونة جديدة للأشياء، بل تعداها إلى ابتداع كلمة جديدة من خلال الجمع بين ضميرين في عبارة واحدة « قلتل(ها)ك» ما أجج المعنى وجعله مضاعفا، لتُصبح الكلمة حمالة أوجه.</p><p style="text-align:justify;"><strong>شعرية المفارقة والكتابة الماكرة</strong></p><p style="text-align:justify;">من ضمن ما ينهض عليه فعل الكتابة في هذه الإضمامة الرائقة، هو المكر والشيطنة. يدان لا تكتبان إلا لتمحوا. وما أقسى أن تقول الشيء وتمحوه، محتفظا فقط بما لا ينقال، بالطروس والأثر (أفكر في دريدا هنا) وأحيانا بأثر الأثر. كثيرة هي التوصيفات التي يمكن نعت بها هذه التجربة المشتركة كالعماء، والانقطاع، والتوتر، في وعاء كارثي يذكرنا بنظرية روني توم. دعونا نتوغل أكثر في تجاويف هذه الإضمامة، وستكون الفاتحة عبارة عن اقتباس شعري للشاعر بوكبة يعرف فيه الثلج تعريفا بدائيا، غير أني أرى فيه مكرا وخداعا، لأن تعريفا آخر يتخفّى وراءه بخصوص مفهوم الشاعر للكتابة. يقول:<br>الثلج ورقة كبيرة<br>فتتها جوع الشتا<br>لمّيتها<br>وهديتها<br>للصيف باش يكتب.<br>وإذن بداية المكر في هذا المقتبس، هو بيان الكتابة المُضمر في التجاويف الباطنية للومضة. فالكتابة عند الشاعر لا تستقيم إلا على ورقة من ثلج منذورة للذوبان، للمحو، ومهداة للصيف لكي يكتب عليها.. لكي يحرقها ربما. يا لها من قسوة. أيكون الشاعرُ قاصدا بذلك الكتابة المضادة مقرنا إياها بالحرق، أسوة بمأساة أبي حيان التوحيدي، أو أسوة بفراشة تحترق في مدار شعلة قنديل؟ وإذا صحّ الأمرُ، هل يمكن اعتبار الشاعر، وهو يؤسس لوعي بويطيقي جديد، قد تخطى الوعي الشعري الرؤياوي، ذاك الذي اعتبر الشعر قبسا من نار حكمة انتزعها بروميثيوس من سماء ضالة؟ يجيبنا عادل لطفي قائلا:<br>ملي صرت نار<br>حرقت وردة<br>ندمت<br>مالقيتش الدموع…<br>باش نبكي<br>جيت لهاذ الكسدة<br>نسد باب الرجوع..<br>من يد بروميثيوس<br>لقنديل ديوجين<br>لشمعة باشلار<br>…<br>…<br>ومازال شاعل<br>كتاب النار .<br>توحي الومضتان الأخيرتان، بخداع قشيب مضمونه أن الشاعر عبد الرزاق بوكبة سيُهدي الورقة للصيف، للتدقيق قل إنه سيسلمها لشاعر النار عادل لطفي. هي إذن كتابة بالتناوب. يد تكتب وأخرى تمحو. لقد أصبحت الكتابة، عند الشاعرين، ثلجا ونارا، ما جعلها تتوشح بوشاح تطهيري. وبذلك أزعم أن الكتابة، في هذا المقام، ثلاثية الأبعاد.<br>ثمة إذن رغبة ملحة من قبل الشاعرين في فتح جرح في مفهوم الكتابة الزجلية. جرح تعرض للنسيان والثني بلغة هيدغر. وإن بسط هذا الثني لن يتم، في نظرهما، إلا بوضع اليد الكاتبة في مواجهة نفسها، والكلام في مواجهة الصمت، والنار في مواجهة الثلج. إن الكتابة في هذا العمل، يُغاير نفسه باستمرار، مبشرا بشعرية جديدة ننعتها بشعرية «القلب والمفارقة». فالثلج نار، والكتابة محو، والجمرة قبلة، والقبلة طعام. ليس من شك أن ذلك يشكل أوج مفارقة تؤجج دوال الكتابة، بحثا عن كينونة مضاعفة، وعن تخلق ميتا- زمني لكتابة ضدية وصدامية.</p><p>شاعر وناقد مغربي</p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[موقع 180 مقالات]]></author>
                <guid>14220</guid>
                <pubDate>Mon, 20 Jun 2022 13:27:15 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[عصر الفزع: الشعر… الفلسفة والتقنية]]></title>
                <link>عصر-الفزع-الشعر…-الفلسفة-والتقنية</link>
                <description><![CDATA[<p style="text-align:justify;"><strong><img class="image_resized" style="width:60px;" src="https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2018/08/%D8%B1%D8%B4%D9%8A%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D9%85%D9%86%D9%8A-150x150.jpg" alt=""> رشيد المومني</strong></p><p style="text-align:justify;">في غمرة انشغالاته بإكراهات المعيش، يقطع الكائن -على سبيل النسيان – صلاته مع أغلب المفاهيم المحيلة على حقائق الوجود، خاصة حينما تكون حياته مؤطرة بدواليب تقنية متوحشة، لا تتوانى عن ممارسة إتلافها المنهجي والتدريجي، لمجموع ما يمتلكه من مقومات نقدية وتقويمية. وبالنظر للمكانة المتميزة التي يحظى بها الفيلسوف والشاعر، في تنبيه الكائن إلى ما يهدد حياته من أعطاب، فإنهما يعملان على تجاوز خلافاتهما التاريخية، مؤكدين أهمية حضورهما الفكري والإبداعي، أملا في إنقاذ ما يمكن إنقاذه، من بقايا ذاكرة المنجز الإنساني، التي بدا واضحا، أن شراسة التقنية تتهددها لا محالة بالمحو والنسيان.<br>يتعلق الأمر هنا إذن، بالحسم في من يتولى وصايته على الكائن، الذي يستشعر، ومنذ طفولة الكون، حاجته الملحة والجامحة، إلى مرشد/دليل، مهيأ لانتشاله من عنف دوامات الحيرة والتيه، الناتجة عما يتقاذفه تباعا، من هزات ورجات، روحية وفكرية. وهنا تحديدا، سيكون من الطبيعي أن يتحالف الغريمان، العتيقان والتقليديان «الشعر والفلسفة» بعد أن بلغا من العمر عتيه – كي لا نقول أرذله – من أجل التصدي لمخلوقة ميثولوجية مغناج، وحديثة العهد بالظهور، فضلا عن كونها معززة بما يكفي من مستلزمات الغواية والاستحواذ، التي تحمل اسما غامضا وملتبسا، هو «التقنية».<br>والملاحظ أن التحالف المشار إليه، هو عنوان قناعات فلسفية وشعرية، نادى وينادي بها أقطاب مهندسي الحداثة الكونية من مفكرين ومبدعين، بحثا عن خلاص يقي الإنسانية من قسوة اكتساح التقنية، التي من تداعياتها جفاف منابع المعنى، ونسيان الكائن لمقومات وجوده، وجوهر كينونته. فعلى ضوء هذا التحالف، أمسى الشعر مدعوا للتفاعل مع الاجتراحات المفاهيمية والفكرية التي يتميز بها الخطاب الفلسفي، بقدر ما أمسى هذا الأخير هو أيضا، مهيأ للاستضاءة بنور الشعر، من أجل تمزيق غشاوة الظلمة المحيطة بالعين الرائية.</p><p style="text-align:justify;">ما يعني أن جمهورية أفلاطون، وحالما ألفت نفسها محاصرة بـ»ضائقة» التقنية، لم يعد لها من خيار آخر، سوى تطهير دستورها من البنود التبخيسية المنصوص عليها في حق الشعر، معلنة بذلك عن انطلاق مشروع رد الاعتبار، للملكات التخييلية والتعبيرية، التي يستعيد بها الكائن مكانته المركزية في الوجود، بتناغم مع تشغيله لملكاته الفكرية والعقلانية.<br>لكن وقبل الإمعان في تحميل التقنية مسؤولية إجهازها على جوهر الكينونة، ألا يمكن القول إننا في حالة تأملنا لما هي بصدد نسجه من علاقات متشابكة ومعقدة مع العالم الطبيعي المؤطر بغيبياته وقداساته الميتافيزيقية، فسنقتنع حالا بأنها المبرر الأصلي لظهور الموجودات التي لا يكتمل بناؤها، ولا تتوافر شروط اشتغالها إلا عبر إخضاعها لقوانين تقنية، متميزة بدقتها وصرامتها، بعيدا عن تدخل أي صدفة محتملة، كما هو الشأن بالنسبة لقوانين الشروق والغروب، وتتالي الفصول، واستراتيجيات العقم والخصوبة بمجموع ما يتخللها من تجليات البقاء والعدم، الممسكة بناصية الكائنات. ففي خلفيات هذه الظواهر، تكمن أنماط متعالية من التقنيات و»التطبيقات» التي كانت وستظل النموذج المثالي، الذي تطمح المعرفة إلى «محاكاته» بالاستفادة من معطياته في تدبيرها لشؤون الحياة البشرية. ومن المؤكد أن تساؤلنا عن الخلفية الكامنة وراء كل الصيغ، التي تظهر بها الأشكال الطبيعية، لن يستدعي سوى جواب صريح ومحدد، مفاده حضور تقنية عملية، يعود لها الفضل في إنجاز الصيغ المعنية بالسؤال.<br>بهذا المعنى سنعتبر التقنية – وطبعا من منظورها الميتافيزيقي ـ بمثابة كائن جوهري وأساسي، توكل إليه مهمة البناء والإنشاء الطبيعي للكون، حتى قبل أن يحظى الإنسان بهبة حضوره هنا على وجه البسيطة. ولعلنا بهذا التأويل المغرض والمبيت، سنكف مؤقتا عن اعتبار التقنية وليدة العلم التجريبي، الذي يعود له الفضل في ظهور العصور الحديثة، إذ بقليل من التسامح النظري، يمكن تقصي معالم حضورها في الفضاءات البدائية بأزمنتها القديمة والراهنة. كما بقليل من البداهة، يمكن ملامسة حضورها الباهر، في منجزات الحضارات الغابرة، والمتميزة باختراعاتها العجائبية الأكثر إشكالا، أسوة بمنجز الحضارات الفرعونية، وغيرها من الحضارات، التي تمكنت فيها التقنية من تقمص دلالات وأبعاد مثقلة بحمولتها الأسطورية. والهدف من إشارتنا التلميحية إلى هذه المحطات المفصلية من تاريخ التقنية، هو الإشعار بالطفرات التي اجتازتها خلال مسيرتها الطويلة، والموحية من فرط جموحها بانفصالها عن ماضيها، لتأخذ شكل كائن حديث العهد بالولادة.</p><blockquote><p style="text-align:justify;"><strong>&nbsp;مشروعية الحقيقة العلمية تقترن أساسا بصلاحيتها الظرفية، ما يفسر دلالة تطورها ودلالة مضاعفتها لإشعاعها بقوة قانون الامتداد.</strong></p></blockquote><p style="text-align:justify;">إنها بهذا المعنى، عبارة عن مخلوقة عجائبية، عمرها الفعلي ملايين السنين، فيما لا يتجاوز من حيث ظاهره حدود القرنين. ومن المؤكد أن قدرتها الفائقة في التنكيل بالكائن واستعباده، تعود إلى هذه الازدواجية الهجينة والمتواطئة. أيضا إلى جانب ذلك، يمكن إضافة حركية التأطير النظري المواكب لسيرورتها، التي تجعل منها النموذج المثالي لمفهوم الحقيقة العلمية الموسومة بأقصى متطلبات البعد «الموضوعي». وهو بالمناسبة، بعد/مفهوم مثقل بيقين إجرائي، لا يسمح لذرة واحدة من الشك بالتسرب إلى قوانينه. ما حوله في نظرنا إلى سلطة ديكتاتورية مريبة، تمارس حجرها المحكم على حرية التأويل، ذلك أن مقولة البعد الموضوعي التي من شأنها الفصل بين الرؤية الذاتية لأشياء العام، وما يعتبر رؤية «عقلانية» و»علمية» يتحول خلسة، إلى محجة لا يأتيها الباطل، لا من بين يديها ولا من خلفها. علما بأن مسلمة «النسبية، قطعت مع ديكتاتورية الحقيقة العلمية، التي لا تستمد «موضوعيتها» هي أيضا إلا من واقع صلاحيتها المؤقتة والظرفية، باعتبار أن حقيقة الشيء، هي رهينة بالسياق الموجودة فيه، بانتظار حدوث ما يفندها، أو يصوب ما يعتريها من أخطاء.<br>مشروعية الحقيقة العلمية تقترن أساسا بصلاحيتها الظرفية، ما يفسر دلالة تطورها ودلالة مضاعفتها لإشعاعها بقوة قانون الامتداد. ومن المؤكد أن المبالغة في تضخيم سلطة الحقيقة العلمية، لا يمكن إلا أن ينتزعها من سياق تناميها الطبيعي، بوصفه سياقا بشريا، يعتمد على مراكمة إنجازاته في ظل ما يراكمه من خبرات ومعارف. وتجاهل هذا البعد الإنساني الوثيق الصلة بتجدد آليات البحث والتجريب، يقحم الحقائق العلمية في مدارات قداسة ميتافيزيقية تفرغها من دلالاتها «الموضوعية». مع العلم أن لكل زمن ميتافيزيقاه التي يستقل بها بانسجام مع خصوصية شروطه الفكرية والعملية. وبالتالي، ألا يمكن اعتبار الفلسفة المنشغلة بالبدء الشعري، أو «الوجود المنفتح «، بتعبير مارتن هيدغر، والمتحاملة على هوية الزمن التقني، محض فلسفة نوستالجية، مسكونة باستعادة المرجعيات البائدة، المحيل على مخمل الأزمنة المنسية؟ والمسكونة أيضا بتنشيطها للوعي الشقي الذي يجد ضالته في متعة توحده بمحنة اغتراب الروح، وفقدان المعنى؟ علما أن الإمعان في تلبس حالة الاغتراب، هو بمثابة الرافد الفعلي للخطاب الفلسفي والشعري. وبالتالي، فإنه «تلبس» من شأنه المراهنة على ديمومة حالة اللاطمأنينة المولدة حتما لشعرية القول، ولإشكالية السؤال. أيضا، ألا يمكن اعتبار قطيعة زمن الشعر والفلسفة مع الزمن التقني، هي تعبير ضمني عن سوء تمثلهما لقوانينه الجديدة؟ والاقتصار بدل ذلك، على توظيف معايير مستمدة من عمق الميتافيزيقا القديمة والجماليات التقليدية؟<br>ثم أليست الفلسفة والشعر، مدعوين لاختراق حجاب التقنية، الذي يحول دون استيعابهما لما يتعرض له الوجود الإنساني والطبيعي من انهيارات جحيمية ومتتالية قوامها التلذذ الهمجي، بتفعيل ناموس القتل في كل الاتجاهات وبالذرائع كافة؟ ما يعني أن الدعوة إلى الاختراق حجاب التقنية، هو دعوة لمساءلتها شعريا وفلسفيا، أملا في إبداع شعر آخر، وفلسفة مغايرة، لا علاقة لهما بماضيهما؟</p><p>شاعر وكاتب من المغرب</p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[موقع 180 مقالات]]></author>
                <guid>14188</guid>
                <pubDate>Tue, 14 Jun 2022 12:32:47 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[هل يحتاج طه حسين لشهادة حسن سلوك؟]]></title>
                <link>هل-يحتاج-طه-حسين-لشهادة-حسن-سلوك؟</link>
                <description><![CDATA[<p style="text-align:justify;"><strong><img class="image_resized" style="width:60px;" src="https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2018/08/%D8%A8%D8%B1%D9%88%D9%8A%D9%86-%D8%AD%D8%A8%D9%8A%D8%A8-150x150.jpg" alt=""> بروين حبيب</strong></p><p style="text-align:justify;">الرجل الذي انطفأت أنوار عينيه وهو طفل عاش صدمته لوحده، وأصبح عليه أن يعيد تشكيل عالمه بطريقة افتراضية تبقي تلك الأنوار مضاءة لباقي حياته مهما طالت، ولعل نجاحه يكمن هنا، حين عرف طريق النور، ومضى فيه ساحبا خلفه نخبة النخبة ليس في مصر فقط، بل في العالم العربي كاملا.<br>أما كيف فُسرت كل أفكاره التنويرية في ما بعد، فتلك لم تكن يوما مشكلته، بل مشكلة المتلقي العربي بكل أنواعه وهو يتعرض لأكبر عملية هتك للعقل شهدتها الحقبة المعاصرة. والدليل أن أغلب الردود على طه حسين لم تكن فكرية، بقدر ما أخذت منحى شخصيا لم يتوقف إلى يومنا هذا عن طعنه في أمور لا يعلمها إلا الله وحده.<br>وكلما تقدم بنا الزمن برز مهاجمون له ومدافعون عنه، لكن مدار الهجوم والدفاع ظل نفسه وهذا يعني أننا لا نزال عالقين في المكان ذاته منذ أطلق طه حسين كتابه «في الشعر الجاهلي». مات طه حسين ولم يقف أحد في وجهه فارِدا أمامه أدلة تكسر ما طرحه من أفكار، بل ظل يُلاحق مثل متهم حتى قيل إنه تراجع عما قاله، فعدل الكتاب في طبعاته التي تلت الأصلية، وبرزت قصص كثيرة تثبت إسلامه، وتمنحه «شهادة حسن سلوك» مثل قصة مدح الشيخ محمد متولي الشعراوي له، احتفاء بزيارته للأراضي المقدسة، وهي تضع عميد الأدب في بوتقة ضيقة متناهية في الصغر تقزم حجمه الفكري وتهينه أيما إهانة.<br>في كتابه «طه حسين، وثائق مجهولة» الصادر عن منشورات بتانة ينشر إبراهيم عبد العزيز قصيدة الشعراوي كاملة بخط يده على الغلاف الخلفي للجزء الرابع المخصص للرسائل العائلية وأشياء أخرى، وهو في الأجزاء الأربعة يأخذنا في رحلة إلى أعماق وشواطئ حياة عميد الأدب العربي على مدى 2200 صفحة (أربعة أجزاء ضخمة) جامعا مقالات وشهادات ممن تتلمذوا على يديه وعاشروه وعاصروه، ووثائق وصور تضيء حياته التي ربما غابت عن كثيرين منذ كان في قلب الحدث العلمي والثقافي حيا يرزق إلى هذه اللحظة. لكنه أيضا منحنا فرصة تذوق مرارة فراقه، وجعلنا نشهد جنازته المهيبة، وعذابات زوجته التي عاشتها بعد غيابه، وصحح الكثير مما ورد بشأنها، مبررا ما تم تفسيره بأنه قسوة وعنصرية ورفض للمحيطين به. فقد اهتمت به اهتماما بالغا، ولم تكن تسمح بأن يخرج إلا وهو في كامل أناقته، وسهرت على مدى عمرهما معا على توفير كل ظروف الراحة ليعمل ويفكر ويرتاح.<br>لا يفارقنا الشعور بأن إبراهيم عبد العزيز كتب سيرة العميد وهو يقف في جانب المدافعين عنه، مذكرا بمكانته العلمية ومواقفه الإنسانية. نقرأ في الجزء الرابع «ويبكي سكرتيره وهو يقول: لقد اكتشفت خلال عملي معه في العامين الأخيرين قبل وفاته، أنه رجل مؤمن لم يعرف اليأس، وأنه لم يكن يحقد على أحد ولم يحمل ضغينة لأحد». كما يورد رواية عن ابنه مؤنس يحكي فيها أنه وجد مصحف والده بعد وفاته مفتوحا على الآية «ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم قل إن الهدى هدى الله». ولا أدري هل يهمنا فعلا إيمان الرجل بعد أن صار عند ربه منذ نصف قرن، وهل يحق لبشر أن يحاكمه في إيمانه، هو الذي يُصَنف من أهل العلم، وتركته العلمية أكثر أهمية بالنسبة لأهل الحياة الدنيا، من مناقشة إيمانه وأمور لا يمكن إثباتها حتى لو اعترف صاحبها بها. يجمع المؤلف ما أمكن من أرشيف قديم ويضعه تحت الأضواء عسى أن تنقشع عتمة دهاليز بداية هذا القرن، وتكف الغوغاء ربما عن ملاحقة الرجل إلى قبره بالتهم، ويا للصدف فخبر الإقبال على هدم المقبرة التي دفن فيها عميد الأدب لأسباب عمرانية محضة، تضعنا أمام هول مصيبتنا وانغماسنا في تجهيل الإنسان، رغم الإنكار الذي رافق انتشار الخبر كالنار في الهشيم.</p><blockquote><p style="text-align:justify;"><strong>على غرار المصريين المتمكنين من سرد «الحواديث» يسرد إبراهيم عبد العزيز حكاياته عن طه حسين، ويبدو جليا أنه ليس فقط خبيرا في كتابة السيَر الذاتية، بل خبيرا فيما يحبه القارئ العربي ويجعله لا يمل.</strong></p></blockquote><p style="text-align:justify;">ينشر المؤلف نسخة عن الحوار الذي أجراه الشاعر كامل الشناوي مع طه حسين بعد عودته من الأراضي المقدسة في الجزء الثالث من الكتاب، معنونا بـ»طه حسين يناجي ربه، أنت إلهي.. لا إله إلا أنت!» وفي المقدمة يؤكد الشناوي أن طه حسين قبّل الحجر الأسود، وفي المسجد الحرام ناجى ربه، ولم يكن الوحيد الذي اهتم بهذه الزيارة فقد كانت حدثا ضخما له «طنة ورنة» كما يقال، وهي في قراءتي الخاصة كانت أشبه بإعلان «توبة المرتد» منها إلى إثبات إيمانه، وكلاهما لم ينصف طه حسين الفقير، الكفيف ونضاله الطويل لإثبات ذاته وبلوغ أعلى مراكز العلم والمعرفة، وصراعه مع المبصرين الذين أعلنوا عليه الحرب من حيث لم يتوقع لتعطيل مساره. التهم التي وُجهت لطه حسين لم تتوقف عند الطعن في إيمانه، بل تجاوزتها إلى الطعن في وطنيته، في الباب الثالث من الجزء الثالث يجيبنا المؤلف عن الأسئلة الكثيرة التي طرحت عنه، هل كان يعمل لحساب الغرب، أم لحساب المسيحية، أم لحساب الشيوعية أم لحساب الماسونية، أم لحساب اليهود؟ وجيد أنه عاد لأصل الحكاية ليوضح أن خليط التهم ذاك كان سببه ممول مجلة «الكاتب المصري» الذي كان يهوديا، وكان نشاطه كأي نشاط آخر لليهود في مصر كونهم كانوا مسيطرين على شؤون المال، ونقرأ في هذا الفصل الكثير عما نجهله اليوم عن اليهود في مصر قبل قيام ما سميَ في ما بعد بالدولة الإسرائيلية، وهي فترة تلت تأسيس العميد للمجلة وانتشارها بسنوات عديدة.<br>طُعٍن الرجل أيضا في حبه لزوجته «الخوجاية» فقيل إنه أغرم بالكاتبة سهير القلماوي، منذ تعرف عليها وهي بعد تلميذة في الثامنة عشرة يسعى والدها لإلحاقها بالجامعة كأول طالبة جامعية في مصر، ورغم شهادات كثير تؤكد هذه الحكاية، ومنهم تلميذها عبد المنعم تليمة الذي عرفته بنفسها على طه حسين، إلا أن الحكم على الحب يشبه تماما الحكم على الإيمان، ودون أدنى شك يبقى مسألة يلفها الغموض لأنها تخص الشخص نفسه.<br>يحفل الكتاب بحكايات طريفة أيضا، مثل تلك التي رواها تليمة نفسه كشاهد على صداقة طه حسين بالرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة، منذ كان لاجئا سياسيا في مصر، وكان يجلس في مقهى فقير جدا مع زكريا أحمد، وبيرم التونسي، وعلي أحمد باكثير، وحين يمر عليهم بائع الفول يشتري كل منهم رغيفا بتعريفة. يقول بعد أن أصبح بورقيبة رئيسا وزار مصر قال لجمال عبد الناصر: «أنا عاوز أشوف الواد طه» فقال له عبد الناصر: «اعطنا اسم هذا الولد لنرسل له عن طريق سكرتارية ديوان رئاسة الجمهورية ويجيئك فورا» فقال له بورقيبة: «ديوان إيه…هذا الرجل له مقام رفيع، أنا من يجب أن أذهب إليه، إنه طه حسين، الرؤساء هم من يقصدون العلماء». وشاءت الصدف يومها أن يزوره يوم أربعاء وفقا لجدول البرنامج الرئاسي، وهو يوم محاضرته الأسبوعية، فاعتذر من طلبته ثلاث مرات، بتكليف سهير القلماوي بإيصال اعتذاره للطلبة، وتكليف سكرتيره الخاص فريد شحاتة بكتابة اعتذار على اللوح ثم اعتذاره شخصيا منهم في الأربعاء الذي تلاه.<br>على غرار المصريين المتمكنين من سرد «الحواديث» يسرد إبراهيم عبد العزيز حكاياته عن طه حسين، ويبدو جليا أنه ليس فقط خبيرا في كتابة السيَر الذاتية، بل خبيرا فيما يحبه القارئ العربي ويجعله لا يمل. فالكتاب رغم حجمه الضخم جدا وعدم التزامه بمنهج، إلا أنه ممتع حتى في جزئيه الأول والثاني، وما يتعلق بملفه الشخصي في كلية الآداب، ومعاركه بشأن استقلال الجامعة، والدفاع عن اختلاط الجنسين في حرمها، وعن خلفيات انشائه لجامعة الإسكندرية، ثم بمحاضراته النادرة في جامعة فؤاد الأول عام 1938، قدم منها تسعا وعشرين محاضرة في الأدب العباسي كان قد دونها تلميذه حامد عبد المجيد بخط يده وأهداها لأستاذه، ومحاضرات أخرى متفرقة…</p><p style="text-align:justify;">شاعرة وإعلامية من البحرين</p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[موقع 180 مقالات]]></author>
                <guid>14182</guid>
                <pubDate>Mon, 13 Jun 2022 16:41:29 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[يوما أو بعض يوم]]></title>
                <link>يوما-أو-بعض-يوم</link>
                <description><![CDATA[<p style="text-align:justify;"><strong><img class="image_resized" style="width:60px;" src="https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2018/09/%D8%A7%D9%95%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D9%87%D9%8A%D9%85-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D9%8A%D8%AF-150x150.jpg" alt=""> إبراهيم عبد المجيد</strong></p><p style="text-align:justify;">هذا الكتاب هو الجزء الأول من مذكرات محمد سلماوي، الذي عرفناه وعرفته الثقافة العربية صحافيا كبيرا في جريدة «الأهرام» وصحفها مثل «الأهرام ويكلي» الإنكليزية و»الأهرام إبدو» الفرنسية وكاتبا للمقالات وكاتبا مسرحيا وروائيا، فضلا عن مناصب تولاها في الحياة الأدبية، منها رئاسته لاتحاد الكتاب المصريين التي كانت من أجمل سنوات الاتحاد ثقافة وعملا ونشاطا لم تتكرر.</p><p style="text-align:justify;">المذكرات هنا بين عام ميلاده 1945 وعام 1981 الذي شهد مقتل الرئيس السادات. الكتاب من إصدارات دار الكرمة، ويقع في أكثر من أربعمئة صفحة. الفصول الأولى عن أصل العائلة العربي من الحجاز، فأحد قادة عمرو ابن العاص حين دخل مصر كان اسمه علي بن عسر من قبيلة سلمى في الجزيرة العربية، لذلك كان يدعى علي السلماوي. لقد وصل اهتمام الكاتب محمد سلماوي بالأمر إلى درجة أنه وهو يكتب الكتاب تمكن من إجراء اختبار جيني في أحد أكبر معامل تحاليل الجينات في الولايات المتحدة، ليجد أن التكون الأكبر في جيناته 14.6٪ هو مكوِّن عربي، بينما توزعت المكونات الأخرى على افريقية ومتوسطية بدرجات أقل. رحلة ممتعة مع تاريخ العائلة التي تولى أجداده فيها عمودية القرى التي عاشوا فيها، وتتساءل كيف أن أصوله البورجوازية الراقية لم تمنعه من مشاركة المصريين حياتهم، يدافع عنهم ويدفع الثمن من عمله وحياته. درجات البكوية التي حصل عليها جده وأعمامه وأخواله، وحديث عن والده سلماوي محمد وعلاقاته من الملك فاروق إلى كبار رجال الدولة والصحافة. كيف كانت تربيته بين ثلاث مربيات أجنبيات متتاليات وسط ما يحدث في مصر والعالم، وسفر والده وأمه كثيرا إلى الخارج منها رحلة لأمريكا مرورا بلندن والتحاق والده وأمه بمعهد ديل كارنيجي للتنمية الذاتية في نيويورك والصداقة مع مستر كارنيجي وزوجته.</p><p style="text-align:justify;">من الطريف أنه يوم تخلصوا من المربية الإنكليزية جافة المشاعر عام 1951 وكان هو في السادسة من عمره أن قال، تخلصنا من الاستعمار البريطاني قبل الجلاء. تأتي رحلة الحياة في القاهرة للأب والأم في عمارة ليبون في الزمالك وأكثر من فيللا في الجيزة وكذلك المعادي، ورحلة تعليمه وكيف كان للمربية الفرنسية جان كارمل، فضل معرفته بالفرنسية في وقت مبكر، هو الذي كان تعليمه بالإنكليزية. كانت تعلمه الفرنسية من أغاني إديث بياف وجاك بريل وداليدا، فهام بالأغاني والموسيقي، وكيف كانت أمه المولعة بالرسم بابا لتفتح مواهبه الفنية في بيت امتلأ بالإسطوانات الموسيقية لكبار الموسيقيين مثل، بيتهوفن وغيره. أحاديث تفتح كنوزا بالمعرفة عن موسيقيين عالميين ومصريين مثل، عبد الرحمن الخطيب شقيق كل من سليمان جميل وفايدة كامل والسوبرانو أميرة كامل، وكان صديقا للعائلة يتردد عليهم في عمارة ليبون حتى هاجر إلى إنكلترا.</p><p style="text-align:justify;">أسماء شهيرة كثيرة في الحكم والصحافة كانت تترد على العائلة.. تعليمه المزدوج في الجامعة الأمريكية وكلية الأداب معا ثم الاكتفاء بكلية الآداب ومشاركاته في الإخراج المسرحي والتمثيل أحيانا، ومعرفته برشاد رشدي في الجامعة وانجذابه للكتابة المسرحية. يتم ابعاده عن العمل في جريدة «الأهرام» مرة مع بيان توفيق الحكيم الشهير عام 1973 الذي طالب بالحرب وتحرير سيناء، ومرة بعد مظاهرات يناير/كانون الثاني عام 1977 وفيها عرف السجن. بين ذلك كله قصة حبه للفنانة التشكيلية الكبيرة نازلي مدكور. مصاعب قصة الحب ورفض عائلتها بلا سبب، وانقطاع الصلة بينهما حين سافر إلى سترادفورد في دورة دراسية لشكسبير، وطال به الوقت، وبكاؤه كل ليلة رغم اقتراب صديقة إيطالية منه. صفحات مؤلمة للحب العظيم الذي كُلل بالزواج بعد عودته، دون أن تعلم عائلة حبيبته التي كانت ترفض الزواج فرضخوا للأمر الواقع. صفحات رائعة عن عمله في جريدة «الأهرام» ولقائه بمحمد حسنين هيكل وحديث فائق الجمال عن سَكنَة الدور السادس في «الأهرام» توفيق الحكيم ونجيب محفوظ ويوسف إدريس.</p><blockquote><p style="text-align:justify;">في الكتاب رحلات مذهلة في أوروبا وآسيا ولقاءات رائعة مع المشاهير في العالم من الساسة والفنانين يؤلمك منها يوم سفره إلى الهند للقاء أنديرا غاندي، بعد أن تركت الحكم وجاءت حكومة ديساي الموالية للولايات المتحدة، وفي الطريق إليها بعد أن تحدد الموعد وجدهم يقبضون عليها ويضعون الكلابشات الحديد في يديها وينقلونها في عربة الشرطة.</p></blockquote><p style="text-align:justify;">توفيق الحكيم الذي تزوج ابنه الموسيقار إسماعيل الحكيم «هداية» أخت محمد سلماوي. يصل بك إلى صفحات لا تنسي عن تجربة السجن وظلامه بعد مظاهرات يناير عام 1977 ومعه أسماء شهيرة مثل حسين عبد الرازق وفيليب جلاب وغيرهما. عالم السجن والسجانين بين ضحك وبكاء. شهر كان مثل أعوام طويلة ومساجين جنائيين لا يريدون مفارقة السجن وبينهم سجين محكوم عليه بالإعدام، وكيف يقابل الأمر بروح مرحة. انتظار الحكم بعد العرض على المحكمة بعد شهر واحد فالقانون كان يحدد أقصى مدة للحبس الاحتياطي شهرا وليس عامان، كما هو الحال الآن! بين هذا كله صور لكل من يتحدث معهم أو عنهم من الكتّاب والمفكرين والمساجين وقبلهم أفراد عائلته، رجالا ونساء. صور وخطابات تزيد من جمال الكتاب بشكل عظيم، وتكاد تحتل ثلث صفحاته حتى نصل إلى المحنة الكبرى حين سافر إلى أستراليا لإجراء حوار صحافي مع رئيس وزرائها مالكولم فريزر عام 1981، وكيف عرف من رئيس الوزراء نفسه أنه قد وضع في اليوم نفسه في قائمة السادات من المغضوب عليهم، وكيف أن في رجوعه خطرا كبيرا. عرف رئيس الوزراء ذلك من سفارة أستراليا في القاهرة. ورغم عرض رئيس وزراء أستراليا عليه اللجوء السياسي فإنه يعود.</p><p style="text-align:justify;">رحلة عودة طويلة على الروح، ودموع عرفتها ليال فهو لا يستطيع مفارقة زوجته وطفليه سيف وسارة. يفعلها ويعود لكن لا يتم القبض عليه. لقد تم فصله للمرة الثالثة، وكواليس ذلك ومن الذي أضاف اسمه من صحافيي «الأهرام» طبعا لم يكن وحده. كان هناك الآلاف، يذكر أسماء بعضهم كمثال. ينتهي كل شيء بمقتل السادات الذي عاد بالبلاد إلى عكس ما كانت عليه في الاقتصاد والسياسة، والذي فرّخ لنا الإرهابيين مع أمريكا والسعودية بتدريبهم على القتال وإرسالهم لأفغانستان ليعودوا بعد ذلك ينتشرون في مصر والعالم العربي وأوروبا الشرقية، والذي تصالح مع إسرائيل. كيف صار ابن العائلة الكبيرة مدافعا عن إنجازات عبد الناصر؟ المفتاح في كلمة أبيه له وأخوته يوم تم تأميم ممتلكاتهم، بأن عبد الناصر لن يأخذ ما تم تأميمه لنفسه، بل يريد شيئا من العدالة الاجتماعية. وحين فعل السادات العكس في الاقتصاد وجد أبوه ذلك جيدا، فكانت دهشة محمد سلماوي، لكنه أدرك حكمة الأب أن يتعايش مع ما يجري. لكن محمد سلماوي كان قد انتقل إلى معسكر العدالة الاجتماعية والقومية العربية وتحرير فلسطين وانتهى الأمر.</p><p style="text-align:justify;">في الكتاب رحلات مذهلة في أوروبا وآسيا ولقاءات رائعة مع المشاهير في العالم من الساسة والفنانين يؤلمك منها يوم سفره إلى الهند للقاء أنديرا غاندي، بعد أن تركت الحكم وجاءت حكومة ديساي الموالية للولايات المتحدة، وفي الطريق إليها بعد أن تحدد الموعد وجدهم يقبضون عليها ويضعون الكلابشات الحديد في يديها وينقلونها في عربة الشرطة.</p><p style="text-align:justify;">عنوان الكتاب هو من سورة «المؤمنون» الكريمة: «قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين، قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فاسأل العادين، قال إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون» الكتاب يعكس هذا الايمان والتواضع العظيم، رغم عظمة الرحلة.</p><p style="text-align:justify;">وقبل النهاية أشير إلى معنى فلسفي جميل يلخص الرحلة يتلخص في ولع الكاتب بعشبة «كف مريم» في طفولته وهي العشبة المنغلقة على نفسها كما كان هو في صباه منطويا حالما. العشبة البائسة التي تتقاذفها رياح ورمال الصحراء في كل اتجاه لكنها ما أن تجد البيئة الصالحة حتى تدب فيها الحياة، فكان وهم يقطنون في المعادي والصحراء حولهم يعود بواحدة منها يغرسها جوار مدرسته الابتدائية ويجدها بعد أيام قد ازدهرت. انقطع عن المعادي طويلا حتى عاد إليها بعد الزواج ليجد شجرة نمت وصارت مرتفعة لحوالي أربعة أمتار فسأل صاحب المشتل هل هو من زرعها فقال «لا. طالعة شيطاني» فسأله هل يعرف اسمها فقال كف مريم، وتذكر أنه هو من غرسها وهو صغير. هكذا كانت حياته اثمرت رغم ما مرّ عليها من رياح وغبار.</p><p style="text-align:justify;">روائي مصري</p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[موقع 180 مقالات]]></author>
                <guid>14175</guid>
                <pubDate>Sat, 11 Jun 2022 17:06:36 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[غادة السمان تكتب: هل تخاف من كوابيسك؟]]></title>
                <link>غادة-السمان-تكتب-هل-تخاف-من-كوابيسك؟</link>
                <description><![CDATA[<p style="text-align:justify;">لم أضحك حين قرأت عن أولئك اللصوص الذين سرقوا أكثر من دزينة من التماثيل من معبد هندوسي قديم في الهند ثم أعادوها، لا لأن الشرطة اعتقلتهم بل لأن الكوابيس طاردتهم أثناء نومهم!<br>خبر ليس مضحكاً، بل يعبر عن حقيقة إنسانية تشمل البشر كلهم اسمها الكوابيس. هل الكوابيس أثناء النوم هي الضمير الذي لا ينام أم المخاوف من المجهول؟ السارقون فقدوا القدرة على النوم والقدرة على الحياة بسلام، وصارت «الأحلام المخيفة»، كما يقولون، تطاردهم أثناء النوم. وهكذا أعادوا المسروقات (14 تمثالاً ثميناً دينياً) وتركوا مع المسروقات التي أعادوها رسالة في طلب المغفرة!</p><p style="text-align:justify;"><strong>«كوابيس بيروت».. كوابيسي!</strong></p><p style="text-align:justify;">روايتي «كوابيس بيروت» لم تكن كلها عملاً أدبياً خيالياً، ولا أظن أن ترجمتها إلى عشرات اللغات سببها (الإبداع الأدبي) وحده، بل عشتها حقاً بنفسي، والكوابيس تأتي بين النوم واليقظة، وربما في مرحلة النوم العميق حين يستيقظ العقل الباطن. ولا يدهشني أن السارقين أعادوا إلى المعبد التماثيل التي سرقوها تحت وطأة الكوابيس، أي أن النوم هجرهم إلى أرض أخرى مرعبة تتوعدهم وتخيفهم.<br>من طرفي، لم أسرق شيئاً سبب كوابيسي، بل سُرِقتْ مني بيروت أيام الحرب الأهلية اللبنانية؛ أي الحس بالأمان، وأهدتني الكوابيس التي وجدتها مادة خصبة لعمل روائي بدلاً من الشكوى لصديقاتي في بيروت من سوء نومي وكوابيسي.. ترى، هل ثمة من يتحول نومه إلى كوابيس، في بيروت هذه الأيام اللبنانية الرديئة؟</p><p style="text-align:justify;"><strong>حدث الزلزال وتوهموه كابوسي!</strong></p><p style="text-align:justify;">لا تتوهم اللامألوف المرعب، هو بالضرورة مجرد كابوس.. بل قد يكون ما يبدو لك كابوساً حقيقة معيشة حتى ولو لم يصدقك أحد في البداية ريثما يتأكد من صدقك. وهو ما حدث لي منذ أعوام.<br>كنت قد شاهدت ليلتها فيلماً عن الروح الشريرة التي تحاول أن تتلبس جسد صبية بريئة ولا تتركها تنام، بل تهز سريرها، (فيلم عن رواية طارد الشياطين). حين استيقظت وسريري يهتز كما في الفيلم/الرواية، وكما حدث لبطلتها، كنت واثقة أنني لا أرى كابوساً، وأنها الحقيقة، وأيقظت ابني وزوجي وقلت لهما: ثمة زلزال في بيروت، وسخرا مني وقالا إنه أحد كوابيسك الكثيرة. ولكن حين خرجنا إلى الشرفة وجدنا الجيران كلهم مستيقظين، وأنه حقاً شبه زلزال خفيف مر ببيروت وأيقظ البعض وأنا منهم، لأن نومي (خفيف) كما يقال، أي أن فراشة قد تمر بي وأنا نائمة توقظني.. ويا صديقي القارئ، لا تخف من كوابيسك ولا تهملها، بل صادقها وحاول أن تفهم مبعثها، فقد يساعدك ذلك على إراحة ضميرك في اكتشاف ما يعذبك وتريد إهماله وعدم الاعتراف به.</p><p style="text-align:justify;"><strong>أسود.. أبيض.. ما الفرق؟</strong></p><p style="text-align:justify;">ذلك (الفيديو) الذي يمثل الطالب الأبيض الذي يتبول على كتب زميله في الصف لأنه؛ أي زميله الطالب، أسود، استفزني دون أن أكون سوداء البشرة. فهو دليل على أن التمييز بين أصحاب البشرة السوداء أو البيضاء ما زال مستمراً لمصلحة أهل البشرة البيضاء الذين يتوهمون تفوقهم على (السود) بحيث يستطيعون التبول حتى على كتب زملائهم في الصف. وذلك يستفزني دائماً دون أن أكون سوداء البشرة.<br>أعتقد أنه حان الوقت للبشرية لتتجاوز حكاية أهل البشرة البيضاء والسوداء، فالبشرة قشرة، والمهم الإنسان لا قشرته. ولو كانت لي ابنة أرادت الزواج من رجل أسود البشرة لسألتها عن كل شيء عنه (دراسته، أخلاقه، سلوكه معها) ولما قلت لها كلمة عن لون بشرته.</p><p style="text-align:justify;"><strong>ممثلان يلعبان دوراً في محكمة!</strong></p><p style="text-align:justify;">أتمنى ألا تبالي التلفزيونات العربية التي لا أعرف حقاً ما تبثه بحكم إقامتي في باريس منذ أكثر من ربع قرن بكثير.. فبعضها لا يستحق استعراض بعض نجوم (هوليوود)؛ لمشاكلهم الشخصية، وطلاقهم، وغير ذلك مما هو شخصي، لكن غسيله العائلي يتم غالباً على الشاشات المتلفزة، وهكذا شاهدنا منذ أسابيع فصلاً من حكاية طلاق الممثلين جوني ديب وزوجته سابقاً أمبير هيرد، وكلاهما شاب وشهير. في نظري، المال هو جوهر القضية؛ هي تطالبه بتعويض هو 100 مليون دولار لأنه كان زوجاً عنيفاً، ومثلت أمام المحكمة دورها السينمائي الأفضل حيث بكت وناحت. أما جوني ديب، فطالبها بـ 50 مليون دولار لأنها أساءت إلى سمعته! ومثلت أمبير هيرد أمام المحكمة أفضل أدوارها السينمائية في نظري حيث بكت وهي تروي كم أساء معاملتها بالتفصيل، وأفضل عدم ذكر تلك التفاصيل بما فيها الجنسية.<br>ولم يقصر جوني ديب في ذكر أمور مشابهة ضدها.</p><p style="text-align:justify;"><strong>فانيسا بارادي: الضحية الحقيقية الصامتة!</strong></p><p style="text-align:justify;">عاش جوني ديب مع المغنية الفرنسية فانيسا بارادي سنين طويلة، وأنجبا أولاداً دون أن يتزوج منها، ولهما ابنة جميلة تريد أن تكون ممثلة (من يلومها).. عاش جوني ديب مع فانيسا دون أن يتزوج منها، وما كاد يلتقي بأمبير هيرد حتى تزوج منها، ورحلت المسكينة المغنية الفرنسية المشهورة فانيسا بارادي إلى بلدها (باريس) ومعها ليلي روز وجاك، ولداهما. وقامت بعمل نبيل إذ شهدت لصالح جوني ديب قائلة إنه لم يكن يوماً عنيفاً معها كما تزعم أمبير هيرد في المحكمة.<br>أي أنها شهدت لمصلحته. لكنه لم يقدر تضحيتها، وأهانها حين أعلن أنه كان يخونها حين كانت معه. وأعتقد أنها شهدت لمصلحته أكراماً لأولادهما.. والسؤال هو: لماذا لم يتزوج منها وهي أم أولاده، وما كاد يلتقي أمبير هيرد حتى تزوج منها؟<br>ألا يستحق ما يلقاه كعقاب غير مباشر على إساءته لامرأة سابقة في حياته عاشت معه أعواماً طويلة؟ ترى، هل ينتقم القدر أحياناً للمظلوم على نحو مباشر دون أن يسعى المظلوم إلى ذلك الانتقام؟<br>لكن جوني ديب ربح القضية، وحكمت له المحكمة بمبلغ كبير تدفعه أمبير هيرد لأنها أساءت إلى سمعته. أما فانيسا بارادي، فلم يدفع لها أحد تعويضاً عن عشرة أعوام مهدورة من عمرها.</p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[غادة السمان]]></author>
                <guid>14169</guid>
                <pubDate>Sat, 11 Jun 2022 14:13:29 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[الشعراء ما بين لظى الأوطان ولوعة المهاجر]]></title>
                <link>الشعراء-ما-بين-لظى-الأوطان-ولوعة-المهاجر</link>
                <description><![CDATA[<p style="text-align:justify;"><strong><img class="image_resized" style="width:60px;" src="https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2018/09/%D9%86%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%A9-%D9%87%D9%86%D8%A7%D9%88%D9%8A-%D8%B3%D8%B9%D8%AF%D9%88%D9%86-%D9%86%D8%AA-150x150.jpg" alt=""> نادية هناوي</strong></p><p style="text-align:justify;">للغربة في الأدب دلالاتها النفسية والاجتماعية والفكرية، ولها تأثيراتها الإيجابية والسلبية في الأديب. ولقد حدد النقد الأدبي للغربة تعريفات وموجهات تميزها عن الاغتراب بحسب المواضعات النفسانية في الأغلب. وصار متفقاً عليه أنّ الغربة مكانية في أعم معانيها، وأن الاغتراب روحي بيد أن أثرهما القادح في الذات يظل واحداً وإن تفاوتا إبداعياً من أديب إلى آخر سرداً وشعراً، من ناحية ما يولدانه من طاقة تقدح نار الإبداع فتتوهج. وكلما كان الشعور بالغربة والاغتراب عميقاً، غدا القدح في كوامن الإبداع أكثر قوة، واتخذ التجلي الجمالي للذات شكلاً أدبياً أو فنياً متيناً.<br>وإذا خصصنا كلامنا في الشعر، فإننا سنجد الاثنين متلازمين أعني الغربة والاغتراب، ولقد ظل الشاعر منذ القدم رهينهما، غير متصالح مع نفسه ولا متوافق مع محيطه، والناس لا تألفه، فهو مغترب وغريب، دائم الهيام فلا يجد غير الشعر ملجأ له، فيه اطمئنانه الذاتي وفيه سلوته، حل أو ارتحل، عاش بين الأهل أو تعايش مع الأجانب. والقصيدة هي بساط الريح الذي يحمل روحه اللائبة بحثا عما هو مفقود، فيشرّق ويغرّب وهو ماكث في مكانه لم يغادره. ووسيلته في البحث هي المخيلة كقوة سحرية لا يقف أمامها حدٌّ ولا يردها مصدٌّ، وبها يتمكن من صنع ما يشاء وينزل أي فضاء، يسكن في قصر أو يحجز نفسه في قبو أو يسافر خارج الأرض التي فيها نشأته الاولى ومرتع لعبه.<br>فطاقة الشعر على التخيل خلّاقة ومن ثم تكون الغربة والاغتراب عاملين مهمين في تأجيج المشاعر واستنهاض الهمة على قول الشعر. ولا يتأثر هذان العاملان بمكان ضيق هو سجن أو معتقل ولا بفضاء متسع هو منتجع أو واحة كما لا يؤثر فيهما زمان رغيد سعيد وآخر بائس تعيس.<br>وقديما تنوعت الصور التي رسمها الشاعر لغربته ككائن هائم لا يجد ما يبحث عنه سوى القصيدة التي يُحقق بها مسافة أمان تضيء له العالم بعد أن تجتاحه كلمات قصيدته، فالمتنبي&nbsp;ارتحل إلى بلدان كثيرة وهو القائل:<br>شَرّقَ حتى ليسَ للشّرْقِ مَشرِق&nbsp;&nbsp;&nbsp; &nbsp;وَغَرّبَ&nbsp;حتى ليسَ&nbsp;للغرْبِ&nbsp;مَغْرِبُ.<br>فظل على شاعريته كبيرا يحمل معه مخيلته وهو يلقي الشعر في قاهرة كافور ودمشق الحمداني وسواهما من الأمصار. ومن ثم لا أثر للتشريق والتغريب في قوله الشعر فلم يكن لدى المتنبي فرق بين أن يكون داخل وطنه الأول أو أن يكون خارجه. والأمر قد لا يكون كذلك لكل المبدعين من قصاصين وروائيين وفنانين وكتابا ومسرحيين ومفكرين ممن ارتحلوا عن أوطانهم ـ فالمتنبي ومن على شاكلته حالة خاصة كونه لم يعانِ شظف العيش في الغربة ـ ولكن الخطأ هو في من يفهم الغربة في الشعر على أنها ارتحال وهجرة بعيدا عن الوطن بالانتباذ قسرا او بالاختيار طوعا بل الغربة شعور يتولد من إحساس ممض بأن الذات غير متوافقة من فرط وجدها وولهها وعمق إدراكها أنها تسكن لوحدها ركنا قصيا معزولا عن العالم كله. ومشاعر الغربة والاغتراب لا ترتهن بمن ترك بلاده وسكن غير دياره وإنما ترتهن المشاعر بالذات ومدى حساسيتها الداخلية إزاء ما حولها فهذا هو وحده الذي يترك أثرا مهما في تحريك كوامن الإبداع.<br>ولا تتحدد درجة الإبداع سوى بدواخل النفس والوجدان وما فيهما من شعور بالاغتراب والغربة وقد يكونان عند الذي لازم دياره أكثر قوة من ذاك الذي وجد مأواه في غيرها. ولو كان للغربة ان تقتصر على المكان لصار كل من هاجر عن بلاده مبدعا ولكان كبار الشعراء من صُنع المنافي ومن النازحين عن الأوطان. ولغدا الشاعر اللاجئ والمهاجر أكثر تميزا في شعره من نظيره الذي لم يعش الغربة. وهذا بالطبع لم يكن ولن يكون لسبب بسيط هو أن لا دخل للمكان في غربة الذات كما أن لا دخل للزمان في اغتراب الروح. وعدم التوافق مع المحيط والإحساس بالبعد وعدم الألفة يمكن أن يحصل للشعراء جميعهم قاطنين في بلدانهم أو غير قاطنين.<br>فالغربة هي اللامسافة التي معها تضيق حدود الزمان وتتشكل بدلها حدود الإلهام التي بها تستضاء دروب الشاعر فتتوهج المسارات أمام روحه حتى إذا سلك واحدا منها، تولدت القصيدة التي معها تنتعش الروح وتسترد هدوءها ويسود داخلها سلام وقتي وأمان خاص قد يضطرم بعد حين قريب أو بعيد مجددا كدورة إلهام شعري لا نهاية له.<br>والإلهام الشعري يتجدد ويتبدل كل آن لأن الشاعر ليس آلة جامدة، بل هو حر ككيان نابض يرفض التطبع ويسير عكس المعتاد وبهذا وذاك يغترب ويتغرب ولا سبيل للمصالحة إلا بالقصيدة. وكم من الشعراء نذروا أنفسهم قصائد لا لشيء سوى للتصالح مع غربة أرواحهم الشاردة. وتتعدد أسباب النذر وأكثرها أهمية الثبات على المبادئ التي تجعل الإحساس بالغربة ناجما من وضع معين عام وجماهيري يُلقي بالشاعر في الجهة القصية من العالم حيث لا أحد يشاركه همه سوى اللغة التي بها يكتب قصيدته، ولا يؤثر في درجة كمالها إن كان مرابطاً مضارب بلاده أو كان هائماً لا يجد في موطنه استقراراً فيذرع المسافات ويتعدى الحدود باحثاً عن وطن بديل هو منفى أو مهجر أو ملجأ أو مقام أو ملاذ، سمه ما شئت.<br>أقول هذا وأنا أجد المشهد الثقافي في العراق يتعمد وهو بصدد أي حديث عن الشعراء إلى فصل أدباء الداخل عن أدباء الخارج مما شاع على لسان بعض المسؤولين خاصة الذين هم محسوبون أيضا على الخارج بدلالة حملهم جنسيات بلدان أخرى. وبالطبع ليس المقصود من الفصل الناحية العددية إذ لا خلاف في أن الشعراء القاطنين داخل العراق هم الأكثر عدداً، إنما المقصود من الفصل هو التمييز النوعي على أساس أن الشاعر القاطن خارج العراق هو أفضل حالاً بالحرية المتاحة له من نظيره القاطن داخل العراق.<br>وهذا التصنيف الذي يطمئن إلى صحته بعض النقاد ويرددونه في كتاباتهم بلا وازع من تفكير، هو تصنيف جزافي فنياً وغير منطقي واقعياً. أفليس المخاض الشعري واحد تغير المكان أو لا؟ ولو كان للشعر أن يتأثر بالحرية فلماذا إذن لم يصنع الجيل الأول من الشعراء المهاجرين مدرسة أو ينشئوا تيارا كالذي صنعه الشعراء اللبنانيون في المهجر مطلع القرن الماضي الذين أسسوا تقاليد استمرت تسير عليها أجيال المهجر التالية من دون أن يؤدي ذلك إلى تصنيف شعراء لبنان إلى داخل وخارج؟ ولماذا لم تحقق الأجيال العراقية المهاجرة التي وصلت الآن إلى جيلها الثالث أي شأن شعري هو أكثر مما عليه الشأن الشعري داخل البلد؟<br>ان الإجابة عن هذه التساؤلات وغيرها تختصرها اعتمالات الفعل الأدبي التي فيها الإلهام واحد تحركه الغربة ويولده الاغتراب، وإلا ما كان لرواد حركة الشعر الحر أن يكونوا حاملي لواء الحداثة الشعرية العربية إلا لأن هموم غربتهم وتجارب اغترابهم جمعتهم فغدوا قريبين ومتوافقين مع اختلاف كل واحد منهم في آرائه وتجربته مع الآخر.<br>أما لماذا ابتلي الشعر العراقي بهذا التوصيف القسري، فلأنه مسلك يضفي به القائلون بهذا التفريق على الشعراء في الخارج وقار الإبداع على اعتبار أنهم تغربوا فأبدعوا متمتعين بالحرية بعيدا عن الدكتاتورية والقمع والارهاب بينما يسلبون أهل الداخل من هذا الوقار بحجة أنهم لم يعرفوا الغربة ولا تمتعوا بالحرية.<br>وهذا حكم جائر وتزييف لا يقبله منطق سوى منطق المتحزبين الذين يمزجون الشعر بالسياسة منتجين وصفة دعائية إعلانية هي عبارة عن عنف رمزي يضربون به عصفورين بحجر واحد فهم من جانب يظهرون مقتهم السياسي للنظام الدكتاتوري ومن جانب آخر يوجهون غلهم ويظهرون بغضاءهم من التاريخ الشعري في العراق، منتصرين لشعراء الخارج ومتجنين بطريقة غير مباشرة على شعراء الداخل. وقد نسي أولئك القائلون بالداخل والخارج أنهم ليسوا مفوضين قدرياً كي يبتدعوا هذا التصنيف الذي لن يفضي سوى إلى تحنيط الشعرية العراقية من جهة وإبقاء نار الفرقة وربما الضغينة متأججة. وأما مسألة تعميم الفهم السياسي على الفهم الشعري فذلك ما لا تقبله قوانين الإبداع ونظرياته، لأن الشعر حر لا يعرف للسياسة مكانا، بل هو الذي يسعى إلى أن يكون سلاحا في مواجهة السياسة وحبائلها وتعرية تجارها والمشبوهين بها. ولا وجود بتاتا لتلك الصورة التي فيها الشعر مرآة للسياسة إلا في أذهان المسيسين المفيدين من ألاعيبها.<br>مؤدى القول إن المهجر أو المنفى لا يصنع أدباء كبارا، وكثيرون لم يضف المهجر إليهم شيئا غير الذي أضافته بلدانهم إليهم فكانوا كبارا وهم لم ينعموا بالحرية بل قاسوا الحرمان والاضطهاد. ومن لم يكن في إحساسه ومخيلته كبيرا فلن يصنعه وطن ولا مهجر ولا منفى.<br>*كاتبة من العراق</p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[موقع 180 مقالات]]></author>
                <guid>14153</guid>
                <pubDate>Sun, 05 Jun 2022 17:55:58 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[غادة السمان تكتب: اغتيال الحقيقة مستحيل يا إسرائيل!]]></title>
                <link>غادة-السمان-تكتب-اغتيال-الحقيقة-مستحيل-يا-إسرائيل</link>
                <description><![CDATA[<p style="text-align:justify;">لن ننسى تلك الصحافية الشهيدة مهما مرت الأيام. إنها شهيدة بالرصاص الإسرائيلي ولن تكون الأخيرة، إنها الصحافية شيرين أبو عاقلة. نقل الحقيقة هو العمل المعادي لإسرائيل؛ لأنه يعرّي الكثير من جرائمها. كان من المنتظر أن تتهم إسرائيل الفلسطينيين بالجريمة بقولها إن رصاصة طائشة أصابتها كان يطلقها الفلسطينيون احتجاجاً. الذرائع كلها صالحة في نظر إسرائيل لتبرئة نفسها، ولكنني شاهدت على شاشة التلفزيون الفرنسي الجنود الإسرائيليين ينزعون الأعلام الفلسطينية التي أحاطت بتابوت الصحافية الشهيدة شيرين في جنازتها، وبكل صفاقة إضافية طالبوا بفتح تحقيق لمعرفة هل مصدر الرصاصة التي قتلت شيرين إسرائيلية، أم فلسطينية! عداء إسرائيل للصحافيين أمر متوقع، فهي تعادي كل من ينقل حقيقة جرائمها في فلسطين المحتلة، وما أكثرها على كل صعيد!</p><p style="text-align:justify;"><strong>هل تعلقها في بيتك؟</strong></p><p style="text-align:justify;">ثمن اللوحة بملايين الدولارات (!) اشتراها معجب بفن الرسام اندي وارهول وبرسمه لمارلين مونرو النجمة الهوليوودية الشهيرة أواسط القرن الماضي. وبيعت اللوحة بهذا الثمن (الخرافي) في مزاد علني، وصارت أغلى عمل فني في القرن العشرين. ولكن ثمنها لا يعني أن تعجبك. تستطيع أن تقول ببساطة إن مارلين مونرو ممثلة نصف رديئة وترفض تعليق صورتها في بيتك أياً كان ثمنها. ذلك رأيك ومزاجك. من طرفي، أضيف سبباً إضافياً وهو أن بيتك سيصير المكان المفضل للسارقين الذين سيبيعونها فيما بعد سراً ولو بنصف ثمنها الأصلي.</p><p style="text-align:justify;"><strong>هل زوجتك حامل؟ لا تخف!</strong></p><p style="text-align:justify;">خبر لم يسبق ما يماثله. فقد ولدت سيدة تسعة توائم (دفعة واحدة) في «الدار البيضاء» وهو ما أكده أطباء عيادة «عين برجيه» في كازابلانكا، قرأت ذلك في «القدس العربي» التي أثق td أخبارها، كما شاهدت صوراً للأطفال. ومن العادي ألا تصدق الخبر للوهلة الأولى، حيث تجاوز التوائم الرقم القياسي في موسوعة غينيس! إذا كانت زوجتك «حامل» لا تخف! لن تلد تسعة أولاد مرة واحدة. لا تخف حتى إذا لم تكن تملك ما يكفي من المال للإنفاق على أسرة صارت فجأة من عشرة أفراد: زوجتك وتسعة أطفال من الصبيان والبنات. فذلك لا يحدث إلا نادراً جداً جداً.</p><p style="text-align:justify;"><strong>طلاق له ضجة إعلامية</strong></p><p style="text-align:justify;">نجمان شهيران في السينما الهوليوودية: هو جوني ديب، وهي أمبير هيرد، يدهشني مدى اهتمام الإعلام الفرنسي والغربي عامة بأخبار طلاقهما، حتى إننا شاهدنا امبير هيرد وهي تدلي بشهادتها في المحكمة حول عنف عانت منه من زوجها، قائلة إنه كان يتعاطى المخدرات والكحول، مطالبة بتعويض مالي بعد الطلاق. وجوني ديب قال إنها كانت تضربه وإنها أفسدت حياته بما شيعته عنه كذباً، وطالب من طرفه أيضاً بتعويض مالي لإساءتها إلى سمعته. ضحية هذا الشجار هي المغنية الفرنسية فانيسا بارادي، التي عاشت مع ديب مغرمة به طوال أعوام وأنجبت منه ليلي روز وجاك (ابنة وابن)، وشهدت كاذبة لمصلحته قائلة إنه لم يكن عنيفاً. ولم تنتهز الفرصة للانتقام منه. لكنه أهانها حين اعترف أنه كان يخونها وهي معه، ويلتقي مع أمبير هيرد حتى تزوج منها.<br>حكايات لا تعنينا حقاً كعرب، لكنها درس للصبايا لكي يرفضن الإقامة مع نجم مشهور بلا زواج وينجبن منه ويشهدن في الصحف لصالحه كذباً. وبدلاً من أن يقدر تضحيتهن، يهينهن. وأظن أن نجماً مثل جون ديب يستحق زوجة مثل أمبير هيرد التي كشفت حقيقته وغيرته وعنفه كما كشف حقيقتها.<br>أسرار النفس البشرية td حاجة إلى روائي قد يلقي بعض الضوء على ما يدور في الأعماق! بالمقابل، أعتقد أن غسيل الملابس القذرة العائلية يستحسن أن يدور داخل البيت وليس في المحاكم وعلى شاشات التلفزيونات.</p><p style="text-align:justify;"><strong>قوارب الموت اللبنانية</strong></p><p style="text-align:justify;">للأسف الشديد، لم يعد لبنان سويسرا الشرق كما كان يلقب، وأضحى العدد الكبير من أبنائه يريدون مغادرته إلى حياة أفضل. يركبون قارب الهرب ويغرق القارب ربما لأنه يضم من الهاربين أكثر مما يتسع له وتزيد بذلك أرباح صاحب القارب. وهو ما حدث مؤخراً لقارب غادر طرابلس لبنان وغرق كثيرون، حتى إنه استحق لقب (قارب الموت)، فذلك القارب الذي غرق مؤخراً لا يسمح بحمل أكثر من عشرة أشخاص، ولم تكن فيه أطواق نجاة أو سترات إنقاذ. وركبه الذين فضلوا المغامرة للذهاب إلى بلاد تحترم الناس، أما (سويسرا الشرق)؛ أي لبنان، فانعدمت فيه فرصة الحياة الكريمة وبات الحصول على (فيزا)؛ أي تأشيرة للسفر، أمراً صعباً. وآخر هذه القوارب أشعل مدينة طرابلس لكثرة الضحايا غرقاً، ولعل وجود أطواق نجاة وسترات إنقاذ يجب أن يصير إرغامياً على صاحب كل قارب.<br>وكنا نحلم بالهجرة إلى لبنان، واليوم صار كثيرون يحلمون بالهجرة من لبنان.. وكان ياما كان لبنان.. الذي أفتقده على الرغم من كل شيء، وأحببته كما وطني الأم سوريا.</p><p style="text-align:justify;"><strong>(الآدمي) سليم الحص</strong></p><p style="text-align:justify;">قرأت حول ملابسات إدخال رئيس الوزراء اللبناني السابق سليم الحص، إلى مستشفى الجامعة الأمريكية في بيروت.<br>هكذا هم (الأوادم) القلائل في لبنان.. كان الرجل رئيساً للوزراء منذ أعوام طويلة. يومها قرر زوجي العودة إلى لبنان بعد سنوات من المنفى الاختياري لأسباب سياسية، واتصل بصديقه الرئيس سليم الحص، وقال له إنه سيعود إلى لبنان، وكنت شديدة القلق على زوجي حين هبطت الطائرة في مطار بيروت، وبالذات ونحن نغادر الطائرة ويطلب منا رجال أمن الهبوط إلى سيارة لتقلنا من أرض المطار إلى مكان تخيلته سجناً لزوجي، واكتشفت أنه «صالون الشرف» في المطار الذي أمر الرئيس سليم الحص بفتح بابه إكراماً لزوجي، كما اتصل به هاتفياً مرحباً كرئيس للوزراء.<br>الرئيس الحص أحد (الأوادم) المقاومين في دنيا السياسة البيروتية، وأتمنى له من قلبي كله الشفاء من مرضه أياً كان.</p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[غادة السمان]]></author>
                <guid>14144</guid>
                <pubDate>Sat, 04 Jun 2022 12:11:41 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[الإيهام ونقد السلطة في رواية «الصوت الخفي»]]></title>
                <link>الإيهام-ونقد-السلطة-في-رواية-«الصوت-الخفي»</link>
                <description><![CDATA[<p style="text-align:justify;"><strong><img class="image_resized" style="width:60px;" src="https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2018/08/%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%81%D9%8A%D8%B8-%D8%A8%D9%86-%D8%AC%D9%84%D9%88%D9%84%D9%8A-150x150.jpg" alt=""> عبدالحفيظ بن جلولي</strong></p><p style="text-align:justify;">تمثل برينوش صنيعي الروائية الإيرانية، والمتخصصة النفسانية والاجتماعية، الكتابة الناقدة للمجتمع في تحولاته وتطلعاته المستقبلية انطلاقا من واقع تسجله سرديا، لتنقل فيه الحكاية من مجرد الرواية إلى الشهادة على اللحظة التي يعيشها المجتمع بكل حضورها الكامن في تصور الكتابة الإبداعية المصاحبة، فكانت رواية «حجاب طهران» الصادرة في 2003 التي تتابع فيها التحولات المجتمعية والسياسية الإيرانية منذ فترة الشاه إلى مرحلة الثورة الإيرانية، وما نجم عنها من تغيير جذري في نمط الحياة، وانعكاسات ذلك على وضع الأفراد والحريات والتفكير والعلاقات الاجتماعية. أتْبعتْ هذا العمل برواية «الصوت الخفي» الصادرة عام 2004 والمترجَمة إلى الفرنسية في 2017.</p><p style="text-align:justify;">قد تندرج الروايتان ضمن مشروع قراءة المجتمع الإيراني لكن من وجهتي نظر مختلفتين، ففي الأولى نسجت حكاية المجتمع من خلال تدافع شبكته المجتمعية المتمثلة في الأفراد (مجموعة عوائل) أما في الرواية موضوع القراءة فتناولت الأفراد «شهاب» من خلال المجتمع المتفاعِل فيه، ويمكن أن تُقرأ في مستويين مختلفين، مستوى مباشر وآخر دلالي، باعتبارات «شهاب» «المتخلف عقليا» في ما يظهر من بداية السرد، باعتباره راوياً عليماً يقدم الأحداث من وجهة نظره في تناوب سردي بينه وبين أمه «مريم» فما تقدمه الرواية عن «شهاب» يعتبر في تلقي القراءة الفاحصة والمتابعة مسرودا ذا ثلاثة مستويات، باعتباره بداية متخلفا عقليا أو ما استقر في قناعته وما عامله به المحيط، ثم في المستوى الثاني نكتشف أن إهمال العلاقة الأسرية السوية مع شهاب من خلال ردات فعل والده الذي اعتبره عارا في عائلته، وأمه التي كانت قريبة منه، لكنها لم تحسن التصرف معه بإشباعه عاطفيا، ومن ثمة توصيف الحالة وفق ما يثبته السرد بفقدان «التوازن العاطفي» ثم المستوى الثالث الذي يقدم الشاب «شهاب» ذا العشرين عاما والذي مازالت ثقته في نفسه مهتزة بما يعني التناقض الذي يعيشه في شخصيته، أو ما استمر يعتقده في أعماقه بتخلفه العقلي Débilité المكرس في وعيه من خلال ما وقر في سلوك أبيه اتجاهه، وهو ما تؤكده جملة النهاية: «هو ؟، إنه والد آراش» وهو يعني بذلك أبوه «ناصر» الذي لفرط بعده عنه، بتر العلاقة البيولوجية به ونسبه إلى أخيه الأكبر، وهي الجملة التي تعود بوعي القراءة إلى جوهر الصراع النفسي والاجتماعي في الرواية في محاولات تثبت الطفل شهاب من هويته الوجودية.<br>من هذا المنطلق، ومن خلال تخصص الروائية السيكو ـ سوسيولوجي، تتشظى القراءة في تلقي الرواية، لا من حيث الأحداث، لكن من حيث الإرباك الذي يحدثه تسلسل الحكاية، فمن ناحية تقدم الأحداث على لسان الطفل «شهاب» حيث تُفتتح بحضور «شهاب» في عمر العشرين ثم، عبر تقنية «الاسترجاع» يعود إلى الطفولة ليستمر سرد الأحداث انطلاقا من الوعي الطفولي وهو ما لا يمكن تقبله واقعيا ولا تخييليا، من حيث إدراك بعض الأشياء التي لا يمكن لها ذلك إلا من خلال عقل ناضج، ومن ناحية أخرى فالإرباك القرائي مرده إلى ذاك التقديم للشخصية الرئيسة «شهاب» من خلال حالة غير مستقرة عند وضع معين، فشهاب بداية متخلف عقليا أو غبي، وما يؤكد ذلك استمراره في تخيل انشطاري لشخصيته لصديقين وهميين، «بابي» و»آزي» والتخيل الذي يخرج بالشخصية إلى هامش اللاواقع يرتبها سيكو ـ باثولوجيا في مجال «الانفصام» ثم في مرحلة ثانية فهو شخصية طبيعية، لكنه غير مستقر عاطفيا، ثم في مرحلة ثالثة تأكيد على تخلفه العقلي أو عدم توازنه العاطفي من خلال القرينة الدالة في جملة النهاية.</p><p style="text-align:justify;">يعتبر «شهاب» الشخصية الرئيسية، الذي يأتي السرد على لسانه مكثفا وعميقا بما لا يتوافق وسنه من جهة، وطبيعته العقلية من جهة أخرى. تقرأ الرواية عند المستوى المباشر على أساس إنها تشريح سيكولوجي للطفل المتخلف عقليا في علاقته بالأسرة والمجتمع، فـ»شهاب» تتفجر بؤرته الحكائية من خلال علاقته بأسرته، الأم القريبة منه والأب النافر تقريبا من حالته، ثم علاقته بالمجتمع حيث يتأسس وسيطا لا وظيفيا لعلاقة عاطفية، حيث تتخذه ابنة عمه «فريشته» كذريعة للخروج من المنزل ومقابلة عشيقها ثم، بعد ذلك يحاول الهرب من أسرته ليضيع في الشارع وتعثر عليه «سودابِه» وتقوده إلى بيتها فيمكث عندها عدة أيام، وفي كل هذا يصاحبه «الصوت الخفي» لـ»بابي» و»آزي» وهي التخيلات التي تستبد بالمريض النفسي وتحول ما يتوهمه إلى قناعات راسخة وأكيدة مما يؤكد إصابته بالانفصام.</p><blockquote><p style="text-align:justify;">مفتتح ونهاية الرواية القائمان على السؤال والجواب، يؤسسان لما يحتمل أن يكون قرينة سردية على العلاقة بين المجتمع النافر نحو التحرر والسلطة التي تتوهم أنها مستقرة ومستمرة بقوتها.</p></blockquote><p style="text-align:justify;">لا تستمر الرواية في تأكيد صورة «شهاب» المريض نفسيا رغم كل المشاهد المصاحبة للبؤرة المركزية المثبتة في «التخلف العقلي» Débilité، لكنها تنتقل إلى مستوى «عدم التوازن العاطفي» الذي تكتشفه جدته لأمه عند حضورها إليهم، إذ تقع على حالة من عدم التوافق السلوكي بين العائلة والمناخ المنزلي العاطفي، فتؤكد لـ»مريم» أم «شهاب» أن هذا الأخير «لا يحتاج سوى إلى الحب والحنان» وتستمر قائلة: «على أيامنا لم نكن بحاجة إلى قراءة كل هذه الكتب، ورغم ذلك كنا نعيش سعداء مع أطفالنا، تاريخ حب أم لابنها لا نقرأه في الكتب، لكن في قلبك». إن الجانب العاطفي هو الذي يشكل الطفولة المتتالية في نموها نحو تشكيل خميرة مجتمع متوازن، فأي خلل يصيب الطفولة تربويا، إنما يحدث جرحا في جسد المجتمع، «جرح نرجسي غير قابل للعلاج» بتعبير سيغموند فرويد، قد يكون عاهة مستديمة تلاحق النسيج الاجتماعي في أشد وظائفه وعلاقاته ارتباطا بالتطور والتحضر، ويشكل ذاكرة معيقة للمسار نحو أفق الإنتاج الإبداعي، وهو ما توظفه الرواية عن طريق المناورة الابتكارية في ترسيم حدود المجتمع القائم بذاته، والمعافى من الأعراض السوسيو ـ سيكولوجية، إذ تقدم «شهاب» باعتبار الطفولة خميرة التقدم المجتمعي، فرغم إعاقاته النفسية إلا إنه يستطيع أن ينخرط في المجتمع ويتعلم ثم، يطور حسه الإبداعي في الكاليغرافيا، لكن الرواية تنغلق على سؤال الأمراض المتخفية التي لا يريد المجتمع معالجتها أو مجرد وضعها في مرآة واقعه، وأيضا كتل التابوهات التي يصنفها المجتمع كمحرمات يُمنع تداولها أو قبولها لأنها تمس الشخصية الجماعية، سواء على مستوى العائلة أو المجتمع، وتلك جروح نرجسية تكرست بفعل الزمن وتحولت إلى عناصر في الشخصية الاجتماعية أو الفردية وأصبح من الصعب التخلص منها، فجملة النهاية تحيل إلى هذا الخلل في الشخصية المتخلفة، «هو؟ إنه والد آراش» تمثل هذه النهاية إحالة دالة على أن ما يتكرس وينحفر في طراوة الشخصية إنما يظل مصاحبا لها في صلابتها، وهو ما يجعلها عرضة لكل الهزات ولو ظهرت ملامح النبوغ فيها لأنها تظل حبيسة الماضي المكبل بعوائق الرؤية إلى الخلف، غير متحرر في رؤيته إلى الماضي باعتباره سؤال المعرفة الدال على إدراك واستيعاب ونقد ثم تجاوز.</p><p style="text-align:justify;">المستوى الدلالي يبدأ عند قراءة شخصية «شهاب» عند حافة المجتمع الذي تواجهه السلطة من خلال اعتقادها في عدم نضجه، وبالتالي، تفرض وصايتها عليه، والطفل عند هذا المستوى يمثل المجتمع القاصر الذي يحتاج إلى الحماية والتصرف بدله، وهو ما يؤكده التصور السردي والحكائي عند عدة منعطفات روائية دلالية. وهذا ما يقدم احتمالا ممكنا في إفادة الكاتبة من التاريخ الأدبي الفارسي في النقد السياسي للمجتمع والسلطة من خلال ابن المقفع في إيراد الحكاية على لسان الحيوان ليتهرب من رقابة السلطة ويمرر رسالته في نقد الوضع القائم.<br>مفتتح ونهاية الرواية القائمان على السؤال والجواب، يؤسسان لما يحتمل أن يكون قرينة سردية على العلاقة بين المجتمع النافر نحو التحرر والسلطة التي تتوهم أنها مستقرة ومستمرة بقوتها، فالمفتتح سؤال إثبات الهوية للطفل «شهاب» بين أحضان شخصية غير واضحة: «هل هذا أنت يا شهاب؟ نعم/ من يحضنك هكذا؟ نظرت إلى الصورة..» فالصورة تمثل الثابت في الواقع وهو «شهاب» لكنها تحتوي مجهولا سوف يكشفه السرد في جملة النهاية: «هو؟ إنه والد آراش» فما بين البداية والنهاية السرديتين ينطرح مسار حكاية تقدم «صورة» مجتمع مفكك تقوم فيه سلطة الأب السياسي مقام التوجيه لكن وعي المجتمع يقوم على الرفض الجذري لهذه السلطة التي تدير الواقع بحساباتها التي لا تتوافق مع تطلعات المجتمع، ولهذا تركت الرواية المجال واسعا للطفل باعتباره رمزا للمجتمع أن يدير مسار الحكاية متفاعلا مع تداعيات متحررة من سلطة الكاتبة متفاعلة مع سطوة الطفولة في تداعياتها الكلامية، التي تفرج عن مكنون ما يؤمن به المجتمع من إبعاد لكل وصاية أبوية، ولهذا كان «الصوت الخفي» («أجبت بهدوء..») «هو؟ إنه والد آراش» ما زاله مستمرا كخطاب باعتباره ينشد التحرر من كل سلطة تمارس إبعاد صوت الآخر.</p><p style="text-align:justify;">كاتب جزائري</p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[موقع 180 مقالات]]></author>
                <guid>14143</guid>
                <pubDate>Fri, 03 Jun 2022 19:27:15 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[مظفر النواب]]></title>
                <link>مظفر-النواب</link>
                <description><![CDATA[<p style="text-align:justify;"><strong><img class="image_resized" style="width:60px;" src="https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2019/08/%D9%82%D8%A7%D8%B3%D9%85-%D8%AD%D8%AF%D8%A7%D8%AF-150x150.jpg" alt=""> قاسم حداد</strong></p><p style="text-align:justify;">كلما مات شاعرٌ متُّ قليلاً، أعني مات جزء مني.<br>وعندما مات مظفر النواب، كنت أتلقى خبر صدور كتابي الأخير، الذي كتبته في زنازين الاعتقال بين عامي (1973- 1980) والكتاب عبارة عن عدد من القصائد، رفق مقالة نقدية كتبتُها عن تجربتي الشعرية في السجن، وهي القصائد التي يتضمنها هذا الكتاب بالضبط. خصوصاً أنني كنتُ في المقالة النقدية أتذكر الشاعر مظفر النواب، ليس في بعض قصائده فقط، بل عن تأثري بلغته في إحدى تلك القصائد.</p><p style="text-align:justify;">٭ ٭ ٭</p><p style="text-align:justify;">كنتُ من الجيل الذي عاصر انبثاق الصوت العراقي الحزين، فعندما قال عن هذا الحزن، الشاعر علي عبد الله خليفة في إحدى قصائده المبكرة أيام «أنين الصواري» سبق أن سمعنا عشاقاً في أزقة المحرق يعزفون على «الماصور» الخشبي (كنا نسمي الناي ماصوراً) وهو يمرُ على أزقة المحرق، يداعب مَنْ يُحب بألحان الحزن العراقي الذي كان يتداخل مع أحزان كانت تتحرّق في بلادنا.</p><p style="text-align:justify;">٭ ٭ ٭</p><p style="text-align:justify;">كثيرون من أهل البحرين يحفظون الكثير من الشعر الشعبي العراقي. وهو يحاكي بحزنه التاريخي، ليس القرى حسب، لكنه يمسّ شغاف البحرين قاطبةً. وعندما جاء مظفر النواب بأشعاره الشعبية التصق أصحاب الحزن بقصيدتيّ (البراءتين). وبلا شك أن الشاعر مظفر النواب، بإلقائه الكربلائي، قد مسّ الشغاف عند أهل البحرين، خصوصاً أولئك المتصلين بالمعنى العميق للسجين السياسي تحت وطأة العذاب، وعندما يقول مظفر عن السجين السياسي مستسلماً لشرط السجان قبل إطلاق سراحه، ندرك تلك المعاناة، ويمكننا اعتبار براءة الأم والأخت من الابن والأخ: (هذا التشوفه مو شبلنا) بمثابة الرد العظيم على صك البراءة الذي يكتبه السجين متبرئاً من حزبه.<br>ومظفر الذي اخترق، بهاتين القصيدتين، سجوف الحزن التي تراكمت على قلوب أهل العراق فبتلك التجارب المريرة، يجد أهل البحرين في بكائيات مظفر النواب خديناً يستحيل تفاديه. فقد كان ذلك الحزن العراقي شقيق حزننا.</p><p style="text-align:justify;">٭ ٭ ٭</p><p style="text-align:justify;">وعندما كنا نختفي خلف قصائده السياسية، الشتامة، كان بعضنا يرى الشعر، عند مظفر النواب، يكمن في قصائده العامية. لنعرف لاحقاً أن مظفر النواب قد بدأ شاعراً عامياً بلغة الجنوب العراقي المتفجعة، نحن الذين عرفنا، أول ما عرفنا مظفر النواب، بشعره الفصيح.<br>وظني أن شهوة أسطرة الشاعر في تلك المرحلة دفعتنا لتصديق حكاية قصيدة (للريل وحمد) المرتبطة بالشاعر، وهي حكاية أن مظفر النواب كان يعني الحزب الشيوعي عندما يقول عن «حمد» في القصيدة، فنسمع حكاية القصيدة من مظفر نفسه وهو يسرد قصة المرأة التي تتذكر حبيبها «حمد» كلما مرت بالقطار على بلدته الريفية.<br>ولئلا نفرّط في الشاعر، وجدنا في أجواء شعره الذي يتجلى، في بعضه، بلغة التصوف الشفيفة، حقلاً ينقذ شعره من المباشرة المتصلة بسطح الحدث والجملة البذيئة، حتى أن الشاعر محمود درويش، عندما سُئل «في أحد اللقاءات الصحافية» عن مظفر النواب، قال عنه: (إنه يقول عنا ما لا نقوله في قصائدنا).</p><p style="text-align:justify;">٭ ٭ ٭</p><p style="text-align:justify;">وإذا انتبهنا للمشهد الشعري العربي، يمكن أن نرصد كيف أن أسلوب مظفر النواب قد أغرى، (أو يكاد) بعض المواهب الفتية باتباع طريقته في الكتابة، أسلوباً ولغةً وإلقاءً، ويمكن العثور، في غير بلد عربي، على نموذج شعري ظلَّ يتعثّر في تقليد ذلك.</p><p style="text-align:justify;">٭ ٭ ٭</p><p style="text-align:justify;">وعندما كتب شاعرٌ عراقي عن رفض مظفر النواب المبلغ الكبير من الدولارات الذي قدمه له إبراهيم الجعفري وقت كان حاكماً في العراق، رأينا كيف كتبَ عراقيٌ آخر، في عتبٍ مبالغ فيه، عن سنوات مظفر النواب الأخيرة، التي كان يتلقى فيها العلاج في أحد مستشفيات الإمارات في الشارقة، بعد أن كان يشتم الجميع (دون استثناء).</p><p style="text-align:justify;">٭ ٭ ٭</p><p style="text-align:justify;">لكأن الشاعر هو الأسطورة الأبدية منذ أن يولد ويموت، حتى يُبعث حيا.<br>«لا بد لهذه الأمة أن تأخد درساً في التخريب»<br>كان مظفر يقول،<br>وها نحن نأخذ درساً طويلاً في خراب بلا هوادة.</p><p style="text-align:justify;">شاعر بحريني</p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[موقع 180 مقالات]]></author>
                <guid>14141</guid>
                <pubDate>Fri, 03 Jun 2022 16:30:33 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[ميس خالد  تكتب: حكايا منسية]]></title>
                <link>ميس-خالد-تكتب-حكايا-منسية</link>
                <description><![CDATA[<p><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">في صمت مطبق</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">دخلت دهاليزك القديمة متوجسة</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">على أطراف أصابعي</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">كأنك لست هنا .. ؟</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">&nbsp;</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">تصفحت خرائب حكاياك المنسية</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">كنتُ أفتشُ الطرقاتِ عن نسمةِ هواءٍ تائهةٍ</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">أدسّها برئتي المسكينة</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">الوقتُ عندك متوقفٌ جداً</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">وأنا لا أحتسي الشعرَ إلا بمزاجٍ عكرٍ</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">ليس باستطاعةِ أحدٍ سماعي..</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">&nbsp;</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">أحسنتُ صنعاً بإخفائك</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">لتكن قصائدي حانةٌ لأنخابِ الألم</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">أكتبُ لليلِ ...</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">عن إخمادِ الضياعِ المستشري بي</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">&nbsp;</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">و كلما حملتُ دلوَ الصبرِ</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">أُريقَ الوقتُ !</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">أوصاني الشيبُ ألا أُحدثَ جلبةً</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">أن أضعَ صراخي بأعماقِ ذئبٍ صبورة</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">&nbsp;</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">&nbsp;أرحلُ متأبطة إيّاي</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">صمتٌ جميلٌ</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">&nbsp;</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">نويتُ أن أتحاشى الألغامَ التي وضعتْ</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">تحت أقدامِ سذاجتي</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">كي أحفظَ نبضَ قلبي</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">أن أعقدَ هدنةً طويلةَ الأبد معي</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">حتى أرى شاهدةَ هذا العمرِ</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">أن أنزعَ بزّةَ الناقدِ</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">لأخطاءِ الأيامِ الجسيمة</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">&nbsp;</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">لقد كان دوري الدرامي في الحياة ثقيلا</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">وما وراء كواليسها أدهى وأمر</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">كنت بحاجةٍ الى سندويشِ هدوءٍ</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">ونسمةِ هواءٍ تائهةٍ تصطدمُ برئتي</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">&nbsp;</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">وأنا في طرقاتِ الليل أتجولُ بمزاجي العكرِ</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">إلتقطتني مصيدةُ ما بين حنايا روحك</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">و أنا ذئبُ هذه الحانةِ</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">خُدِعتُ ..</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">أطاحتني خيبةٌ موقوتة...!</span></p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[موقع 180 مقالات]]></author>
                <guid>14124</guid>
                <pubDate>Mon, 30 May 2022 16:47:01 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[شيرين أبو النجا تكتب: لكنْ ماذا حدث لشقائق الرجال؟]]></title>
                <link>شيرين-أبو-النجا-تكتب-لكنْ-ماذا-حدث-لشقائق-الرجال؟</link>
                <description><![CDATA[<p style="text-align:justify;"><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">«إنما النساء شقائق الرجال» هو أحد الأحاديث التي ترسخت في الوعي منذ كنا نردد ما نحفظه ونوظفه لمنح مواضيع الكتابة الإنشائية ثقلاً نستمده من أبعاد مقدسة. عندما يتكرر الكلام تفقد البلاغة هيبتها الأولى ولا يكون لها الوقع الأول نفسه. ومع ازدياد عوامل التعرية الفكرية قررت أن أستعيد الحديث نفسه لأفهم السياق: «عَنْ عَائِشَة قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الرجل يَجِدُ الْبَلَلَ وَلاَ يَذْكُرُ احتلاَماً قَالَ: (يَغْتَسِلُ). وَعَنِ الرجل يَرَى أَنهُ قَدِ احتلَمَ وَلاَ يَجِدُ الْبَلَلَ قَالَ: (لاَ غُسْلَ عَلَيْهِ). فَقَالَتْ أُم سُلَيْمٍ: الْمَرْأَة تَرَى ذَلِكَ أَعَلَيْهَا غُسْلٌ، قَالَ: (نَعَمْ إِنمَا النسَاءُ شَقَائِقُ الرجَالِ)» رواه أبو داود. معنى الشقائق: أي نظائرهم وأمثالهم في الخلق والطباع، فكأنهن شُققن من الرجال. وفي كل مواقع الفتوى يتم التأكيد أن النساء مساويات للرجال في الكرامة الإنسانية والحقوق والتكاليف، فيما عدا ما استثناه الشرع.</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">فما الذي حدث وجعل هذا الحديث - وغيره - مجرد بلاغة لا علاقة لها بواقع الحياة اليومية في الثقافة العربية القائمة على المأسسة القانونية والاجتماعية والاقتصادية بصعود مفهوم الدولة الحديثة؟</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">يبدو السؤال مكرراً ومتكرراً وقديماً ومجدداً للأحزان. لكن لا بأس من طرح أسئلة قديمة لمحاولة تقديم إجابات جديدة - هكذا تبلورت ما بعد البنيوية النسوية، فالسؤال القديم يمكن إعادة طرحه لتفنيد الوقائع التي استند عليها. لم يُقصر الفكر العربي الإسلامي في طرح أسئلة مشابهة من قبيل: لماذا تأخر المسلمون؟ كما سأل شكيب أرسلان عام 1930، ليقوم الإمام محمد الغزالي بنشر سر تأخر العرب والمسلمين عام 1987، وما بين الزمنين تفيض المكتبة العربية بأسئلة مشابهة. لكن السؤال الذي أرّق الكتاب منذ نهاية القرن التاسع عشر - حركة الإصلاح الاجتماعي - كان يضع نصب عينيه ضمناً أو علناً طرفاً آخر، وهو الغرب الذي أحياناً ما يكون متهماً، أو قد يكون الخلفية التي يُقاس عليها التقدم، أو يتحول إلى ند منافس لا بد من التفوق عليه. انطلق السؤال بشكل عام من مجال العلوم الدينية، إذ يتم استعادة العصر الذهبي، ومن علم الاجتماع حيث كل مشكلات الاحتكاك الثقافي مع الآخر التي تنتج مرتكزات سيطرة مختلفة كما ذهب فردريك معتوق، وعلم التاريخ حيث التحقيب الزمني المعتاد، ومؤخراً ظهرت دراسات الهوية التي استندت على كتاب الاستشراق لإدوارد سعيد، إذ تحفر الذات لنفسها وجوداً عبر تصور واختراع الآخر. وعندما انتهت الأفكار والتفسيرات صعدت نظرية المؤامرة التي تسعى إلى النيل من الإسلام حتى انتهى الأمر إلى التسطيح والاختزال المخل الذي لا يفسر ولا يشرح ولا رغبة لديه في التأمل (ربما من باب الملل أو اليأس أو الإرهاق؟).</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">لكن الثابت أنه لم يقم أحدٌ بطرح سؤال عما آل إليه وضع شقائق الرجال، لأن الأمر دائماً مرهون بما هو أكبر منه، من قبيل أنه لا بد من صلاح حال الأمة (وهي صياغة إسلامية لفكرة ماركسية). متى وقعت الواقعة وتحولت النساء إلى جسد بلا روح أو عقل يمكن لأي عابر سبيل النيل منهن؟ وأشكال النيل في العصر الحديث كثيرة ومتعددة تصل إلى حد دفع النساء إلى إنهاء حياتهن. الأكيد أن الخلل ليس متجذراً في الثقافة، فإذا عدنا لكتاب الباحثة الأميركية - على سبيل المثال - جوديث تاكر عن أوضاع النساء في مصر القرن التاسع عشر، لا بد أن تدهشنا أشكال الفاعلية المجتمعية في المهن والحِرَف وتنظيم العلاقات داخل العائلة. لا يمكن أيضاً أن نغفل وجودهن الملحوظ في المجال العام في كل الدراسات الخاصة بالمدينة الإسلامية.</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">بل يُمكن أن نعود بالذاكرة إلى بداية القرن، لنتذكر فاعلية النساء أثناء وجود الحملة الفرنسية في مصر. فقد قام الجنرال مينو قائد الحملة بإشهار إسلامه وتزوج بامرأة من مدينة رشيد اسمها زبيدة محمد البواب، وفي 1801 رزق منها بطفل سمّاه سليمان. كانت تلك وسيلة مينو للتقرب إلى المصريين من أجل دمج مصر في فرنسا حتى أن نابليون هنأه على «التضحية الوطنية». بعيداً عن دوافع مينو، كان لهذا الزواج أثر كبير في تأمل نساء رشيد لأحوالهن، فقد كن يلتقين في الحمام العام بزبيدة التي كانت تقص عليهن طريقة معاملة زوجها لها (كحال الطبقة المتوسطة والعليا في فرنسا)، وهو ما جعل النساء يثرن على طريقة معاملة أزواجهن لهن وقمن بكتابة خطاب لـ«السلطان» بونابرت يطلبن منه أن يفرض على أزواجهن معاملتهن كما تُعامل زبيدة.</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">بغض النظر عن نتائج هذا الفعل، التي تضاربت فيها الأقوال لا بد من قراءة دلالة الواقعة.</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">أولاً، كانت النساء على وعي بأنهن شقائق الرجال ومن حقهن المطالبة بمعاملة أفضل، خصوصاً أن زبيدة كانت منهن وقد تزوجت رجلاً «مسلماً». ثانياً، لا بد من فهم استماع النساء لزبيدة في الحمام ثم تداولهن في أوضاعهن بوصفه أول اجتماع نسائي عام كما أكد المؤرخون. أما الأمر الرئيسي فهو وعي النساء بما يفعلنه، فقد كن مناهضات للاحتلال وللحملة كفعل استعماري، بل كان البعض منهن يرى أن زواج زبيدة من رجل فرنسي (حتى لو كان مسلماً) هو بمثابة خيانة، لكنهن لم يترددن في أن يوظفن ما قد يحسن من ظروف الحياة. وفي النهاية فإن كتابة خطاب لنابليون تدل في حد ذاتها على القدرة على المبادرة واتخاذ القرار عبر توظيف كل ما هو متاح، وكأن النساء بذلك يعرفن تماماً ما يجب أخذه (المعاملة الطيبة) وما يتوجب نبذه (الاستعمار).</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">إلا أن هذه المواجهة التي نتجت عن معرفة بالآخر المختلف هي، تحديداً وبشكل مفارق، السبب في إجهاض المسار الثقافي لشقائق الرجال.</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">فمع مواجهة الآخر الغربي تحولت النساء إلى المؤشر الثقافي والاجتماعي الذي يساهم في الحفاظ على الهوية التي لا بد أن تكون مغايرة تماماً لهوية الآخر. تتفق الأطراف أن النساء مساويات للرجال في الكرامة الإنسانية والحقوق والتكاليف، فيما عدا ما استثناه الشرع والمجتمع والتقاليد والقانون والعائلة وعلاقات القوى والمصالح الأبوية.</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">* كاتبة وأكاديمية مصرية</span></p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[موقع 180 مقالات]]></author>
                <guid>14120</guid>
                <pubDate>Mon, 30 May 2022 12:47:12 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[شعر / وين صارت شيرين!]]></title>
                <link>شعر-وين-صارت-شيرين</link>
                <description><![CDATA[<p><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">بثينة حمدان</span><br><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">وين صارت شيرين؟</span><br><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">كلنا عم نسأل.</span><br><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">عم نسأل عن الجثمان.. عن الجسد.. عن روحنا الطايرة</span><br><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">جنازة مشيت من جنين لنابلس لرام الله للقدس..</span><br><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">جولة ميدانية.. لصحافية قمةِ الانسانية</span><br><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">التغطية معها مستمرة.. وفي رحيلها مستمرة.</span><br><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">هيك كانت حياتها.. وهيك صار وداعها.</span><br><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">الحياة مش طويلة.. بس مسيرة شيرين كبيرة</span><br><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">الحياة لحظة..</span><br><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">فقدنا فيها انسانة شجاعة صاحبة كلمة ورأي وببراعة</span><br><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">في عز المواجهة والعدوان والاغتيال والاجتياحات..</span><br><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">بيطلع صوتها الحر وهدوئها المر،</span><br><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">صوت ثابت على كل الصور الي بتهزنا.</span><br><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">شيرين كانت معنا كل يوم؛</span><br><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">عايشة تفاصيلنا وأحلامنا ومراحل كفاحنا</span><br><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">ضد الظلم ضد القهر ضد الاحتلال،</span><br><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">عايشة معنا من بيت لبيت ومن شارع لشارع،</span><br><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">كنا ننام وهي تضل صاحية!</span><br><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">كنا نتعب وهي تضل واقفة!</span><br><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">كنا نكبر وننهَم وهي تحافظ على ملامحها الساكتة</span><br><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">كنا نبكي ويوقف الكلام غصة بحلِقنا</span><br><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">وهي تضل تحكي وتحكي وتحكي.</span><br><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">رصاصة صغيرة في ذاكرتنا..</span><br><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">في رأس صحفيتنا بنتنا امنا أختنا وعمتنا،</span><br><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">رصاصة عدو بيكذب وبيغدر .. وما بيرحم.</span><br><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">رصاصة صغيرة فجرت ذاكرة العالم..</span><br><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">شيرين بغيابها .. صحّتهم على الي بصير في فلسطين</span><br><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">رحيلها حدث.. وخبر عم يلف العالم</span><br><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">ويحكي عن فلسطين القضية المنسية والفلسطيني الضحية.</span><br><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">مش رح ننسى،</span><br><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">مش رح نسكت،</span><br><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">مش رح نوقف؛</span><br><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">رح نضل نحكي ونحكي ونحكي.</span><br><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">وين صارت شيرين؟</span><br><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">رح تشوفوا شيرين كل يوم بتنولد من جديد..</span><br><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">رح تشوفوا شيرين مش بس ع جزيرة وشاشة وحدة</span><br><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">رح تسمعوا صوتها .. ونبضها..</span><br><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">وين صارت شيرين؟</span><br><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">في قلوبنا الكلمة الحرة وع جبينا بصمة شرف.</span><br><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">وين صارت شيرين؟</span><br><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">شيرين الشهيدة العنيدة والجريئة والبسيطة والحلوة</span><br><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">وحتى بمرارتها واحلامها حلوة</span><br><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">شيرين الاسم الكبير</span><br><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">وحدت بغيابها الكنائس والأديان والأحزاب والعالم باختلافاته</span><br><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">أحرجت بغيابها قنوات الأخبار العالمية</span><br><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">ورجعت فلسطين الخبر الأول!</span><br><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">شيرين الاسم الكبير</span><br><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">والعدو وأكاذيبه .. الاسم الصغير</span><br><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">العدو بقوته وقواته مقهورين.. وبهاجموا جنازة!!</span><br><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">بهاجموا جنازة!</span><br><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">. . .</span><br><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">كلنا مشروع شهادة.. وكلنا منحب الحياة.</span><br><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">كانت معكم شيرين أبو عاقلة..</span><br><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">في تقريرها الأخير عن جنازة فلسطين الكبرى</span><br><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">أيقونتها...</span><br><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">وداعاً شيرين</span></p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[موقع 180 مقالات]]></author>
                <guid>14080</guid>
                <pubDate>Mon, 23 May 2022 12:53:24 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[شعر: حماد صبح ...إلى الشاعر الكبير مظفر النواب]]></title>
                <link>شعر-حماد-صبح-إلى-الشاعر-الكبير-مظفر-النواب</link>
                <description><![CDATA[<p style="text-align:center;"><span style="background-color:hsl(0,0%,100%);color:hsl(0,75%,60%);"><strong>شعر: حماد صبح</strong></span><br><span style="background-color:hsl(0,0%,100%);color:hsl(0,75%,60%);"><strong>إلى الشاعر الكبير مظفر النواب&nbsp;</strong></span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">( كتبت هذه القصيدة منذ سنوات حين شكا الشاعر الكبير مظفر النواب</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">افتقاده من يعينه في الشفاء من دائه .) .</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">حزنك الناعم ، يا مظفرُ ، رعدٌ * لكنِ الأعرابُ صم القلوبِ</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">ليس فيهم من العروبة إلا * أحرف الاسم وانتساب الكذوب</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">لا تثرْهم إلى القدس ، مُناهم * أن تظل مِلْك العدو الغصوب</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">عدد الرمال تراهم ، ولكنْ * لا تراهم في قواسي الخطوب</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">أصغر الشعوب تسمو علواً * وعديد الأعراب أوطى الشعوب</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">في قتال الأعداء ، لا نريد قتالاً * في قتال القريب سيف حروب</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">ثروات كبارٌ ذابت هباء * وفقير الأعراب نِضو كروب</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">ما هداهم كتاب منير * فاستلذوا الضلال سود العيوب</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">قطَعونا مذاهبَ شتى * قذفونا في متاه العطوب</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">صيرونا طُعمةً للعوادي * وقطيعاً لافتراس النيوب</span><br><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">شاعرٌ في مقامك أولى * بعزيز من الشعوب ، وَثوب</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">مسرع للمعالي ، تراه * لحمى الحق نارَ غضوب</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">أيها الشاعر المعظم قدراً * ليس يجدي خطاب صم القلوب</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">حزنك الناعم ، يا مظفر ، رعد * لو كان في الأعراب سمعُ مجيب</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">وشكاتك الداءَ دون طبيب * عارنا الباقي في سجل الغيوب</span></p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[موقع 180 مقالات]]></author>
                <guid>14079</guid>
                <pubDate>Mon, 23 May 2022 12:46:15 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[فـاضل السلطـاني يكتب: من يتغير... اللغة أم نحن؟]]></title>
                <link>فـاضل-السلطـاني-يكتب-من-يتغير-اللغة-أم-نحن؟</link>
                <description><![CDATA[<p style="text-align:justify;"><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">طرح الزميل توفيق السيف، في مقاله «لغة ضيقة»، المنشور في «الشرق الأوسط» بتاريخ 4/5، عدة قضايا متشابكة وشائكة لا يزال العلماء والمتخصصون منذ قديم الزمان يتجادلون ويختلفون حولها. وبالتأكيد لا تسمح مساحة صغيرة بالتعمق فيها، وإنما الهدف هو طرح الأسئلة، وإثارة التفكير في جوانب إشكالياتها وانعكاساتها اجتماعياً وثقافياً، وهي مهمة ليست سهلة إطلاقاً.</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">من هذه القضايا، قضية اللغة، التي عدها المقال قابلة للتطور مثلها مثل أي عنصر ثقافي آخر. وفي الحقيقة، ليس من الدقة اعتبار اللغة عنصراً ثقافياً لتتطور مع تغير الأزمنة. ولذلك اعتبر كثير من العلماء والمختصين اللغة في منزلة وسط بين البناء التحتي، ممثلاً بالاقتصاد والواقع الاجتماعي، وبين البناء الفوقي، الذي يشمل الثقافة بمعناها الواسع (Culture) الذي تندرج ضمنه العناصر الثقافية والفكرية والسياسية والعادات والتقاليد الاجتماعية وحتى ثقافة الطعام... إلخ. وبهذا المعنى، اعتبرت اللغة التعبير الواقعي للفكر، الذي تتغير بالطبع أشكاله بتغير الزمان والمكان، بينما الهيكل الأساسي لقواعد اللغة ومتنها، أو بنيتها العميقة، إذا استخدمنا تعبير العالم اللغوي ستيفن بنكر، أو المستوى التركيبي، باقٍ جوهرياً كما هو، وهو يتميز بثبات كبير قد يستمر قروناً. بنية العربية، مثلاً، لا تزال كما هي ما قبل امرؤ القيس وبعده، وجوهر الإنجليزية باق كما هو ما قبل شكسبير وبعده، كما في أي لغة حية أخرى.</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">وكما هو معروف، هناك لغات قديمة ماتت تماماً مع أقوامها التي بادت مثل السومرية والأكدية والفرعونية، وهناك أيضاً مفردات تموت، أو تنضمر، وفي المقابل تدخل مفردات جديدة في أي لغة حيوية بحكم التطور العلمي والثقافي والتقني واختلاطات الثقافات، فيحصل ما يكمن أن نسميه «نمواً لغوياً». ونحن نعرف أن قاموس «أوكسفورد» الإنجليزي يغتني كل عام بمفردات جديدة من لغات أخرى، منها العربية، وكذلك قاموس «لاروس»، وكل قواميس اللغات الحية، كما أن بناء الجملة أو صياغتها يتغيران أو يتطوران مع الزمن بالضرورة، فلم يعد أحد يكتب مثل راسين أو شكسبير، أو مثل الجاحظ أو الهمذاني.</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">من هنا، فإن تساؤل الزميل توفيق السيف، عن سبب زيادة مساحة القبول حين يكون المتحدث رجل دين، يجد جوابه في فهمنا لطبيعة اللغة، وليس بسبب «أن اللغة تسمح بمستويات متعددة للمعنى»، رغم وجاهة هذا القول، لكنه لا يكفي لتفسير ظاهرة فكرية واجتماعية تشمل قطاعات كبيرة من مجتمع ما.</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">كون اللغة هي الواقع العملي للفكر، يفسر لنا لماذا ازدادت مساحة القبول بحديث رجل الدين في مرحلتنا هذه. إن الخطاب الديني يشكل الآن عنصراً أساسياً في الثقافة السائدة بمنطقتنا في هذه المرحلة. ولكن الأمر لم يكن كذلك في الأربعينات والخمسينات والستينات من القرن الماضي، حين ساد الخطابان القومي واليساري في بلدان عربية كثيرة، وكانت مساحة القبول بهذين الخطابين واسعة جداً، لأنهما شكلا العنصرين الأساسيين في الثقافة السائدة آنذاك، بينما لم يكن للخطاب الديني سوى تأثير ضئيل، ويكاد يكون شبه معدوم.</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">وإذا عدنا في التاريخ بعيداً، كان الخطاب الديني هو السائد في أوروبا لقرون طويلة، ربما حتى القرن التاسع عشر.</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">وفي مرحلة لاحقة، سادت ثقافة الطبقة البرجوازية. وقد تغلغلت هذه الثقافة في كل فئات المجتمع، منها تلك الفئات التي كانت خارج هذه الطبقة، لكنها وقعت تحت تأثير خطابها السياسي والثقافي بسبب سيادتها الشاملة. وفي البلدان الاشتراكية السابقة، سادت ثقافة أخرى، أو خطاب آخر هو خطاب الطبقة الجديدة، الطبقة العاملة، أو على الأقل خطاب منظريها وأحزابها، وهكذا عبر مراحل التاريخ المتعاقبة.</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">وما تغير في عهدنا الحالي، ربما خلال السنوات العشرين الأخيرة، وبسبب الانقلابات الاجتماعية والإعلامية الهائلة، أن الخطاب العالي لم يعد بالضرورة خطاب الطبقة السائدة، أو الفئة التي تمتلك السلطة، وإنما الخطاب الشعبي، الشعبوي غالباً، الذي يكاد يصبح بدوره خطاباً سائداً في هذه المرحلة، التي لا أحد يعرف مدى ديمومتها ما دامت الشروط السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي أنتجتها لا تزال قائمة.</span><br>&nbsp;</p><p>&nbsp;</p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[موقع 180 مقالات]]></author>
                <guid>14077</guid>
                <pubDate>Mon, 23 May 2022 12:35:27 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[سهيل كيوان يكتب: ذاكرة الحكومة..]]></title>
                <link>سهيل-كيوان-يكتب-ذاكرة-الحكومة</link>
                <description><![CDATA[<p style="text-align:justify;"><strong><img class="image_resized" style="width:60px;" src="https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2018/08/%D8%B3%D9%87%D9%8A%D9%84-%D9%83%D9%8A%D9%88%D8%A7%D9%86-%D9%86%D8%AA-150x150.jpg" alt=""> سهيل كيوان</strong></p><p style="text-align:justify;">نصيحة قديمة، احتفظْ بأية ورقة لها علاقة بالحكومة، أو مؤسّسة، حتى لو مرّت عليها عقود طويلة، فقد تحتاجها في يوم ما.<br>قبل حوالي الشّهرين، تورّطت في حادث طرق، وهو حادث غريب، لا أعرف كيف حدث ولا مع من.<br>كنت في الصَّباح، في طريقي إلى إحدى بلدات مرج ابن عامر، وقبيل وصولي ببضعة كيلو مترات، لا أعرف ما الذي حدث بالضبط، هل سهت عيناي أم سرحتُ ولم أنتبه! لا أذكر أنني كنت ناعساً، مثل انقطاعٍ مفاجئٍ للكهرباء في الليل في غرفة مغلقة، هذا ما حدث معي بالضبط، انتبهت على خبطة هائلة، ورأيت عمود دخان رمادياً أمامي بارتفاع أمتار، ومطرقة ثقيلة في الصّدر، ولم أفهم بالضبط هل صدمني أحد ما من الخلف، أم أنّني صدمت سيارة أمامي، أم أن إحداها انحرفت من الجهة الأخرى المعاكسة وارتطمت بي، كانت الوسادتان الواقيتان قد انفتحتا في وجهي، ويبدو أنهما مصدر الغيمة التي رأيتها أمامي! خيالي أخذني إلى أنّها كارثة رهيبة، ومرّت ثوانٍ قبل أن أستوعب بأنني تورّطت في حادث طرق، وبما أنني كنت في منحدر خفيف فقد انحرفت إلى جانب الشارع وتركت السيارة تبتعد قليلا خشية وقوع ارتطام آخر، واكتشفت أن الكوابح لا تعمل لأن المحرّك قد خبا، شعرتُ بنملٍ في وجهي، حاولت أن أراه في المرآة فوق رأسي، فلم أجد المرآة، خُلعت من مكانها وطارت.<br>في تلك اللحظات شعرتُ بأن الموت أقرب من حبل الوريد، كنتُ عاجزًا عن أخذ شهيق، ولحسن الحظ أنني كنت قد وضعت حزام الأمان، وهذا أنقذني بعد لطف الله، لأنني من دونه، كنت سأرتطم في الزجاج الأمامي ونطير معاً إلى الشارع، لا أعرف كم ثانية مرّت حتى تمكنت من التنفّس، حينئذ شعرت بأنني نجوت، فرحت أدرِّب نفسي على التنفس من جديد، شهيق زفير، وهو الأمر الذي نفعله منذ ولادتنا غالباً دون أن ننتبه بأنخ في لحظة توقُّف هذا المنفاخ عن العمل، يكون رصيدنا من الحياة قد انتهى.<br>سمعت زعيق صفارات الإسعاف، نظرت من النافذة خلفي، كان هناك كما يبدو مصاب أو مصابون، مرّت السيارات من جانبي دون أن ينتبه أحد إلى أنني في حاجة إلى مساعدة مثل أولئك هناك.<br>التفت بعضهم اتجاهي، ورأى أن الأمر لا يستحق الوقوف، فالحادث خفيف جدًا، هكذا يبدو لغير المتورِّط فيه، حاولت فتح الباب وإذا به مطبقٌ بقوة، ورغم الوجع الشديد فتحته من خوفي، فقد شممت رائحة الوقود التي انسكبت كما يبدو تحت السيارة.<br>هبطت بصعوبة، فرأيت المقدمة محطّمة وغائرة في موقع لوحة الترخيص إلى الداخل..كما يبدو أنني ارتطمت في سيارة لها وصلة جرّ من الخلف، وعلى الأرجح أن هذا خفّف من حدة الصَّدمة، لكن لم أعرف بالضبط ما الذي صدمته، ولا حتى لونه حتى هذه اللحظة.<br>توقَّف رجلٌ وامرأة انتبها لي، تقدّم الرَّجل منِّي وسأل إذا ما كنت في حاجة إلى مساعدة وطلب سيارة إسعاف؟ قلت نعم، لأنني أشعر باختناق وألم شديد في الصدر، ناولتني السَّيدة زجاجة ماء، سمعتُ الرجل يرفع صوته، كما يبدو أنّهم أخبروه بأن الإسعاف كان هناك قبل دقائق، فراح يوضِّح لهم بأن أحد المصابين ما زال في المكان، وصلتْ سيارة إسعاف بعد بضع دقائق.<br>شعرت بأهمية فتح الطريق لسيارة الإسعاف، وأن وصول الإسعاف والمسعفين لا يعني انتهاء الألم.<br>بدأت أستردُّ قدرتي على الكلام بصعوبة، خلال الفحوصات في المستشفى، بعد ساعة تقريباً اتصلت بابني وأخبرته بما حدث، وبأن يهتمَّ بإرسال شاحنة لجرِّ السّيارة.<br>في هذه الأثناء كانت الشرطة تقوم في واجبها، فقد سجلوا غرامة بقيمة 500 شيكل لوقوف السيارة إلى جانب الشارع، دون إعادة اهتمام بأن السَّيارة تعرضت إلى حادث، وأن سائقها قد يكون مصابًا، رغم وصول ابني في الوقت ذاته ومحاولة إقناع رجليّ الشرطة بأن السائق في المستشفى، أصرّوا على تسجيل الغرامة.<br>بعد قضاء النهار في المستشفى، تبيّن أنها رضوض فقط، ولا توجد كسور، هذه ال»فقط» تعجبني جدا…فهي توجع في كل شهيق، ومع كل حركة، وهي اضطرار إلى النوم على جانب واحد ووضعية واحدة لعدة أسابيع.<br>قرَّرتُ أن لا أدفع الغرامة، وأطلب إلغاءها، إلا أن أحد السائقين المُجرِّبين نصحني: ادفع وانس الموضوع أفضل لك…<br>قلت له، لكنّ الأمر واضح، فقال لي: اسأل مُجرّباً، سيطلعون لك ألف نبشة، ادفع وأرح نفسك.<br>أصررت على موقفي فكل الحُجج لصالحي. دخلت إلى موقع الشُّرطة في الشَّبكة، ثم إلى قسم السَّير والغرامات، وكتبت طلباً لإلغاء الغرامة مع رقمها، مع شرح عن الحادث، وبأنني رغم الإصابة اتصلت واهتممت بإخلاء السّيارة من المكان، وهذا ما حدث بعد حوالي السّاعتين من الحادث.<br>بعد يومين وصلني ردٌ من موقع الشرطة طلبوا وثائق تثبت وقوع الحادث..فأرسلت صورة شكوى مختومة قدّمتها إلى الشرطة، وأوراق الإسعاف والمستشفى وصورة لمقدّمة السَّيارة المحطمة! أخيرًا طلبوا وثائق من شركة الجرّ، وساعةَ تلقي البلاغ من شركة التأمين، فأحضرتُ وأرسلتُ، وبعد مراسلات مع الموقع حوالي عشر مرات على مدار الشَّهرين جاءني الرد النهائي قبل يومين…<br>لقد عثرنا في ملفك على غرامة قديمة منذ 12 عاماً، لم تدفعها حتى الآن، فإما أن تثبت بأنك دفعتها بتصوير الوصل وإرساله، وإلا فعليك أن تدفع هذه الأخيرة!<br>ضحكتُ، لأنّه لا يعقل أن تكون مديناً لأي مؤسسة رسمية بغرامة منذ اثني عشر عاماً ويسكتون عنك، تتضاعف الغرامة إذا لم تدفعها خلال تسعين يوماً، ثم تُمنحُ فرصة أخرى للدفع خلال ستة أشهر أخرى مع إضافة عقوبة أخرى وفائدة..وإذا لم تدفع، يحجزون على حسابك في البنك عن طريق مكتب محامين، ولا يتحرّر حسابك حتى تدفع! كثيرون لم يدفعوا وتورّطوا في مبالغ هائلة، بل أن بعضهم مُنع من مغادرة البلاد وأعيد من معبر حدودي أو من المطار بسبب دين بسيط للحكومة.<br>من يحتفظ بوصل دفع غرامة سير كانت وقتها ب 250 شيكل فقط بعد 12 عاما؟! الحقيقة نعم…كنت تعلّمت أن أحتفظ بأي ورقة لها صلة بالحكومة، سوف أفاجئهم وأرسل الوصل لهم فلن تبقى لهم حُجَّة.<br>أستغربُ وأقولُ لنفسي، إذا كان كل شيء واضحاً وضوح الشمس في قضية غاية في البساطة، أو هكذا ظننت، فكيف يكون الأمر عندما يتعلق بما هو أهم ومصيري، مثل الأرض والمسكن وتثبيت الملكية التي تحتاج إلى تواقيع عشرات من الأحياء والأموات أو من ورثتهم…</p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[موقع 180 مقالات]]></author>
                <guid>14048</guid>
                <pubDate>Thu, 19 May 2022 05:24:31 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[د. محمد السيد قياسة: اللغة العربية بوابة التراث]]></title>
                <link>د-محمد-السيد-قياسة-اللغة-العربية-بوابة-التراث</link>
                <description><![CDATA[<p style="text-align:justify;">التراث يشكل تاريخ الأمة، وهو نتاج الأمة فكريا وعلميا واجتماعيا وفنيا، وكل أمة لا تقطع صلتها بتراثها كله، ولأنه يشمل جزءًا من الواقع الحياتي فبعضه خاضع للتغيير حسب تغير الظروف (مع ملاحظة أن القرآن والسنة الصحيحة التي تشمل السيرة النبوية لا تسمى تراثا في رأيي، بل هي أصول الإسلام وهي ثابتة، والتعاطي معها يكون للعلماء المختصين في العلوم الشرعية الإسلامية).</p><p style="text-align:justify;">وفي تراثنا العربي -حيث العالم العربي الممتد من الخليج إلى المحيط- ثراء معرفي وفكري وإنساني كبير وضخم على مستويات كثيرة جدا، الذي يجعل الإنسان العربي فخورًا من ناحية ومن ناحية أخرى في حاجة حقيقية للنظر في هذه المعرفة الخاصة بالعرب مسلمين ومسيحيين وغيرهم على السواء.</p><p style="text-align:justify;">فمثلا لو كنت تريد أن تقرأ عن الصداقة أو الحب أو عن موضوعات متنوعة فكرت فيها وتشغل بالك، أو عن كيف أتعلم؟ أو أي فكرة فإنك قد تجد صداها في هذا التراث، بل إن موقفك من التراث رهن بمعرفته قبل أن تتخذ موقف القطيعة أو الاتصال مع هذا التراث.</p><h2 style="text-align:justify;"><strong>مصادر متنوعة من التراث العربي</strong></h2><h3 style="text-align:justify;"><a href="https://mashroo3na.com/wp-content/uploads/2022/05/%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D8%AB2.webp"><strong><img src="https://mashroo3na.com/wp-content/uploads/2022/05/%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D8%AB2.webp" alt="2 - اللغة العربية بوابة التراث" srcset="//mashroo3na.com/wp-content/uploads/2022/05/تراث2.webp 780w, //mashroo3na.com/wp-content/uploads/2022/05/تراث2-300x156.webp 300w, //mashroo3na.com/wp-content/uploads/2022/05/تراث2-768x399.webp 768w" sizes="100vw" width="772"></strong></a></h3><h3 style="text-align:justify;"><strong>كتاب روضة العقلاء ونزهة الفضلاء</strong></h3><p style="text-align:justify;">ومن أمثلة ذلك كتاب (روضة العقلاء ونزهة الفضلاء) لابن حبان البُستي المتوفى (354هـ)، وهو كتاب ألفه صاحبه مشتملا “على ما يحتاج إليه العقلاء في أيامهم من معرفة الأحوال في أوقاتهم، أبيِّنُ فيه ما يحسن للعاقل استعماله من الخصال المحمودة ويقبح به إتيانه من الخلال المذمومة”، وهو مليء بالحكمة والمواعظ الحياتية والأشعار والنصائح.</p><h3 style="text-align:justify;"><strong>كتاب أدب الدنيا والدين</strong></h3><p style="text-align:justify;">ومن ذلك كتاب (أدب الدنيا والدين) لأبي الحسن الماوري المتوفى (450هـ) يقول: “توخيت بهذا الكتاب الإشارة إلى آدابهما وتفصيل ما أجمل من أحوالهما على أعدل الأمرين من إيجاز وبسط، أجمع فيه بين تحقيق الفقهاء وترقيق الأدباء فلا ينبو عن فهم،</p><p style="text-align:justify;">ولا يدق في وهم مستشهدا من كتاب الله جل اسمه بما يقتضيه ومن سنن رسول الله صلوات الله عليه بما يضاهيه، ثم متبعا ذلك بأمثال الحكماء وآداب البلغاء وأقوال الشعراء”.</p><h3 style="text-align:justify;"><strong>وصايا ونصائح لطالب العلم</strong></h3><p style="text-align:justify;">بل وضع العلماء العرب كتبا في آداب التعلُّم لكل من الأستاذ والتلميذ منها مثلا: (وصايا ونصائح لطالب العلم) لابن الجوزي المتوفى (597هـ)، ومنها: (تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم) لابن جماعة المتوفى (733هـ)،</p><p style="text-align:justify;">ومنها: (الدر النضيد في أدب المفيد والمستفيد) لبدر الدين محمد بن محمد الغزي المتوفى (984هـ) وغيرها. تناول فيها العلماء فضل العلم وطرق التعليم والتعلم وما ينبغي للعالم وللمتعلم من أدب وخلق وعمل ونصائح لكبار العلماء، إلخ.</p><h3 style="text-align:justify;"><strong>الصداقة والصديق</strong></h3><p style="text-align:justify;">ولا يخفى على كثيرين رسالة (الصداقة والصديق) لأبي حيان التوحيدي (414هـ) ألفها في ((الصداقة والعشرة والمؤاخاة والألفة وما يلحق بها من الرعاية والحفاظ والوفاء والمساعدة والنصيحة…)).</p><p style="text-align:justify;">وكذلك الكتاب الشهير عن الحب (طوق الحمامة) لابن حزم الأندلسي المتوفى (456هـ).</p><p style="text-align:justify;">بل إن ابن الجوزي (597هـ) ألف كتابه الشهير (صيد الخاطر) ليقيد به خواطره ونظراته التي لم يحب أن تذهب دون تقييد.</p><h2 style="text-align:justify;"><strong>أهم ما يميز التراث العربي</strong></h2><p style="text-align:justify;">وهذه الكتب في الفكر والأدب تمتاز بأن أصحابها يؤلفونها وهم على قدر من العلم واللغة والأدب والفكر فتكون كحديقة غناء مليئة بالأزهار ذات الألوان والروائح الطيبة والطيور المغردة، مليئة بالعلم والفكر والفلسفة.</p><p style="text-align:justify;">ولذلك ورد عن العلماء ترشيحهم الدائم لكتب الأدب التي ينبغي مطالعتها والنهل من سلسبيلها لتكون للمتعلم ثقافة علمية وفكرية (وهذا طبعا شيء يتناسب مع كل عصر وبعضه يمتد إلى عصور مختلفة)، منها مثلا كتاب الكامل للمبرد (285هـ) وأدب الكاتب لابن قتيبة (276هـ) والأمالي لأبي علي القالي (356هـ) إضافة إلى كتب الأمثال،</p><p style="text-align:justify;">وكتب صناعة الإنشاء (الكتابة)، والكتب الأدبية الشاملة للفنون الأدبية وأخبار الشعراء والأدباء، وكتب تراجم العلماء والأدباء، والمعاجم اللغوية، وحكايات البخلاء والمتطفلين، وكتب النوادر، وكتب التزكية (التربية)، وكتب التاريخ، وكتب البلدان، إلخ.</p><h2 style="text-align:justify;"><strong>دور اللغة العربية في فهم التراث العربي</strong></h2><p style="text-align:justify;">وإن نظرت إلى خلاصة ما تقدم اكتشفت أن اللغة العربية ذات تراث ثريّ، وأن اللغة هي مدخل وأداة فهم هذا التراث المتنوع الواسع الغريب المعجِب الذي طاف حول كل فكرة وسار خلف كل خيال، فاللغة العربية تربطك بماض مجيد متنوع،</p><p style="text-align:justify;">كما أنها تربطك بشعوب كثيرة وكبيرة وملايين البشر من الدول العربية والمسلمين الذين يتعلمونها في كل بقاع الأرض، كل ذلك انصهر في الحضارة الإسلامية التي نسمي تراثها الآن تراثا يقف فيه شعر وأدب وحكمة العرب قبل الإسلام مع شعرهم وأدبهم وعلومهم بعد الإسلام من كان منهم مسلما أو غير مسلم.</p><h3 style="text-align:justify;"><strong>الدكتور علي جمعة .. الطريق إلى التراث الإسلامي</strong></h3><p style="text-align:justify;">وأختم بما قاله الدكتور علي جمعة: “هذه اللغة العربية وفلسفتها هي التي تعبر عن العقل المسلم، وهي تحمل في طياتها أصول هذا العقل التراثي ومنتجاته وأساليبه في التعامل مع الواقع أو الوجود، ومن ثم فهي وعاء الفكر الإسلامي ووعاء العلم الإسلامي، وبالتالي ينبغي أن تكون أصلا في محاولة إعادة بناء المنظور الإسلامي في العلوم الحديثة الاجتماعية والإنسانية”، الطريق إلى التراث الإسلامي ص 98.</p><h3 style="text-align:justify;"><strong>الدكتور محمد عابد الجابري .. التراث والحداثة</strong></h3><p style="text-align:justify;">وما ذكره وأيده الدكتور محمد عابد الجابري: “إن منظومة لغوية ما -الشيء الذي يعني ليس فقط مفرداتها بل نحوها وتراكيبها- تؤثر في طريقة رؤية أهلها للعالم وفي كيفية مفصلتهم له وبالتالي في طريقة تفكيرهم”، التراث والحداثة ص 141.</p><p style="text-align:justify;">وبهذا يمكن أن نقول: نحن أبناء لغتنا، وعلينا أن ندرك أن اللغة العربية هي الباب لقراءة الماضي العريق والاتصال مع الحاضر الآمل والعبور إلى المستقبل، الذي يجمع ويشمل العرب والمسلمين جميعا.</p><p>&nbsp;</p><p><img class="image_resized" style="width:4.63%;" src="https://mashroo3na.com/wp-content/uploads/2021/09/242498100_288962052691140_5942160673265352670_n-1-180x180.jpg" alt="صورة د. محمد السيد قياسة" srcset="https://mashroo3na.com/wp-content/uploads/2021/09/242498100_288962052691140_5942160673265352670_n-1-360x360.jpg 2x" sizes="100vw" width="180"><strong>د. محمد السيد قياسة</strong></p><p>مدرس اللغويات – كلية اللغة العربية بالمنصورة – جامعة الأزهر</p><p><br>&nbsp;</p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[موقع 180 مقالات]]></author>
                <guid>14042</guid>
                <pubDate>Tue, 17 May 2022 15:47:26 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[وداعاً شيرين]]></title>
                <link>وداعاً-شيرين</link>
                <description><![CDATA[<p style="text-align:justify;"><strong><img class="image_resized" style="width:60px;" src="https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2018/04/%D8%A7%D8%A8%D8%AA%D9%87%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%B7%D9%8A%D8%A8-%D9%86%D9%8A%D9%88-%D9%86%D8%AA-150x150.jpg" alt=""> د. ابتهال الخطيب</strong></p><p style="text-align:justify;">جسد شيرين المسجى تحت الشجرة، خوذتها التي تخفي رأسها، كلمة Press تومض على ظهرها، زميلتها شذى المرتجفة بجانبها، كلما مدت يد باتجاه جسد شيرين المسجى تقتفي أثر حياة فيه، انهالت الطلقات باتجاهها.<br>امرأتان ترتديان سترة الصحافة، مطوقتان على رصيف يبعد أمتاراً قليلة عن زملائهما، رصيف ضيق في شارع بسيط بدا في اللحظة جزيرة نائية، قطعة رملية على المريخ، تلة جليدية تسبح في مياه القطب الجنوبي، أكثر بقعة في العالم عزلة ووحدة وبعداً.<br>امرأتان وشجرة وسور عتيق، خوذة ساكنة على الأرض المعشوشبة تخفي رأس إحداهن. ترى، هل الرأس كامل؟ هل يسبح في دماء ملأت الخوذة؟ امرأة قائمة وأخرى ممددة بجانبها، بينهما أقل من متر، إحداهما غير قادرة على الوصول للأخرى، الأولى لأن امتداد يدها يستدعي وابلاً من الرصاص، والأخرى لأنها لا تستطيع أن تمد يدها أصلاً، لأنها لم تعد تملك جسدها المنبسط على الأرض بأريحية، كأنه نبتة قديمة كانت هناك، كأنه جذر عميق ملتف بجذور الشجرة الرابضة خلفه.<br>صرخة رجل منكوب يصيح بكل وتر في حنجرته: «شيرين، شيرين، يا عمي شيرين، إسعاف… إسعاف، لا، لا، إسعاف، وِلَكْ شيرين، شيرين». لكن شيرين لا ترد، كأنها في لحظة صعدت للسماء، أو لربما تغلغلت في عمق الأرض، وقعت في حضن التراب وأصبحت جزءاً أبدياً من المشهد الطبيعي، كأنها دائماً كانت هناك، كأن السور دائماً كان يظللها، وكأن الشجرة كانت دائماً تعلو فوقها تحرسها. كل شيء طبيعي، شيرين والشجرة والسور والخوذة والدماء وشذى المرتجفة والصوت المتحشرج يستصرخ العالم «يا عمي شيرين».</p><blockquote><p style="text-align:justify;"><br><strong>هذا المشهد الأبدي هو كذلك أزلي، لم يتشكل قبل أيام، لربما تشكل حين بدأت الحياة على الأرض، مع أول كائن حي بزغ، مع أول ورقة عشب خضراء أطلت برأسها من بين الرمال، أو لربما حين بدأت الحياة في الكون، مع لحظة الانفجار العظيم. شيرين دوماً كانت هناك، دماؤها دوماً ملأت الخوذة، والشجرة دوماً دفنت جسدها دون غطاء، مكشوفاً للعالم، حتى يرى هذا العالم جبنه، وحتى تصبح هي فرعاً أخضر لهذه الشجرة، ينمو ويتمدد مع شجرته صوب السماء.</strong></p></blockquote><p style="text-align:justify;"><br>«شيرين، شيرين، إسعاف، إسعاف»، لكن شيرين ابنة القدس قررت أن تلتحم بشجرة جنين، أن تتغلغل في جذور أرضها لترسل رسالة لمن يعتقد أن فلسطين قابلة للتقسيم. شيرين لم ترد على صرخة الرجل المنكوب، ولا تسمع الآن بكاء العالم المتخاذل، ولا ترى القنوات الإخبارية المجيَّرة وهي تنقل فيديو لحظاتها الأخيرة، هذا الفيديو الذي يفتك الروح ويهرس القلب. شيرين هناك نائمة، دوماً نائمة، إلى الأبد نائمة، إلى ما بعد ملايين السنوات حين تأتي المجرة الموعودة لتصطدم بالأرض فتنهي الحياة بكل تفاصيلها وسخافاتها، على الرصيف أسفل الشجرة في ظل الحائط العتيق ستبقى نائمة. ستحدث زلازل، وستنفجر براكين، وستقوم حروب وستخفت حروب، وستتشكل دول وستنتهي دول، وسيسعد ناس ويحزن ناس، وسيحب المحبون وسيغضب الغاضببون، وسنموت كلنا وسيأتي غيرنا، وستبقى شيرين تحت الشجرة، في ظل الحائط الذي لم يكن في العالم العربي كله أشجع ولا أشرف منه ليظللها. ستبقى شيرين هناك، لقطة لا تنتهي، فيديو لا يتوقف، حقيقة لا يمكن نكرانها، عار لا يمكن مسحه، عزة وشرف لا يمكن نفيهما، ستبقى شيرين، الشيء ونقيضه، الموت والحياة، الشجرة بأوراقها وبجذورها، ستبقى شيرين حقيقة راسخة، وسنختفي كلنا مثل وهم في خيال مريض.<br>«يا عمي شيرين»، «خليك محلك ما تتحركيش»، «لا لا ما تجيش، ما تجيش»، «إسعاف… إسعاف»، جمل مبعثرة تخلق خلفية صوتية غريبة للمشهد، أنات وصرخات واستغاثات، وشيرين التي يتردد اسمها في الهواء، ساكنة في مكانها. صدقت شذى وهي تصرخ «ما تجيش»، وهي تخصص المكان لها ولشيرين، لا مكان لغيرهما هناك، هي ملتصقة بالحائط، وشيرين ممددة على الأرض، هذه البقعة من الأرض وقد امتلأت حد الثمالة بالصراخ والدماء والعشب وطين الأرض والخوذة، تلك الخوذة التي لسبب ما تبدو أكثر ما يؤلم في المشهد. خوذة، غريب هو لفظ خوذة، كما هو غريب لفظ شجرة وغريب لفظ سور وغريب لفظ امرأة وغريبة الكتابات غير المكتملة على الحائط وغريبة صرخة «خليك محلك ما تتحركيش»، كل المشهد سيريالي غريب.<br>محمد الدرة خلف ظهر أبيه، أطفال ملثمون يلقمون الدبابات الحجارة، أجساد تراكمت في صبرا وشاتيلا، نساء تحاول استعادة بيوتهن في حي الشيخ جراح، وشيرين على الأرض، بلا حراك، رأسها يختبئ في خوذة، وظهرها يحمل كلمة Press تبرق في وضح النهار. لا يمكن لبشر أن يصنع مشهداً أجمل، أعمق، أكثر سيريالية وأقوى طبيعية.<br>لن تعود شيرين، ستبقى في هذه البقعة أبد الدهر، شرفاً لمن له ضمير، لعنة تفتك بالجبناء. ستبقى شيرين مثل ساعة سلفادور دالي الذائبة، حزينة ولكنها الوحيدة التي علقت الزمن في لحظة لن يتخطاها الكون. وداعاً شيرين.</p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[موقع 180 مقالات]]></author>
                <guid>14014</guid>
                <pubDate>Sat, 14 May 2022 11:35:09 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[غادة السمان تكتب: «شموع» دمشقية لا منسية]]></title>
                <link>غادة-السمان-تكتب-«شموع»-دمشقية-لا-منسية</link>
                <description><![CDATA[<p style="text-align:justify;">أحاول أن أنسى هذه الحكاية ولا أفلح. إنها حكاية سيدة مصرية صبغت شعرها باللون الأحمر (وهو ما تفعله كثير من النساء، وأنا شخصياً لا أميل إلى ذلك) لكنني دهشت حين علمت أن الأستاذ مرتضى منصور رئيس «نادي الزمالك» المصري، أصدر قراراً بمنعها من الدخول إلى مقر النادي وحرمانها من العضوية بسبب شعرها الأحمر! حتى هنا والأمر يكاد يكون قانونياً: رئيس أحد النوادي لا يريد في ناديه نساء بشعر مصبوغ بالأحمر، أما ما لا يطاق فهو طلبه من زوج السيدة التي صبغت شعرها بالأحمر تطليقها! وهذا اعتداء على حياتها الخاصة (تنمر) وعنصرية وتدخل في الحياة الزوجية للسيدة ذات الشعر الأحمر! ثم ماذا لو كان زوجها أحب شعرها الأحمر؟ وأعترف أنني شعرت بالدهشة أمام هذه الحكاية، أنا التي لم يعد يدهشها شيء. في أي كوكب نعيش؟ وإذا افترضنا أن الشعر الأحمر ليس جميلاً، ما الذي تفعله نساء ولدن بشعر أحمر؟<br>رئيس النادي أساء استعمال سلطته على ما أظن، وبالذات حين طلب من زوج ذات الشعر الأحمر تطليقها! هذا جوهر الديكتاتورية، وأحمد الله لأن الأستاذ مرتضى منصور هو رئيس نادي الزمالك وليس رئيساً للجمهورية في بلد بائس ما!</p><p style="text-align:justify;"><strong>قتل الأطفال لقهر الزوجة!</strong></p><p style="text-align:justify;">تتزايد حكايات قتل الأطفال في الأسرة كيداً للزوجة، وغالباً ما يقتل المجرم أسرته كلها ثم ينتحر! أما أن يتبنى رجل طفلة ثم يقتلها بعد أسبوعين من تبنيه لها فخبر مروع لم أستطع نسيانه رغم مرور الأعوام! كان عمر المسكينة سنة ونصف وكالأطفال كلهم تبكي وتصرخ أحياناً، واعتقد الرجل أنها مسكونة بالشيطان!! وهو متزوج لا من امرأة بل من رجل (وهو مباح في فرنسا وإنكلترا ودول أخرى) وقَتَل الطفلة المسكينة ضرباً! وقد أصيبت قبل ذلك بكسور عديدة وزعم والدها بالتبني أنها سقطت على السلم وأعذار كهذه. أما شريك عمره (زوجه!) فلم يتدخل في الحكاية. وأظهر التشريح أن الطفلة ماتت بكسور في الجمجمة والضلوع! وهذه الحكاية تعيد السؤال: هل يحق لرجلين (متزوجين) تبني طفلة/أو طفل أم أن الحضور النسائي ضروري في الأسرة، وإلا لما حدث ذلك، وحنان المرأة يحمي غالباً الأطفال حتى الذين يتم تبنيهم! ولم تلدهم أمهاتهم بالتبني..</p><p style="text-align:justify;"><strong>الأفلام الضاحكة لا الطبية</strong></p><p style="text-align:justify;">منذ (تشريف) وباء (كورونا) إلى كوكبنا، صار الناس (في فرنسا على الأقل) يميلون إلى مشاهدة أفلام تروج عنهم ولا تدور أحداثها في المستشفيات. وهكذا حظي فيلم «لاغراند فادرويه» بنسبة كبيرة من المشاهدين لأنه (رغم قدمه) لا يدور في المستشفيات، بل وينجح في تسلية المشاهد كما يفعل دائماً النجم خفيف الظل لوي دو فينيس. ولكن التلفزيون الفرنسي يعرض هذه الأيام العديد من المسلسلات التي تدور في المستشفيات (التي يحب المشاهد نسيانها في زمن الوباء)، ومنها مسلسل «تشريح غراي»!<br>أفهم جيداً أن المخرجين يربحون من المسلسلات التي تدور في المستشفيات وأبطالها أطباء وممرضات، فذلك أولاً يوفر نفقات الثياب، فالكل تقريباً يرتدي الثوب الأبيض الطبي كما الممرضات، ويوفر أيضاً في نفقات (الديكور) حيث تدور الأحداث غالباً في غرفة مستشفى أو ممراته وممرضات لا تبدل أي منهن ثيابها.</p><p style="text-align:justify;"><strong>نريد أن نبتسم!</strong></p><p style="text-align:justify;">ما لا يخطر ببال المخرج والمنتج لهذه المسلسلات أن الناس اليوم يفضلون مشاهدة أفلام قديمة مبهجة وضاحكة على تلك المسلسلات (الطبية) لينسون قليلاً أمام التلفزيون الوباء الذي يجتاح العالم، ويحتاجون إلى ما يلهيهم لكن بإبداع.. مثل سلسلة أفلام لوي دو فينيس (الشرطي) في مدينة سان تروبيه الساحلية عاصمة اصطياف الأثرياء العالميين، حيث يفترض أنه يعمل تحت امرة النجم (ميشيل غالابرو) كشرطي. أو أي أفلام تروج عن النفس وتعيدنا إلى دنيا أخرى من الضحك.. خارج دهاليز المستشفيات وخارج حروب أوكرانيا والموت الحقيقي لا السينمائي، مثل الموت بكورونا. وآمل أن تتنبه التلفزيونات العالمية كلها إلى لقاح البشر المذكور المذعور من إمكانية مرضه بوباء (كوفيد) ويريد أن ينسى ويضحك ويرى أي مسلسلات لا تدور في المستشفيات مثل (تشريح غراي!) الذي تبثه الآن إحدى قنوات التلفزيون الفرنسي!</p><p style="text-align:justify;"><strong>الشموع ودمشق!</strong></p><p style="text-align:justify;">أيام كنت أعيش في مسقط قلبي ورأسي دمشق، كان ثمة مطعم يدعى (كاندلز)، أي «شموع»، بالقرب من طريق الصالحية ومبنى البرلمان. وكنت أحبه. الشموع على الموائد تغني عن الكهرباء وتخلق جواً رومانسياً، وكان عمري 18 سنة. ومرت الأيام وصرت في بيروت متزوجة من لبناني، وابني الطفل لبناني. وكنت ما أزال أحب المطاعم التي تكتفي بالشموع كضوء رومانسي، ثم جاءت الحرب الأهلية اللبنانية وانقطع التيار الكهربائي عن بيروت بعض الوقت، واضطررنا للجوء إلى الشموع، وصرت أكرهها إذ صارت رمزاً للظلام والعتمة، ثم إنها ليست عملية إذ يمكن أن تسبب حريقاً إذا سقطت على حاملتها.</p><p style="text-align:justify;"><strong>الشموع وبيروت</strong></p><p style="text-align:justify;">وحين يسود الظلام في الحرب الأهلية اللبنانية بسبب انقطاع الكهرباء، كنت أتسامر وزوجي على ضوء شمعة على زجاجة نبيذ «ماتيوس» نضعها فوق (جهاز الشوفاج) مقابلنا ونحن نتسامر، ولا نضجر كثيراً ولكننا نضجر قليلاً لعزلنا عن القراءة والكتابة. ثم انتهت الحرب وأعدنا دهان بيتنا مكان السواد بالأبيض كما نفعل دائماً، ومرت الأيام. وفوجئت بأن المكان الذي كنا نضع عليه الزجاجة التي تعتليها شمعة قد بدأت تبدو رمادية وقد تساقط الدهان الأبيض عنها كذكرى عن الحرب الأهلية لا يمكن نسيانها. وقررنا ترك الجدار وآثار نار الشمعة عليه كتذكار حزين أو إنذار ضد التكرار. ولكنني أرى في الأفلام الأمريكية استعمالات رومانسية للشموع. وفي مسلسل (وسيطة ـ ميديوم) شاهدت البارحة مثلاً بطلة المسلسل تستحم في مغطس الماء (البانيو) المحاط بعشرات من الشموع. وهو ديكور أضحى شائعاً في الأفلام الأمريكية، لكنه يثير نفوري.</p><p style="text-align:justify;"><strong>لسنا وحدنا ننفر من الشموع</strong></p><p style="text-align:justify;">كثيرة هي الشعوب التي عانت من انقطاع التيار الكهربائي واضطرت للاعتماد على ضوء الشمعة، وأعترف أنني حين وصلت إلى باريس هرباً من الحرب الأهلية في بيروت اشتريت علبة من الشموع، وأظن أن ذلك ما يفعله اليوم (بعد أعوام طويلة) أبناء حرب أوكرانيا.. والشمعة لم تعد رمزاً رومانسياً، بل باتت أمراً بائساً نصف معتم لأسباب معظمها حربي. أكرر، لم تعد الشموع رمزاً رومانسياً، بل حربي ورمز لانقطاع الكهرباء. لكنني بعد تلك الحروب كلها والأعوام كلها سأظل أتذكر مطعم كاندلز (شموع) الشامي العتيق الذي كان يمنحنا لحظات رومانسية شعرية، ولم أكن يومئذ قد بلغت العشرين من العمر، لكنني أتذكره.<br>ترى أما زال موجوداً؟<br>إذا ذهبت إلى دمشق بعد ذلك الفراق الطويل كله، سأذهب في ليلتي الأولى إلى مطعم «كاندلز» وأنا أرجح أنه لم يعد موجوداً!<br>إنها سلطة الذكريات يا دمشق الحبيبة، ويا لذكريات الأيام الهاربة!</p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[غادة السمان]]></author>
                <guid>13963</guid>
                <pubDate>Sat, 07 May 2022 00:44:51 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[اللاوعي والتحليل النفسي للدين]]></title>
                <link>اللاوعي-والتحليل-النفسي-للدين</link>
                <description><![CDATA[<p style="text-align:justify;"><strong><img class="image_resized" style="width:60px;" src="https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2018/08/%D8%A7%D9%94%D9%88%D8%B3-%D8%AD%D8%B3%D9%86-150x150.jpg" alt=""> أوس حسن</strong></p><p style="text-align:justify;">منذ بداية الهزات الفكرية التي شهدها عصر النهضة الأوروبي، والتي تمثلت في ثورة كوبرنيكوس في الفيزياء، وداروين في علم الأحياء انتهاء بفرويد وإلى الحداثة وما بعدها، ساهمت هذه الثورات والتحولات في نزع الطابع السحري عن العالم، وانتشال الإنسان من مخدر الدين، وهكذا رويدا.. رويدا بدأت حقيقة الحضور الإلهي تأفل من العالم المعاصر وبدأ المقدس يتلاشى، ليحل العلم محل الصلوات والسحر والشعوذة. هذا ما قدمه أيضا قبل ذلك الفيلسوف الأنثروبولوجي الألماني لودفيغ فيورباخ في كتاباته الفلسفية، وتحليله النقدي للدين في القرن التاسع عشر، فقد اعتبر أن أصل الدين نابع من شعور الإنسان بالتبعية، فارتباط الإنسان بالطبيعة هو أصل جميع الأديان، والإنسان يسد جميع ثغراته المعرفية والعلمية إلى وجود كائن متخيل يتحلى بصفات اللامحدودية والقوة والخلود.<br>كان لفكر فيورباخ الأثر الواضح في تطور المادية التاريخية عند ماركس ونقده العلمي للدين، لكن أمام هذا التقدم العلمي والتكنولوجي الهائل استبد بالإنسان شعور طاغ بالقلق وبالضياع وبالبحث المجدي عن الكينونة، فالعلم وما أفرزه من توحش مادي وحروب بين الأيدولوجيات، نزع عن الإنسان كل تأمل روحي وكل تجربة باطنية فردية من شأنها أن تنتشل الإنسان من جحيم القطيع بوصفه ترسا في آلة أو رقما في الجماعة.<br>في نهايات القرن العشرين شهد العالم انبعاثا متجددا للدين، وهذا الانبعاث الجديد كان يواكب قيم الحداثة وتطورات العلم، لكنه من ناحية أخرى خلق لنا مفاهيم متطرفة تتمثل في الهوية والعرق والمذهب. إذا كان البعض يعتقد أن التحليل النفسي للدين من شأنه دحر الدين وتبديد الأوهام الناتجة من اضطرابات وعصابات نفسية؛ إلا أن هناك جانبا يتماهى فيه التحليل النفسي مع الدين ويستخدمه كعلاج، وأن هناك جانبا آخر يرى في الدين مجرد ظاهرة تتشكل بنيتها من اللغة، وتؤثر في الذات بوصفها سابقة على تلك الذات.<br>بين حرمان الإنسان وعجزه عن مواجهة العالم، والصورة الأولى الثاوية في أعماقه عن الإله، والإله كبنية لغوية في اللاوعي، سوف تتحدد العلاقة بين الدين والتحليل النفسي، وهي ليست علاقة أحادية الجانب، وليست علاقة واحدة، فيتم ذلك من خلال ممارسة الخطاب الديني حسب محتواه وتطبيقاته العملية على أرض الواقع مع الطبيعة العلمية في ممارسة التحليل النفسي وبناء عليه سوف يتم تأويل العلاقة وفقا لثلاث توجهات: فرويد. 2-يونغ. 3-لاكان.<br>كتاب الديني والتحليل النفسي- الصادر عن دار الرافدين سنة 2021 في 167 صفحة من القطع المتوسط لمؤلفه فيليب جوليان وترجمة وتعليق جلال العاطي ربي – سوف يعالج هذه الإشكالية من خلال مفهوم اللاوعي وعلاقته بالدين، كما يراه هؤلاء الثلاثة من منظور التحليل النفسي.</p><p style="text-align:justify;"><strong>فرويد</strong></p><p style="text-align:justify;">يرى فرويد أن التدين ينشأ عند الإنسان من حاجات طفولية متأصلة في النفس، ويكون أساسها العجز الإنساني أمام ظروف وتقلبات الحياة، فالطفل في مراحله الأولى يعتمد على الأم والأب في تلبية حاجاته الأساسية، وعندما يأتي اليوم الذي يرى فيه الإنسان إنه بلا معين من والديه وقد احتجبا في حياته؛ هنا يكون في مواجهة الفراغ والعدم، عندها يتملكه شعور بالقلق إزاء هذا الاغتراب أو الاستلاب، فيكون هنا ميلاد الذات المتسائلة الناتجة كشرط من شروط الصدمة الأولى من صدمات الوجود الإنساني. وهذا المكتشف هو أنثروبولوجي في جينالوجيا فرويد للدين، وأساسها أن الأوهام الدينية هي رد فعل على العجز الضارب الجذور في الشرط الإنساني في وجه الأزمات والكوارث الطبيعية. أما المكتشف الثاني عند فرويد فهو ينبوع تاريخي يرتبط بأسطورة الطوطم والتابو المتمثلة في تحالف الأبناء لقتل الأب الأولي والبدائي، لكن بعد قتل الأبناء للأب يتحول الشعور بالكراهية إلى شعور بالحب، فيستبطن الأبناء النواهي والأوامر الطوطمية، ويضفون عليها هالة القداسة والسحر. وتتجلى هذه الأوامر في الثقافة والدين والبنية الاجتماعية. أما المكتشف الثالث عند فرويد فهو ينبوع نفسي يتمثل في عقدة أوديب من جهة، ومن جهة أخرى أزدواجية العلاقة مع الأب وفي الشعور بالذنب وتبكيت الضمير.<br>في الفصل الثالث من كتاب «مستقبل وهم» يتكلم فرويد عن الإنسان منذ البدء وكيف أضفى على القوى الطبيعية إرادية الأب المؤله إذ تقوم الآلهة بمصالحتنا مع قسوة القدر وتعويضنا عن الآلام والحرمان التي تفرضها الحياة المشتركة والمتحضرة على الإنسان. وإذا كان فرويد يفسر الاعتقاد الديني بالعودة إلى مرحلة الطفولة، وبتذكيرنا بالحماية الأبوية من قسوة الوجود؛ فإنه يرى أن من أخلاقيات التحليل النفسي نزع طابع القداسة عن صورة الأب، وكسر الحنين إلى الماضي المتمثل في صورته الأبوية التابعة. تشبه مقولة قتل الأب عند فرويد مقولة موت الإله عند نيتشه، لذا تعتبر مرحلة الحداثة وما بعدها عند فرويد مرحلة أقصت المركزيات المقدسة، ونجحت في كسر الصورة النمطية للآباء المتمثلين في السياسة والدين والأيدولوجيا، وفي كل مناحي الحياة.</p><blockquote><p style="text-align:justify;"><strong>والآخر الكبير عند لاكان ما هو سابق وما هو خارج عن الذات وأقوى منها، وقد يكون الآخر الكبير في الحياة اليومية وفي المجتمع، وقد يكون الله أو الأجداد، وكل ما يشغل منزلة فوق الآخر وقدرته، والآخر الكبير عند لاكان أيضا كل ما هو سابق على الذات وهو ما يجعلها تتشكل نفسيا من خلال الانخراط في اللغة وفي الخطاب، لذلك يصبح تأويل الوصية الدينية «أحب قريبك كما تحب نفسك» هو.. كن قريبا من نفسك الراغبة.</strong></p></blockquote><p style="text-align:justify;"><strong>كارل غوستاف يونغ</strong></p><p style="text-align:justify;">يعتبر الطبيب وعالم النفس السويسري كارل غوستاف يونغ من أهم مؤسسي علم النفس التحليلي، وأحد أهم مفاهيمه هو اللاوعي الجمعي، واللاوعي الجمعي عند يونغ هو شرط النفس في حد ذاتها باعتباره شرطا ثابتا ودائما ومطابقا لنفسه في كل الأمكنة، ويحتوي اللاوعي الجمعي على الغرائز والنماذج الأصلية الكونية. ففي كل إنسان هناك نموذج أصلي أو بدائي، وهو قاعدة لشرط التمثلات والتصورات المشتركة بين بني الإنسان، وتوجد هذه التمثلات في الأساطير والحكايات الشعبية وفي مظاهر الثقافة والتراث وتتمثل في الله والملائكة والشياطين وقوى الغيب الأسطورية، ويشكل هذا النموذج الأصلي البنية الأساسية للاوعي الجمعي. ينطلق يونغ في تحليلاته النفسية إلى كل ما هو أصيل وبدائي عند الإنسان، فالحياة الباطنية تنفتح على مجموعة من الرموز والتأويلات التي تأخذنا إلى عمق الأزمنة السحيقة؛ لذا يركز يونغ على مفهوم تجربة النومين عند الإنسان. وتدل التجربة النومينية على القوة الفاعلة والمؤثرة للألوهية، أي ذلك الشعور بالحضور المطلق للإلهي، فالنومين هو خشية ورهبة غامضة، وشعور بالتبعية تجاه ألوهية متعالية. تعتبر تجربة النومين عند يونغ من الأفراد الذين يعانون من اضطراب نفسي هي من الأشكال الرمزية المتأصلة في اللاوعي الجمعي، وتكون واضحة عند الذين يعانون من هذيانات وعصابات نفسية؛ لذلك فبعض الرموز والشيفرات اللغوية التي يتفوه بها هؤلاء المرضى النفسيون لها جذور في الأساطير القديمة وفي كلام الإنسان الأول. وفي نظر يونغ أن الله يربض في دواخلنا على شكل صورة نفسية هوامية لاواعية تتحكم في النفس، ويكون علاج المريض الحقيقي هو الوصول إلى النومين.<br>يرى كارل غوستاف يونغ أن الحداثة هي سبب انحطاط شنيع وتدهور، وقد ساهمت في قتل الروح والحياة الباطنية، لذلك فهي تقف وراء الحنين إلى الماضي وأطلاله ومن ثم العودة إلى كل ما هو أصيل ومتجذر في الذات الإنسانية. يدعو يونغ إلى اختبار تجربة جديدة مع الإلهي، وذلك ببث ماء الحياة في جذورنا البدائية، كي نقوي مجابهة الحداثة وقهر التناقضات، فالله حسب يونغ ليس مبتدعا كموضوع إيمان، ولا مرفوضا حتى، بل إن الله معترف به كجزء لاواع موجود قبل أن يوعى به، فالله هو النموذج الأصلي الذي يعبر عن حضوره المطلق في جهازنا النفسي.</p><p style="text-align:justify;"><strong>جاك لا كان</strong></p><p style="text-align:justify;">جاك لاكان أشهر طبيب ومحلل نفسي بعد فرويد، راجع معظم المفاهيم الفرويدية معتمدا بشكل خاص على البنيوية واللسانيات السوسورية. قام جاك لا كان بدراسة نصين لفرويد وهما «الطوطم والتابو» و»موسى وعقيدة التوحيد» وقد عمد إلى تفسير كلا النصين بوصفه عودة للأب ليس بذريعة العجز والوهن، لكن بدافع عقدة أوديب ويستنتج لاكان إن أسطورة قتل الأب، هي أسطورة زمن مات فيه الإله منذ الأزل.<br>يؤول لاكان نص الوصيتين الواردتين من إنجيل متى»محبة الله ومحبة القريب كمحبة النفس». إن المسيحية هي دراما تجسد بالحذافير موت الإله. في كتاب قلق الحضارة يعرب فرويد عن غرابة ودهشة عبارة «أحب قريبك كما تحب نفسك» فالحب شيء ثمين ونفيس، وليس من حقي أن أبدده سدى فالقريب في نظر فرويد ليس غريبا فحسب، بل ربما تسكن في طويته عدوانية وشر متأصلان، وخليقان بأن يكونا موضوعا لكراهيتي. في تأويل هذه الوصية الدينية في محبة القريب كالنفس، يرى جاك لا كان أن تحب قريبك يعني أن تتماهى معه وتقترب من العدم، وفي هذا الاقتراب المقلق من الآخر هو اللاوعي ذاته. وهنا تكون الأنا في صورة مرآة ذات بعدين عن طريق اعتراف الذات نفسها ببعد ثالث مثير للدهشة بقدرة على الخير والشر. فعندما نلتقي بالآخر القريب يجب أن نكون على مجاورة لصيقة بشرنا، فهنا محبة القريب تغدو كتدمير وإفساد للذات يتجاوز المحبة كمعرفة بمصلحة الآخر المفترضة أو خيره المأمول. فتتحول الذات من المحبة إلى الرغبة في الآخر الكبير، وهنا ينشأ السؤال: ما الذي تريد أن تجني من وراء قولك؟ أقول ما أقول لأطلب منك ما ترغب فيه أنت.<br>والآخر الكبير عند لاكان ما هو سابق وما هو خارج عن الذات وأقوى منها، وقد يكون الآخر الكبير في الحياة اليومية وفي المجتمع، وقد يكون الله أو الأجداد، وكل ما يشغل منزلة فوق الآخر وقدرته، والآخر الكبير عند لاكان أيضا كل ما هو سابق على الذات وهو ما يجعلها تتشكل نفسيا من خلال الانخراط في اللغة وفي الخطاب، لذلك يصبح تأويل الوصية الدينية «أحب قريبك كما تحب نفسك» هو.. كن قريبا من نفسك الراغبة.<br>اللاوعي والإله عند فرويد ولاكان<br>يعتبر اللاوعي عند فرويد هو بنية داخلية عصية على الفهم المباشر، وهو مقر للغرائز ويكون نتيجة رئيسة للكبت، فاللاوعي عند فرويد يضم محتويات يراقبها الأنا الأعلى ويمنعها من أن تطفو على سطح الوعي، أما اللاوعي عند لاكان فهو بنية خارجية وليست داخلية وتتشكل من خلال اللغة والخطاب، وآثارهما في الذات، فاللاوعي الذي له بنية تشبه اللغة يمكن الوصول إليه خارجيا عن طريق الهفوات التي تشمل سقطات الكلام والذاكرة، والأفعال وحتى النكات أيضا، وكل فعل من شأنه أن يفشل أمام الوعي ولا يستطيع الفرد أداءه عادة في الحياة اليومية، فيلصق فشله وعجزه بالصدفة أو السهو أو النسيان. إذا كان الإله بالنسبة لفرويد مجرد (عرض) وإن العصاب ينطوي على تدين فردي؛ فإن الإله في التحليل اللاكاني هو فكرة من بنات أفكار اللاوعي المبنية كلغة، يقول لاكان» إن كل إنسان مسكون بلوثة الدين حتى لو كان ملحدا، فالله يوجد حيث يستبد بنا نحن الكائنات البشرية العاجزة شعور بالحرمان، ولهذا فالله لاوعي.</p><p style="text-align:justify;">كاتب عراقي</p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[موقع 180 مقالات]]></author>
                <guid>13931</guid>
                <pubDate>Wed, 04 May 2022 15:49:18 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[عبد القاهر الجرجاني: الموسوعية سبيل للإضافة والتميز]]></title>
                <link>عبد-القاهر-الجرجاني-الموسوعية-سبيل-للإضافة-والتميز</link>
                <description><![CDATA[<p style="text-align:justify;"><strong><img class="image_resized" style="width:60px;" src="https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2018/08/%D9%85%D8%B5%D8%B7%D9%81%D9%89-%D8%B9%D8%B7%D9%8A%D8%A9-%D8%AC%D9%85%D8%B9%D8%A9-150x150.jpg" alt=""> مصطفى عطية جمعة</strong></p><p style="text-align:justify;">ولِد عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني في بلدة «جرجان» وهي إحدى المدن المشهورة، والواقعة بين طبرستان وخراسان، وإليها جاء نسبه، وقد كان فقيها أشعريا شافعيا ومتكلما أيضا، وتعلّم على يد أبي الحسين بن محمد بن الحسن الفارسي، وهو ابن أخت أبي علي الفارسي اللغوي المعروف، وعُدّ أبو الحسن بين العلماء إماما للنحاة بعد أبي علي الفارسي، وقد عكف عبد القاهر الجرجاني على دروس أبي الحسين الذي نزل في بلدته، ما جعله بارعا في علم النحو، ومن ثمّ ألّف كتابه النحوي «العوامل المئة» وإن كانت شهرته جاءت من خلال مؤلفاته البلاغية وأشهرها «دلائل الإعجاز» و»أسرار البلاغة» وتوفي عام 471 هـ وقيل عام 474هـ.<br>تميز عبد القاهر الجرجاني بامتلاكه منهجية واضحة في فكره البلاغي التي بلورها في نظرية النظم التي اشْتهر بها، وصاغها في كتابه دلائل الإعجاز نظريا وتطبيقيا، والتي يمكن قراءتها من مداخل عديدة، لكن لا بد من القول، إن أي نظرية نصية، تتوخى اكتمال الطرح والرؤية ودراسة بنية النص ودلالاته، لا بد من أن يكون السياق Contextجزءا أساسيا في تكوّنها، سواء تم التعبير عنه بشكل تنظيري مباشر، أو عبر ثنايا شرحها في أمثلتها وشواهدها وتطبيقاتها؛ فلا يمكن تحليل النص الأدبي عبر بنائه اللغوي فقط، لأن المعنى لا يفهم عن طريق اللغة وحدها، فلا بد من دراسة السياقات المختلفة التي يمكن أن ترتبط بما هو خارج النص، أو في النص نفسه، وأوجه المعطيات الدلالية المتعددة المتولّدة عن التأمل السياقي.<br>في ضوء هذا، نحاول قراءة جهود عبد القاهر ورؤاه في التنظير البلاغي وتطبيقاته من منظور «السياق» وكيف كان وعيه حاضرا لهذا البعد، الذي هو سمة أساسية في فكر عالم بلاغيٍّ، تعامل مع الشواهد النصية من منظور كلّي، فلم تشغله الجزئيات، ولم تأخذه المصطلحات عن الغوص في سياق الشواهد، ليقتنص ما يمكن اقتناصه على مستوى اللفظة والتركيب والعبارة والفقرة، وهو ما ساهم في تشكّل نظريته، وتدعيمها بأمثلة جعلتها قوية الحجة، ناصعة الرؤية.<br>وهو ما انعكس في جهود الجرجاني الملموسة في علمي المعاني والبيان البلاغيين، عبر ما سطّره في نظريته العميقة عن النظم القرآني، فقد انطلق من دراسته للجزئيات والمتناثرات والمفاهيم البلاغية مستفيدا من تبحّره في علم النحو، ليصل إلى نظريته الكلية، والتي يمكن البناء عليها وتطويرها لتكون نظرية كبرى في دراسة النص، خاصة أنها نابعة من صميم الثقافة العربية الإسلامية، باستنادها إلى النظم القرآني فهما وبناء وتطبيقا، وذات تأصيل نظري مسبق في علم الكلام، لذا يمكن القول إن الجرجاني في نظريته يمثّل الرؤية الكلية التي يستنبطها العالِم من التأمل الطويل والبحث الدائب في الأمثلة والشواهد، وعلى حد قول الشيخ رشيد رضا في تقديمه لكتاب «أسرار البلاغة» حيث يقول إن «العلم هو صورة المعلوم مأخوذة عنه بواسطة الإدراك، كما تؤخذ الصورة الشمسية بالآلة المعروفة، فإن كان المعنى المنتزع من الجزئيات قانونا كليا يرشد إليها، فهو القاعدة، وإن كان صورة تناسبا وتقربها من الفهم فهو المثل. (ذلك أن) القاعدة الكلية هي صورة إجمالية للمعلومات الجزئية، والأمثلة والشواهد صور تفصيلية لها».</p><blockquote><p style="text-align:justify;"><strong>تميز عبد القاهر الجرجاني بامتلاكه منهجية واضحة في فكره البلاغي التي بلورها في نظرية النظم التي اشْتهر بها، وصاغها في كتابه دلائل الإعجاز نظريا وتطبيقيا، والتي يمكن قراءتها من مداخل عديدة.</strong></p></blockquote><p style="text-align:justify;">وهذا سبب تميز الجرجاني، حيث وُفِّقَ في إبداع نظريته مستندا إلى موسوعيته: لغويا وبلاغيا وفقها وتفسيرا ونظريات كلامية، فمصطلح النظم نفسه كان شائعا في بيئة الأشاعرة، إذ كانوا يعللون إعجاز القرآن بنظمه، وأن الجاحظ أول من وضع هذا الاصطلاح، وعلل به أوجه الإعجاز، وشاركهم القاضي عبد الجبار في الرأي، مؤكدا أن الأسلوب والأداء والصياغة النحوية للتعبير هي سبب الإعجاز وليس الفصاحة (حسن اللفظ والمعنى) على نحو ما ذكر المعتزلة، وهو رأي ذكره محمد عابد الجابري في كتابه «بنية العقل العربي» (بيروت 1986). ويضيف الجابري أيضا أنه من المعلوم أن المتكلمين اختلفوا في بيان أوجه الإعجاز في القرآن، فهناك من رأوه معجزا بذاته، بمعنى أن البشر عاجزون بطبيعتهم عن الإتيان بمثله، وآخرون رأوه معجزا بتدخل الإرادة الإلهية التي منعت العرب وصرفتهم عن الإتيان بشيء مثله، ويعرف هذا الرأي بالقول بالصرفة».<br>ويُعَدُّ القاضي عبد الجبار مؤصِّلا لنظرية النظم، حيث قال في كتابه «المغني في أبواب التوحيد والعدل»: «اعلم أن الفصاحة لا تظهر في إفراد لكلام، وإنما تظهر في الكلام بالضم على طريقة مخصوصة، ولا بد مع الضم من أن يكون لكل كلمة صفة، وقد يجوز في هذه الصفة أن تكون بالمواضعة التي تتناول الضمّ» ويكاد يكون مفهوم الضم مساويا في الدلالة للنظم، إن لم يكونا في حقل دلالي واحد، يعني أن العبرة بالصياغة اللفظية المكتملة، والتي يسبقها قصد المتكلم (على طريقة مخصوصة).<br>هذا من جانب، ومن جانب آخر، فمن الملاحظ أن هناك تداخلا في بحوث الجرجاني في كتابيه؛ لعلوم البلاغة، البيان والبديع والمعاني في ثنايا مباحثه، دون تفرقة واضحة بين مباحث المعاني والبيان، على نحو ما يقول في «دلائل الإعجاز»: «إنك لا ترى علما هو أرسخ أصلا، وأبسق فرعا، وأحلى جنى، وأعذب وردا، وأكرم نتاجا، وأنور سراجا، من علم البيان، الذي لولاه لم تر لسانا يحوك الوشى، ويصوغ الحلي.. والذي لولا تحفّيه بالعلوم، وعنايته بها، وتصويره إياها، لبقيت كامنة مستورة».<br>ويعود التداخل إلى كون علوم البلاغة (البيان، البديع، المعاني) غير مكتملة بعد في زمنه، على نحو ما تم بعد ذلك في مرحلة متأخرة على يد السكّاكي (ت626هـ) والخطيب القزويني (ت 739هـ) ومن تبعهما، باستقلال علمي البيان والبديع عن المعاني، مع مزيد من التحديد في المصطلحات والمفاهيم.<br>أيضا، فإن مصطلح «البيان» في الحقبة السابقة لعبد القاهر وحتى عصره كان اسما جامعا ليس فقط لكل ما به تتحقق عملية الإفهام أو التبليغ، بل أيضا لكل ما به تتم عملية الفهم والتلقي، أو ما يمكن تسميته بــ»التبيّن». مما يرسّخ في وعينا المنطلقات الثقافية العربية والإسلامية لنظرية عبد القاهر، وأنه لم يكن معنيا بالتقعيد والتنظير مثلما فعل البلاغيون اللاحقون عليه، وإنما كان مهتما بتحويل طروحات المتكلمين السابقين إلى تطبيق ناصع البرهان على الشواهد من الآيات والأشعار.</p><p style="text-align:justify;">كاتب مصري</p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[موقع 180 مقالات]]></author>
                <guid>13924</guid>
                <pubDate>Wed, 04 May 2022 11:39:47 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[قلْ لي ما هو لون حصانك!]]></title>
                <link>قلْ-لي-ما-هو-لون-حصانك</link>
                <description><![CDATA[<p style="text-align:justify;"><strong><img class="image_resized" style="width:60px;" src="https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2020/05/%D8%AD%D9%8A%D8%AF%D8%B1-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D8%B3%D9%86-150x150.jpg" alt=""> حيدر المحسن</strong></p><p style="text-align:justify;">تمتاز الخيول الأصيلة عن غيرها في أنها تلعب دور جهاز الإنذار، فتعلن عن اقتراب الغزاة في اللّيل عن طريق دقّ الأرض بسنابكها. وأحسن الخيول هي الدُّهم، وتسمّى لدى البعض بخيول اللّيل، ويشبّه بلاد وادي الرافدين عند أهل السياسة بالحصان الأسود الجامح. وعلامة الفرس الأدهم الأصيل أنه يغيب في الضباب، وآخر ما يتلاشى منه دهمته، أو أنها تظلّ تتراءى في عيون الخيّالة إلى أن تقع العين منهم على ما يسرّ النفس؛ امرأة أو شجرة أو مملكة مسلوبة بحدّ السيف.<br>هذا الكلام يصلح للماضي، فكيف يكون كلامنا نحن أبناء اليوم؟<br>إنا نقول إن الدنيا ملوّنة مع الخيول، وأندرها هي البيض الصّافية، البُلق أفراس الملائكة، والحصان الأزرق هو الأشهب. ونقول: فرس كريم، وفرس جواد وفرس عتيق وفرس رائع، وكلّها من صفات الرجال. اللون الشائع في الخيول هو الكُميت، ومنه الكميت الشمسي، والكميت الناري، والكميت المشمشي، الكميت الحنّي، الكميت البندقي والتّمري. يقول بدر شاكر السيّاب: يا جواداً راكضاً يعدو على جسمي الطريح يا جواداً ساحقا عيني بالصخر السنابك رابطاً بالأربع الأرجل قلبي فإذا بالنبض نقرٌ للدرابك وإذا بالنار دربي لا يحتمل الشاعر الذي أبلاه السقم صورة حصان يعدو في البريّة، واختار أن يصف مرضه بهذا الأسلوب الغريب. الجواد يسحق عيني الشاعر بسنابكه، والدرب التي يعدو عليها تلتهب، لكن قلب الشاعر هو الذي ينبض بصوت الأرجل، تركض. إن الشاعر يستجير بقوى الطبيعة، والحصان أولها، بعد أن شمله اليأس من جهود الأطباء في سبيل شفائه من مرضه.<br>كلّ فنان يمتلك في رحلة عمره حصانه الخاص، وإذا كان لون فرسك يعيش في قلبك، تبقى الدنيا زاهية لك، وبعبارة أخرى قل لي ما هو لون حصانك، أقل لك من أنت: هل هو الكميت الأقتم، أم الكميت الأسفع، أم الكميت الأسحم؟ الكميت الأربد، الكميت الخمري، الكميت الزهري، الكميت الأشقر، الكميت الأصبح، الكميت الأصهب، الكميت الكركي، الكميت الأمغر، الكميت الأفدم، الكميت الأدلم، الكميت الأدغم، الكميت الأكهب، الكميت الجَون؟ سعدي يوسف لا يكتب شعرا عن جميع ما مرّ ذكره:<br>لم ننزل على خيولٍ مسوّمةٍ<br>فأطلقنا خيولَ الجنِّ…<br>تجدحُ..</p><p style="text-align:justify;">يخبرنا أورهان باموق في «اسمي أحمر» إنّ الرسّام يقوم بتصوير الحصان الذي يمليه عليه داخله، كما أن عليه رسم مئات الخيول في خمسين سنة من التّدريب المتواصل، وعند ذاك سوف يقوم بعمله في الظلام، لأن الرسّام الحقيقي يعمى خلال خمسين سنة من جرّاء كثرة العمل، وتحفظ يده رسم الحصان الذي يشبهه، ويكون عندها مصوّرا بهيئة حصانه الذي هو خاصّته، والذي يشبهه. رسم امرؤ القيس فرسه بأحد عشر بيتا في معلّقته، أشهرها:<br>مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ مَعًا كَجُلْمُوْدِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِنْ عَلِ كُمَيْتٍ يَزِلُّ اللَّبْدُ عَنْ حَالِ مَتْنِهِ كَمَا زَلَّتِ الصَّفْوَاءُ بالمتنزّلِ٫ ويلاحظ أن الملك الضلّيل أعطى لامرأته «عنيزة» من الشعر أبياتا مساوية في العدد لتلك التي رسم بها كُميته. للمتنبي، هو الآخر، حصانه، ومرسوم بدقة، بريشته: له فضلة عن جسمه في إهابه تجيء على صدر رحيب وتذهب٫<br>وخصّ الشاعر هذا الوصف بحصانه الذي أقلّه إلى مصر، حيث الحاكم كافور الأخشيدي، وقد ألهى الشاعر ما رأى في الدابة من كمال الخلق عن مهمته:<br>وما الخيل إلا كالصديق قليلة وإن كثرت في عين من لا يجرب إذا لم تشاهد غير حسن شياتها وأعضائها فالحسن عنك مغيب<br>الشيات: الألوان، جمع شية. هل كان لهذه الصورة أثر في ما كتبه الشاعر عن الوالي المصري، لمّا عاد خائبا من تلك الديار، وكيف نعت كافور بالعبد الذي يُباع والعصى معه؟ المعلوم أن الخيول الشريفة لا تُضرب بالعصا، أو بغيرها، وكانت العرب تقتصّ من لطمة الفرس، وتُعيَّرُ بذلك، وتطلب الثأر فيه. قالوا: لا تلطم الخيل بلطمة البعير، وقال الشاعر:<br>ونهدةٍ يُلطم الجاني بلطمتها كأنها ظلّ برد بين أرماح<br>وأفراس السّباق في الأصل خمسة، وسائسوها خمسة: فسُمّيت الفرس التي كان يركبها السّائس أيوب الصقلاوية، لصقالة شعرها، وسمّيت التي يركبها السائس شُوَيَّة أمّ عرقوب لالتواء عرقوبها، وفرس سبّاح أطُلق عليها اسم شويمة لشامات كانت بها، وسمّيت الرابعة كحيلة لكحل عينيها. أمّا الخامسة التي كان يركبها شِرّاك، فسمّيت عبيّه لأن عباءة شِرّاك سقطت على ذيلها، فظلت ترفعها بذيلها وتردها طيلة السباق. ولهذه الفرس أنشد مطرب المقام العراقي يوسف عمر أغنيته الشهيرة: «يالراكب على عبيّه | حوّل وارتاح شويّه» وأدّت الأغنية كذلك سميرة توفيق ونجوى كرم…<br>أصعب الخيول مراسا هي الصقلاوية. وقلتُ للسّائسِ «أيوب»: ـ تجمّلْ معها، واصبرْ، وعليكَ أن تصبرَ أكثر، فأنتَ «أيوب»! لكن السّائس كان يشكي، ويشتكي. قال لي: لقد عراني منها التّعبُ الكثير، والعناءُ الكثير. وحكى لي السائس شويّة قصّته مع أم عرقوب. قال: ميزة هذا الفرس أنه يُركب غير مسرّج ولا ملجم، وهو خفيف القياد، ويعدو بي مثل عُقاب طائر. بمجرّد أن أمسك عُرفه، وهو في أسرع عدْوه، فإنه يتوقّفَ. أما السائس الذي فاق الجميع في وصف علاقته مع حصانه فهو سبّاح، وحكى لي إنه حين يقبّل حافري فرسه شويمة تزهر مهاراتها في العدْو. فكّرت في تلك اللحظة كيف يمكنني رسم هذا المشهد، وهل يستطيع الرسّام نقل صورته التي تظهرها الواقعة لنا، وكيف تكون؟ثمة رائحة نتنة في الحظيرة: منذ عشر سنين قضى عمال التبن ليلتهم هناك، فلم تزايلها رائحتهم أبدا. ذكر تشيخوف هذا المشهد في دفتر تمريناته، ولم يستعمله في أيّ من قصصه.<br>نعود إلى باموق: «إن صدق النقّاش لا يظهر في المهارة، بل في الحالة العكسية، يظهر في زلة اللسان أو الخطا أو الانكسار أو الألم نتيجة الانكسار». وحدّثني السائس أيّوب بعد زمان، عندما التقيته في حانة «هوازن» وكان وجهه مذهّبا بدقيق خريفيّ لأنه تجاوز الستين من عمره. كانت أمامه زجاجتان من البيرة، وظلّ ينشد: لا تسَلْ عمّا أصابني | وذاك السرّ طيَّ شقرتِه | والغُرّةِ | العُذْرةِ الشّعثاءِ | والمتنِ اللاّحبِ… كان السّائس يدخّن، وطلب الزجاجة الثالثة، وكان يمنح نفسه للحديث. قال: السّرجُ ذهبيٌّ | النَّسَا يشبهُ عاليةَ الرمح | الحوامي مُخَضّباتٍ، وإن كانَ لم يُخْضَبِ | رسم أيّوب حصانه بصدق في هذه الكلمات لأنه كان منكسرا وحزينا. حدّثتني فتاة إنها كانت تركب فرسها، وتذكّرت ساعة وفاة أمها، وظلّت تبكي في صرخات مكتومة. الفرس تنطلق في الغاب، والفتاة تنتحب بصمت صارخ، ثم عادت الاثنتان إلى البيت، الفتاة وفرسها، وتعجّبت الفتاة حين رأت دموع الدابة تغرق خدّيها، وتقطر على الأرض. نفهم من هذا أن الخيول تشعر بالعدوّ القريب، وهو الحزن، مثلما تبلغها إشارات العدوّ الغازي من بعيد، فتظلّ تدقّ سنابكها على الأرض لتنبيه قومها. الفتاة التي كانت تنتحب يُعرف عنها أنها ذكية وشجاعة، ويعطينا هذا المشهد تفسيرا جديدا لبيت الشعر القديم:<br>ولا ينفع الخيل الكرام ولا القنا إذا لم يكن فوق الكرام كرام فلو تخيّلنا شخصا بليد الذهن، بطيء الفهم، إمّعةً كان يعلو تلك الفرس النجيبة، فهل تشعر بما يفكّر به؟<br>كان السائس أيّوب غائصا في ترتيله الكلمات كالمسحور. كان يغنّي بصوت زانه الحزن والشيخوخة والتعب، وجميع من في الحانة صار يصغي:<br>«لا رحَحٌ في الحوافرِ ولا اصْطِرارُ | كما أنّ وأبُهُ يدُقُّ حجرَ الجبل | الذيلُ ينزلُ فويقَ الأرضِ هيدبُهُ… وكلّ ذلك كان لي، ثم فقدتُه، لا تسلْ عمّا أصابني». أتمّ نشيده، وغادرني، ربما من فرط تأثّره، دون وداع.<br>وأختتم المقال بحديث عن الحصان الأسود الجامح:<br>كان الأمر يبدو طبيعيا تماما، الجدّ يرسم الخيول لأحفاده على الورق المقوّى، يحرّكها بالخيوط. يعلو هتاف الأطفال، والخيلُ تعدو، وتسرع. ثم اقتربت من خطّ النهاية، وشعّ وجه الشيخ بنار سعيدة. ساعةٌ قديمةٌ عاطلةٌ، بغتةً، تحرّكَ النابضُ فيها، والحصان الأدهم يبلغ خطّ النهاية. دقّتْ. أعلنتِ الفوز.</p><p style="text-align:justify;">كاتب عراقي</p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[موقع 180 مقالات]]></author>
                <guid>13922</guid>
                <pubDate>Tue, 03 May 2022 17:20:03 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[غادة السمان تكتب: كم أحترمهم أولئك الشجعان والشجاعات!]]></title>
                <link>غادة-السمان-تكتب-كم-أحترمهم-أولئك-الشجعان-والشجاعات</link>
                <description><![CDATA[<p style="text-align:justify;">لا أحب أي تغيير بين أصحاب البشرة السوداء أو البيضاء أو السمراء، وأقف ضد كل تمييز عنصري بسبب اللون حتى ولو كان ذلك احتفالاً في هوليوود في سهرة «السمراوات» ويقام سنوياً هناك منذ حوالي أربعة عقود ولا تحضره إلا داكنات السمرة، كالنجمة الأمريكية «مارساي ماتين»، كما قرأت في منبر مع صورتها. أعتقد أن الزمن الذي كان يميز بين البشر انطلاقاً من لون البشرة، الزمن (العنصري)، انتهى في نظر كثير من الأدباء والصحافيين، وأنا منهم.&nbsp;</p><p style="text-align:justify;">وزمن أغنيات عربية مثل: «يا بيضا يا حلوة يا ست الملاح. يا لؤلؤ يلالي يا نور الصباح» في مديح بيضاوات البشرة، أو أغنية «سمرة يا سمرة مرة بمرة شغلني هواكِ. دمك خفة وتاج العفة شغلني معك.. سمرا يا سمرا.. حلوة يا سمرا»، كمبارزة بين عشاق بيضاوات البشرة أو السمراوات. هذا انتهى.. وصرنا بحاجة إلى مقاييس جديدة للبشر، نساء ورجالاً، لا صلة له بلون البشرة، بل برحابة القلب والسلوك الإنساني. انتهى الزمن الذي تستمد بعض الأغاني والسهرات منها دماً عنصرياً وسلوكاً غير مباشر يميز بين البشر انطلاقاً من لون البشرة.</p><p style="text-align:justify;"><strong>الحيوانات المنزلية الأليفة</strong></p><p style="text-align:justify;">في تحقيق طالعتُه في مجلة فرنسية واسعة الانتشار (اوبس ـ العدد 365) وكان عن الحيوانات الأليفة لنجوم الغرب وهي تتراوح بين القطط والكلاب، ولاحظت أن معظم نجوم الغرب (يتبنون) كلباً أو قطاً (حذار من قول يشترون، فاسم اقتناء قط أو كلب في الغرب هو تبنيه) كما لو كان طفلاً! لفتني خروج نجمين من هوليوود عن القاعدة، وها هو النجم جورج كلوني المتزوج من محامية بريطانية شهيرة من أصل لبناني يتبنى خنزيراً ليكون حيوانه الأليف (!) بدلاً من القطط أو الكلاب، ونشرت المجلة صورة له يداعب خنزيره الحبيب! وبصراحة، أنا لا أشاركه هذه العلاقة العاطفية مع خنزير، على العكس من شعوري نحو النجمة الجميلة سلمى حايك، المتزوجة من أغنى رجل أعمال في فرنسا (الملياردير فرنسوا هنري بنيو)، فهي تعشق طائر البوم. وكما نشرت المجلة صورة جورج كلوني مع خنزيره الحبيب، نشرت صورة سلمى حايك مع بومتها الجميلة حقاً (في نظري فأنا من عشاق البوم) وأتمنى ألا يخسر الرجل الأكثر ثراء في فرنسا ماله لكيلا يقال إن البومة نحسة، وما أكثر الذين يتشاءمون من البوم الجميل وأنا من عشاق «شعب البوم»!</p><p style="text-align:justify;"><strong>كأن سواها لم تحمل بطفل!</strong></p><p style="text-align:justify;">النجمة الأمريكية ريهانا (ريحانة؟) تتصرف وكأنها المرأة الأولى في التاريخ التي تحمل وينتفخ بطنها، فهي تتصرف انطلاقاً من وهمها هذا! وأنا أنفر من استغلالها التجاري لصور حملها، إذ لم تعد ترتدي ثوباً إلا عاري البطن، ويتم التقاط صورها منذ حملها مع التركيز على انتفاخ بطنها (كما يحدث للنساء جميعاً منذ أيام آدم وحواء!) ترى، هل فكرت بشعور ابنها (ابنتها) حين تلد ويكبر الطفل، وهل سينفر من أمه التي استعملته أياماً كان في بطنها كذريعة تجارية مع ارتداء ثياب ثمينة مبتكرة لتعرية البطن المنتفخ؟ أتمنى لها ولادة مريحة لتريح أيضاً عيون القراء من هذه الصور التي تنتهك الأمومة الحقة ولا تفكر بشعور ابنها (أو ابنتها) حين يكبرون ويشاهدون ذلك ذات يوم.<br>للأمومة حرمتها وليست مادة دعائية إضافية لنجمة ثرية. وصورها في نظري لا تدعو للإعجاب ولا الاحترام.</p><p style="text-align:justify;"><strong>كم أحترمهم، نساء ورجالاً</strong></p><p style="text-align:justify;">في منبر أثق في أخباره، قرأت عن كفيف حصل على درجة الدكتوراه باللغة الإنكليزية في بلد عربي (المغرب)، واسمه حميد نبيل. وحصل سواه من المكفوفين والمكفوفات على الدكتوراه، لكن بلغات أخرى كالعربية والفرنسية. والدكتور حميد نبيل أول كفيف يحصل على الدكتوراه باللغة الإنكليزية. ولدي احترام خاص للذين يتغلبون على عاهة، وذلك ليس سهلاً، ويدعو للاحترام.<br>في الأيام الأولى لانتشار وباء (كوفيد)، كان سكان باريس يفتحون نوافذهم في الثامنة مساء ويصفقون للشجاعات اللواتي يعملن ممرضات في المستشفيات التي تحاول معالجة المرضى بالوباء.<br>وبعد اكتشاف اللقاح ضده، لم نعد نسمع التصفيق من نوافذ باريس للممرضات اللواتي لم تعد حياتهن في خطر بسبب اللقاح.. ولكن الكثير من النساء يعملن في حقول خطرة.</p><p style="text-align:justify;"><strong>المراسلات الحربيات للتلفزيونات</strong></p><p style="text-align:justify;">الشعور ذاته بالاحترام أحسه نحو الصحافيات المراسلات الحربيات التلفزيونيات كما في أوكرانيا هذه الأيام، وهن ينقلن لنا أخبار الحروب التي تدور حولهن ويحملن الميكروفون وكاميرا التصوير بكل شجاعة.<br>من طرفي، لا أجرؤ على القيام بعملهن بعدما عشت حرباً أهلية في لبنان، ولذا أعي مدى خطر عملهن على حياتهن وشجاعتهن التي تدعو للاحترام والإعجاب. والمرأة (مخلوقة) شجاعة في غالبها، وتذهب حتى إلى ساحات الحروب لنقل ما يدور، والمراسلات الحربيات يزداد عددهن، ونزداد احتراماً لشجاعتهن في ساحات الحروب. المرأة ليست كما كان يزعم البعض ناقصة عقل ودين.. إنها مخلوق شجاع من مخلوقات الله، وتقوم بأي عمل يقوم به الرجل، بل وتتفوق أحياناً عليه، والأنوثة ليست عاهة!</p><p style="text-align:justify;"><strong>السياحة ابنة الاستقرار الأمني</strong></p><p style="text-align:justify;">حين أذهب إلى بيروت أعود كمواطنة لا كسائحة، لكنني أتوجس شراً من عودتي خوفاً من واقع الحال: لا كهرباء، ولا ماء، ولا وقود لتغذية المحركات المنزلية المولدة للكهرباء. ولذا، لا أتوقع للبنان موسماً سياحياً زاهراً هذا الصيف، فالسياحة ابنة الاستقرار الأمني والرخاء، وحتى المهرجانات ستبدو اصطناعية في مناخ ليس فيه ما يدعو للتفاؤل، وبالذات بعد الانفجار في مرفأ بيروت الذي كان موقع أمان، حيث التقيت على باخرة ذاهبة (إلى أوروبا للعلاج) بالأديب الكبير طه حسين، رضي استقبالي بحكم صداقته مع أبي.. ذلك كله صار ذكرى، ولا أعتقد أن سائحاً واحداً سيأتي إلى بيروت هذا الصيف بعدما كان الموسم السياحي اللبناني يدر المال على لبنان، وكان كثير من أهل (الخليج العربي) يفضلون قضاء الصيف في «سويسرا الشرق» لبنان.. بدلاً من أوروبا.<br>وكان ياما كان.. لبنان..</p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[غادة السمان]]></author>
                <guid>13911</guid>
                <pubDate>Sat, 30 Apr 2022 17:44:20 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[تحسين يقين يكتب: عندما عادت الأسود إلى الحياة مرة أخرى]]></title>
                <link>تحسين-يقين-يكتب-عندما-عادت-الأسود-إلى-الحياة-مرة-أخرى</link>
                <description><![CDATA[<p style="text-align:justify;"><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(51,51,51);">هي الأيام دول. ولا تقف الحياة عند إنسان، وسيظل التغير قائماً.</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(51,51,51);">في ظل التحولات يتغير وضع البشر، خصوصاً في منظومات الحكم والسيطرة، والحروب ونتائجها، فلا أحد يظل على حاله، وبعد كل ذلك، سيأتي آخرون ليدرسونا كما درسنا من هم قبلنا، وسيظل السؤال، هل كان بالإمكان خير مما كان؟</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(51,51,51);">ويمكن للميثولوجيا أن تصاحبنا هنا، إن قدر للإنسان أن يعود من الموت الى الحياة، ما الذي سيفعله؟ وهل يمكن أن يعدل سلوكه؟</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(51,51,51);">عودة حزب ما للحكم، عودة نفوذ وقوة؟</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(51,51,51);">وأخيراً سيطل السؤال الحضاري داخل المجتمع الواحد، وبين الشعوب: هل يمكن أن نصل الى عقد اجتماعي يضمن الكرامة والعدالة والسلام بين أهل البلد نفسه؟ وهل يمكن أن نشهد علاقات دولية تقوم فعلاً على القانون الإنساني؟</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(51,51,51);">وهل يمكن أن تصحو ضمائر المستبدين فيختارون الحرية لشعوبهم ويرحلون بصمت؟</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(51,51,51);">وهل، وهذا الأهم لنا، هل سيتخلص الاحتلال من سوئه، فيجلو عن البلاد، باحثا عن أسلوب إنساني آخر للعيش؟</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(51,51,51);">والآن، لعلنا نعود أطفالاً قليلا:</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(51,51,51);">تقول الأسطورة، طبعاً كل وأسطورته، بأنه ذات نهار، حلت في المدينة تعويذة غريبة، فتحجر كل ما فيها، وبقي كذلك وقتاً لم يعرفه كثيرون، وتشاء الأيام، أن تزول التعويذة، فتلين الأجساد المتحجرة، فتعود للحياة ثانية. يعود كل شيء لأصله، وكأنما لم يكن ذلك التحجر الا حلماً، فاستأنف أهل المدينة حياتهم، كمشهد توقف وعاد.</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(51,51,51);">استرد البشر وكل الكائنات حيويتهم، ولكن بعد فترة قصيرة لاحظ أهل المدينة أسوداً حجرية، فاستغربوا وجودها، لكنهم في النهاية، حملوها من جوانب المدينة، ووضعوها في ساحتها العامة على شكل دائرة. وهكذا عاش أهالي المدينة مع تلك الأسود، وأبنائها، ومع الزمن خفت أسئلتهم عن أصل تلك الأسود.</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(51,51,51);">إلى أن كان يوم غريب آخر، حيث، كما تقول الأسطورة، قد تم حل التعويذة القديمة الخاصة بالأسود، فعادت للحياة، وهبطت من مكانها، حيث كان أهل المدينة يعيدون كل سنوات شكل وقفة تلك الأسود؛ وهكذا فما أن استعادت الأسود وعيها، حتى عادت سيرتها الأولى، حيث تدافع أهل المدينة مذعورين منها، فهجمت الأسود، وخلال وقت قصير خلت المدينة من الناس، وهرول رجال الشرطة بأسلحتهم لقتل الأسود، ولم يمنع هذا الوقت الطارئ من نقاش بين الشرطة والحاكم، عن الكيفية التي سيتم إيقاف هجوم الأسود.</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(51,51,51);">لم يكن ذلك سهلاً، فكان مشهد وجود الأسود مربكاً ومشوّقاً ومخيفاً؛ وامتلأت شرفات المدينة بالأعين التي تتابع الأسود.</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(51,51,51);">-&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp; من أين جاءت الأسود؟</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(51,51,51);">اقترب طفل من أمه قائلا: أنا أعرف!</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(51,51,51);">-&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp; ......................؟</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(51,51,51);">-&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp; رأيتها تنزل من دوار الأسود هناك.</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(51,51,51);">ربّتت الأم على رأس ابنها، مفسرة ذلك بأنه بسبب الخوف.</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(51,51,51);">لكن الطفل استمر:</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(51,51,51);">-&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp; انظري هناك، لقد اختفت الأسود الحجرية من الساحة..لقد رأيتها تنزل من هناك.</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(51,51,51);">وهكذا، فقد زادت روايات الأطفال، فهم وحدهم من شهد تحول الحجارة الى لحم.</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(51,51,51);">-&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp; شو يعني بدنا نرد على الأولاد الصغار..!</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(51,51,51);">-&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp; طيب وين الأسود الحجرية؟</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(51,51,51);">-&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp; أكيد حد سرقها!</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(51,51,51);">كان نهاراً صعباً لم تنسه المدينة، وقد طارد رجال الشرطة تلك الأسود، فاختفت، وبقي الناس مسجونين في البيوت، فقط ينظرون من الشبابيك والشرفات. ولما حل الليل لم ينم غير الأطفال.</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(51,51,51);">في اليوم التالي، استيقظ الناس على مشهد غريب، فقد تم رؤية الأسود الحجرية مبعثرة في شوارع المدينة، ولم يدر الناس هل يخرجون من بيوتهم أم يبقون!</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(51,51,51);">لكن طفلاً، كان قد تسلل من البيت، وحين التقت عيناه بعين الأسود، همس كلمات، فرآها وهي تتحول إلى حجارة مرة أخرى.</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(51,51,51);">قال لأمه:</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(51,51,51);">-&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp; بإمكانك الخروج؟</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(51,51,51);">-&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp; والأسود؟</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(51,51,51);">-&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp; اختفت. عادت حجارة مرة أخرى. لقد رأيتها تتجمد هناك..أقصد تتحجر.</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(51,51,51);">ربتت الأم على رأس ابنها، مفسرة ذلك بأنه بسبب الخوف.</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(51,51,51);">تنتهي الأسطورة بأن ذلك الطفل الذي يقال بأنه استخدم تعويذة لإرجاع الأسود حجرية مرة أخرى، قد مر بجانب الأسود، وأنه اقترب منها هامساً في أذن أحدها شيئاً، ما أثار دهشة أبيه:</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(51,51,51);">-&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp; ماذا؟ تتحدث مع حجارة؟</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(51,51,51);">-&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp; ......................</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(51,51,51);">لم يقل الطفل لأبيه ما قاله للأسد الحجريّ.</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(51,51,51);">كان قد همس له: مرة أخرى عندما تعود الى الحياة، لا تهاجم الناس، فيطول عمرك.</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(51,51,51);">وهكذا، أصدق الأطفال أم حلموا، فقد حمل الناس الأسود وأعادوا تشكيل وقفتها مرة أخرى، ولم ينسوا وضع سياج حديدي؛ حتى لا تهرب مرة أخرى!</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(51,51,51);">ويقال، أنه بعد زمن رسم فنانون هذه القصة، بل أن مجموعة هواة، عملوا الأسطورة رسوماً متحركة، حازت على مشاهدات عالية.</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(51,51,51);">ومهما كانت الأسطورة، فإنها تبقى أسطورة.</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(51,51,51);">هي تشبه قصص الأطفال، التي تحل تعويذة على أهل مدينة تجعلهم منحوتات حجرية. وهي تشبه اللعبة الشعبية لدى الأطفال «صنم»، وربما نجد لها ما يشبهها في أساطير قديمة في بلاد أخرى، تستلهم هذا الخيال، وأظن أنني شاهدت فيلماً سينمائياً قريب الشبه من هذا.</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(51,51,51);">كثيراً ما تعود الذكريات والتاريخ للحاضر كأنه الآن.</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(51,51,51);">ولعل حادثة ضرب أحد الأسود وابنه، قبل أشهر، قد أعادت الأسود للحياة مرة أخرى..وسأرى ابن أخي: زيد سعيد يقين خريج كلية الآثار قسم الترميم، وهو يتعاون مع طواقم من البلدية، لإعادة الأسد وابنه لحالتهما الأولى.</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(51,51,51);">لم نشهد في طفولتنا تلك الأسود، ونحن المولودون عام هزيمة عام 1967، وحينما رأيناها أول مرة، تساءلنا متى تم تصميمها؟ هل هي جديدة؟ فعلمنا أنها قديمة ..أين كانت؟ وهل لها قصة؟</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(51,51,51);">قال الكبار أنه كانت هنا يوما؟ لكن تم أسرها في مخازن بلدية رام الله.</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(51,51,51);">«قررت بلدية رام الله إقامة نصب فيها، فأوكلت المهمة لفنان من رام الله. نحت الفنّان على الحجر خمسة أسود، ووضعها على منصة حجرية، ومن حولها صنع بركاً صغيرة ومساكب للزهور، وأحاطها كلّها بدرابزين حديدي. تمثّل الأسود الخمسة العائلات الخمس الأولى في رام الله: إبراهيم، جريس، شقير، حسن، حسان. هذه ليست أسماء عوائل تمامًا، بل أسماء الأبناء الخمسة لمؤسّس رام الله راشد الحدادين، الذي وصل إلى هذا المكان في القرن السادس عشر هاربًا من الكرك».</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(51,51,51);">تم وصف الأسود الحجرية المستخدمة في النصب بأنها «الرموز التقليدية للشجاعة والقوة والكبرياء».</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(51,51,51);">لم يبقَ الأسود طويلاً في المكان، لأن الحاكم العسكري الإسرائيلي في المدينة أمر بإزالة الأسود من الساحة، فهل كان يهدف الحاكم العسكري المحتل إزالة الشجاعة؟</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(51,51,51);">ما لم يفكر به ذلك العسكري، هو أن أهل المدينة وفلسطين يزدادون دوماً شجاعة فوق شجاعة.</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(51,51,51);">تلك قصة حياة تلك الأسود.</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(51,51,51);">-&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp; مرة أخرى عندما تعود الى الحياة، لا تهاجم الناس، فيطول عمرك.</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(51,51,51);">-&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp; .................................!</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(51,51,51);">لربما يهمس الطفل أو يرفع صوته في كل الأزمان، لكل الناس، لكل النظم، للاحتلال، لكل ظالم.</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(51,51,51);">ولكن هل سيسمع الأسد والآخرون، في كل عودة حتى لا يحاكون فعلتهم الأولى: السيطرة.</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(51,51,51);">لكل ما وهب من أساطير وأحلام، وللمكان ما يثير خيالاتنا صغاراً وكباراً.</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(51,51,51);">هكذا وجدتني أحلم مع ذلك الطفل الذي اقترب من نصب الأسود، كم رغبت أن أعرف ما كان يهمس لها.</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(51,51,51);">هل كان يتحدث لها؟</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(51,51,51);">هل كنت من يتحدث معها؟</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(51,51,51);">كالحلم، وجدتني أرى ذلك الطفل يقترب من الأسود الحجرية قائلاً: مرة أخرى عندما تعود الى الحياة، لا تهاجم الناس، فيطول عمرك.</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(51,51,51);">ترى أين ذلك الحاكم العسكري المحتل؟</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(51,51,51);">هل ضمن إذعان الناس؟ وهل فكّر بمنحوتة أرانب (مع خالص الاحترام للأرانب).. في رام الله؟</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(51,51,51);">Ytahseen2001@yahoo.com</span></p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[تحسين يقين ]]></author>
                <guid>13909</guid>
                <pubDate>Sat, 30 Apr 2022 17:27:11 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[الشعر الفلسطيني … بحث عن رؤى جديدة]]></title>
                <link>الشعر-الفلسطيني-…-بحث-عن-رؤى-جديدة</link>
                <description><![CDATA[<p style="text-align:justify;"><strong><img class="image_resized" style="width:60px;" src="https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2018/08/%D8%B1%D8%A7%D9%85%D9%8A-%D8%A7%D9%94%D8%A8%D9%88-%D8%B4%D9%87%D8%A7%D8%A8-150x150.jpg" alt=""> رامي أبو شهاب</strong></p><p style="text-align:justify;">هل يمكن القول إن الشعر الفلسطيني بعد عام 2000 شهد تحولاً في الرؤية والتشكيل، وبوجه خاص على مستوي الوعي بالذات الفلسطينية؟ لقد بدا العالم في مطلع الألفية الثالثة مغايراً عما نعرفه قبل ذلك، ولنكن أكثر تحديداً لقد بدأنا نلمس هذا التّحول مع مطلع العقد الثاني من الألفية الثالثة، حيث أخذت تتضح معالمه مع انطلاق الثورة الصناعية الرابعة، التي تمظهرت على شكل سيولة أصابت شتى مناحي الحياة، وأبرزها وسائط التعبير التي ألقت ثقلها على المشهد الأدبي، فبدأت الكتابة تتجاوز فعل التلقي، أو نعني ذلك التلقي على مستوى التأمل العميق، كما الوعي بحدود التغاير، والتمييز بين الأدب الحقيقي، وفيض الكتابة الافتراضية التي بدأت تنتشر هنا وهناك، فأصبحنا لا نتمكن يقيناً ممن يكتب، ومن يمتلك التبرير لأن يكون شاعرا أو روائياً.<br>وبذلك فنحن أمام مشهد مغاير بالكلية عما كنا نألفه سابقاً، ولاسيما مع صدور مجموعة شعرية هنا أو هناك لشاعر ما، حيث كانت غالباً ما تخضع لرؤى وتأملات عميقة، في حين أننا الآن بتنا لا نعرف من يكتب؟ ومن يقرأ؟ غير أن هذا التحول كان يمثل جزءاً من تحول آخر يتصل بتداعيات اتفاقية أوسلو على المسألة الفلسطينية، كما توجد عوامل أخرى ربما ألقت ظلالها على المشهد الشعري الفلسطيني.<br>يتفق أكثر من دارس على أن الشعر الفلسطيني قد تميّز باتجاهين: شعر الثورة، وشعر المقاومة، في حين فرضت التحولات الجديدة شيئاً من الانحراف عن نبرة هذين الاتجاهين، ورؤاهما، مع بروز أجيال جديدة، بالتجاور مع الأسماء التي شكلت المشهد الشعري الفلسطيني التقليدي، التي سعت لأن تعيد إنتاج قصيدة جديدة تنحرف إلى حد ما عن هذين الاتجاهين، ولكن دون تحقيق قطيعة نهائية، غير أن التّحول يأتي تبعاً لظروف متعددة، حيث يمكن أن نرى في انحسار الخطاب الثوري، أو المقاوم بصيغته المألوفة، ولاسيما تلك التي ارتبطت مع حركة النضال القومي واليساري، عاملاً في تغيير الكثير على مستوى مضمون القصيدة، ونبرتها، وحتى رؤاها، وهذا جاء نتيجة التحول الأكبر أو الجذري في تعديل الموقف الفلسطيني، بعد توقيع اتفاقية أوسلو 1993 التي أحدثت تحولاً غير متوقع، ونعني تصدّع مشروع التحرير بصورته المثالية، التي تنهض على قواعد راسخة أهمها تشكيل علاقة الفلسطيني بفلسطين، ومشروع التحرر، ومن ذلك النفي القاطع للاعتراف إلا بفلسطين التاريخية قبل أن تقضم، وتتجزأ إلى قطاعات، بالتضافر مع نفي الوجود الكلي للمحتل الصهيوني.<br>لعل هذا المنظور قد أصيب بشرخ عميق ألقى ظلاله على تكوين القصيدة، فبات الشعر في مرحلة رمادية أو مرتبكة، مع التأكيد على أن هذا التحول قد احتاج إلى بعض الوقت كي يتمكن من استيعاب هذا المنعطف في العقيدة الشعرية الفلسطينية التي كانت تتمتع بحدية واضحة في كل ما يتعلق بفلسطين، حيث بدا المشهد مرتبكاً لهذا التحول، ومن ذلك إحداث تحول في رؤيته لقضيته، وهي صيغة لا يمكن أن نقول إنها اتخذت شكلا ثابتاً أو قاراً، إنما بدت في مرحلة انتقالية، وفي هذا الشأن، نرى أن بعض التحولات جاءت نتيجة دواعٍ في تحول المشهد الأدبي، بالتجاور مع بروز موجة كتابة الرواية، وما صحب ذلك من انتشار الجوائز المخصصة للرواية؛ ما أحدث بعض الأثر في انحسار الكتابة الشعرية على مستوى الكتابة العربية عامة، فضلاً عن ظهور منصات جديدة للنشر، ونعني تلك المنصات الافتراضية التي أحدثت بعض التحول في المشهد الإبداعي، كما صيغ الكتابة بحد ذاتها، حيث بدأت تجنح الكتابة في تكوينها إلى التأثر بسمات الأجواء الافتراضية، التي تتسم بميل نحو تتبع الحدث، أو التعجل، وفي بعض الأحيان السطحية، ولاسيما لمن لا يمتلك تجربة شعرية حقيقية، وهذا نتج عن مؤثرات هذه المنصة، بالتعاضد مع تغير الجمهور الذي يتابعه، ومن ذلك فقدان التراكم الثقافي للقارئ الرصين الذي كان يمتلك حاسة نقدية أشد وعياً لكونها تحتكم إلى ذاكرة ثورية.</p><blockquote><p style="text-align:justify;"><strong>لايمكن أن تكتسب الشعرية الفلسطينية تموضعها إلا عبر تعالقها البنيوي مع القضية الفلسطينية، بما في ذلك خطاب التحرر بوصفه مركزية، وهذا أمر لا يمكن أن ننكره بأي حال من الأحوال، كون الشعر يمتد في سياقات الإنشاء على مستوى مفهوم الخطاب، بالإضافة إلى تلك التقاطعات التي تضغط على الإنسان بما في ذلك الشاعر عينه.</strong></p></blockquote><p style="text-align:justify;">هذا التحول لا يمكن أن نعدّه حكما نهائياً، فعلى سبيل المثال يطالعنا الشاعر زكريا محمد – أحد أبرز الشعراء الفلسطينيين – بمجموعة شعرية نشر معظم قصائدها على صفحته الرقمية في موقف أقرب إلى العزلة، أو العزوف عن استثمار وسائط النشر التقليدي، غير أنه سرعان ما أصدرها في مجموعة أو كتاب بعنوان «كشتبان» 2014، وهنا نرى بأن هذه المجموعة، بدت ذات تأثير من حيث فرادة موضوعاتها، وأسلوبها ونزعتها الوجودية، فثمة تجربة ممتدة وراسخة، علاوة على تقاليد شعرية لدى هذا الشاعر، بالتجاور مع محاولة خلق نماذج للتجريب وابتكار رؤى حملت صيغة شاعر عُرف عنه أنه أحد أهم الأسماء الشعرية الفلسطينية المعاصرة، إذن يمكن القول إنها كتابة تعي ذاته، ولكن هذه التجربة، جاورتها مئات من المجموعات التي بدت ذات حضور ضئيل لم تحتمل أي أثر على الإطلاق لكون هذه التجارب لم تنطلق من وعي تجربة حقيقية، إنما جاءت في فضاء ما حملته أمواج الشاشات الزرقاء التي أتاحت سيولة النشر للعديد من الأصوات بالظهور عبر الاستفادة من هذه المساحة للنشر، فمعظم هذه الكتابات كانت تفتقر إلى الرؤية الشعرية العميقة، ولاسيما تلك المجموعات التي جاءت مع هذا الفضاء الجديد، عبر توفر منصات ومواقع ومجلات رقمية أغرقت الكتابة في فيض بدا من المستحيل متابعته، باستثناء ما تحول منه إلى مجموعات شعرية، وهي تبدو فوق القدرة على الإحاطة بها، علاوة على تواضعها فنياً ومضمونياً.</p><p style="text-align:justify;">وإذا كانت إمكانية الكتابة متاحة فإن القدرة على القراءة والوعي بالقصيدة قد انحسر بوضوح، فباتت الحالة أشبه بكتابة سائلة لا تستقر في وعي الجمهور، وهذا أدى إلى تراجع جماهيرية الشعر الفلسطيني الذي كان يرتبط في معظم الأحيان بمشروع سياسي وأيديولوجي، أو اتجاهات فنية، وفي معظم الأحيان اعتمد على مقولات الثورة والتحرير؛ ما يحيلنا إلى مزاج عام بدا بعض الشيء غير مؤاتٍ للكتابة الشعرية، ولاسيما في ظل ارتباط الشعر الفلسطيني قبل عام 2000 – أي بعد سبع سنوات من اتفاقية أوسلو- بمراحل شعرية تتصل عضوياً بالنسق الأيديولوجي الراديكالي بمظهريه الثوري والمقاوم، كما تمثله بعض النماذج (دحبور- القاسم- درويش- بسيسو- البرغوثي، وغيرهم).<br>وهنا نتوقف قليلاً للتأمل في نموذج التحول في شعر المقاومة بعد اتفاقية أوسلو، حيث بدا نموذج القصيدة، ونهجها أقرب للتخفف من سمات أهمها العاطفة، والمباشرة، والغنائية بغض النظر عن الاتجاهات، سواء أكانت واقعية أو رمزية أو أسطورية وغير ذلك.. كما مثلتها نماذج لكل من محمود دويش، وتوفيق زياد، ومعين بسيسو، وسميح القاسم، وفدوى طوقان، ومحمد القيسي، وعز الدين مناصرة، باختلاف كل تجربة، وخصوصيتها.<br>ختاماً، لا يمكن أن تكتسب الشعرية الفلسطينية تموضعها إلا عبر تعالقها البنيوي مع القضية الفلسطينية، بما في ذلك خطاب التحرر بوصفه مركزية، وهذا أمر لا يمكن أن ننكره بأي حال من الأحوال، كون الشعر يمتد في سياقات الإنشاء على مستوى مفهوم الخطاب، بالإضافة إلى تلك التقاطعات التي تضغط على الإنسان بما في ذلك الشاعر عينه، وأي محاولة لقراءة الشعر الفلسطيني خارج هذا السياق ستبدو مجتزأة لا تعبر حقيقة عن مشهدية الشعر الفلسطيني، وأبعاده كونها لازمة لا يمكن أن ينفك عنها، مع التأكيد على اتساع المقولة الشعرية، وأهمية البعد الجمالي، غير أن خصوصية المعنى الفلسطيني لا يمكن أن تتحرر سوى بتحرر الإنسان والوطن.. كون المعادلة هنا أكبر مما نعتقد؛ إنها تعني الوجود، ولا شيء غيره.</p><p style="text-align:justify;">كاتب فلسطيني أردني</p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[موقع 180 مقالات]]></author>
                <guid>13905</guid>
                <pubDate>Fri, 29 Apr 2022 16:18:26 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[جمالية الواقع بصيغة أخرى]]></title>
                <link>جمالية-الواقع-بصيغة-أخرى</link>
                <description><![CDATA[<p style="text-align:justify;"><strong><img class="image_resized" style="width:60px;" src="https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2018/08/%D8%B1%D8%B4%D9%8A%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D9%85%D9%86%D9%8A-150x150.jpg" alt=""> رشيد المومني</strong></p><p style="text-align:justify;">فور إثارتنا للإشكاليات المتمحورة حول آليات اشتغال التجارب الإبداعية، خاصة منها الشعرية، سوف يطالعنا ذلك التجاذب أو التفاعل النظري، القائم بين ثنائية الواقع والمتخيل، المعتمدة على بناء عوالم هذه التجارب. وهي الثنائية التي يتعامل معها كل من المبدع والباحث، بوصفها الخلفية الضمنية المؤثرة في استحضار توجهات فكرية وجمالية، قد يسودها التكامل والائتلاف، بقدر ما قد يسودها التعارض والاختلاف، انسجاما مع طبيعة القناعات المؤطرة للفعل الإبداعي، أو النقدي. وفي جميع الأحوال يظل سؤال الواقع محتفظا بمركزية حضوره، بوصفه قطب الرحى الأكثر إلحاحا، حيث يهمنا ضمن هذا السياق، الإحالة على التوجهات المتسمة بمواقفها التبخيسية، تجاه أي إنتاج إبداعي أو نظري، يتخذ من الواقع إطارا موضوعيا لاشتغاله.</p><p style="text-align:justify;">ومن المؤكد أن الغاية من هذه الإحالة، لا تعني بالضرورة تبني موقف مضاد من المكون التخييلي على حساب ترجيح كفة الواقع، بقدر ما تعني وضع طرفي الثنائية في سياقهما الطبيعي، وذلك بالنظر لاقتناعنا المطلق، بالأهمية القصوى التي نوليها لهما معا، سواء من جهة صياغة العمل الإبداعي أو مقاربته. والمراد بالسياق الطبيعي هنا، هو الدعوة إلى رد الاعتبار إلى مفهوم «الواقع» ضمن الشروط النظرية والأساسية التي يقتضيها تفاعله مع التجربة الإبداعية ككل. ذلك أن التوظيف الآلي الذي يتعرض له هذا المفهوم من قبل القرائح المبتذلة والجافة، هو أحد الأسباب المركزية المؤدية حتما إلى تشويه دلالته وتحجيم أبعاده، ما يؤدي إلى استبعاده بشكل تام من قبل التجارب المغرقة في جماليتها، خاصة حينما يتم الترويج له من منطلقات أيديولوجية، تميل إلى اختزاله في معادلات خشبية، قابلة للاحتراق السريع، حال وضعها على محك الرؤية الإبداعية والجمالية، التي تضيق بديناميتها خطوط السكك الأيديولوجية، المصابة بأحادية الرؤية. والحال أن الواقع حينما ينظر إليه في حركيته النابضة بالحياة، يتحول إلى سلطة حقيقية ليس للأثر الإبداعي أن يتنصل من مشروعيتها. مع التأكيد على أن كشف الغطاء عن هذه الحركية، والسعي إلى التفاعل معها، هو مربط الفرس في كل رحلة معيشة أو متخيلة داخل فضاءات الخلق والإبداع.</p><p style="text-align:justify;">ويتعلق الأمر هنا بجدوى امتلاك ما يكفي من التأهيل التأملي والجمالي لتمزيق الحجب، التي تحرص رتابة العادات وسكونية الأعراف على نشرها بين الوعي الفردي والجمعي، ومختلف التمظهرات التي تتجلى فيها حركية الواقع. باعتبار أن الدور المنوط بإملاءات العادات والأعراف، يتمثل أساسا في إنتاج بنيات ذهنية مجبولة على الخضوع التام، والإذعان السلبي لثوابت ومنظومات قيمية، من شأنها إكراه الذات على التقيد بقوانين دوغمائية، تحول دون اختراق حجب الظاهر، بحثا عن جوهر علاقاته المتخفية، والمؤثرة عمليا في إنتاج وبلورة ما يمكن اعتباره بشكل أو بآخر، «حقائق» تظل دوما بحاجة إلى المزيد من الاستيعاب، والفهم، والتأويل.<br>بمعنى، أن الكفاية التخييلية، تنهض أساسا على أرضية التمثل العميق للمعيش، للمرئي، وللملموس، بما هي عناصر مؤثرة بشكل كبير في نسج شبكة الواقع، حيث يمكن، ومن هذا المنطلق تحديدا، اعتبار التمثل العميق لإواليات اشتغال الواقع، أحد أهم الروافد التي يمتح المتخيل من دفق صبيبها. فالتخييل يرتقي بآليات اشتغاله، حينما يتخذ من الواقع سندا له، انطلاقا من نزوعه الممنهج إلى التقاط الجوهري والأساسي فيه، إلى جانب كشفه عن البؤر التي يتفجر منها ضوء القول.</p><blockquote><p style="text-align:justify;">ومن المؤكد أن طموح الكائن إلى إغناء طبيعته الإنسانية، يمر عبر مواجهته المعقلنة، لكل السلط التي تحول بينه وبين حقه المشروع في اقتراح الإبدالات المساهمة في تفكيك الواقع، وفي تطويره، وإغناء مسالكه وآفاقه.</p></blockquote><p style="text-align:justify;">ما يعني أن التنكر المطلق له، ليس في نهاية المطاف سوى الإقرار الضمني بالعجز عن تمثل ما يصطخب فيه من حالات ومواقف سيكولوجية، ومجتمعية، وفكرية، بفعل الافتقار إلى تلك الرؤية التركيبية، التي تقود الوعي الفني والجمالي، إلى ضبط ما يتواشج فيه من مقومات، يعود لها الفضل في إبداع الأعمال الكبيرة. وهو الرهان المركزي الذي تطالب فيه الذات المبدعة بإعداد ما يكفي من الزاد النظري والمعرفي، التي يمكن اختزالها في ضرورة الحد من ضراوة التعميمات، وتجاوز ما تمارسه على الإبداع من تعمية، تصرفه عن متعة النظر إلى تلك الخيوط الناظمة لحركية التفاصيل، بشقها المرئي واللامرئي، خاصة أن التعميم، هو الإطار المشترك، الذي تندرج فيه أغلب التعاقدات المجتمعية، المؤثرة بشكل مباشر في توصيف واقع، هو مهيأ سلفا لأن يكون موضوع تفاعل نفعي، وتبسيطي، من قبل الجميع. وكما هو معلوم، فإن هذا الإطار المبسط الذي يهيمن فيه الملمح الظاهري على أي باطن محتمل، هو الأكثر حضورا في الكتابات التسطيحية، التي يفقد معها مفهوم الواقع كل ما يمتلكه من إشعاع ومن جاذبية، ويحوله تلقائيا إلى لعنة لا يمكن التخلص من تداعياتها إلا بالإقبار التام والمطلق، لكل ما يمت إليه بصلة.<br>في حين، ثمة أكثر من إمكانية فكرية وجمالية، لإدراج كل الإبدالات المنهجية المتحفظة من مقولة الواقع، ضمن الخانة المنفتحة على إشكالياته، من منطلقات نظرية، قوامها المساءلة الجذرية لتمظهراته وتجلياته. وهي المساءلة التي يترتب عنها انبجاس واقع جديد ومختلف، هو امتداد للفعل التخييلي، باعتبار أن هذا الأخير، بمثابة مختبر يتحقق فيه شرط إخراج الواقع المتخفي من صلب الواقع المسكوك والجاهز. ما يدعونا للتأكيد بأن لا وجود لمتخيل يستقل ببنيته الكلية عن بنية الواقع المعيش، خاصة حينما تحجب سماواته أدخنة الحروب، التي تلهبها نيران الأحقاد الحضارية ومكائدها.</p><p style="text-align:justify;">وحتى في حالة تسليمنا باحتمال استقلالية بعض بنياته ومكوناته، عن الإطار العام الذي يندرج فيه، فسيكون مرد ذلك إلى أن الأمر لا يتعلق بشرط هذه الاستقلالية، بقدر ما يتعلق بنسياننا لها مؤقتا، في خضم اندماجنا المطلق مع إكراهات الآني والظرفي، التي تحول دون معاينتنا لها وتحيينها. ولعل أهم خاصية تتميز بها الطفرة الحضارية في المجتمعات المتقدمة، هي تلك المتمثلة في قدرة مختلف شرائحها، على تملك مختلف الإواليات المعقدة، والمؤهلة لاجتراح جوهر الحركة الكامنة خلف ما يوهم ظاهرها بأنه الواقع الفعلي والحقيقي، ولا شيء آخر عداه. علما بأن هذا الاجتراح، لا يمكن أن يتحقق إلا بالتعميم المنهجي للمعرفة، بما هي وسيلة إجرائية لضبط إواليات الواقع واستيعابها. أولا، بوصفه صيرورة متحركة في جميع الاتجاهات الممكنة والمحتملة، مع اعتباره شبكة علاقاتية، يتداخل ظاهر نسيجها بباطنها. وثانيا، بوصفه مادة قابلة للمساءلة، في استقلالية شبه تامة عن مختلف التوجهات السلطوية، التي تجبر الذات على تبني رؤية محددة ونهائية، لمفهوم الواقع. إذ كلما ألقى ليل السلطة بكلكله على عقول ونفوس العباد، إلا ودب الفتور في مفاصل الملكة الإبداعية والنقدية، وأفسح المجال للرؤية الأحادية البعد، كي تحكم قبضتها على اللحظة، سواء في تفاعلاتها المجتمعية، أو الجمالية.<br>ومن المؤكد أن طموح الكائن إلى إغناء طبيعته الإنسانية، يمر عبر مواجهته المعقلنة، لكل السلط التي تحول بينه وبين حقه المشروع في اقتراح الإبدالات المساهمة في تفكيك الواقع، وفي تطويره، وإغناء مسالكه وآفاقه. وهو السياق الذي يساهم إيجابيا في توسيع فضاءات اشتغال الكتابة، كلما أمست متحررة من بؤس الواقع المتكلس والجامد، أي، كلما أمست منذورة للارتقاء به، إلى احتمالاته الممكنة، والمستحيلة في آن.</p><p style="text-align:justify;">شاعر وكاتب من المغرب</p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[موقع 180 مقالات]]></author>
                <guid>13895</guid>
                <pubDate>Thu, 28 Apr 2022 18:18:04 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[سليمان صالح يكتب: الدراما التاريخية وبناء مجتمع المعرفة]]></title>
                <link>سليمان-صالح-يكتب-الدراما-التاريخية-وبناء-مجتمع-المعرفة</link>
                <description><![CDATA[<p style="text-align:justify;">التاريخ يوفر لصنّاع الدراما كثيرا من الفرص لجذب الجماهير، وبناء وعيها بهويتها، وتشكيل صورتها الذاتية، وكثير من الدول أصبحت تبحث في تاريخها عن الإنجازات والانتصارات التي يمكن أن تسهم في زيادة اعتزاز شعبها بالانتماء لها، وتثبت للعالم أنها قدمت إنجازات حضارية تاريخية، وشاركت في تطوير الحضارة الإنسانية.</p><p style="text-align:justify;">لكن البحث في التاريخ ورواية قصص كفاح الشعوب يحتاج إلى إرادة سياسية قبل الإمكانات التقنية والفنية. ففي نهاية القرن الـ20 بدأت كثير من الدول تدخل حرب الدراما التاريخية، وأخذت شركات الإنتاج تنشئ المسلسلات التلفزيونية التاريخية، وهناك تجارب مهمة تحتاج إلى دراسات متعمقة تحديدًا مثل تجارب بريطانيا وكندا وأميركا.</p><p style="text-align:justify;">وبناء الدراما التاريخية يحتاج إلى تحديد الأهداف، فهي لم تعد قضية إبداع فني يقدمه مؤلف ومخرج وممثلون، لكن هناك خبراء في مجال الصورة الذهنية والتأثير والدعاية والإعلام أصبح لهم دور تفوق أهميته جودة العمل الفني، والتقنيات المستخدمة فيه، وجاذبية الممثلين.</p><p style="text-align:justify;">إن المسلسلات التي تقدمها شركات الإنتاج الأميركية والبريطانية والكندية تعمل لتحقيق أهداف سياسية واجتماعية وثقافية بعيدة المدى، من أهمها بناء الصور الذهنية والنمطية.</p><blockquote><p style="text-align:justify;"><strong>القيادة الأصيلة هي التي تمثل امتدادا لكفاح الشعب، وتستلهم تجاربه التاريخية، والمنظومة القيمية التي أنتجتها هذه التجارب، وتستخدمها في بناء المستقبل. لذلك فإن قصص القيادات الأصيلة التي استلهمت منظومة القيم الناتجة عن التجارب التاريخية، وكافحت لتحقيق الأهداف المرتبطة بها، ومن أهمها العدل والحرية والاستقلال، يمكن أن تكون مادة لدراما تاريخية تسهم في إعداد جيل جديد من القادة، وتعلّم الشباب قيم القيادة وأخلاقياتها.</strong></p></blockquote><h2 style="text-align:justify;"><strong>اتصال عبر الثقافات</strong></h2><p style="text-align:justify;">المسلسلات التاريخية أصبحت تشكل مجالا مهما للاتصال عبر الثقافات، فهي تؤثر في كثير من الشعوب وتسهم في بناء علاقات طويلة المدى معها عن طريق التعاطف مع قضاياها، وأنسنة قصص كفاحها، وتمجيد أبطالها، والإعجاب بقيمها وإنجازاتها.</p><p style="text-align:justify;">لذلك أصبحت الدراما التاريخية عابرة للثقافات، وتحمل رسائل للشعوب الأخرى، وتسهم في بناء الصورة الذهنية لدولة أو أمة، وتوسّع قاعدة القيم والأهداف المشتركة التي يمكن أن تكون أساسا للتعاطف وتبادل المصالح والمشاركة في الكفاح لتحقيق أهداف عظيمة مثل مقاومة الاستعمار.</p><p style="text-align:justify;">لذلك فإن إنتاج المسلسلات الدرامية التاريخية لا يكون بهدف التسلية، أو تحقيق المتعة للمشاهدين، ولكنه عملية تهدف إلى تحقيق كثير من الأهداف السياسية والثقافية. عملية تحويل تاريخ الدولة إلى دراما هي اتصال عابر للثقافات يسهم في زيادة حضور الدولة على المستوى العالمي بثقافتها وقيمها وإنجازاتها التاريخية، لذلك فإن المسلسل ليس مجرد أحداث تحظى باختيارها من التاريخ ولكنه يجب أن يصوّر الحياة في حقبة تاريخية، وتفاعل الناس مع الأحداث، وكفاحهم من أجل التغيير.</p><p style="text-align:justify;">هذا يعني أن الدراما التاريخية ليست تاريخا يُكتب باستخدام المناهج العلمية، ولكنه عملية تصوير للحياة باستخدام الصورة والتفاعل والمشاعر الإنسانية والكلمات والرسائل.</p><p style="text-align:justify;">مع ذلك فإنه لكي نحافظ على مصداقية الدراما التاريخية يجب الالتزام بصحة الأحداث، وتجنب التحيز والظلم والتضليل والتزييف، واحترام الأخلاقيات وقيم الصدق والعدالة، لأن مصداقية الدراما التاريخية من أهم أسس جودة العمل الفني.</p><h2 style="text-align:justify;"><strong>الذاكرة الجمعية</strong></h2><p style="text-align:justify;">والدراما التاريخية تسهم في بناء الذاكرة الجمعية للشعب أو الأمة، وهي ضرورة لحياة الأمم والدول، كما أن التجارب التاريخية تسهم في بناء المستقبل، وترشيد عملية اتخاذ القرارات. وكما أن الفرد الذي يفقد ذاكرته لا يكون هناك معنى لحياته، ويفقد رغبته في استمرارها، ويتمنى الموت، كذلك الشعب الذي يُحجب تاريخه عنه، ولا يجد من يروي قصته، فإنه يفقد القدرة على البناء والإنجاز والإبداع.</p><p style="text-align:justify;">هذا يعني أن الدراما التاريخية يمكن استخدامها لتنشيط الذاكرة الجمعية والمحافظة عليها وتحفيزها، ونقل التراث الثقافي عبر الأجيال بكل ما يحمله هذا التراث من مبادئ وقيم تشكل اتفاقا بين أفراد الشعب ومؤسسات الدولة. هذا الاتفاق على المبادئ والقيم يشكل أساسا للحكم، فلا يمكن أن تنجح تجربة ديمقراطية في دولة إذا لم يتفق الشعب على منظومة قيمية تُستلهم من تجربته التاريخية التي تتميز بالضرورة عن تجارب الآخرين.</p><p style="text-align:justify;">إن نجاح القيم الديمقراطية في دولة لا يعني بالضرورة إمكانية نجاحها في دولة أخرى، فهذه القيم يجب أن تكون نابعة من تجارب تاريخية، يعتز بها الشعب، ويرى أنها تشكل إنجازا حضاريا له. وهناك كثير من الدول التي أهدرت تجاربها التاريخية، ولم تتمكن من الاستفادة منها لأن حكامها قاموا بإخفاء تلك التجارب، ومنعوا عملية تصويرها وتقديمها للأجيال مثل تجارب الكفاح الوطني.</p><h2 style="text-align:justify;"><strong>من مؤهلات القيادة</strong></h2><p style="text-align:justify;">كل الشعوب تحب القصص بخاصة تلك التي تتعلق بكفاح الآباء والأجداد وبطولاتهم، ولذلك فإن رواية قصص هذا الكفاح من أهم مؤهلات القيادة. إن القائد الذي لا يستطيع أن يروي قصة كفاح شعبه والإنجازات الحضارية التي قدمها لا يمكن أن يحقق نجاحا في الحكم الديمقراطي، ولكنه يمكن أن يستمر في السلطة باستخدام القهر، مع أنه يدرك أن شعبه يكرهه ويتمنى أن يشهد لحظة الخلاص منه.</p><p style="text-align:justify;">كما أن القيادة الأصيلة هي التي تمثل امتدادا لكفاح الشعب، وتستلهم تجاربه التاريخية، والمنظومة القيمية التي أنتجتها هذه التجارب، وتستخدمها في بناء المستقبل. لذلك فإن قصص القيادات الأصيلة التي استلهمت منظومة القيم الناتجة عن التجارب التاريخية، وكافحت لتحقيق الأهداف المرتبطة بها، ومن أهمها العدل والحرية والاستقلال، يمكن أن تكون مادة لدراما تاريخية تسهم في إعداد جيل جديد من القادة، وتعلم الشباب قيم القيادة وأخلاقياتها.</p><p style="text-align:justify;">وهناك كثير من القادة العظماء في التاريخ الإسلامي يمكن أن تشكل قصص حياتهم وكفاحهم أساسا لبناء صناعة دراما تاريخية تحفز الشعوب للكفاح وبناء المستقبل، والاعتزاز بالذات والهوية. وتوضح تجربة فيلم عمر المختار أن الشعوب تحتاج إلى معرفة سير أبطالها وقادة كفاحها، فالشعوب العربية تحرص على مشاهدة هذا الفيلم بشكل متكرر لأنه يثير فيها الاعتزاز بالكفاح ضد الاستعمار، ويبني قوتها المعنوية في مواجهته على الرغم من عدم امتلاك القوة المادية.</p><p style="text-align:justify;">والشعوب تحب البطولة والأبطال، لذلك تشكل قصصهم أساس الدراما التاريخية، كما أن هذه القصص تسهم في بناء الأجيال الجديدة، وإعدادها للدفاع عن الأرض والقيم والمبادئ وهي عملية مهمة لبناء قوة الدول واستمرارها. والاستقرار لا يكون بإشباع الاحتياجات المادية للشعب، أو حفظ الأمن، فالدراما التاريخية تستخدم لإشباع احتياجات الشعوب لتقدير الذات، والاعتزاز بالهوية، وتقوية الانتماء للأمة، ومعرفة رموزها وتاريخ أبطالها وكفاحها من أجل الحرية، وهذه الحاجات الإنسانية المتميزة أهم من حاجة الشعوب للخبز والأمن، لذلك يمكن أن تقوم صناعة الدراما التاريخية بدور مهم في بناء الدول والمحافظة عليها وزيادة حضورها العالمي.</p><h2 style="text-align:justify;"><strong>الدراما التاريخية وبناء المجتمعات المعرفية</strong></h2><p style="text-align:justify;">والمستقبل يقوم على استثمار الدول لتاريخها في بناء مجتمعات معرفية، وإقامة اقتصادها على المعرفة، لذلك تتزايد حاجة الدول إلى تعليم التاريخ للشباب، وتحفيزهم لاكتشاف كنوزه المعرفية التي تسهم في تشكيل ثقافة الشعب، وتزيد قدراته على الإبداع وإنتاج المعرفة، ومن ثمّ يمكن أن تسهم الدراما التاريخية في بناء المجتمعات المعرفية، وفي تحفيز الشعب لإنتاج المعرفة وتبادلها مع الآخرين.</p><p style="text-align:justify;">إن الشعب الذي يستورد المعرفة، ولا يقوم بإنتاجها لن يكون له دور في القرن الـ21، والتاريخ هو الذي يمكن أن يزيد قدرات الشعب ورغبة أفراده في الكفاح لاكتشاف أسرار الكون والإبداع والابتكار، فعندما يشاهد الشباب قصص آبائه وأجداده وكفاحهم وبطولاتهم فإن عزيمته تزداد مضاء، وإرادته تزداد قوة للبحث والعمل وإنتاج الأفكار، والمشاركة مع الآخرين في تحقيق أهداف مشتركة.</p><p style="text-align:justify;">والشعوب والدول تحتاج إلى دراما تاريخية تتميز بالمصداقية والجودة، لذلك يجب أن تخطط الدول لتأهيل الباحثين في مجال التاريخ ليقوموا باكتشاف تجاربها التاريخية وإنجازاتها، وتفسير التاريخ باستخدام مناهج وأدوات علمية جديدة، وليعملوا على تحرير التاريخ من تلك الخرافات العنصرية الغربية التي أنتجها المستشرقون اعتمادا على ألف ليلة وليلة.</p><p style="text-align:justify;">إن الجيل الجديد من الباحثين الذين يتميزون بالجرأة والشجاعة يمكن أن يبنوا الأساس العلمي لصناعة دراما تاريخية تعيد للأمة ذاكرتها الجمعية، وتحفزها للانطلاق في مرحلة جديدة من الكفاح ضد الاستعمار وبناء مجتمع المعرفة، وتحقيق الاستقلال السياسي والاقتصادي والثقافي والحضاري.</p><p style="text-align:justify;">وبناء تلك الصناعة يمكن أن يكون من أهم الإنجازات الحضارية للأمة في القرن الـ21، ويمكن أن تسهم في زيادة قوة الأمة، وانطلاقها لبناء مجتمع المعرفة، لذلك فإنني أكافح لبناء الأساس العلمي لصناعة دراما تاريخية عربية تسهم في تحقيق نهضة الأمة وبناء مجتمع المعرفة.</p><p><img class="image_resized" style="width:60px;" src="https://www.aljazeera.net/wp-content/uploads/2021/03/Screen-Shot-2021-03-02-at-8.02.26-AM-e1616082398518.png?resize=96%2C96" alt="سليمان صالح"><strong>سليمان صالح</strong></p><p>أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة وعضو مجلس الشعب في برلمان الثورة ووكيل لجنة الثقافة والإعلام بالمجلس 2012</p><p><br>&nbsp;</p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[موقع 180 مقالات]]></author>
                <guid>13884</guid>
                <pubDate>Wed, 27 Apr 2022 17:51:22 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[رحيل الشاعر العراقي زهير بهنام بردي]]></title>
                <link>رحيل-الشاعر-العراقي-زهير-بهنام-بردي</link>
                <description><![CDATA[<p style="text-align:justify;"><strong><img class="image_resized" style="width:60px;" src="https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2018/08/%D9%85%D8%B1%D9%88%D8%A7%D9%86-%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%84%D9%8A%D9%85%D9%8A-%D9%86%D8%AA-150x150.jpg" alt=""> مروان ياسين الدليمي</strong></p><p style="text-align:justify;">توفي أمس الثلاثاء 26 نيسان/إبريل في العاصمة العراقية بغداد الشاعر زهير بهنام بردى، إثر ازمة قلبية مفاجئة، والراحل من مواليد محافظة نينوى 1951، وهو عضو في اتحاد الأدباء والكتاب العرب واتحاد الأدباء والكتاب العراقيين، وشغل منصب نائب الأمين العام لاتحاد الأدباء والكتاب العراقيين، كما تولى لعدة دورات إدارة المكتب الثقافي السرياني في الاتحاد.<br>أولى نصوصه الشعرية نشرها عام 1973في جريدة «الرسالة» التي كانت تصدر في مدينة الموصل، ومن بعدها بدأ يؤكد حضوره المميز عبر نصوص ومجاميع شعرية رسخت اسمه في المشهد الشعري العراقي.<br>شكَّل الراحل مع شقيقه القاص هيثم بردى والشاعر الراحل شاكر سيفو منذ مطلع سبعينيات القرن الماضي، أبرز ثلاثة مثقفين أنجبتهم بلدة قره قوش التابعة لمحافظة نينوى، حيث كان الثلاثة على قدر كبير من الاهتمام والوعي بجذورهم العراقية الأصيلة وبملامح ثقافتهم السريانية، وطيلة العقود الخمسة الماضية لم يتوقف عطاؤهم الإبداعي كذلك مساهماتهم في الأنشطة والفعاليات الثقافية التي تقام داخل وخارج العراق، وما تجدر الإشارة اليه في هذا السياق أن المبدعين الثلاثة وفي مقدمتهم الراحل زهير بردى، دائما ما كانوا يستذكرون في الحوارات الصحافية التي تُجرى معهم الفضل الكبير للشاعر الراحل معد الجبوري في اكتشاف موهبتهم أثناء دراستهم في المرحلة الإعدادية، حيث كان الجبوري مدرسا لمادة اللغة العربية في ثانوية قره قوش، التي كانوا طلابا فيها، فكان لوجوده في تلك الفترة من حياتهم الأثر الكبير في رعايتهم وتحفيزهم على مواصلة الكتابة الإبداعية.<br>وفي ما يتعلق بتجربته الشعرية فإن أبرز ما تشي به نصوصه تلك الرموز والدلالات التي كان يحرص على ان يستعيرها من الأساطير الرافدينية، التي قدمتها للبشرية حضارات سومر وأكد وآشور، إلى جانب تلك الاستعارات التي كان يشحذ بها صوره الشعرية والمستوحاة من العناصر الواقعية المعاصرة، ولا شك في أن بردى في القراءات النقدية يعد واحدا من الأسماء المهمة في الجيل الشعري السبعيني، الذي أضفى حيوية ودفقا جديدين في الشعرية العراقية حال إعلان حضوره في خريطة الشعر العراقي، ومن أبرز أسماء ذلك الجيل: سلام كاظم، خزعل الماجدي، رعد فاضل، كمال سبتي رعد عبد القادر، هادي ياسين، زاهر الجيزاني، شاكر مجيد سيفو.<br>وحول رحيل الشاعر بردى أصدر مكتب وزير الثقافة العراقية حسن ناظم بيانا جاء فيه : «نقدم تعازينا إلى الأوساط الأدبية والثقافية برحيل رمز من رموز ثقافة التعايش والسلام، والصوت المعبر الأصيل عن لون من ألوان الأدب العراقي ألا وهو الشاعر زهير بهنام بردى، وندعو الله أن يتغمده بواسع رحمته ويلهم ذويه ومحبيه الصبر الجميل».</p><p style="text-align:justify;"><img src="https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2022/04/12-7.jpg" alt="" srcset="https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2022/04/12-7.jpg 900w, https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2022/04/12-7-768x463.jpg 768w, https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2022/04/12-7-735x443.jpg 735w, https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2022/04/12-7-296x178.jpg 296w" sizes="100vw" width="900"></p><p style="text-align:justify;">كما نعته رئاسة الاتحاد العام للأدباء والكتّاب في العراق بكلمة عبرت فيها عن هذا الفقدان: «وداعاً أيها الوديع الأليف المبدع الكبير، لقد فقدت الثقافة العراقية اليوم رمزا كبيرا من رموزها، كما خسر الاتحاد قطبا مهما من أقطابه، المجد لروحك التي ستظل مرفرفة في رحاب الوطن، ويمامات العزاء لكل البلاد التي لم تكفَّ يوما عن خدمتها ووصف جمالها، أيها الشاعر والاسم الوطني الراسخ، والبصمة التي لا تتكرر».<br>أما الشاعر رعد فاضل الذي ارتبط بصداقة طويلة مع الراحل بردى، حيث تزامنت بدايتهما في مواجهة الكتابة الشعرية مطلع سبعينيات القرن الماضي في مدينة الموصل، ومن هنا عبّر عن حزنه الشديد لهذا الفقدان قائلا: «زهير بهنام واحد من ألمع الذين مروا بحياتي، غير أنه ليس مرور عابري السبيل، وإنما مرور مليء بالجمال والصداقة والنُّبل والكتابة. أعرف أنّ روحه قد هدأ روعها بعد أن التقت بابنته الفقيدة، وصديقه الأثير شاكر سيفو». يذكر ان بردى كان قد فقد ابنته الشابة «سرى» عام 2019 وهذا ما ترك أثرا مؤلما في داخله لم يستطع أن يحتمله.<br>وعن رحيله كتب القاص والروائي بيات مرعي «لن يتوقف قلب الأديب حتى لو فارق الحياة فنبضه يتشكل في جَسدِ ذكراه وجَسدِ إرثه الخالد في عمرٍ يتجدد كل يوم، مثل شجرة ماتت أغصانها وما زال غصن فيها متمسكا بخضرته ليجلب الحياة من جديد لأغصان ستولد في ما بعد، هكذا أقرأ سيرة الشاعر الراحل أخي وصديقي زهير بهنام بردى، الذي ترك لنا أوراقه الخضراء بعد أن دون فيها كل نصوصه الشعرية، ستبقى حاضراً معنا يا زهير بطيبة قلبك الكبير وروحك الشفافة وأثر خطواتك التي ظلت تجري خلف الشعر كطفل جميل بريء يتسلق شجرة الخلد، وسنظل نقرأ ما كتب وما كان يجول في نفسك عسى ان نعيد فهمك من جديد هنا او هناك».<br>سيرته الذاتية تشير الى أنه أصدر عديد المجاميع الشعرية منها: «غدا يكون الوقت قد فات» 1996، «مصحات للحب والخرافات» 2000، «ظل أنيق لشكلي» 2000، «عشر أصابع من دمع الشمع» 2005، «الجسد أمامي واحفادي فانوس» 2009، «نصوص تشبه عينيك» 2010، «المكان إلى الأبد» 2010، «الليل إلى الآن» 2011.<br>وسبق له أن فاز بجائزة الشعر التي أطلقتها عام 1975 مجلة الفكر المسيحي، كما نال جائزة شمشا الشعرية التي سبق أن أقامها موقع عنكاوة الإلكتروني عام 2009، وفاز أيضا بجائزة ناجي نعمان اللبنانية عام 2019.<br>آخر مشاركاته الثقافية كانت في مهرجان أكيتو الشعري في منتصف شهر إبريل 2022 في مدينة دهوك، الذي نظمه اتحاد الأدباء السريان بالتعاون مع المكتب السرياني في اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين المركز العام.</p><p style="text-align:justify;">كاتب عراقي</p><p><img src="https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2022/04/13-3.jpg" alt="" srcset="https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2022/04/13-3.jpg 900w, https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2022/04/13-3-768x463.jpg 768w, https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2022/04/13-3-735x443.jpg 735w, https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2022/04/13-3-296x178.jpg 296w" sizes="100vw" width="900"></p><p>&nbsp;</p><p><br>&nbsp;</p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[موقع 180 مقالات]]></author>
                <guid>13880</guid>
                <pubDate>Wed, 27 Apr 2022 17:16:18 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[«طفولتي حتى الآن»… رواية حبٍّ فلسطيني عابر للحروب]]></title>
                <link>«طفولتي-حتى-الآن»…-رواية-حبٍّ-فلسطيني-عابر-للحروب</link>
                <description><![CDATA[<p style="text-align:justify;"><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">عن الدار العربية للعلوم في بيروت صدرت في بيروت الطبعة الأولى من رواية «طفولتي حتى الآن» للشاعر والروائي إبراهيم نصر الله، ضمن مشروعه الروائي «الملهاة الفلسطينية» الذي يضم 13 رواية، ويغطي أكثر من 250 عاما من التاريخ الإنساني لفلسطين.</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">تقع الرواية الجديدة في 512 صفحة، وهي رواية حبٍّ فلسطينيٍّ مختلفٍ، عابرٍ للفقر والقهر والحروب الصغيرة والكبيرة، وبقدر ما تحتضنُ سيرةَ ساردها وشخصيّاتها، على مدى ستّين عامًا، فإنها تحتضنُ سيرة شعبٍ، وبقدر ما هي سيرة للمكان الحاضر، المخيم، فإنّها سيرة للمكان الغائب، فلسطين.</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">سرديّة شتاتٍ، وسرديّة الإنسان وقدرته على أن يلمّ شتات نفسه، في واقع صعبٍ مميتٍ ومُحاصَر؛ كما هي سرديّة التعلّق بالجمال، وكفاح الرّوح من أجل التمسّك بهذا الجمال، بكل أشكاله؛ الجمال الذي تحتضنه عيون البراءة المشرعة على اتّساعها في موازاة واقع يتضاعف تشوّهه.</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">وكما جاء في كلمة الناشر فإنها رواية تشدّ القارئ إلى الأعلى، للتّحليق فوق المخيّم، فوق الانتكاسات، وفوق الموتِ… إنها رواية حياةٍ.</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">الروائي والناقد الفلسطيني فاروق وادي، صاحب كتاب «ثلاث علامات في الرواية الفلسطينية، و «سرير المشتاق» وغيرهما من الأعمال الأدبية، قدم الرواية قائلا: «على الرّغم من أنّني قرأت جميع أعمال إبراهيم نصر الله الروائيّة، بلا استثناء، إلاّ أن سحر «قناديل ملك الجليل» ظلّ طاغيًا في عقلي ووجداني، لم يزحمها من أعمال ابراهيم السرديّة على هذه المكانة إلا رواية «طفولتي حتى الآن» وهي عمل ساحر بمواصفات فنيّة إبداعيّة أخرى، جديدة ومختلفة. وفي مقارنة شفاهيّة بين العملين، قلتُ لإبراهيم: إذا كانت «القناديل» هي رواية عقلي التي نهضت على سرد ابداعيّ واستقصاء بحثي تاريخيّ لم يَحُلْ دون بهاء التخييل بأجنحته المحلِّقة، فإن «طفولتي حتى الآن» هي رواية قلبي التي ارتبطتُ بها وجدانيًا أكثر من غيرها، لما فيها من عناصر السّيرة، أو شبه السّيرة، بكلّ ألقها وحميميتها التي لم تحُلْ دون جنوح الخيال وانطلاقته الحُرةّ.</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">على أيّ حال، فإن رواية قلبي الإبراهيميّة هي الآن بين أيديكم، ولن أُفْرِطَ في الحديث عنها، فأصادر حقّكم في المتعة والعيش والتّأمل والدّهش».</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">كما تصدّرت الرواية جملة على لسان إحدى شخصياتها، تقول: «لقد بتُّ متأكِّدةً الآن من أنّنا لسنا بحاجة لإنسان نشيخُ معه، بقدر ما نحن بحاجة لإنسان نبقى معه أطفالًا» في وقت يستعير المؤلف قصيدة قصيرة كتبها منذ 33 عاما ضمّها ديوانه «عواصف القلب» لتكون فاتحة للرواية ومدخلا لها تقول: «لم أترُكْ طفولتي، يومًا، تبتعد كثيرًا/ إنّ الوحوشَ تتجوّلُ في الجوار/ لذا… لم أَجِدْ بُدًّا من الاحتفاظِ بها… حتى الآن».</span><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">قد تم اعتماد لوحة الفنان عصام طنطاوي غلافا للرواية.</span></p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[موقع 180 مقالات]]></author>
                <guid>13872</guid>
                <pubDate>Tue, 26 Apr 2022 18:55:10 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[توفيق الحكيم وثورة يوليو: بعيدا عن العاطفة وقريبا من النقد!]]></title>
                <link>توفيق-الحكيم-وثورة-يوليو-بعيدا-عن-العاطفة-وقريبا-من-النقد</link>
                <description><![CDATA[<p style="text-align:justify;"><strong><img class="image_resized" style="width:60px;" src="https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2019/10/%D8%A7%D9%95%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D9%87%D9%8A%D9%85-%D9%85%D8%B4%D8%A7%D8%B1%D8%A9-150x150.jpg" alt=""></strong><span style="color:hsl(0,75%,60%);"><strong> إبراهيم مشارة</strong></span></p><p style="text-align:justify;">ظل موقف توفيق الحكيم من ثورة يوليو/تموز مثار جدل من قبل البعض والتباس من قبل البعض الآخر، مع أن الحكيم عبر عن موقفه في كتابه الشهير «عودة الوعي» الذي نشره عام 1972، وكثيرون من اليسار احتجوا عليه أنه لم يصدر كتابه في حياة عبد الناصر، بل كان من زمرته مثله مثل محمود أمين العالم وغالي شكري والصحافي محمد حسنين هيكل، فلما رحل الرجل وظهرت للعيان أخطاء المرحلة الناصرية، وتجرأ الجميع على انتقادها أراد الحكيم أن يبرئ نفسه ويتموقع من جديد ويمحي خطيئة كونه «بوقا من أبواق» عبد الناصر أخرج إلى العلن كتابه.<br>وفي هذا الرأي ظلم للرجل وعدم معرفة بإنتاجه، فالحكيم شغل بالهم السياسي منذ كتابه «شجرة الحكم» في الأربعينيات، حيث انتقد النظام النيابي الذي ينتج نوابا فاسدين يؤثرون مصالحهم على مصالح الجماهير. وكتابه «تحت شمس الفكر» حيث اعتبر النظام مفرخة لإنتاج حكام غير صالحين والحزبية جنة يتوسل بها إلى تحقيق أطماع شخصية.<br>كان الحكيم محسوبا على عبد الناصر، وكان بين الرجلين وداد وتقدير، فعبد الناصر صرّح مرات عديدة أنه قرأ «عودة الروح» وأعجب بها، بل لم يتوان عن منح الحكيم أرفع وسام لا يمنح عادة إلا للرؤساء والملوك وهو اعتراف منه بمكانة الحكيم في الحياة الثقافية والفكرية لمصر وللوطن العربي.<br>لم ينشر الحكيم كتابه «عودة الوعي» إلا عام 1972بعد أن دونه ملاحظات وفضفضة ذاتية لنفسه، فهو لم يتحمل الصمت ولا قدرة له على الجهر ولا شك أنه أدرك أن القيادة لا تتحمل النقد، كما أن مكانته ستهتز، لذا آثر التوجيه والنصح والإرشاد بالحسنى والرمز للمقربين من النظام، دون الصراحة والجرأة التي احتفظ بها لنفسه في كتابه آنف الذكر، الذي ظل محفوظا في الدرج طيلة حكم عبد الناصر، ثم تسرب وشاع فلم يجد الرجل مندوحة من إخراجه إلى العلن.<br>لا يعيب الرجل أنه لم يخرج كتابه إبان حكم عبد الناصر، ففي كل نظام شمولي تصبح حرية الكلمة والرأي في مأزق صعب، ناهيك من مخاطر أشد كالسجن أو التعذيب أو التصفية، كما حدث للكثيرين في ربوع العالم.، ولو أن عبد الناصر ما كان ليفعل ذلك معه فهو يقدره وبينهما وداد كبير.<br>لا يعيش في النظام الشمولي إلا التصفيق والرياء والانتهازية، فقد روي أن خروتشوف في ندوة فكرية عن حرية الكلمة والجهر بها جاءه سؤال غفل من اسم صاحبه وكان فحواه (أين كنت أنت من حرية الكلمة والجهر بالحق في عهد ستالين؟) فرد على صاحب السؤال المجهول ضاحكا: كنت مثلك بالضبط، أي خائفا مرعوبا حتى إنه لم يدون اسمه على ورقة السؤال!<br>وللأمانة لم يسكت الحكيم طيلة حكم الضباط الأحرار، كما يسمون، بل كان يثير الأسئلة وينصح ففي كتابه «بنك القلق» عبّر عن حالة القلق التي يحيا فيها الشعب المصري. وفي «السلطان الحائر» تحدث عن مخاوفه من عدول الحاكم إلى السيف بدل القانون، بل توسم في الأربعينيات في كتابه «شجرة الحكم» المنشور عام 1945 قيام هبة جماهيرية وانتفاضة شعبية سماها الحركة المباركة، يكون بيدها قلب الأوضاع وتغيير المجتمع نحو الأصلح والأفضل (وهنا يأتي دور البيت والمدرسة في الإعداد والاستعداد، عليهما يقع عبء تفهيم الشباب أن الحال التي هم عليها لا يمكن أن تدوم وأن عليهم أن يستعدوا لإصلاح ما بأنفسهم، على البيت والمدرسة الإكثار من تذكير الشباب بالمثل العليا القويمة والمبادئ الخلقية السامية، وأن يعرضا عليه عيوبه وعيوب الجيل وأمراض العصر، وأن يقنعاه بأنه هو المنوط به يوما إصلاح كل هذا الفساد وإحداث الثورة المباركة التي تقيم الوطن على أقدام الصحة والقوة والنظام).<br>كتب الراحل سامي كيلة قبل رحيله، أن المثقف (هو الذي يدافع عن الناس ويطرح أسئلة الواقع لا أسئلة الكتاب) ولم يكن الحكيم منفصلا عن الهم الوطني ولا متنكرا لوظيفته الاجتماعية والأخلاقية ككاتب ومثقف، والأسئلة التي طرحها هي أسئلة الواقع، بل أشد الأسئلة التصاقا بالتاريخ الماضي والراهن ولم يكن مسرحه الذهني يحوم في آفاق سماوية ويحلق من برجه العاجي في مجردات وأفكار مخملية.</p><p style="text-align:justify;"><img src="https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2022/04/05-15.jpg" alt="" srcset="https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2022/04/05-15.jpg 900w, https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2022/04/05-15-768x463.jpg 768w, https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2022/04/05-15-735x443.jpg 735w, https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2022/04/05-15-296x178.jpg 296w" sizes="100vw" width="900"></p><p style="text-align:justify;">في نقده لثورة يوليو احتفظ بروح المثقف النقدي لا العضوي، ولا الأيديولوجي، والكتاب كتب خلال حكم عبد الناصر وظل حبيس الأدراج بروح باحثة عن الحقيقة مثيرة للسؤال طامحة إلى التعديل في المسار بعيدا عن العاطفة الثورية المائعة والتعصب الأيديولوجي الذي يعمي، إنه يعترف بحبه لعبد الناصر، لكنه يحتفظ بمسافة عنه وكثيرون انتقدوه خاصة من اليسار المصري والعربي، كونه عض اليد التي أحسنت إليه بإصداره هذا الكتاب ليس في حياته، بل بعد رحيله ليتموقع من جديد في عهد السادات. وفي هذا تجن كبير على الرجل ذلك أن ولاءه للثورة أولا التي سماها بالحركة المباركة، لكن هذا الولاء لا يمنعه من النقد والتوجيه والنصح تارة بالرمز وتارة بالإشارة، وهو نفسه كتب في «عودة الوعي» (أن مهمة حامل القلم هي البحث عن الحقيقة) وعبد الناصر ليس فوق النقد والناصرية محاولة تاريخية للتطور لها ما لها وعليها ما عليها.<br>لقد اعترف في «عودة الوعي» أن حماسه الثوري الكبير وحماسته للتغيير وانبثاق مجتمع جديد في ظل الأخوة والمساواة والحرية والكرامة، أعمياه عن رؤية الجوانب السلبية، أو اعتبرها تكتيكا مرحليا من القيادة للمناورة والتضليل للمنظومة العالمية المتربصة خارجيا وللإقطاع الرابض والمراقب والمناور داخليا، وأن التفكير الغائي أنساه مساوئ التدابير الإجرائية التي كانت تتخذها الثورة، وكانت منزلقا خطيرا نحو مصادرة الحريات والوقوع في أخطاء قاتلة.</p><blockquote><p style="text-align:justify;"><strong>كتب الحكيم أنه كان يحس بالخزي في المجلس الأعلى للثقافة والآداب والفنون، حين كان يترأسهم ضابط صغير السن ولم يستطع أن يقول شيئا لا هو ولا العقاد ولا طه حسين، وهذه خطيئة عسكرة المجتمع وإعطاء الأولوية للعسكري على حساب السياسي والمثقف.</strong></p></blockquote><p style="text-align:justify;">لم يخف الحكيم كبقية المثقفين المصريين ابتهاجه بتخلص مصر من عهد فاروق، الذي وصفه بصاحب الأخلاق القذرة والمترهل الجسم كأنه خنزير، لقد وصف تلك الحركة شأنه شأن الجميع ـ اللهم إلا الإقطاعيين – بالحركة المباركة ولم يسمها بالثورة تماشيا مع العرف الثقافي والسياسي في كون الثورة يقوم بها الشعب ويقودها مدنيون، كما في الثورة الفرنسية والبلشفية مثلا، لكن بالنظر إلى الأهداف الكبرى لهذه الحركة وتأييد الشعب لها، اتفقت غاياتها مع غايات الثورات الكبرى وهي في الأصل حركة انقلابية بيضاء أيدتها الطبقة المثقفة والجماهير، ويطرح الحكيم سؤالا ظل بلا جواب اللهم إلا التخمينات من لدن المثقفين والسياسيين، وذاك السؤال فحواه تأييد أمريكا للانقلاب، ويطرح سؤالا لا يقل إثارة عن الأول، هل كان ذلك الانقلاب نهاية حتمية لسنين من المخاض والتأزم والصيرورة، أم هو حركة بإيعاز من الخارج ليغدو الحكم عسكريا ويقود البلاد نحو مزيد من الهزات، والتراجع لن يكون في النهاية إلا في مصلحة الإمبريالية وإسرائيل؟ في حين أن ثورة 1919 كانت طبيعية وأشرفت على الغاية في تحقيق مسار ديمقراطي.</p><p style="text-align:justify;">لقد انتقد الحكيم في عبد الناصر اندفاعه وحماسته، وروى أن نهرو نصح عبد الناصر على سبيل الكناية ببعض الشعرات البيضاء كناية الحكمة والتروي وعدم الاندفاع، ومن ذلك كشفه بحماسة لأوراقه في كتابه «فلسفة الثورة» لدرجة أن سفارات إسرائيل في العالم طبعت الكتاب بكميات هائلة ووزعته بالمجان لتوحي للعالم بميلاد هتلر جديد، وهو يمعن في النقد بعد أن كانت الأسئلة تختمر في ذهنه ولا يجد لها جوابا، أو ربما علل ذلك بانتصار الثورة الحتمي، وأن الملتبس هو تكتيك للمناورة والتضليل لتفويت الفرصة على أعدائها داخليا وخارجيا ومن ذلك تأميم قناة السويس، وقد كان امتياز الاحتكار من الشركة الأجنبية سينتهي في غضون سنوات قليلة، وذلك التأميم نجم عنه العدوان الثلاثي، ثم حرب اليمن التي تورط فيها الجيش المصري وكبدت المجتمع المصري خسائر فادحة في أرواح الجيش وفي قوت المصريين، الذين كانوا يدفعون من الضرائب ما يدفع عبد الناصر لليمنيين مقابل ولائهم له على حساب السعودية لكن اليمنيين كانوا مع المال فقط.<br>وأتت قاصمة الظهر حين أغلق الرجل مضيق تيران لحرمان إسرائيل من حرية الملاحة في المضيق، وقامت القيامة عليه ذاك أنه استعدى الدول الغربية وصور للعالم كونه ديكتاتورا لا يختلف عن الفاشيين والنازيين وجاءت حرب حزيران/يونيو لتكشف السوأة وتعري النظام وتكشف الأخطاء الكارثية، لقد انهزم الجيش في أيام قليلة جدا هزيمة ساحقة ومع ذلك كانت الدعاية والتضليل والإعلام لا ينفك يجزم بالنصر وهزيمة العدو وشعارات أيام الحرب من قبل: فليحيا ناصر الدولة، فليحيا بطل الثورة، الزعيم، القائد، البطل، وتواترت أخبار إعلامية عن إسقاط مئة طائرة للعدو وصدق الحكيم الخبر وظل في غيبوبته نتيجة الإعلام المضلل من جهة، والدعاية والشعبوية وحسن نوايا الحكيم في حتمية انتصار الثورة، وما يمكن أن يتسرب من أخبار عن سحق الجيش ما هو إلا تكتيك للمناورة والتضليل، لكنها كانت الحقيقة هزيمة ساحقة وضربة قاتلة.<br>وهنا يمسك الحكيم بخناق عبد الناصر في كونه الرجل المندفع الحماسي المنفعل بلا روية ولا تقدير، وأطلق حكمه النهائي عليه بعد الهزيمة، لقد كان يهوش بالحرب وهو في عمقه رجل سلام، بينما كانت إسرائيل تهوش بالسلام وهي الحقيقة تريد الحرب، ومن النوايا والتكتيك انكشف العوار وظهر الدهاء والمكر والتخطيط الاستراتيجي والحربي للعدو الإسرائيلي.<br>كتب الحكيم أنه كان يحس بالخزي في المجلس الأعلى للثقافة والآداب والفنون، حين كان يترأسهم ضابط صغير السن ولم يستطع أن يقول شيئا لا هو ولا العقاد ولا طه حسين، وهذه خطيئة عسكرة المجتمع وإعطاء الأولوية للعسكري على حساب السياسي والمثقف، وإشاعة جو من الخوف والتوجس والريبة وتفعيل الحاسة المخابراتية والأمنية وانعدام الثقة حتى يغدو البلد برمته خائفا شاكا في بعضه بعضا، وتجلى ذلك في حركة التطهير في دواوين الدولة والإدارة والجامعة والملاك القدامى واختلاط الحابل بالنابل ووقوع الضحايا، ضحايا التطهير نتيجة التسرع في أخذ القرار وعمل الأحقاد والنمائم والوشايات، وكان السجن والاعتقال والتعذيب والاغتصاب، القطرة التي أفاضت الكأس وهو بحق ملف أسود ما زالت بعض أوراقه غامضة طي الأدراج.</p><p style="text-align:justify;">كاتب جزائري</p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[موقع 180 مقالات]]></author>
                <guid>13858</guid>
                <pubDate>Mon, 25 Apr 2022 15:16:58 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[أحمد الخميسي يكتب: عبد الحليم حافظ.. حكاية مصرية]]></title>
                <link>أحمد-الخميسي-يكتب-عبد-الحليم-حافظ-حكاية-مصرية</link>
                <description><![CDATA[<p style="text-align:justify;"><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">قد تكون أديبا عظيما مثل عبد القادر المازني أو فنانا لا يشق له غبار مثل الموسيقار القصبجي، لكن الفن وحده لا يؤهل المبدع لأن يكون علامة قومية، فلا بد من تضافر عوامل كثيرة شخصية وسياسية وفنية وتاريخية ليصبح الفنان رمزا قوميا إذا نطقت باسمه فكأنك قلت مصر، وإذا قلت مصر استدعيت اسمه، مثلما هي الحال مع سيد درويش. محمد عبد الوهاب. طه حسين . أم كلثوم. نجيب محفوظ. والعندليب عبد الحليم حافظ الذي حلت ذكرى رحيله الخامسة والأربعين في 30 مارس الحالي.</span><br><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">&nbsp;وقد رأيت العندليب أول مرة عام 1965، حين أجرت أختى عملية جراحية وهي في الخامسة عشرة، ورحتنا نزورها في المستشفى، وسألها والدي إن كانت بحاجة إلى أي شيء؟ فتنهدت وقالت: ” نفسي أشوف عبد الحليم”! وضحكنا جميعا من طلبها، وقد كان العندليب أيامها في عز مجده معشوق البنات، لكن أبي لم يضحك بل استأذن منا بهدوء وما لبث بعد نصف ساعة أن رجع ومعه عبد الحليم! وسرعان ما امتلأت الحجرة الصغيرة بكل ممرضات المستشفى وأطبائها ومرضى الحجرات المجاورة.</span><br><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">&nbsp;شاهدته بعد ذلك مرات عديدة في منزل والدي، كانا يجلسان في حجرة المكتب مغلقة عليهما نصف ساعة أو أكثر ثم يخرج عبد الحليم يحيي الجميع بعينيه المتدفقتين بالمودة وزهو الفنان الرقيق بحضوره. وذات مرة ساقني الفضول لأن أسأل والدي: ” عما تتحدثان؟”، فتنهد بحزن وقال : ” يحب سعاد حسني ويقول إنه لا يستطيع الارتباط بها لأنه مريض”. كان ذلك عام 1971 ، وبالفعل توفي العندليب بعد ذلك بست سنوات، وبقي في القلب، وفي الأحلام بالحب، وفي فن لا يتكرر، وتحول إلى رمز قومي لا يغيب.</span><br><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">&nbsp;وقد تضافرت عوامل كثيرة شخصية وسياسية وفنية لتجعل العندليب ذلك الرمز، في مقدمتها أنه جاء من قرى الفلاحين ضعيف البنية، يتيما بلا سند، وحتى صوته كان ضعيفا بمعايير جمال الصوت حينذاك، ولذلك فتح الناس له قلوبهم على أنه من المظاليم مثلهم، ومن بينهم، وأحاطوه بتعاطف شعبي واسع، بل وحتى وفاته كانت بسبب البلهارسيا مرض الفلاحين الفقراء.</span><br><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">من ناحية أخرى كان العندليب مطرب الثورة الذي لم يبرز أو يلمع قبل ذلك في العهد الملكي، ثم أنه في سنوات الثورة كان الصوت المعبر عن الآمال الكبرى في البناء والعدالة الاجتماعية، وفي التصدي للاستعمار بأغنيات مثل” انذار”، و” ابنك يقول لك يا بطل هات لي انتصار” وغيرها.</span><br><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">على المستوى الفني كان عبد الحليم تجسيدا لثورة فنية موسيقية، فقد أبطل الإطالة والتطريب والتلييل والتكرار وتفكيك البناء الفني للأغنية، وانتقل بالأغنية على يد كمال الطويل والموجي وحسين جنيد إلى قالبها المحكم القصير الذي يشبه الومضة.</span><br><br><span style="background-color:rgb(255,255,255);color:rgb(0,0,0);">&nbsp;واستطاع العندليب أن يهدم القاعدة القائلة بأن جمال الصوت في قوته، لصالح أن جمال الصوت في حساسيته. لكل تلك العوامل الشخصية والسياسية والفنية أصبح العندليب رمزا قوميا يسكن النفوس ولا يغادرها، علاوة على الطبيعة النادرة لصوته، فهو المطرب الوحيد الذي بلغ صفاء صوته أنك تسمعه فلا تكاد تسمعه، لأنك حين تنصت إليه تجد أنك منصت لروحك أنت، وأحلامك، كأنما كان كل دور العندليب أن يطلق الغناء المحبوس في نفوسنا. يصونك في القلوب الفن والصوت النادر الجمال وتبقى حكاية مصرية.</span></p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[موقع 180 مقالات]]></author>
                <guid>13846</guid>
                <pubDate>Sat, 23 Apr 2022 17:41:35 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[عمرو الليثي يكتب: جزيرة عبدالرحيم كمال «غمام»]]></title>
                <link>عمرو-الليثي-يكتب-جزيرة-عبدالرحيم-كمال-«غمام»</link>
                <description><![CDATA[<p style="text-align:justify;">عندما تبحث الدراما وتغوص فى أعماق النفس البشرية ويتحول الكاتب إلى جراح يستطيع بقلمه الغوص داخل النفس البشرية والولوج فى أعماقها باحثًا عن مفردات الجمال والحق والخير والعدل فى جو إبداعى رائع تخيم عليه إبداعات فنانين استطاعوا أن يحولوا الشخصيات التى كتبها هذا الكاتب الكبير إلى لحم ودم.</p><p style="text-align:justify;">فإن الصراع بين الخير والشر هو البداية الحقيقية للصراع منذ ظهرت الدراما فى الأدب اليونانى القديم مع سوفكليس وإسخيلوس ويوربيديس، والصراع هنا بين الخير والشر يتجسد فى اثنين من كبار الفنانين طارق لطفى (خلدون) شيطان هذا الزمان، والذى أدى دوره باقتدار شديد وأداء يؤكد قدرته الإبداعية على التنوع فى كل أدواره، وأحمد أمين (عرفات) الإنسان الواصل بدينه وخلقه إلى مرتبة عالية من السمو الإنسانى والأخلاقى.</p><p style="text-align:justify;">وهو ميلاد نجم كبير فى مجال الدراما التليفزيونية.. صراع بدأ مع بدء الخليقة، ويستمر إلى حين قيام الساعة، صراع بين فريقين، فريق آمن بالقيم الروحية والإنسانية النبيلة، وفريق كل همه هو هدم تلك القيم والمثل التى يحاول الفريق الآخر أن يدعمها وينشرها بسلام وعدل ومكارم أخلاق.</p><p style="text-align:justify;">قد يبدو المسلسل للوهلة الأولى قصة درامية عادية لأنها صراع بين الخير والشر، لكن تجسيد الخير والشر فى شخصين يؤديان دوريهما بتلك الموهبة وهذا الشكل والمضمون الرائع يؤكد أننا بصدد عمل خارج السياق وعمل يتعامل مع النفس البشرية والضعف الإنسانى بشكل خلاب.. إننا أمام عمل درامى متكامل، سيناريو وحوار وقصة صاغها أديب مبدع هو عبدالرحيم كمال، ونجوم حولوا هذه الشخصيات إلى واقع حقيقى يعيشه المتفرج معهم وينحاز إليهم، تحية تقدير واحترام لمبدعى هذا العمل، ولكاتبه البطل الحقيقى وراء نجاح هذا العمل، ولمخرجه المبدع الذى استطاع أن يخلق هذا الجو الملحمى من خلال نسيج سمعى وبصرى فى صورة خلابة تعكس واقع الدراما التى كتبها عبدالرحيم كمال.</p><p style="text-align:justify;">إن جزيرة غمام عمل ليس بالأسطورى لكنه واقعى يعبر عن واقع الإنسان، ويؤكد أنه طالما هناك حياة يجب أن يبحث الإنسان عن نفسه.. وفى النهاية، فإن فلسفة الشركة المتحدة فى إنتاج أعمال هذا العام تؤكد حرصها الشديد على إنتاج أعمال فنية ذات طابع متميز ومتنوع ومختلف ويبحث عن بث القيم النبيلة فى المجتمع المصرى.</p><p>&nbsp;</p><p>ellissyamr@ymail.com</p><p>&nbsp;</p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[موقع 180 مقالات]]></author>
                <guid>13834</guid>
                <pubDate>Fri, 22 Apr 2022 16:47:32 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[سليمان صالح يكتب: الدراما التاريخية.. كيف تسهم في بناء قوة الأمة؟]]></title>
                <link>سليمان-صالح-يكتب-الدراما-التاريخية-كيف-تسهم-في-بناء-قوة-الأمة؟</link>
                <description><![CDATA[<p style="text-align:justify;">أصبحت الدراما التاريخية صناعة من أهم الأصول الإستراتيجية التي تستخدمها الدول في بناء مستقبلها، كيف ذلك؟</p><p style="text-align:justify;">الدولة التي تستهدف تطوير قوتها ومكانتها الدولية يجب أن تبحث في تاريخها عن العوامل والأسباب التي يمكن أن توحد شعبها وتزيد قدراته على تحقيق الإنجازات الحضارية.</p><blockquote><p style="text-align:justify;"><strong>عندما حققت بعض الدول الأفريقية والآسيوية استقلالها الشكلي، وانسحبت جيوش المستعمر القديم، تطلع قادة هذه الدول إلى الاشتراكية كأساس لبناء تجربتهم الجديدة، فكانوا يعرفون أن الرأسمالية أيديولوجية المستعمر، وأن شعوبهم ترفضها لأنها وسيلة لنهب ثرواتهم.</strong></p></blockquote><p style="text-align:justify;">وهناك كثير من التجارب التاريخية الإنسانية التي توضح أن الشعب يمكن أن يتوحد حول حلم أو هدف يسعى إليه، وتعد تجربة الشعب الأميركي من أهم هذه التجارب؛ إذ تمكن من صياغة حلمه ببناء دولة الديمقراطية والرفاهية والتقدم، وتوحد من أجل تحقيق هذا الحلم. ولكن كيف يمكن استخدام الدراما التاريخية في صياغة حلم يمكن أن يوحد الشعب ويعبئ طاقاته، ويفجر قدراته على الإبداع والابتكار والعمل؟</p><p style="text-align:justify;">التاريخ أحد أهم العوامل التي يمكن أن يستلهم منها صُنّاع الدراما الأحلام التي يمكن أن يتوحد حولها الشعب، وذلك بالبحث فيه عن العوامل التي تسهم في بناء القوة والمجد، لذلك فإن بناء الحلم يبدأ بالوعي بالتاريخ.</p><h2 style="text-align:justify;"><strong>التحرر من العجز والشعور بالدونية</strong></h2><p style="text-align:justify;">يقول أرطغرل في الحلقة 136 من المسلسل التركي: "لا يمكن إلا لمن يملكون أحلاما كبيرة أن يتقدموا في طريق النصر".</p><p style="text-align:justify;">مسلسل أرطغرل من أهم المسلسلات التركية التي قد أسهمت في الفترة الأخيرة في صياغة الحلم التركي الذي انطلق من تاريخ ما قبل بناء الدولة العثمانية ليحفز الشعب التركي ويطلق طاقاته لبناء النهضة والتقدم في المجالات الاقتصادية والسياسية والعسكرية وفي العلوم والفنون.</p><p style="text-align:justify;">يوضح لنا هذا النموذج ما يمكن أن تحققه الدراما التاريخية، وكيف يمكن أن تسهم في بناء قوة الأمة ومستقبلها.</p><p style="text-align:justify;">إن الحلم يمكن أن يكون أساس بناء القوة، لكن الحلم لا يمكن أن يقوم إلا على أساس الثقة في تحقيقه؛ فهناك كثير من الذين يحلمون لكنهم يشعرون بالدونية والعجز.</p><p style="text-align:justify;">ولقد عملت القوى الاستعمارية منذ بداية القرن 19 على غرس الشعور بالدونية في نفوس شعوب أفريقيا وآسيا، فضاعت أحلامهم هباء عندما صدقوا الخرافات العنصرية الغربية التي تقوم على تفوق الرجل الأبيض ودوره التاريخي في تمدن البشرية وحقه في السيطرة على العالم، فلم يتمكن الحالمون من شحذ هممهم وعزائمهم لتحقيق أهدافهم، وكان من أهم أسباب الفشل أنهم لم يتمكنوا من توظيف تجاربهم التاريخية لبناء مستقبلهم.</p><p style="text-align:justify;">وعندما حققت بعض الدول الأفريقية والآسيوية استقلالها الشكلي، وانسحبت جيوش المستعمر القديم، تطلع قادة هذه الدول إلى الاشتراكية كأساس لبناء تجربتهم الجديدة، فقد كانوا يعرفون أن الرأسمالية أيديولوجية المستعمر، وأن شعوبهم ترفضها لأنها وسيلة لنهب ثرواتهم.</p><p style="text-align:justify;">لكن الاشتراكية فشلت لأنها لم تكن نابعة من تجاربهم التاريخية، ولم تشعر الجماهير بأنها يمكن أن تحقق حلمهم، فقد وفرت لهم المساواة في الفقر، في حين استمر المستعمر القديم في نهب ثرواتهم، ويعطي الفتات لقادتهم ونخبهم ليتمتعوا بحياة مرفهة، وينسوا آلام شعبهم، ومآسي قومهم.</p><h2 style="text-align:justify;"><strong>أرطغرل والحلم التركي</strong></h2><p style="text-align:justify;">من الواضح أن مسلسل أرطغرل كان له دور مهم في زيادة قوة الدولة التركية، فقد أسهم في صياغة الحلم، وثقة الشعب التركي في تحقيقه. وهذا الحلم لا يقوم فقط علي أساس بناء القوة المادية الصلبة والمكانة الاقتصادية والسياسية، لكنه أيضا يقوم على منظومة القيم التي عبر عنها المسلسل، ومن أهمها العدل.</p><p style="text-align:justify;">وهذا يفسر مقاومة الشعب التركي للانقلاب الذي يتعارض مع منظومة القيم التي تم الاتفاق عليها، ومن أهمها الديمقراطية، والحلم الذي ترسخ في وجدانهم بعد مشاهدة تجربة تاريخية ملأت نفوسهم شعورا بالعزة والكرامة والقدرة على تحقيق الإنجازات الحضارية، والبطولة والمقاومة والكفاح، لذلك كان من الطبيعي أن ينزل الأتراك إلى الشوارع يتصدون للدبابات بأجسادهم ليحموا ديمقراطيتهم وحريتهم، ويكملوا الطريق لتحقيق حلمهم.</p><p style="text-align:justify;">ومن الواضح أن الغرب أدرك ذلك جيدا؛ فالشعب الذي يعمل لتحقيق حلمه، ويكافح دفاعا عن منظومة القيم التي اتفق عليها، ويثق في قدرته على تحقيق الحلم؛ من الصعب مواجهته.</p><p style="text-align:justify;">وهكذا تحولت التجربة التاريخية التي صورها مسلسل أرطغرل إلى مصدر قوة للشعب والدولة، فأصبح أرطغرل قدوة في رجولته وبطولته وعزة نفسه وتمسكه بالمبادئ والقيم، وكفاحه لتحقيق العدل.</p><h2 style="text-align:justify;"><strong>مصدر قوة للأمة</strong></h2><p style="text-align:justify;">مسلسل أرطغرل لم يكن مصدر قوة لتركيا فقط، لكنه عبر عن أشواق الشعوب العربية للمجد والبطولة والعزة، وهذا يفسر نسبة المشاهدة العالية في كل الدول العربية، فهناك كثير من المؤشرات على تفاعل الجمهور العربي مع المسلسل، وحبه لأبطاله الذين كانوا يعبرون عن عزة الإسلام، وقوة المسلمين، وقدرتهم على تغيير الواقع؛ وهذا يعني أن هذا المسلسل أشبع احتياجات الجمهور في بحثه عن معنى للحياة بعد أن ضاق هذا الجمهور بالواقع الكئيب، وحالة الضعف العربي، والهزائم المتكررة، والنظم الحاكمة التي لا تطمح إلا لتحقيق الاستقرار.</p><p style="text-align:justify;">هناك مؤشر مهم أيضا هو أن كثيرا من الذين تفاعلوا مع المسلسل لم يكونوا فقراء، ولكن كانوا أغنياء كما حدث في الخليج، خاصة الكويت، وهذا يعني أن كثيرا من العرب أصبحوا يبحثون عن المجد والعزة، ويشتاقون للبطولة؛ فالحلم أعظم من الخبز والأمن.</p><h2 style="text-align:justify;"><strong>مواجهة تزييف التاريخ</strong></h2><p style="text-align:justify;">رغم أن النظم العربية عملت منذ عقود طويلة على تشويه صورة الدولة العثمانية، ونسبة كل السمات السلبية إليها، وشيطنتها، فإن هذا المسلسل أوضح أن عملية تزييف النظم العربية لتاريخ الدولة العثمانية قد فشلت، وأن الشعوب تشتاق إلى زمن السيادة والمجد، وترفض الضعف والتبعية.</p><p style="text-align:justify;">حالة تفاعل الشعوب العربية مع المسلسل توضح أن هذه الشعوب تريد أبطالا وقوة وقدوة ومجدا وإنجازات حضارية، وتميز أهل الكويت الذين يتمتعون بالغنى والاستقرار والأمن بحبهم لهذا المسلسل وأبطاله، خاصة أرطغرل، وهذا يعني أن المسلسل يحمل رسالة للشعوب؛ هي أن الإيمان هو الذي يجعل للحياة معنى، ويملأ النفوس عزا وثقة بالله وكرامة وحبا للحرية والعدل.</p><p style="text-align:justify;">إن الشعوب العربية أصبحت تتطلع إلى القيام بدور تاريخي كالذي قام به أسلافهم عندما حملوا رسالة الإسلام إلى البشرية ليحرروها من العبودية لغير الله.</p><p style="text-align:justify;">والحياة مهما توفر فيها من غنى وثروة واستقرار لا معنى لها من دون رسالة ووظيفة حضارية، وثبات على الحق، ودفاع عن المبادئ والقيم.</p><p style="text-align:justify;">لذلك كان مسلسل أرطغرل يعبر عن شعور عام في الأمة الإسلامية كلها بعد سنوات من التجهيل والتغريب، وعن أشواقها للقيام بوظيفتها الحضارية، وتطلعها للعزة والمجد والسيادة، وإعجابها بالرجال الذين يدافعون عن مبادئ الإسلام، ويغيّرون الواقع كما فعل أرطغرل.</p><h2 style="text-align:justify;"><strong>دراسة احتياجات الشعوب</strong></h2><p style="text-align:justify;">وإذا كان مسلسل أرطغرل حقق كل تلك النتائج المهمة، وأسهم في بناء قوة الأمة رغم أن شخصية أرطغرل جاءت قبل بناء الدولة العثمانية، فماذا يمكن أن تفعل مسلسلات عن محمد الفاتح وسليم الأول وسليمان القانوني وصلاح الدين الأيوبي وهارون الرشيد؟! وماذا يمكن أن تفعل مسلسلات عن الثورة الجزائرية وفتح الأندلس على سبيل المثال؟</p><p style="text-align:justify;">إننا يمكن أيضا أن نلاحظ فشل مسلسل مثل طومان باي، وهذا يوضح وعي الشعوب، وبحثها عن المعاني والقيم التي تشبع حاجتها لمعرفة بطولات القادة الحقيقيين الذين يدافعون عن الحق والعدل، لذلك أحبت الشعوب أرطغرل، وتفاعلت مع كل أبطال المسلسل.</p><p style="text-align:justify;">إن صناعة الدراما التاريخية تحتاج إلى دراسة حاجات الشعوب في فترة زمنية معينة؛ لذلك يمكن أن تسهم علوم الاتصال والإعلام والرأي العام وعلم النفس والاجتماع في إضاءة الطريق لصناع الدراما التاريخية، التي لا يمكن أن تنجح باستخدام ممثلين مشهورين أو مخرجين مبدعين فقط، ولكن يمكن أن تتقبلها الشعوب عندما تعبر عن أشواقها للحرية والعدل والمجد والسيادة، وعندما تصور قادة حقيقيين يتميزون بالرجولة والبطولة والثبات على الحق.</p><p style="text-align:justify;">والأمة تحتاج إلى مسلسلات وأفلام تصور الحياة في أيام المجد والانتصارات والتمكين، وتقدم الأبطال ليكونوا قدوة للشباب الذي يجب أن يتم إعداده ليقوم بوظيفته الحضارية، ويحمل رسالة الإسلام إلى البشرية. والشعوب يمكن أن تتفاعل مع هذه المسلسلات لأنها تشبع احتياجاتها، وتضيء لها طريق المستقبل الذي يجب أن يقوم على الثبات على الحق، والدفاع عن الحرية والعدل، وبناء مجتمع المعرفة، وتحقيق الاستقلال الشامل.</p><p style="text-align:justify;">إننا يمكن أن نلاحظ أيضا كيف كان الجمهور العربي يكره الخونة في مسلسل أرطغرل، ويفرح بقتلهم، وهذا مؤشر مهم على أن المشاهد قد ضاق بالواقع المر، ويحتاج إلى تغييره، ويحلم بقادة أبطال يتميزون بالأصالة والشجاعة والثبات على الحق، ويريد مسلسلات تعبر عن حلمه في بناء مجتمعات يقودها رجال ينتمون للأمة، ويواجهون أعداءها بقوة الإيمان والضمير والعقل والقلب.</p><p style="text-align:justify;">والعرب يتميزون طوال تاريخهم بأنهم يكرهون الخيانة ويعدّونها عارا، ويحتقرون الخائن مهما كانت مكانته، ويعجبون بمن يثبتون على الحق، ويقدمون أرواحهم فداء لدينهم ودفاعا عن حرية شعوبهم واستقلال أوطانهم.</p><p style="text-align:justify;">فهل يمكن أن نجد دولة عربية تتبنى مشروع إنشاء شركات إنتاج دراما تاريخية تسهم في بناء حلم الأمة في تحقيق الاستقلال الشامل وحرية الإنسان والأوطان وتسهم في بناء مجتمع المعرفة؟!</p><p><a href="https://www.aljazeera.net/author/%D8%B3%D9%84%D9%8A%D9%85%D8%A7%D9%86-%D8%B5%D8%A7%D9%84%D8%AD"><img class="image_resized" style="width:60px;" src="https://www.aljazeera.net/wp-content/uploads/2021/03/Screen-Shot-2021-03-02-at-8.02.26-AM-e1616082398518.png?resize=96%2C96" alt="سليمان صالح"></a><strong>سليمان صالح</strong></p><p>أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة وعضو مجلس الشعب في برلمان الثورة ووكيل لجنة الثقافة والإعلام بالمجلس 2012</p><p>&nbsp;</p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[موقع 180 مقالات]]></author>
                <guid>13833</guid>
                <pubDate>Fri, 22 Apr 2022 16:42:09 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[التشكيلي اليمني مظهر نزار: الألوان المائية تقنية حساسة وصنعاء مدينة تزخر بالفن]]></title>
                <link>التشكيلي-اليمني-مظهر-نزار-الألوان-المائية-تقنية-حساسة-وصنعاء-مدينة-تزخر-بالفن</link>
                <description><![CDATA[<p style="text-align:justify;"><strong><img class="image_resized" style="width:60px;" src="https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2019/04/%D8%A7%D8%BA%D8%A8%D8%B1%D9%8A-150x150.jpg" alt=""> أحمد الأغبري</strong></p><p style="text-align:justify;">«القدس العربي»: يكاد يكون الفنان مظهر نزار (1958) هو التشكيلي اليمني الوحيد الذي اشتغل، منذ أكثر من ثلاثة عقود، على مدينة صنعاء القديمة، من خلال تقنية الألوان المائية، مقدما نصوصا بصرية مغايرة، تتحسس أدق التفاصيل من أجمل الزوايا لمناظر معمارية إنسانية جمالية غاية في السحر، متميزاً بقدرته على توظيف ثنائية الأضواء والظلال؛ وهي مهمة ليست يسيرة في هذه التقنية، التي تحتاج لحرفية عالية؛ لأنها لا تحتمل تصويب الخطأ، كما هو الحال مع تقنية الألوان الزيتية، بل نجده، في هذه الأعمال، متميزا في استنطاق روح المدينة؛ فعندما تقف أمام اللوحة تشعر بالجدران كأنها تتحدث إليك!<br>أدرجت «اليونسكو» مدينة صنعاء القديمة ضمن قائمة التراث العالمي عام 1986، وتُعد من أهم مدن اليمن التاريخية، وتعد من أقدم المدن العربية المأهولة بالسكان، إذ يعود تاريخها لأكثر من ألفى عام… ولهذا تشعر عند زيارتها كأنما انتقلت بآلة السفر عبر الزمن إلى تاريخ سحيق؛ فكل شيء فيها ما زال على سحنته التاريخية؛ فثمة روح تتدفق مَن كل شيء هنا.. هذه الروح وهذا السحر الذي تشعر به وأنت تزور المدينة، هو ما يشتغل عليه مظهر نزار (أحد أبرز فناني الجيل الثاني في المحترف التشكيلي اليمني) في أعماله؛ فتشعر كأن هذه اللوحات جزء من المدينة.<br>نظم مظهر أكثر من 25 معرضاً شخصياً، وشارك في عشرات المعارض الجماعية داخل اليمن وخارجه، متميزاً بغزارة إنتاجه ودأبه على تطوير تجربته.. وتربطه علاقة قوية بالحركة الفنية العالمية؛ مستفيداً من إجادته للغة الإنكليزية؛ التي مكنته من القراءة بآفاقها الأوسع والتواصل مع المحترف العالمي؛ ما جعله قادراً على تنظيم معارضه في كثير من البلدان؛ علاوة على تفرغه للفن كمصدرٍ لمعاشه؛ فتجد مرسمه، في منزله في صنعاء، مؤهلاً بإمكانات إنتاج اللوحة، وبما يوازي حرصه على تطوير اللوحة انطلاقاً من مشروع واعٍ بما يريد؛ وهو مشروع أمسك به مبكرا.<br>شغف مظهر بصنعاء القديمة منذ قدومه لليمن عائدا من الهند، حيث ولد وتعلم وحصل على دبلوم في الغرافيك في كلية الفنون في كلكتا، ومنذ الثمانينيات وهو يرسم المدينة، وافتتح غاليري بالقرب من بوابة المدينة الرئيسية (باب اليمن) وهو الغاليري الذي استمر إلى ما قبل سنوات قليلة.<br>يشتغل نزار على تقنيات مختلفة، أبرزها تقنية ألوان الأكريليك، متخذاً من منظور المرأة لغة تجريدية يُعبر من خلالها، عن رؤاه تجاه الواقع.. إلا أنه خص المكان في اليمن بتقنية الألوان المائية، وتحتل مدينة صنعاء بما نسبته 98% من أعماله بهذه التنقية، التي يشتغل من خلالها واقعيا، وفق رؤى حديثة، على تفاصيل وجزئيات يُجِيد استنطاق جمال منظورها داخل صنعاء القديمة. هنا ناقشناه حول تجربته في رسم مدينة صنعاء القديمة بتنقية الألوان المائية؛ فكان هذا الحوار:</p><p style="text-align:justify;"><img src="https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2022/04/07-11.jpg" alt="" srcset="https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2022/04/07-11.jpg 900w, https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2022/04/07-11-768x463.jpg 768w, https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2022/04/07-11-735x443.jpg 735w, https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2022/04/07-11-296x178.jpg 296w" sizes="100vw" width="900"></p><p style="text-align:justify;">□ لماذا معظم أعمالك بالألوان المائية عن صنعاء القديمة؟ بمعنى ما الذي جذبك للاشتغال بهذه التقنية على معالم هذه المدينة؟<br>■ ربما أنا الفنان اليمني الوحيد الذي منح مدينة صنعاء القديمة هذا الاهتمام من خلال الألوان المائية، وربما أنني أكثر فنان يمني يرسم بهذه التقنية وبهذا الزخم؛ وهي تقنية مختلفة وجميلة جداً؛ لأنها تقنية خاصة تحتاج منك أن تجهز الألوان من وقت سابق وفق حساب دقيق؛ لأنها ألوان شفافة ولا تقبل التصويب؛ إذ لها نظام معين. ما جذبني للاشتغال على مدنية صنعاء هو ما تتمثله من خصوصية؛ فهي مدينة ساحرة ولا توجد مدينة بسحرها في العالم؛ إنها مدينة في غاية الجمال، وما زالت تزخر بالفن ولا تشببها مدينة أخرى في العالم من حيث الجمال: جمال المعمار، الزخارف، الشوارع، وديكور المدينة، كلها تتدفق سحرا، وبالذات في وقت الصباح. أنا أرسم من خلال تقنية الألوان المائية لمعالم مكانية في مناطق مختلفة في اليمن، لكنني مهتم بصنعاء لدرجة أن 98% من أعمالي في هذه التقنية لمدينة صنعاء؛ لأن صنعاء تكتنز من السحر الكثير الذي يدفعك لإعادة تجسيده واكتشاف مضمونه فنيا، من خلال منظور بصري تشكيلي.</p><p style="text-align:justify;">□ لِمَ اخترت الاشتغال عليها بالألوان المائية دون غيرها من الألوان؟ ماذا تعطيك الألوان المائية في الاشتغال على المكان كصنعاء؟<br>■ كما تعرف أنا اشتغل على ألوان الإكريلك وتقنيات أخرى في أعمالي الأخرى. وبخصوص المدينة، وتحديداً مدينة صنعاء القديمة، أنا جربت أرسم بألوان الإكريلك لكنه لم يأت مثلما رسمت بالألوان المائية، خاصة السماء والأرض وغيرها من التفاصيل. هذه التقنية حساسة جدا وتمنح مباني وأجواء صنعاء سحرا خاصا؛ ولهذا أعجبتني هذه التقنية؛ لأن هذه التقنية مناسبة جدا لإبراز خصوصية المدينة، لاسيما من خلال الاشتغال على ثنائية الضوء والظل؛ وهي ثنائية تمنح لوحاتي خاصية بديعة، وهذا ما جعلني مستمرا في رسم المدينة من خلال الألوان المائية.</p><p style="text-align:justify;">□ كيف تختار المنظر من داخل المدينة؟ ما السمات التي تفضلها في المنظر الذي ترسمه من صنعاء؟<br>■ أهتم كثيرا بالطرق والشوارع الضيقة التي تمتاز بها مدينة صنعاء؛ فعلى تلك الشوارع تطل البيوت وفيها ترى الناس كبعد إنساني.. أي أنك ترى الفن متجليا أمامك. وأنا أمشي في شوارعها قد تلفت انتباهي منارة جامع في سياق منظور معماري ساحر. لقد التقطت من زمان عدداً كبيراً من اللقطات الفوتوغرافية بكاميرتي لمدينة صنعاء، ومنها اختار المنظور، واشتغل عليه. تعجبني البيوت المطلة على الشوارع وتشدني الزخارف والنوافذ. أهتم كثيرا بالتفاصيل الفنية الصغيرة. في كل زاوية في المدينة تجد التاريخ يتحدث معك، تجد التاريخ حتى في ملابس سكان المدينة وحديثهم وتقاليدهم. لا أعرف حتى الآن كم رسمت من اللوحات لهذه المدينة؛ لكن العدد كبير جدا…لأن كل ما أرسمه أبيعه، حتى الآن، فبمجرد أن أعرض لوحه لمدينة صنعاء على «فيسبوك» يتصلون بي ويشترونها.</p><p style="text-align:justify;"><img src="https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2022/04/05-13.jpg" alt="" srcset="https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2022/04/05-13.jpg 900w, https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2022/04/05-13-768x463.jpg 768w, https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2022/04/05-13-735x443.jpg 735w, https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2022/04/05-13-296x178.jpg 296w" sizes="100vw" width="900"></p><p style="text-align:justify;">□ ما أهم ما تركز عليه خلال الاشتغال على منظورك؟<br>■ أركز كثيراً على الإنسان في سياق اللوحة الفنية للمدينة، سواء كانت امرأة أو طفلا أو رجلا على خلفية معمارية مكتملة الملامح الجمالية والفنية.</p><p style="text-align:justify;">□ بماذا تتميز لوحاتك المائية عن صنعاء عن غيرها من لوحات الفنانين الآخرين؟<br>■ أنا الفنان الوحيد الذي رسم صنعاء القديمة بهذا القدر وبهذه الخصوصية بالألوان المائية. هناك فنانون آخرون كثير اشتغلوا على مدينة صنعاء القديمة، وبعضهم ركز على الوجوه، وبعضهم ركز على المعمار، والبعض الآخر ركز على تفاصيل معينة…هناك فنانون كثيرون رسموا المدينة، لكن قله قليلة جداً رسموها بالألوان بالمائية، ولعلي الوحيد من أعطاها هذا الاهتمام من خلال هذه التقنية؛ فالألوان المائية تقنية مختلفة جداً كما أسلفت، بل أنا الوحيد الذي أرسم المدينة، حتى الآن، بهذا الزخم والحساسية الجمالية من خلال الألوان المائية.</p><p style="text-align:justify;">□ بالنسبة لي كمتلقٍ للوحة أشعر بأن ثمة حياة وروحا تاريخية تدب في لوحاتك…كيف تستنطق هذه الحياة في هذه المدينة وتمنحها للوحاتك؟<br>■ عندما جئت من الهند، ودخلت هذه المدينة؛ فوجئت بها وأنا أجد الفن في كل تفاصيلها؛ فرأيت أن أرسمها واستعيد روح الفن من خلال توثيق جمالها وسحرها تشكيليا بتقنية الألوان المائية؛ فجاءت لوحاتي مختلفة. وبالنسبة لي لم أجد مثل مدينة صنعاء في حياتي؛ ولهذا سأظل أرسمها إلى أن أموت لأن قلبي مع صنعاء.</p><p style="text-align:justify;">□ ما هي الرسالة التي تريد إيصالها من خلال الاشتغال على هذه المدينة حالياً؟<br>■ رسالتي لليمنيين أن يحافظوا على صنعاء القديمة، ويضعوا حد للمخالفات المعمارية داخلها، يعملوا على إزالة التشوهات القائمة حاليا في جدران بيوتها، والقيام بترميم ما يستدعي الترميم من منازلها، فهذا الوضع لو استمر سيأتي المستقبل وقد اختفت معالم وملامح المدينة التاريخية.</p><p style="text-align:justify;"><img src="https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2022/04/06-12.jpg" alt="" srcset="https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2022/04/06-12.jpg 900w, https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2022/04/06-12-768x463.jpg 768w, https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2022/04/06-12-735x443.jpg 735w, https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2022/04/06-12-296x178.jpg 296w" sizes="100vw" width="900"></p><p style="text-align:justify;">&nbsp;</p><p><br>&nbsp;</p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[موقع 180 مقالات]]></author>
                <guid>13829</guid>
                <pubDate>Fri, 22 Apr 2022 15:53:44 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[في «غياب» المؤسسة النقدية العربية؟]]></title>
                <link>في-«غياب»-المؤسسة-النقدية-العربية؟</link>
                <description><![CDATA[<p style="text-align:justify;"><strong><img class="image_resized" style="width:60px;" src="https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2018/04/%D9%88%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D9%86%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B9%D8%B1%D8%AC-%D8%A7%D9%86%D8%AA%D8%B1%D9%86%D8%AA-150x150.jpg" alt=""> واسيني الأعرج</strong></p><p style="text-align:justify;">يطرح إشكال وجود مؤسسة نقدية عربياً بإلحاح كبير في ظل الزخم الإبداعي المتنوع، بغثّه وسمينه وسرعة تناميه. فهل نملك هذه المؤسسة التي بإمكانها أن تنير سبل القارئ في تعامله مع النص، أي أنها عندما تجيز نصاً محدداً، فالكل يأخذ بأحكامها بجد، لأن موضوعية قراءاتها وآلياتها العلمية فرضت نفسها بقوة عبر ممارساتها النقدية المتعاقبة؟ سؤال كبير وثقيل أيضاً. لنتفق منذ البداية على القصد بالمؤسسة النقدية؟ ليست هيكلاً افتراضياً ميتاً يعيد إنتاج ما تم استهلاكه، فهي مؤسسة قادرة على إعادة النظر حتى في نفسها وتلمس أخطائها. لا شيء يقع خارج مدار الإبداع والقدرة على الخلق.</p><p style="text-align:justify;">&nbsp;هي ذلك الجهاز الذي تأسس على هياكل علمية حقيقية، ولا سلطان ترتكز عليه إلا سلطان المعرفة في حركيتها وليس في جمودها. جهاز يتم من خلاله اختبار الحالة النقدية في البلاد محلياً وقومياً وعالمياً، وتحسس المستجدات التي لا تظهر للقارئ العادي، وقادرة على البحث في كيفيات اشتغال النصوص ونظمها السرية التي شيدت عليها عالماً إبداعياً كاملاً.&nbsp;</p><p style="text-align:justify;">من هنا، يشكل رأيها الذي هو محصلة لممارسة نقدية مشفوعة بموضوعية كاملة خارج نزوات الانتقامات ومهالك الإيديولوجيات، رديفاً لما هو منتظر من الإبداع. ويشكل رأيها عند الغالبية القرائية سلطة حقيقية تحتكم لها وتؤمن بجدواها، فنقدها الذي هو تفسيرات أكثر منه أحكاماً، يخضع لسلطان العقل والموضوعية بشكل دقيق ومنهجي. خطابها مؤسس جوهرياً على مسؤولية الخطاب النقدي فنياً وأخلاقياً. ليست دكاناً ينتج الكلام ويرميه كيفما اتفق لإرضاء عجز داخلي، أو شللية مقيتة. وقد تذهب المؤسسة إلى أبعد من ذلك، فتتابع بنظام ودقة التحولات الأدبية الحاصلة في عمق الظواهر الإبداعية، من خلال نماذجها الأكثر تميلاً، محلياً وقومياً وعالمياً، تدرك أن المنجز الفني لا يمكنه أن يكون مفصولاً عما يحدث عالمياً.</p><p style="text-align:justify;">وتقدم نتائجها باستمرار من خلال العمل على النصوص المتفردة بتحليلها بعمق وفتح مسالك القراءة الجادة أمام القارئ، بالخصوص بالنسبة للنصوص الاستثنائية التي كثيراً ما تبدو مغلقة قبل أن تفتحها المؤسسة على مطلق يصبح في متناول القارئ بفضل جهودها وشروحاتها وتحاليلها. لا أحد قدم نصوصاً عالمية مثل «الصخب والعنف» لفوكنر، كانت مغلقة كما فعلت المؤسسة النقدية من خلال جهودها الأكاديمية المتفتحة والإعلامية، أو رواية «على الطريق «On the road لجاك كيرواك، التي استطاعت المؤسسة من خلالها أن تضع المنتج في أفق جيل بكامله سمي لاحقاً بجيل الضياع، ووضعت النص أيضاً في أفق الزمن الذي نشأ فيه مع بداية موسيقى الروكنرول rock ‘n’ roll التي تستعير الكثير من عناصرها من موسيقى البلوز والكونتري والبوجي وحتى الجاز الذي كان قد ترسخ في المدن الفقيرة مثل توفيل أوليون واتسع فنياً من خلال مزيج من البلوز وأغاني العمل والمسيرات والموسيقى الإفريقية، التي أثرت عميقاً في كيرواك وأعماله الروائية، بل لا يمكن فهمها إلا بإدراجها ضمن هذه القيم الثقافية التي تربى في حضنها. النص دوماً أكبر مما يظهره، والمؤسسة النقدية وحدها قادرة على التفكيك والفهم ومنح غوايات الاكتشاف للقارئ، لا تحتفي إلا بالمميز ووضعه في مدارات الاهتمام؛ بمعني أن من تضعه المؤسسة في المدار يلقى الاهتمام والشهرة والامتداد، وسلطتها الثقافية والرمزية تتجاوز القراءات السريعة؛ فهي تعمل على فهم النص الأدبي قبل وضعه في دائرة الاهتمام وتحسس جودته ونظامه الفعليين. قوة المؤسسة النقدية تتجلّى في اتساع ثقافتها ونظرتها، وتخوض حرباً بلا هوادة ضد «المجموعات التدميرية» لأية قيمة متعالية فنياً، التي لا هدف لها في الأخير إلا الظهور الفردي على حساب النص والنقد وتحسس جلد بعضها البعض، كأننا بصدد عصابة متفقة على تحويل النقد إلى سلسلة من الأمزجة الشخصية الفردية بلا أفق نقدي حقيقي.<br>النقد ثقافة ومسافة وموضوعية وليس سلسلة انطباعات، وغياب المؤسسة النقدية لا يخص بلداً عربياً بعينه، فهو يمس العالم العربي كله الذي يعاني «تقيحاً ثقافياً» غير مسبوق، حول الرغبات الفردية عند كثير من العاطلين ثقافياً وأخلاقياً وحضارياً، إلى حقائق بلا ميزان.</p><p style="text-align:justify;">&nbsp;بكل تأكيد، نملك -عربياً- نقاداً أجلاء تميزوا بجهودهم الكبيرة والمحترمة، حاولوا ويحاول الكثير منهم اليوم أن ينتظموا في شكل تجمعات مادية أو افتراضية لتشكيل هذه المؤسسة، لكنهم يجدون أنفسهم دوماً في مواجهة غطرسة «الشللية» التي تمتص كل جهودهم، وأمام هذه الموجة الإلكترونية السهلة التي لا تخلف شيئاً ملموساً في الأغلب الأعم على فائدتها الآنية، والتي يعانون هم أيضاً من عزلتها الحقيقية. وربما كان جزء من المسؤولية فيهم، إذ لم ينتقلوا بالفعل النقدي من الأكاديمية الجامعية الضيقة إلى الممارسة المباشرة القريبة من النصوص والظواهر دون خسران جانبها البحثي والعلمي. أُصر، يوجد نقاد، ونقاد كبار، لكنهم لا يظهرون مطلقاً في هذا الوضع العربي البائس الذي يخنق أي مبادرة من مبادراتهم، ويجعل النقد الفعلي يتراجع كلياً نحو الظل. لم تكن المدرسة التاريخية في النقد العربي مهمة إلا من حيث تمكنها من جمع ما تشتت من النصوص الأدبية ودراستها وتحليلها.</p><p style="text-align:justify;">درستْ هذه المدرسة الشعر، والقصة، القصة القصيرة، والرواية، والمسرح، وأظهرت إلى الوجود الكثير من النماذج الأدبية الدفينة، ومنحتها حياة جديدة وفق منظورها التاريخي، وأسست لهذه الأنواع تاريخاً ومدارس سهلت على القارئ فهمها والتقرب منها. فقد اشتغل رواد هذه المدرسة، على الرغم من النقائص التي نراهم اليوم وفق منظوراتنا المستحدثة، كجامعيين وكأكاديميين؛ أي وفق انضباط نقدي موضوعي في التعامل مع النصوص أو الظواهر، بعيداً عن ضوضاء الإعلام السهل. نستطيع أن نتحدث عن مؤسسة نقدية تاريخية لها سلطتها واحترامها وتقديرها وإسهاماتها، وكلنا أبناء لها بنقائصها ومزاياها.&nbsp;</p><p style="text-align:justify;">جزء كبير من الأجيال العربية اللاحقة شيدت مشروعها النقدي على انفصال شبه كلي عن التجارب النقدية السابقة لها، وكأن كل شيء يبدأ منها. الاستثناءات موجودة طبعاً، ومهمة ونراها يومياً في تجليات جهودها النقدية الحداثية الرصينة. لكنها جهود محاصرة بسدنة «النقد المزاجي» الذي لا يغادر ذاتيته المرتبكة. أقرأ يومياً هذا النوع من النقد، هنا وهناك وأسمعه في بعض القنوات التليفزيونية، الذي بدل الدراسة والتعمق في الظاهرة الأدبية التي اختار الحديث عنها وتفسيرها وفهمها، يوزع «شهادات حسن السلوك» والرضى، على هذا الكاتب أو ذاك.</p><p style="text-align:justify;">&nbsp;لو توافرت لدينا مؤسسة نقدية حقيقية ما وجد هذا النوع من النقد، لأنه ينكسر بسرعة عند بواباتها السميكة بموضوعيتها ومتانتها. شهد العالم العربي في السنوات الأخيرة، وبشكل غير مسبوق، ظهور كم هائل من النصوص الروائية تجاوز في بعض معارض السنوات الأخيرة الخمسين ألف نص روائي (حسب مرصد النشر في المعارض العربية). السؤال الأولي البسيط: هل قرأ النقاد هذا النتاج الأدبي بمسافة وتبصر، بغثّه وسمينه؟ هل فسروا الظاهرة العددية في سنوات قليلة؟ الموضوعات المهيمنة والأشكال الأدبية؟ النظم الروائية المستجدة؟ لكن يقتضي ذلك قراءة حقيقية، أين هي؟ كيف يمكن أن نفسر هذه الظاهرة العددية؟ هل يملك هؤلاء النقاد العدة الثقافية والاجتماعية والأنثروبولوجية وحتى الأخلاقية التي تمكنهم من إنجاز قراءة نقدية حقيقية؟ هل فعلوا شيئاً للدفع ببعض التجارب النقدية إلى الأمام؟ هل كانوا وراء تمايز الكثير من الروائيين العرب الذين برزوا أو فازوا بالجوائز، محلياً وعربياً ودولياً؟ لقد حرث الروائيون والروائيات العرب في أرض جافة حتى تخطوا عتبات المحلية الضيقة، فماذا فعل النقد لهم سوى أنه راح يسفه جهودهم الإبداعية، وينقص من قيمة أعمالهم الفائزة ويحط من إبداعيتها، دون أن يكون الموقف مؤسساً نقدياً على قراءات نصية حقيقية ترتقي بالقراءة نحو أبعادها الأكثر اتساعاً.</p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[موقع 180 مقالات]]></author>
                <guid>13816</guid>
                <pubDate>Wed, 20 Apr 2022 17:52:20 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[القراءة ومسؤوليات صناعتها]]></title>
                <link>القراءة-ومسؤوليات-صناعتها</link>
                <description><![CDATA[<p style="text-align:justify;"><strong><img class="image_resized" style="width:60px;" src="https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2019/06/%D8%B9%D9%84%D9%8A-%D8%AD%D8%B3%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%88%D8%A7%D8%B2-150x150.jpg" alt=""> علي حسن الفواز</strong></p><p style="text-align:justify;">نقرأ لنكتب، والعكس لا يجوز تماما، لأن الكتابة قد تصبح جزءا من التعوّد والخبرة، لكنّ خلوها من إدامة الكشوفات القرائية سيجعلها مكررة، ومتشابهة، وربما لا جدّة فيها، سوى اللغو الإنشائي الحاذق والغاوي بما هو بصري خادع.<br>الانحياز للقراءة هو انحياز لتمثيل المعرفة، وللثقة بديمومة إضافاتها، وبقدر عدم تشابهها مع «خرفان» بول فاليري، في اصطناع صورة الأسد الافتراضي، فإنها تبدو الأقرب إلى الترياق الذي نحتاجه للتواصل، ولإعادة النظر في الكثير من «سموم» التاريخ، ومن رهاب الوصايا وسردياتها، وهذا ما يدعو إلى التحفيز على الاهتمام بـ»صناعة القراءة» أي صناعة مؤسساتها، وصناعة قارئها، وتيسير أدواتها، والنظر إليها بوصفها جزءا من مسؤوليات البناء المجتمعي.<br>صناعة القراءة، ليست بعيدة عن صناعة الكتابة، التي ننظر إليها بوصفها جزءا من نظام التدوين والتوثيق، وهذه الخصال العظيمة هي من صنعَ العالم، ومن أخرجنا من مدونات الكهف، إلى الواح البردي وقراطيس الطين وصولا إلى المطبعة، وهذا المنجز التاريخي هو سيرورة الحضارة، بوصف الإنسان كائنا يكتب، لكن الكتابة تنتهي مع النص، وربما تنتهي مع تحولها إلى خطاب يدخل في التداول، وفي الاستعمال، أو في البيداغوجيا، أو في المحاضرة المدرسية، أو في خطاب الرئيس أو في موعظة الفقيه أو في أي شفاهية بقصدِ العرض، والغواية والاستهلاك.<br>مع نهاية الكتابة، أقصد كتابة النص، تبدأ الحاجة إلى القراءة، بوصفها حاجة للكشف والبحث عن الجديد، وعدم الوقوع في محظور المشابهة، أو الفقر المعرفي، وأحسب أن فعل القراءة – في هذا السياق – هو فعل حركي، له تمثلاته في» الإصغاء، أو التصفّح» الذي سيكون دليلا مُحرّضا على وعي الحاجة إلى التجاوز، وإلى فتح كوى، أو ممرات ـ سرية أو علنية – للاستدلال والكشف، وتجديد فعل الرؤية، وإلى تأكيد حضور «القارئ العمدة» كما سمّاه ريفاتير، بوصفه المائز، والاستثنائي في التعاطي مع الكتاب، وربما هو أنموذج الكاتب الذي يبحث عن قوة الخصوبة، وعن منح «العقل» هبته المقدسة.</p><p style="text-align:justify;"><strong>بورخيس – طه حسين القراءة بوصفها كتابة</strong></p><p style="text-align:justify;">الرؤية المُبصرة لا تعني حيازة عين الكاميرا وحسب، بل تعني أيضا حيازة العين المفكرة، تلك التي تحوّل فن الاصغاء، أو المقروء الصوتي، إلى طاقة هائلة للتفكير، وإلى كتابة بصرية، وهذا ما جعل بورخيس/ حارس المكتبة، وطه حسين/ حارس اللغة أكثر العلامات القرائية حضورا في شواهد معرفتنا المعاصرة، ورغم أن التاريخ يحفل بـ»عميان» عظماء مثل «هوميروس، بشار بن برد، أبي العلاء المعري، جون ميلتون، الأعشى قيس» إلا أن بورخيس وطه حسين جعلا من استثنائهما عملا خارقا، على مستوى تجديد وتوسيع فعل الكتابة، أو على مستوى العمل المؤسسي، إذ جعلا منه أفقا لتجديد مؤسسات القراءة والتعليم، وحتى التنوير، وهذا ما أعطى لمؤسستي «الجامعة والمكتبة» زخما معرفيا وتعليميا وقرائيا، أسهم في صناعة ظواهر ثقافية واسعة الطيف، تشبعت بقوة المقروء وإحالاته، وتكرست عبر التحفيز على دعم مؤسسات توسيع القراءة، وإنتاج الكتاب، وتنمية بنيته المكتبية والإنتاجية..</p><p style="text-align:justify;"><strong>القراءة وإشكالية المكتبة</strong></p><p style="text-align:justify;">من الصعب فصل الوجود عن القراءة، فكلّ ما فيها يخضع إلى موجهات مرجعياتها، فالصلاة وطقوسها فعل قرائي لنصٍ مكتوب، والاعتراف قراءة، والحب في أقسى مسّراته يتحول إلى تصريح شهواني، يستعيد إيروس اللغة وذاكرتها ونصوصها، وهذا ما يجعل القراءة تقوم بوظيفة الدعوة إلى الإشباع، وإلى البحث عن المختلف، أو تكون مصدرا مهما في بناء التفكير المنهجي، وتغذيته بمصادره العلمية، وهي مصادر تتطلب القراءة والاطلاع، لتعزز الوجود العياني والاستعمالي للنص المكتوب، كما في الرسائل والأطاريح الأكاديمية، فكلما اتسعت دائرة مرجعيات القراءة، اتسعت معها علمية النص، وزادت الثقة بمنهجيته..<br>تقول الإحصائيات العالمية: إن العرب لا يقرأون كثيرا، وإن النسب المتدنية للقراءة، تعكس ضعف صناعة الكتاب، والثقة به في البناء الحضاري لمجتمعاتها، ولمنظوماتها الثقافية والسياسية والاجتماعية، حتى التعليمية، وحديث استهلاك الكتاب المقروء تحول عند البعض إلى قياس للتطور، مثلما هو معيار لاستهلاك المعرفة، باعتبار أن هذا الكتاب سيكون مغذيا لفعل الكتابة والتدوين والتوثيق، وعلى نحوٍ ينطوي على إشارات تجعل من القراءة نظيرا للاستقرار الأهلي، إذ ارتبطت كلُّ الحضارات الكبرى، بالمكتبات، وببيوت المعرفة، بدءا من مكتبة آشور بانيبال ومكتبة الإسكندرية وبيت الحكمة، ومكتبة لندن وليس انتهاء بمكتبة الكونغرس الأمريكي.. علاقة المكتبة بالحضارة، هي العلاقة ذاتها مع المدينة، ومع رمزيتها الحضارية والمعرفية، فكلُّ المدن الكبرى تُعني بمكتباتها، وتعمل على تيسير خدماتها، لأنها تثق بالكتاب، وتمنح القارئ فرصا كبيرة لمقاربة المكتبة، ولحيازة الكتاب بوصفه «جهازا للتغذية» و»جليسا» يمنح قارئه لذائذ المعرفة، وشغف التعرّف على الأفكار، والحافز على تغذية هوية الكاتب، إذ لا كتابة دون عصف قرائي، أو عدوى قرائية..</p><blockquote><p style="text-align:justify;"><strong>ما يطبعه الكاتب العربي محدود، لأن استهلاك الكتاب محدود، ولأن النظر إلى الكتاب يظل كماليا، وليس قيميا، مقابل ذلك أن كثيرا من المثقفين لا يتعاطون مع هذه الفجوة بوصفها واقعا، ولا يعملون على ردمها، من خلال إعادة النظر بالحاجات الثقافية.</strong></p></blockquote><p style="text-align:justify;">إشكالية ضعف البناء المكتبي في «وطننا العربي» هي تمثيل لإشكالية مؤسسة الدولة، وخلل منظوماتها السياسية والثقافية، فظاهرة الاستبداد السياسي تنعكس عبر التعمية الثقافية، وباتجاه تكريس صور استعراضية لـ»المواطن الطائع» الذي تصنع له السلطة، خطابا دوغائميا يتغذى عبر الاستهلاك الذي تروّج له مؤسسات الفرجة والإعلام، مقابل أن تبقى المكتبة العامة تحت الرقابة، وبعيدة عن التجدد، إذ تبدو لزائرها وكأنها متحفٌ، وتحت إدارات متحفية، لا خطط لديها لتوسيع معروضها بالعناوين الجديدة، والمغايرة، والتعريف بها عبر الإعلانات، أو التنسيق مع وسائل الإعلام لتقديم برامج وعروض عنها، ولجعلها جزءا من النظام المدرسي والجامعي.. وحتى انتعاش المكتبات الخاصة، ودور النشر الخاصة، ليس بعيدا عن هذه المغايرة، وعن التحول في اقتصادات المعرفة، فهو يعكس وعيا بأهمية «صناعة الكتاب» وتحويل «بضاعته» إلى جزء من التنافس، وإلى تنمية أسواقها، وبقطع النظر عن الطابع الاستهلاكي لهذه الأسواق، فإن النزوع إلى هذا التحويل الصناعي والإنتاجي يعكس أهمية وجود الكتاب في الحياة، وفي السوق، لكن تبقى الحاجة إلى تيسير فعل القراءة من الأمور التي تتطلب مسؤولية مؤسساتية، تقترن بالعمل على دعم برامج «مجانية التعليم» فضلا عن أهمية أن تكون صناعة الكتاب مدعومة، مثلما هو الخبز، لأن الحاجة إلى المعرفة والتعلّم من أساسيات بناء المجتمعات الحديثة، لاسيما تلك التي عانت من «ذاكرة» كولونيالية مرعبة، وتعاني اليوم من صراعات أهلية، ومن عنف مجتمعي واستشراء لأفكار التطرف والكراهية ونبذ الآخر، وهو ما يعني ضرورة العمل تخطيطا وتنظيما وتمكينا لأنسنة تلك الحاجة، وقوننتها، وربطها بمؤسسات التنمية البشرية والمستدامة..</p><p style="text-align:justify;"><strong>القراءة الرقمية والملاذ غير الآمن</strong></p><p style="text-align:justify;">تظل خطورة الكتابة محصورة في أن تكون وثائق، وبالتالي فإنها ستكون جزءا من الحيازة السياسية، أو حدود ملكيتها، لكن خطورة القراءة تكمن في قسر حريتها، وفي تحديدها، وفي إخضاعها إلى التنميط، وإلى الرقابة، وعزلها عن الجديد، وهذا ما يجعل فعل القراءة رهينا بأيديولوجيا السلطة، وبفاعلية رقابتها، ونظرتها لمفهوم «الأمن الثقافي» لكن ما يحدث في العالم الآن، أسهم في تقويض «حاكمية القراءة» وفي إعادة توصيف القارئ، لتكون هويته الرقمية تمثيلا لوعي مغاير، ولاستعمالات مغايرة.<br>لقد قوّض العالم الرقمي الفكرة السائدة عن «الأمن الثقافي» و»الصيانة الثقافية» واجترح نوعا من «الهابيتوس» الذي دفع إلى البحث عن ملاذات خاصة، لها دورها في توسيع مفهوم «المكتبة» أقصد «المكتبة الحكومية» وإن بدء عصر القارئ الخصوصي، والمكتبة الخصوصية، سيكون عنصرا في بناء «المجال الخصوصي» الذي سيُعطي للوسائط الرقمية مجالها في تيسير الحصول على المقروء، وفي تجاوز فكرة الرقيب، وفكرة الكتاب الممنوع، وإيجاد نوع من التداولية، بما فيها تداولية النصوص بعيدا عن السياق الحاكم والمهيمن، وقريبا من السياق الذي باتت تقوده وتتحكم به «الجروبات» وليس الحكومات، أو الأحزاب الكبرى، أو الشركات العابرة للقارات. إن خصوصية المقروء الرقمي – رغم جرأته وحيويته وجدّته- يبقى محدودا، فالأمية الرقمية، لا تقل شأنا عن الأمية الأبجدية، وإن أرقامها مخيفة كما تقول المنظمات الدولية، وهو يتطلب إجراءات سسيوثقافية وتعليمية، تبدأ من عمليات الدمج الثقافي الممنهج والعلمي في الفضاء المعرفي، وفي تهيئة البيئات المدرسية والجامعية للتفاعل والتواصل مع الخطاب الرقمي، على مستوى التقانات، والاعتراف بالخطاب الرقمي، وعلى مستوى العمل على فتح المكتبات الرقمية في المؤسسات التي تستهلك المعرفة مثل، المدارس والكليات ومؤسسات المجتمع المدني ونوادي الشباب وغيرها، فضلا عن ربط المقروء الرقمي بآليات صناعة الكتاب ذاته، وتشجيع الكتّاب على تيسير طبع نسخ إلكترونية مع إصدارهم لكُتبهم الورقية.</p><p style="text-align:justify;"><strong>المثقف العربي والقراءة</strong></p><p style="text-align:justify;">السؤال المفارق حول عدد قراء المطبوع الثقافي، يُعيدنا إلى مربع البحث عن القارئ، فهل يمكن صناعة هذا القارئ، ولفت انتباهه للكتاب الثقافي؟<br>قد لا تبدو الإجابة محددة، لكنها مُحفِزة، إذ يعيش واقعنا العربي أزمات وصراعات قارّة، قد يكون الجوع إلى الخبز والأمن أكثر أهمية من الجوع إلى الكتاب، لكن لو فككنا مفردة الجوع الأول، فسنجد أن بعض أسبابها ترتبط بالجوع الثاني، لأن كثيرا من مصائبنا ذات مرجعيات ثقافية، فالاستبداد والإرهاب والعنف والكراهية والعلاقة الملتبسة مع الآخر هي ظواهر ثقافية في جوهرها، وتحتاج إلى معالجات ثقافية، لكن طبيعة الأنماط الحاكمة تعمل على تكريس الجوع البايولوجي حتى لا يتحفز الجوع الثقافي، وهو جوع ثوري بطبيعته..<br>ما يطبعه الكاتب العربي محدود، لأن استهلاك الكتاب محدود، ولأن النظر إلى الكتاب يظل كماليا، وليس قيميا، مقابل ذلك أن كثيرا من المثقفين لا يتعاطون مع هذه الفجوة بوصفها واقعا، ولا يعملون على ردمها، من خلال إعادة النظر بالحاجات الثقافية، فوهم العزلة، والأدبية المفرطة، والمعالجة غير الواقعية قد تجعل من المجال الثقافي بعيدا عن «المجال العمومي» الذي تحدث عنه هابرماس، الذي نحتاج إلى إعادة توصيفه ليكون مجالا حيويا، وليس مجالا بورجوازيا، كما أراده هابرماس، وباتجاه فتح منصات للحوار والبحث عن محركات تعيد النظر في السؤال الثقافي، وفي مفاهيم الهيمنة والنخبة والاجتماع والحرية والاستهلاك، لكي نمنح صناعة القراءة الثقافية أفقا للتوسع، ومجالا للتنافس مع القراءات الأخرى التي تعمل على تخريف العالم…</p><p style="text-align:justify;">كاتب عراقي</p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[موقع 180 مقالات]]></author>
                <guid>13796</guid>
                <pubDate>Mon, 18 Apr 2022 22:36:01 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[هيفاء زنكنة تكتب: نزيف العقل العراقي… رحيل العلماء في الشتات]]></title>
                <link>هيفاء-زنكنة-تكتب-نزيف-العقل-العراقي…-رحيل-العلماء-في-الشتات</link>
                <description><![CDATA[<p style="text-align:justify;"><strong><img class="image_resized" style="width:60px;" src="https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2018/04/12qpt698-6-150x150.jpg" alt=""> هيفاء زنكنة</strong></p><p style="text-align:justify;">كم من العلماء والأكاديميين وعموم المثقفين أجبروا على الرحيل من العراق، على مدى العقود؟ يُجبر على الرحيل إما قمعا أو إهانة وإهمالا أو لتلقيه طلقة في مظروف تستهدف حياته. في كل حقبة، يُنتزع من جسد الوطن عقل ومحظوظ من بقي حيا تحت سياط القمع والغزو وتصفيات الاحتلال.<br>في المنفى، الذي غالبا ما يمتد ليشمل سنوات العمر كله، إما أن تتاح للمنفي فرصة أن يترعرع ويزدهر في البلد الثاني، أو يذوي بعيدا عن منبعه، يُدفن في أرض غريبة ملتفا بوجع القلب، حنينا إلى بلده. كم من العقول العراقية ترجلت من قطار الحياة في محطات الشتات؟ قائمة الأسماء طويلة لخسارة كبيرة كأشخاص وثروة وطنية. أليس الأنسان هو أغلى رأسمال، فكيف به إذا كان عقلا منتجا للمعرفة؟<br>آخر الراحلين العراقيين في الشتات هو الأكاديمي منذر نعمان الأعظمي، المتخصص في حقل تعليم الرياضيات إستنادا إلى علم النفس المعرفي والابستيمولوجيا وعلم النفس الاجتماعي. رحل وهو يعمل، آخر أيامه، مع أساتذة من جنوب أفريقيا لتطوير فهم وتعليم الرياضيات هناك، استمرارا لما قام به طوال حياته في مجال الرياضيات وتطوير الذكاء.<br>في رثائه، كتبت بروفسورة مارغريت براون، رئيسة جامعة « كينغز كوليدج للتعليم» – بجامعة لندن، لصحيفة « الغارديان» البريطانية « كان زميلي وصديقي منذر الأعظمي، رائدا في مجال تعليم الرياضيات وناشطا سياسيا، ركز على دعم المدرسين وحثهم على تنمية قدرة التلاميذ على التفكير، وإعداد الدروس التي تشجع على المشاركة النشطة في التفكير الرياضي لجميع الأطفال وتطوير الذكاء… كان منذر ناشطًا فكريًا، يحاول بلا كلل فهم العالم وينخرط في نشاطات لتحسينه، سواء في التعليم أو السياسة. لقد كان سخيا بوقته وتعاونه مع الآخرين، وكانت شراكته في العمل محفزة دائما، وإن كانت مرهقة في بعض الأحيان».<br>وكان منذر قد عمل مع بروفسورة براون في الثمانينيات وحتى 1993، في برنامج « التقييم المتدرج في الرياضيات» الذي أصدر 11 مجلدا يجمع بين النظرية والتطبيق. وكان الباحث الرئيسي لبرنامج « التسريع الفكري عبر الرياضيات» الذي أصدر مجلدات تعليمية، اعتُمِدَت رسميا من قبل وزارة التربية البريطانية.<br>وحتى رحيله، كان منذر مديرا لـ« هيئة التنمية الفكرية» وهي مؤسسة خيرية بريطانية مقرها لندن، تهدف إلى الاستثمار الكامل للإمكانات المعرفية لدى التلاميذ من خلال إغناء المناهج الدراسية، وطرق التدريس والتطوير المهني للمدرسين في المواد الدراسية الأساسية في المدارس الابتدائية والثانوية.</p><blockquote><p style="text-align:justify;"><strong>كم من العلماء والأكاديميين وعموم المثقفين أجبروا على الرحيل من العراق، على مدى العقود؟ يُجبر على الرحيل إما قمعا أو إهانة وإهمالا أو لتلقيه طلقة في مظروف تستهدف حياته</strong></p></blockquote><p style="text-align:justify;">من التعليم إلى السياسة، عمل منذر على صياغة برنامج « التدرج في المساهمة الديمقراطية» مركزا على مجالات الخدمات غير السياسية التي يمكن لمؤسسات المجتمع المدني تقديمها فيما أطلق عليه مصطلح « الاستثمار الاجتماعي». وعن دور التعليم في البناء الديمقراطي في بلداننا، كان سؤاله الأبرز: « من يُعلم المعلمين؟». هل بإمكانهم نقل قيم لم يتربوا هم أنفسهم عليها، إلى طلابهم؟ وكيف يمكن حل هذه المعضلة في غياب النشاط الصفي المحفز لصياغة أسئلة من قبل الطلاب أنفسهم، حيث تجري غربلتها وبلورتها؟ هل يمكن الاعتماد على معلمين من بلدان وثقافات ولغات أخرى أم علينا ابتداع طريق تجريبي يساهم فيه المعلمون والطلاب سوية يجمع بين التفكير النقدي والتحليلي والتفكير الإبداعي التركيبي، مما يقود ضمنيا إلى تقبل الاختلاف وبالتالي المواطنة والديمقراطية؟<br>من هذا المنطلق، ولأنه أراد نقل خبرته الى العالم العربي، حاول تقديم دروسا نموذجية لتطبيق برنامج التسريع الذهني، مع أمثلة للرياضيات الاستكشافية والتدرجية، بمدارس في تونس العاصمة، كما تمكن من إقناع زملاء بريطانيين بالمجيء إلى تونس لإدارة ورشات تعليم دورية، الا أن اهتمام المعلمين وأهالي التلاميذ بالنتائج السريعة لم يساعد على استمرار المشروع أو الحلم الذي أراد من خلاله التعويض عما كان بالإمكان إنجازه في العراق، كمبادرة فردية ـ تطوعية تحث وتحفز بمواجهة غياب الإرادة السياسية للإصلاح التربوي،الذي يكاد يكون في إهماله « عاديا» ومقبولا في معظم البلدان العربية. حاول منذر طوال مسيرته المهنية إيجاد السبل لعلاج ظاهرة الخوف والنفور من الرياضيات الشائعة بين التلاميذ وحتى المهنيين. استنادا الى قناعته « بأن سبب القلق والنفور هو أسلوب التعليم نفسه، بحيث يتم إعادة إنتاج أو بث هذا القلق بين الأجيال الجديدة من المعلمين أنفسهم دون قصد منهم».<br>وقد جعله شغفه وفضوله الفكري بالتساؤل في كل المجالات، وعمله على إيجاد السبل لكي يسترد العراق عافيته، أقرب ما يكون الى رجل عصر النهضة في اهتماماته الممتدة من ترجمة الشعر والكتابة الصحافية إلى الموسيقى وكتابة مسرحية عن عائلة لا تلتقي، والرسم بمهارة وروح تليق بفنان.<br>أراه حاضرا، كما لو كان واقفا أمام مرآة، في ملاحظات سريعة كتبها عن معرض حضره، بلندن، للوحة واحدة من لوحات ليوناردو دافنشي «اهتمامات هذا الرجل متعددة بدءاً بالجيولوجي وانتهاء بالفن والمعاني الرمزية وتجاوز زمانه. أعتقد أن دافنشي أقرب الفنانين للعلم كما هو للفن. لقد نجح فعلا في تصوير البعد الثالث عبر الظلال وتقنيات اخرى يصعب فهمها».<br>في تونس، أغمض منذر عينيه للمرة الأخيرة. « في أرض الله الواسعة بعد تشتت العراقيين. لا ضير في ذلك غير أن أجسادنا لن تزيد من خصوبة أرض العراق». هو الذي غادر العراق ولم يغادره أبدا، حاملا فلسطين في قلبه، مرددا أنها قضية ألعالم أجمع إذا أراد العالم أن يحافظ على إنسانيته. على ضريحه، حُفرت ترنيمة تجمع بينه وبين رفيقه مظفر النواب والشاعر التشيلي بابلو نيرودا وبدر شاكر السياب. « عراق… عراق… قلنا: يا هذا الضالعُ بالهجرات / هل يوصلك البحر إلى العراق؟ / قال: أحمل كلَ البحر وأوصِلُ نفسي».</p><p>كاتبة من العراق</p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[موقع 180 مقالات]]></author>
                <guid>13793</guid>
                <pubDate>Mon, 18 Apr 2022 20:41:09 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[جمالية التجريب القصصي واستفزاز القارئ في «تقارير تونسية مهربة»]]></title>
                <link>جمالية-التجريب-القصصي-واستفزاز-القارئ-في-«تقارير-تونسية-مهربة»</link>
                <description><![CDATA[<p style="text-align:justify;"><strong>&nbsp;أصيل الشابي</strong></p><p style="text-align:justify;">تمثل مجموعة «تقارير مهربة» للقاص التونسي رضا بن صالح الصادرة عن دار ورقة للنشر في تونس في سنة 2018 وتقع في 96 صفحة من الحجم المتوسط عينة من هذه الكتابة القصصية العربية الجديدة التي تثير الكثير من الانتظار جماليا وموضوعيا، ولاسيما في مواجهة الطرافة النابعة من انفتاحها على جملة الفنون الأخرى لتضمها ضما إلى نسيجها وتعيد ربطها بالنسق الثقافي.</p><p style="text-align:justify;"><strong>في العنونة المستفزة:</strong></p><p style="text-align:justify;">يلاحظ قارئ «تقارير تونسية مهربة» من البداية طابع الاستفزاز في عنوان المجموعة بوجه خاص، لأن الظروف التي صدرت فيها تميزت بتحولات كبيرة في تونس، ولاسيما منها التحولات السياسية والمناداة بمحاسبة الفاسدين. ويشكل عنوان المجموعة للوهلة الأولى إحالة بارزة على الواقعي من خلال كلمة «تقارير» لولا التجنيس القصصي الذي يخفف من حدة هذه الإحالة ولا يُلغيها، ذلك أن الإحالة تظل في الواجهة، على الأقل، على مسار الإيحاء، كما يرتبط بها أفق الانتظار من حيث إمكانات توظيفها الجمالي.<br>وتشترك عناوين القصص في هيمنة الوظيفة الإشهارية عليها، فـ»رحلة إلى نيويورك» هو بالضبط العنوان الإشهاري في مطار من المطارات لرحلة جوية في اتجاه الولايات المتحدة الأمريكية، أما بالنسبة إلى «الزعيم» و»سقوط دولة عزازيل» و»الحادثة» فهي عبارة عن شعارات مرفوعة تبصرها العين في الاحتجاجات الجماهيرية. وتتأكد غلبة هذا الطابع الإشهاري في «قريبا في القاعات» و»قال الراوي» وهو ما يرسخ النسق التداولي الذي تنسجه العنونة، إذ تعمل على تثمير الإحالي بإضمارات كثيرة تشمل اليومية والرحلة والشعارات والإعلانات، وهي كلها خطابات من صميم التجربة الإنسانية الواقعية.</p><p style="text-align:justify;"><strong>انفتاح الخطاب القصصي على الفنون:</strong></p><p style="text-align:justify;">يكشف المرور من العناوين إلى متون القصص سمة الانفتاح على التأويل، ويكون هذا عادة، من طريق الراوي المتواطئ مع الكاتب وتوظيف تقنية العرض المسرحي، إذ يقول في قصة «شخصيات في انتظار المؤلف»: «عمدت كل شخصية إلى تخيل دور يمكن أن يمنحها إياه المؤلف. وظلت الشخصيات تنتقل من دور إلى دور. ومكثت تتخيل نفسها في وضعيات ممكنة ومستحيلة» ويقطع الراوي في قصة «الزعيم» سياق القص ليفتح بين الحين والآخر قوسين يضمنهما تشكيكا قويا في المتن القصصي ضاربا عُرض الحائط بكل توجه يمكن أن يتحقق في ذهن القارئ، من ذلك ما يرد على لسان الراوي» شرع الرجلان (المحامي والحاج مصطفى) يتحدثان بل يتهامسان» وسرعان ما يقطع هذا التطور باستداركه التالي» ( استغرب السارد المتعاقد الحديث والهمس بينهما، لأن هذا الفعل ليس واردا في القصة الأصلية. كان يقتضي المكتوب أن يمر المحامي بالحاج مرورا عجلا لإمضاء بعض الوثائق دون حاجة إلى الجلوس أو المحادثة. لكنه عجز عن التدخل وخشي على مورد رزقه بعد شهور من البطالة)».<br>وتؤسس تقنية الهامش في قصة «تقارير تونسية مهربة» هي الأخرى هذا المنحى في كسر المتون والتشكيك تشكيكا مضاعفا في سياق التخييل الذي تندرج فيه القصص بطبعها، فنقرأ: «في مفتتح هاته القصة: «هامش لا يُعرف واضعه: على إثر تفكك الاتحاد بعد عقود من قيامه واستقراره، تسربت وثائق سرية كثيرة إلى الصحافة الورقية والإلكترونية. وقد تبين وجود ثلاثة تقارير متعلقة بتونس». وتنهض قصص أخرى على تقنيات تفتح القص على التأويل وتقلبها جنسا قرائيا يستدعي تدخل القارئ في تنسيقه وإخراجه وعرضه، ومنها تقنية الخبر في قصة «صاحبة المقام» وتقنية المشهد السينمائي في قصة «قريبا في القاعات» .<br>يعني الانفتاح في هذه السياقات خلخلة القص من الداخل وتخييب أفق انتظار القارئ باستمرار، بجعله يواجه ممكنات قصصية عديدة بكسر كل ما هو خطي والخروج عنه، وهو ما يزرع التمرد في الشخصية القصصية، إذ لا تبدو مهادنة يستعملها الكاتب بنوايا مسبقة، وإنما هي في مستوى من المستويات ند للكاتب رضا بن صالح تتفاعل معه ويتفاعل معها في دائرة المحتمل. إن القصص، بمعنى أدق، مختبر بقدر ما يعني الكاتب يعني القارئ، ذلك أن التجربة الجمالية لا تنحصر في الكاتب، بل تفيض عليه لتشمل القارئ من خلال فعله التأويلي، وهو وجه تجديدي في القصة التونسية المعاصرة.</p><p style="text-align:justify;"><strong>لعبة المرجع من الخارج إلى الداخل:</strong></p><p style="text-align:justify;">لئن بدا المرجعي مستفزا في العناوين، فإنه أكثر استفزازا في متون القصص، يقول الراوي في قصة «الزعيم»: «بدأت هذه القصة كما تبدأ عادة كل القصص. بدأت في مقهى من مقاهي الأحياء الشعبية..» فهناك هذا اللافت الاجتماعي الواقعي المرفوع عاليا، وتظهره مؤشرات مختلفة هنا وهناك كقول الراوي في قصة «الحادثة»: «لا أحد تخيل أن تقع تلك الحادثة مع المطربة الشعبية المشهورة». ويقول الراوي في قصة «رحلة إلى نيورك» عن البطل: «ترك مدينته خلفه. باع ضيعة والده في فرنانة. باع قطيع البقر». وتتميز شخصيات قصة «شخصيات في انتظار المؤلف» بأنها شخصيات هامشية من القاع، وكذلك بقية الشخصيات إلى حد كبير، بما في ذلك شخصية المتنبي مرورا بشخصيات قصة «صاحبة المقام» حيث يحضر الحلم وسيدي بلحسن، ولا تخلو قصة «سقوط دولة عزازيل» إلى جانب شخصياتها من غير الإنس من شخصيات إنسانية ذات دلالات قوية، أبرزها المطربة المعروفة أم كلثوم ومؤشرات على الواقع كالسيجار الكوبي، لكن المرجعي في هذه السمة المهيمنة، رهين التأويل بفعل انفتاح القص على تلك التقنيات الفنية. وتظهر ضمن هذا الإطار المفارقات التي تحياها الشخصيات بين ما هو كائن وما هو مأمول، فالكائن خيبة والمأمول هو الهروب من تلك الخيبة التي تتجاوز الشخصية إلى أطرها المتخيلة المحيلة على أطر تونسية واقعية، ولعل حركة كسر القص المتواصلة صدى لهذه المفارقات المصيرية التي تتحدد وفقها عوالم الشخصيات. إن المرجعي مخادع في مستوى أدق إذ يستدرج القارئ ـ المتفرج إلى عوالم متخيلة يبنيها بنفسه ضمن دائرة تجمع في أساسها بين فعل القراءة وفعل الإنصات.<br>ويلقى اللافت التاريخي المصير نفسه، فهو يُعلن، على سبيل المثال لا الحصر، في قصة «قال الراوي» تطارد شخصية الباحث البشير الزغلامي في مدينة إسطنبول التركية مخطوط ابن الكوفي» الاقتضاب في سيرة المشايخ والصوفية الأقطاب، ليصطدم لاحقا بما طال المخطوط من حذف وإضافة وتغيير ودس إلى حد التماثل مع رسالة الغفران لأبي العلاء المعري مرة ومع ألف ليلة وليلة ثانية.<br>ويصل التلاعب بالمرجع، سواء كان واقعيا أو تاريخيا، إلى ذروته حينما يتحول إلى موضوع للسخرية، كما هو الحال بالنسبة إلى شخصية المتنبي «في محطة المترو مسافرون وطلبة.. الشاعر مطرقا حزينا يحاول مواصلة المسير فتجذبه شابة تصيح: (رد بالك ميترو) ينظر إليها. يسألها: (ما المترو أهو اسم علجي في بلادكم؟) تضحك الفتاة وتقول: (حلوة فازتك. شنوا ما تقوليش هذا تبزنيش ناس قبل؟ هذا مترو يا سي سيبويه)» ثم تقترح هذه الشخصية على الناس في مقهى الكواكب في حي شعبي غربي العاصمة» أن يخرجوا على سلطان تونس فيصيحون:»فكرة والله فكرة خلينا نسخنوا الجو».</p><p style="text-align:justify;"><strong>استفزاز القارئ بالقصة:</strong></p><p style="text-align:justify;">يظهر جليا مما سبق أن هناك تمردا على المرجع بأبعاده، لكن هذا التمرد في أساسه تمرد على الواقع ومواجهة له كما في كلام كحلوشة للزعيم في قصة «الزعيم» إذ يستغرب عودته من الخليج قائلا: «عجبا! ما الذي عاد بك يا زعيم؟ تترك العملة الصعبة والسيارات الفارهة والقصور لتعود إلى هذه الحفرة النتنة؟». إن شخصية كحلوشة شعبية بامتياز بدءا من صوغ اسمها هذا الصوغ الشعبي الذي يألفه كل تونسي بحس الدعابة الذي يملؤه، وهي معروفة بترددها على السجن، مما يجلو علاقتها المتمردة بواقعها الاجتماعي، ولهذه الشخصية أقنعة كثيرة في القصص الأخرى، وأشهر أحلامه أن يرتحل إلى نيويورك ويغادر الوطن، بينما شخصية الزعيم مثقفة تبحث عن الإبداع، فلا تجد له منفذا في ظل التضييق بما في ذلك التضييق الأمني وازدراء الحرية، يقول في رده على كحلوشة: «لا حكاية ولا .. كل ما في الأمر أنهم وضعوني في مكتب ضيق معتم.</p><p style="text-align:justify;">كانوا يحضرون إليّ الشخصيات والحكايات ويقولون ركب الحكاية واختم، فأقول لهم ما هكذا تُكتب الحكايات اللذيذة، فيردون عليّ: هذه أمور لا تعنيك، أنت تتقاضى أجرك لتنفيذ الأوامر». ولهذه الشخصية أقنعة في القصص الأخرى كقناع أستاذ الفلسفة ومحقق الكتب التراثية وغيرها، ومصيرها الفشل والخيبة والانكسار.<br>تمثل الشخصية بنوعيها السابقين مدخلا لاستفزاز القارئ، وقد رأينا أن تكوين الشخصية النفسي والذهني والمادي علامة بارزة في هذا الصدد، غير أن الفراغات التي تحدثها خلخلة القص من الداخل، وتحل التأويل محل استقبال القصة هي العلامة الأخرى الأبرز التي تسمح بتأثر هذا الاستفزاز وتقصيه لا فقط في بعده الاجتماعي وإنما أيضا في بعده السياسي، وهو بعد يحيّن القص ويجعله منتميا زمنيا ومكانيا، أي متجذرا في سياقه الثقافي الكبير الموسوم بغياب القيم الفكرية والجمالية والاجتماعية والفساد السياسي، فعطب الشخصيات لا يأتي من عدم. ولا شك في أن كتابة كهذه ما بعد حداثية تهدم الحدود بين الفنون، كما تهدم العلاقة الآلية بين الدال والمدلول محرضة على إعادة النظر في الذوات والأشياء في ظل الفوضى الحاصلة في الواقع.</p><p style="text-align:justify;">ناقد تونسي</p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[موقع 180 مقالات]]></author>
                <guid>13782</guid>
                <pubDate>Sun, 17 Apr 2022 18:58:17 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[الموهبة.. عندما تألقت «مربوحة» في «الكبير أوي»]]></title>
                <link>الموهبة-عندما-تألقت-«مربوحة»-في-«الكبير-أوي»</link>
                <description><![CDATA[<p style="text-align:justify;"><a href="https://mubasher.aljazeera.net/author/%D8%B3%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9-%D8%B9%D9%84%D9%8A"><img class="image_resized" style="width:60px;" src="https://mubasher.aljazeera.net/wp-content/uploads/2017/04/%D8%B3%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9-%D8%B9%D9%84%D9%8A.png?resize=96%2C96" alt="سامية علي"></a></p><p style="text-align:justify;"><span style="color:hsl(0,75%,60%);"><strong>سامية علي</strong></span></p><p style="text-align:justify;">الموهبة، تلك الكلمة السحرية، ذلك العرق المندس في جنس البشر، الذي ينفجر في أي لحظة ليُخرج أشكالاً من الإبداع لا تنتهي بل تتخطى حدود المألوف عند الكثيرين.</p><p style="text-align:justify;">قد لا يمكننا وصف الموهبة بشكل دقيق، لكننا ربما نراها في طفل يظل يتابع وينظر بحدة إلى أقرانه من الصبية وهم يركلون الكرة بأقدامهم الطرية الغضة، ثم تراه يهوي وينزل معهم محدثًا جلبة وموجة تسحر الناظرين داخل الملعب، أو ربما تشاهد فتاة وقفت على مسرح ما فسلبت ألباب الجميع.</p><p style="text-align:justify;">وقد تراها في صورة طفلة هزيلة لا تلقي لها بالًا، تقوم برسم لوحة رائعة تجذب الأنظار بالإبداع في الخطوط والألوان، أو تراها في حرفي يقوم بممارسة موهبته العظيمة في تطعيم الخشب بالصدف ليبدع بأشكال مذهلة أجمل التحف.</p><blockquote><p style="text-align:justify;"><strong>مواهب مهدور حقها</strong></p></blockquote><p style="text-align:justify;">وقد تتجلى الموهبة في أداء ممثلة مغمورة لم تكن قد عُرفت من قبل، ولكنها حصلت على فرصة فأبدعت وأجادت، وأدت من الأدوار ما فيها من براعة وجمال، لتبهر الجميع بما أظهرت من هذه الموهبة المدهشة، تمامًا كما فعلت الفنانة “رحمة أحمد” عندما أطلت على الجمهور في أول بطولة لها في مسلسل “الكبير أوي 6″، بشخصية (مربوحة) فخطفت قلوب المشاهدين بعفويتها، محققة ردود فعل واسعة تصدرت جميع مواقع التواصل الاجتماعي.</p><p style="text-align:justify;">وتزايدت الأسئلة حول مشوارها الفني، ليُعرف فيما بعد أنها بدأت هوايتها في التمثيل من خلال مسرح الجامعة، ومن ثم التحقت بورشة نقابة المهن التمثيلية، وشاركت في العديد من الأعمال المسرحية في القطاع الخاص، وبدأت مع التلفزيون من خلال برنامج “أمين وشركاه”، حتى حالفها الحظ وتم اختيارها في أول عمل فني على شاشة التلفزيون مع النجم أحمد مكي في الجزء السادس من مسلسله الشهير “الكبير أوي”.</p><p style="text-align:justify;">لتسلط الضوء على كم هائل من المواهب الشابة المهدور حقها بسبب عوامل كثيرة، منها الشللية والمحسوبية المنتشرة في العديد من الأوساط العملية، وخاصة في الوسط الفني الذي تكثر فيه هذه الأشياء. ويبقى السؤال المحزن: هل يهتم المجتمع ومؤسساته بهؤلاء الموهوبين ويدعمهم حتى يحصلوا على فرصة تظهر فيها مواهبهم كاملة، أم إن هناك عوامل أخرى تحول دون ذلك؟</p><p style="text-align:justify;">وربما يكون ما يُسمّى “الواسطة” أحد النماذج القديمة الحديثة والمستمرة، بحيث تحجب عن الموهوبين فرصهم في النجاح والحياة. فعندما يستغل الفرد سلطته أو منصبه الرسمي لمنح امتيازات أو توظيف أفراد غير مؤهلين ويفتقرون إلى الخبرة من العائلة أو الأصدقاء بدلًا من الأفراد الذين يكونون مؤهلين أكثر من هؤلاء المقربين، فإنه بهذا يمارس ما يُسمّى المحسوبية.  نتيجة لذلك، تنخفض المعنويات لدى المؤهلين ويتسرب إليهم الحزن والاستياء من رؤسائهم، واليأس من الحصول على أي فرصة، الأمر الذي يترتب عليه تدهور في جودة العمل داخل المنظمات المعنية.</p><blockquote><p style="text-align:justify;"><strong>إدارة المواهب</strong></p></blockquote><p style="text-align:justify;">إن إدارة المواهب بشكل صحيح هو عنوان التقدم للمجتمعات في شتى المجالات، حيث اكتشاف الإمكانات لجميع الموهوبين وإبرازهم للمجتمع، وبذلك يكون التقدم والتطور للدول في شتى العلوم، والإبداع على كل المستويات.   ولا بد من الإشارة إلى أن مواقع التواصل الاجتماعي قد أدت دورًا سلبيًّا أيضًا مع كثير من الموهوبين، فالغلبة أصبحت لمن له صوت عالٍ على تلك المواقع ويشاهده الملايين من المتابعين، حتى إن كان يقدم محتوى رديئًا، لكن للأسف، فإن شاشات عدة تتهافت عليه، وتنشر له دور النشر كلامه الغث لمجرد أن لديه كتيبة من البسطاء والمؤيدين، يدافعون عنه ويشجعونه، وكم من موهبة قُتلت او اندثرت بسبب تلك النجومية الزائفة.</p><p style="text-align:justify;">ولذلك، يجب أن يكون في كل مؤسسة أو دولة مفهوم إدارة المواهب، التي تعني ببساطة، الاستثمار في أهم مورد للمؤسسة أو الدولة، وهم أفراد المؤسسة أو مواطنو الدولة، لكي تحقق هذه الغايات، بحيث يقوم أصحاب الأعمال أو المسؤولون بتعيين أشخاص مناسبين ممن يتمتعون بمهارات جيدة، ويتطلعون إلى المستقبل، ثم يقومون بتصنيف هؤلاء الأشخاص وتدريبهم وتحفيزهم باستمرار على تحسين أدائهم على المدى الطويل، مما يجعل لهؤلاء الأشخاص العديد من الأسباب لبقائهم في العمل والقيام بمهامهم على أكمل وجه.</p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[موقع 180 مقالات]]></author>
                <guid>13773</guid>
                <pubDate>Sun, 17 Apr 2022 12:58:04 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[غادة السمان تكتب: أعترف، أشعر بالغيرة!]]></title>
                <link>غادة-السمان-تكتب-أعترف،-أشعر-بالغيرة</link>
                <description><![CDATA[<p style="text-align:justify;">أنا مدمنة! مدمنة الذهاب إلى مكتبات باريس الثرية بكتب جذابة وأعود منها بالمزيد من الكتب الجميلة التي احتلت بيتي وحتى سريري، ولم أعد أجد مكاناً أنام فيه، فالكتب تتوالد في بيتي بعد كل غارة غرام أقوم بها على إحدى مكتبات باريس وأعود منها مثقلة بالكتب. آخر هذه الكتب التي عدتُ بها يدعى «فرنسا التي أحب» وهو من تأليف بيير بونتيه ويضم 280 صورة لأماكن جميلة وقرى حلوة في فرنسا، ويقع الكتاب في 290 صفحة من القطع الكبير وصدر عن منشورات «ألبان ميشيل» في باريس، ولأنه مطبوع على أوراق فاخرة إكراماً للصور البديعة فقد وجدت صعوبة في حمله من المكتبة إلى البيت لأنني لست بطلة في حمل الأثقال!</p><p style="text-align:justify;"><strong>ينقصنا المال والأمان!</strong></p><p style="text-align:justify;">شعرت بالغيرة لأنه ليس في أي قطر من أقطار بلادنا العربية كتاب كهذا يرسم جمالها بجبالها وقراها وأنهارها ومدنها.. ماذا ينقصنا؟ جمال اللغة التي يتميز بها هذا الكتاب؟ لدينا أدباء يحبون أوطانهم العربية ولا يفوتهم جمالها، لكن كتاباً كهذا يحتاج إلى الكثير لتستطيع دور النشر العربية تمويل إصداره، ويحتاج إلى أوطان لا تمزقها الحروب المحلية.. ثم إن معظم الصور البديعة التي يضمها الكتاب تم التقاطها من السماء (من طائرة هيليكوبتر غالباً ودون توسط وزير السياحة العربي في أي قطر، إذ سيساء الظن بتلك الطائرة غير الحربية التي تحلق لتلتقط صور جمال أوطاننا، ولا بد من حمل وثيقة السماح بتحليقها والتقاطها لصور «لا حربية» بل «جمالية».</p><p style="text-align:justify;"><strong>حين يعشق المؤلف موضوعه يبدع</strong></p><p style="text-align:justify;">بيير بونتيه مؤلف الكتاب، يعشق فرنسا وينتقل حبه إلى القارئ، ويذكر في الفصل الأخير من كتابه أن بعض السياح يأتون إليه شاكرين، فلولاه لما زاروا تلك القرى النائية والحقول وفرنسا الخلابة بمدنها (مثل مرسيليا) وقراها مثل (بيل دو بروفانس)، وتخيلت كتاباً كهذا الكتاب عن عالمنا العربي الجميل وشعرت بالغيرة الجارفة لتعذر ذلك.</p><p style="text-align:justify;"><strong>الحب أولاً</strong></p><p style="text-align:justify;">الشرط الضروري لإصدار كتاب كهذا هو غرام المؤلف بموضوعه واستعداد دار النشر للمغامرة بمالها لإصداره ولترجمته إلى لغات أجنبية، وهكذا تجتذب تدمر سوريا وبترا الأردن وأهرامات مصر ومكة المكرمة والمدينة المنورة واليمن وما لا يحصى من جماليات أقطارنا العربية.. والمهم أن يغرم المؤلف بوطنه المحلي والعربي (ولا يحلم بالهجرة مثلاً) كما أغرم مؤلف كتاب «فرنسا التي أحب» الأستاذ بيير بونتيه بوطنه وجمالياته ووجد دار نشر (ألبان ميشيل) ترضى بتمويل كتاب كهذا. ولذا، تلتهمني الغيرة ربما لأن مشروع كتاب كهذا عن عالمنا العربي أو عن أي قطر عربي أمر صعب (متعذر؟) في يومنا. ولكن معظم العرب يعشقون أوطانهم بالتأكيد حتى ولو هاجروا سعياً وراء اللقمة والحرية وغرقت بالعديد منهم المراكب، واسألوا الطفل إيلان الذي لفظه البحر قتيلاً غريقاً على أحد الشواطئ!</p><p style="text-align:justify;"><strong>باريس الأمس واليوم</strong></p><p style="text-align:justify;">كتاب آخر فاخر الطباعة والصور عدت به من (غزوتي) لشراء كتب فرنسية جميل، اسمه (باريس الأمس واليوم) تأليف مادلين لوفو فرنانديز، تصوير برنار لادوكس، صادر عن «منشورات ماسان ـ باريس» ويقع في 200 صفحة من القطع الكبير والورق المصقول.<br>المدن كالبشر تتبدل مع الزمن، وهذا الكتاب يرصد صور أحياء باريس كيف كانت وكيف صارت، بما في ذلك الحي الذي أقيم فيه اليوم في ناطحة سحاب لم تكن موجودة قبل أعوام مثلاً. بل كان يحتل الحي المعمل لصناعة السيارات وبيعها.. (سيارات رينو).<br>الآن صار اسم الحي: ضفة نهر السين، وهذا لم يتبدل، ولا شبه الجزيرة التي تتوسط نهر السين وتدعى «ممر البجع». وثمة ناطحات سحاب أخرى تم تعميرها على ضفة نهر السين يقيم فيها أمثالي. في البداية كرهها الفرنسيون، واليوم صارت تباع بثلاثة أمثال ثمنها يوم بنائها؛ لجمال منظرها المطل على نهر السين وجسوره الجميلة، وترى من طوابقه العليا «برج إيفل»!</p><p style="text-align:justify;"><strong>المدن حالة حية!</strong></p><p style="text-align:justify;">الكتاب يتجول في أحياء باريس التي تبدلت مع الزمن. وأتخيل كتاباً كهذا عن المدن العربية. أمامي الآن صورة لزوجي ولي ولابني د. حازم الذي كان يومئذ في الثانية من عمره، ونحن نمشي على شاطئ كورنيش بيروت، والتقطَ الصورة أحد مصوري الشوارع (الذين انقرضوا)، وخلفنا عدة أبنية تهدمت في الحرب اللبنانية وتم تشييد أبنية أخرى، كما انقرض مقهى (الدولشي نحيتا) الشهير في لقاءات الأدباء اللبنانيين والعرب، كما مبنى (الديبلومات) الذي حل محله مبنى آخر.. في باريس حدث ما يشبه ذلك دونما حروب أهلية أو هدم أبنية بالقنابل، فالمدن حالة حية تتبدل مع الزمن، وكتاب (باريس الأمس واليوم) جذاب حقاً، إذ يتحدث عن أحيائها كلها وكيف تبدلت مع صور لها بالأبيض والأسود كما كانت (لم تكن الصور الملونة قد اخترعت يومئذ)، وثمة صورة أخرى لي ولأسرتي على شاطئ البحر البيروتي حيث المسابح التي كان يحضر إليها حتى الغربيون وصارت اليوم بيوتاً للمهاجرين الذين قست عليهم الحروب الأهلية في لبنان وكوابيس بيروت والوطن!!</p><p style="text-align:justify;"><strong>سأظل أشعر بالغيرة</strong></p><p style="text-align:justify;">أتخيل كتباً كهذه تصدر عن كل بلد في وطننا العربي. كم ستكون جميلة وجذابة! وكم ستنبش جراحاً وتداويها في آن!<br>فعالمنا العربي يزخر بما كان وبما سيكون، وكلما قرأت كتاباً غربياً كهذا عن فرنسا أو سواها سأختنق غيرة.. فأوطاننا العربية تستحق إصدار كتب جميلة ومؤثرة كهذه.</p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[غادة السمان]]></author>
                <guid>13763</guid>
                <pubDate>Sat, 16 Apr 2022 12:39:36 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[رسائل حبّ حنّا أرندت ومارتن هايدغر | ترجمة]]></title>
                <link>رسائل-حبّ-حنّا-أرندت-ومارتن-هايدغر-ترجمة</link>
                <description><![CDATA[<p style="text-align:justify;"><span style="color:rgb(142,68,173);"><strong>المصدر: </strong></span><span style="color:rgb(22,160,133);">مجلّة الهامشيّ - The Marginalian.</span></p><p style="text-align:justify;"><span style="color:rgb(142,68,173);"><strong>ترجمة:</strong></span><span style="color:rgb(22,160,133);"><strong> </strong>عبّود الجابري.</span></p><p style="text-align:justify;">الكاتب الألمانيّة والمنظّرة السياسيّة الكبيرة حنّا أرندت (14 تشرين الأوّل، 1906 &nbsp;- 4 كانون الأوّل، 1975)، أوّل امرأة تقدّم محاضرات جيفورد المرموقة، وهي سلسلة من المحاضرات الّتي جاءت تحقيقًا لوصيّة آدم لورد جيفورد، وتهدف "إلى تعزيز دراسة علم اللاهوت الطبيعيّ ونشره بمعناه الأوسع؛ أي معرفة الربّ". كانت حنّا واحدة من أكثر المفكّرين الّذين يمتلكون نظرة ثاقبة في قراءة القرن العشرين، رؤيتها كانت تتناول الفرق الجوهريّ بين الحقيقة والمعنى والزمان والمكان، ومكان وجود الأنا في التفكير. غير أنّ أرندت لم تكن محصّنة ضدّ اندفاع الشباب للتخلّي عن أسباب وجهات نظرها المختلفة.</p><p style="text-align:justify;">فعندما كانت طالبة جامعيّة تبلغ من العمر 19 عامًا، وقعت في حبّ أستاذها المتزوّج مارت هايدغر (26 أيلول، 1889 – 26 أيّار، 1976)، البالغ من العمر 36 عامًا. هايدغر كان فيلسوفًا مؤثّرًا، بقدر ما هو مثير للجدل، إذ قدّم مساهمات كبيرة في الفلسفتين الظاهراتيّة والوجوديّة. انضمّ أيضًا إلى الحزب النازيّ، وتولّى منصبًا أكاديميًّا تحت رعاية النازيّة، غير أنّه ما لبث أن استقال بعد مرور عام واحد، وتوقّف عن حضور اجتماعات الحزب النازيّ، وأخبر أحد طلّابه في وقت لاحق بأنّه يعتبر تولّي المنصب "أعظم غباء في حياته"، إلّا أنّه لم يعلن شعوره بالندم على الملأ قطّ. أن يقع في حبّ يهوديّة، رأت أرندت أنّ ذلك مبعث قوّة وامتياز؛ لأنّها ستكون أساسيّة ومركزيّة في هويّته، وهو أمر يفضح التعقيد والتناقض الّذي تُنْسَج فيه الروح البشريّة؛ الروح الّتي تبدو خيوطها أقلّ خشونة في أيّ مكان، قياسًا بالحبّ.</p><p style="text-align:justify;">&nbsp;</p><figure class="image"><img src="https://data.arab48.com/data/news/2022/04/12/bodyImages/images/20220412084550.jpg" alt=""><figcaption>غلاف كتاب رسائل أرندت وهايدغر</figcaption></figure><p style="text-align:justify;">&nbsp;</p><p style="text-align:justify;">بينما اعتبر هايدغر أنّ علاقتهما الرومانسيّة هي "الفترة الأكثر إثارة وتركيزًا وحيويّة" في حياته، وأنّ تلك الحيويّة الإبداعيّة خصّبت كتابه «الوجود والزمان»، أكثر أعماله شهرة وتأثيرًا، وهو الكتاب الّذي قدّم فكرة الوجود في العالم على أنّها طريقتنا الإنسانيّة الأساسيّة في الوجود؛ لتحلّ محلّ مفاهيم الذات والموضوع والعالم والوعي.</p><p style="text-align:justify;">كتب في إحدى أوليات رسائل الحبّ الّتي جُمِعَتْ في كتاب يحمل عنوان «الرسائل: 1925 - 1975»، وصدر عن «دار المكتبة العامّة»: "لم يحدث لي شيء من هذا القبيل على الإطلاق"، نصف قرن من المراسلات المثيرة بينه وبين حنّا أرندت، محبّان في البداية ثمّ صديقان وقرينان مثقّفان بعد أن وضعا نهاية لعلاقتهما.</p><p style="text-align:justify;">يتوسّل هايدغر إلى أرندت، في رسالته الأولى الّتي كتبها في شباط (فبراير) من عام 1925:</p><p style="text-align:justify;">"عزيزتي الآنسة أرندت:</p><p style="text-align:justify;">يجب أن آتي لأراك هذا المساء وأتحدّث إلى قلبك.</p><p style="text-align:justify;">يجب أن يكون كلّ شيء بيننا بسيطًا وواضحًا ونقيًّا. آنذاك فقط سنكون جديرَين بفرصة اللقاء. أنت تلميذتي وأنا مدرّسك، لكنّ هذه الصفة تناسب ما حدث لنا.</p><p style="text-align:justify;">لن أتمكّن أبدًا من مناداتك بي، لكن من الآن فصاعدًا ستنتمين إلى حياتي، وستنمو معك.</p><p style="text-align:justify;">لا يمكننا أبدًا معرفة ما تعنيه كياناتنا عند الآخرين".</p><p style="text-align:justify;">منذ البداية، شرع هايدغر في التوفيق بين قوّة مشاعره، وما يعرف أنّه يخدم وجهة أرندت العقلانيّة:</p><p style="text-align:justify;">"الطريق الّذي سوف تسلكه حياتك الغضّة خفيّ، يجب أن نتصالح مع ذلك، وولائي لك سيساعدك فقط على أن تظلّي صادقة مع نفسك".</p><p style="text-align:justify;">[...]</p><p style="text-align:justify;">"كوني سعيدة، هذه الآن أمنيتي لك.</p><p style="text-align:justify;">فقط عندما تكونين سعيدة، فإنّك ستصبحين امرأة قادرة على منح السعادة، ومن حولها السعادة والأمان والراحة والاحترام والامتنان للحياة.</p><p style="text-align:justify;">وبهذه الطريقة فقط ستكونين مستعدّة بشكل صحيح لما يمكن الجامعة أن تقدّمه لك، ويجب أن تقدّمه لك".</p><p style="text-align:justify;">[...]</p><p style="text-align:justify;">" لقد سُمِحَ لنا بالالتقاء: يجب أن نعتبر ذلك هديّة في أعماق كيانينا، ونتجنّب تشويهه من خلال خداع الذات حول نقاء الحياة، يجب ألّا نفكّر في أنفسنا على أنّنا رفيقا روح، شيء لم يختبره أحد قطّ... هذا يجعل هبة صداقتنا التزامًا يجب أن ننمو معه... ولكن بمجرّد أن أكون قادرًا على أن أشكرك، وبقبلة على جبينك الطاهر، أمنحك شرف وجودك في عملي".</p><p style="text-align:justify;">&nbsp;</p><p style="text-align:justify;">بعد أحد عشر يومًا، يتنامى افتتان هايدغر إلى حجم لا يمكن احتواؤه، وينفجر في فلسفة هذه الفكرة عندما يكتب:</p><p style="text-align:justify;">"عزيزتي حنّا:</p><p style="text-align:justify;">لماذا يبدو الحبّ في غنًى عن كلّ التجارب البشريّة الأخرى الممكنة، وعبئًا لطيفًا على أولئك الّذين يصبحون في قبضته؟ لأنّنا نصبح ما نحبّه، ومع ذلك نظلّ أنفسنا. وحين نريد أن نشكر مَنْ نحبّ لا نجد ما يكفي لنفعل ذلك.</p><p style="text-align:justify;">لا يسعنا إلّا أن نشكر أنفسنا، فالحبّ يحوّل الامتنان إلى ولاء لأنفسنا وإيمان غير مشروط بالآخر، هكذا يكثّف الحبّ بثباتٍ سرّه الأعمق.</p><p style="text-align:justify;">حنّا،</p><p style="text-align:justify;">القرب مسألة أن تكون على مسافة أكبر من الآخر - مسافة لا تترك أيّ شيء يُطْمَس - لكنّها بدلًا من ذلك تضع أناك في حضور مجرّد - واضح ولكنّه غير مفهوم – للإدراك. إنّ وجود آخر يقتحم حياتنا فجأة، لا يمكن أيّ روح أن تتصالح مع ذلك، أن يسلّم الإنسان مصيره لمصير إنسان آخر، ووظيفة الحبّ الطاهر تتلخّص في المحافظة على هذا العطاء حيًّا كما كان في اليوم الأوّل".</p><p style="text-align:justify;">لكنّ حنّا أرندت أنهت العلاقة فجأة، قبل الذكرى السنويّة الأولى لعلاقتهما الرومانسيّة بقليل، ويرجع سبب ذلك في جزء كبير منه إلى رغبتها في التركيز على سعيها الأكاديميّ في مجال الفلسفة، وفي رسالة إليها في كانون الثاني (يناير) من عام 1926، بذل هايدغر جهدًا رائعًا للتوفيق بين القوّتين المتعارضتين اللتين تمزّقانه؛ حسرة قلبه والصدق الّذي يتمنّى به كلّ خير لأرندت، فقد كتب:</p><p style="text-align:justify;">" عزيزتي حنّا:</p><p style="text-align:justify;">... &nbsp;أتفهّم ذلك، لكنّ هذا لا يجعل الأمر أسهل في التحمّل. ما زلتُ أقلّ علمًا بما يفرضه حبّي عليك".</p><p style="text-align:justify;">على الرغم من أنّ رسالة انسحاب أرندت كانت تتضمّن حاجتها إلى الانسحاب من الرومانسيّة من أجل التركيز على عملها، وهو تناقض دائم مع الرضا البشريّ، تناوله هايدغر في ردّه:</p><p style="text-align:justify;">"هذا ‘الانسحاب‘ من كلّ شيء بشريّ، وقطع جميع الروابط، والتفرّغ للعمل الإبداعيّ، هو أروع تجربة بشريّة أعرفها، في ما يتعلّق بالمواقف الملموسة، إنّه أكثر الأشياء إثارة للاشمئزاز يمكن المرء مواجهته، أن يكون قلبه مخلوعًا من جسده.</p><p style="text-align:justify;">وأصعب شيء عجزي عن الدفاع عن مثل هذه العزلة بالاستناد إلى ما تحقّقه؛ لأنّي لا أملك وسيلتي إلى ذلك، ولأنّ المرء لا يستطيع التخلّي عن العلاقات الإنسانيّة فحسب... مع عبء هذه العزلة الضروريّة، آمل دائمًا أن يكتمل تشكّل العزلة من الخارج وبقوّة؛ للحفاظ على مسافة نهائيّة وثابتة. عندها فقط يمكن تجنّب أيّ تضحية في وجود هذا النوع من الرفض.</p><p style="text-align:justify;">لكنّ هذه الرغبة المعذّبة ليست بعيدة المنال فحسب، بل إنّها منسيّة، إلى درجة أنّ العلاقات الإنسانيّة الأكثر حيويّة تصبح ربيعًا مرّة أخرى، وتوفّر القوى الّتي تدفع المرء إلى العزلة مرّة أخرى... تصبح الحياة بكلّيّتها مسألة مقتضيات ليس لها أيّ مبرّر، التصالح مع ما يحدث بطريقة إيجابيّة - عدم اتّخاذ موقف حصريّ نوعًا من الهروب - هو ما يعنيه أن تكون فيلسوفًا".</p><p style="text-align:justify;">ومع ذلك، مهما كانت تضحيات كونه فيلسوفًا مأساويّة، فإنّ هايدغر لم يتوانَ عن تشجيع أرندت الشابّة على القيام بها على أيّ حال؛ مستشهدًا في كلماته بشهادة على الفكرة الّتي طرحتها على الأجيال الفيلسوفة مارثا نوسباوم - من نواحٍ كثيرة وريثة فكريّة لأرندت – "بأنّ احتضان حاجتنا أمر ضروريّ لعلاقات صحّيّة". حتّى عندما شجّع هايدغر أرندت على السير في طريقها الخاصّ، فإنّه ظلّ يعبّر عن شوقه إليها، وحاجته إلى الإعجاب بمثابرتها:</p><p style="text-align:justify;">"من الواضح - بشكل مستقلّ عنك وعنّي في هذه النقطة الأخيرة - أنّه في شبابك، ومرحلة التعلّم الخاصّة بك، يجب ألّا تلزم نفسك بأيّ أمر، فمن السيّئ دائمًا ألّا يستجمع الشباب القوّة للذهاب بعيدًا، إنّها علامة على أنّ حرّيّة الغرائز قد تلاشت، ونتيجة لذلك؛ فإنّ تلك الغرائز باقية، يجافيها بصورة إيجابيّة أيّ شكل من أشكال النموّ".</p><p style="text-align:justify;">[...]</p><p style="text-align:justify;">"وربّما يصبح قرارك مثالًا... إذا كان له تأثير جيّد، يمكن أن يكون فقط لأنّه يدعو إلى التضحية من كلٍّ منّا.</p><p style="text-align:justify;">لقد جدّدت الأمسية ورسائلك يقيني بأنّ كلّ شيء يبقى قريبًا ممّا هو جيّد، ويصبح جيّدًا... أنت، حتّى في وضعك، يجب أن تكوني سعيدة، أولئك الّذين لديهم قلب شابّ وتوقّعات وإيمان قويّ فحسب، يمكن أن يكونوا في آفاق عالم جديد؛ معارف جديدة وهواء نقيّ ونموّ. أتمنّى أن يكون كلٌّ منّا متوافقًا مع وجود الآخر؛ أي من أجل حرّيّة الإيمان والضرورة الداخليّة للثقة غير المشوّهة، الّتي ستحافظ على حبّنا.</p><p style="text-align:justify;">تستمرّ حياتي - دون مشاركتك لي وامتلاكي - بمثل هذا اليقين الغريب، إلى درجة أنّني أريد أن أصدّق أنّ الفراغ الجديد الّذي سيأتي مع رحيلك ضروريّ".</p><p style="text-align:justify;">ومع ذلك، على الرغم من رحيل أرندت، فإنّ الحدّة العاطفيّة بينهما جذبتهما إلى مراسلات مستمرّة واجتماعات عرضيّة، على مدار الأشهر الّتي تلت ذلك. بحلول تمّوز (يوليو) من عام 1927، بعد أكثر من عامين من بدء علاقتهما الرومانسيّة، كانا لا يزالان في حالة حبّ، فقد كتب هايدغر ردًّا على رسالة أخرى من أرندت لم تكن خالية من المشاعر، ويبدو أنّها كانت مشحونة عاطفيًّا بشكل خاصّ:</p><p style="text-align:justify;">"عزيزتي حنّا:</p><p style="text-align:justify;">[...]</p><p style="text-align:justify;">على الرغم من أنّك كنت حاضرة فيَّ كما كنت في اليوم الأوّل، إلّا أنّ رسالتك جعلتك قريبة بشكل خاصّ. أحمل يديك الجميلتين في يديّ، وأدعو لك بالسعادة.</p><p style="text-align:justify;">[...]</p><p style="text-align:justify;">"طفلتي، عزيزتي، هل فقط ‘أتمنّى‘ أن أثق بك؟ أسأل الجزء الأعمق من قلبك، الّذي أشرق عليّ كثيرًا من عينيك العميقتين الرائعتين، سيخبرك: في أعماقي أنا متأكّد تمامًا، وبكلّ بساطة من هذه الثقة.</p><p style="text-align:justify;">لقد هزّتني رسالتك بقدر ما هزّتني أوّل مرّة كنت فيها قربك. لقد عادت تلك الأيّام بقوّة عنصريّة، بفضل كلمات حبّك هذه".</p><p style="text-align:justify;">ويضيف هايدغر مردّدًا انعكاس فان غوخ الجميل على الضرورة الموازية للعطاء والاستقبال في الحبّ:</p><p style="text-align:justify;">"عزيزتي حنّا:</p><p style="text-align:justify;">كان الأمر بالنسبة إليّ كَمَنْ يتخلّى عن شيء رائع؛ لكي يحصل عليه، كملكيّة جديدة. ما زلت لم أستوعب الأمر، فضلًا على فهم الأشياء غير المتوقّعة الّتي رأيتها في وجودنا في تلك الساعات".</p><p style="text-align:justify;">في نيسان (أبريل) من عام 1928، كرّرت أرندت تأكيد فرويد الشهير بأنّ "الحبّ والعمل هما حجر الزاوية للروح البشريّة"، واختارت في النهاية الفلسفة على علاقتها الرومانسيّة مع هايدغر، فكتبت إليه راجية أن يفهم اختيارها، واثقة بأنّه بصفته فيلسوفًا، شخص يستهلكه عمله بالكامل، لن يكون أمامه خيار سوى أن يفهم:</p><p style="text-align:justify;">"أحبّك كما فعلت في اليوم الأوّل، أنت تعرف ذلك، وقد عرفته دائمًا، حتّى قبل لقائنا هذا، فإنّ الطريق الّذي رسمته لي أطول وأصعب ممّا كنت أعتقد. يتطلّب حياة طويلة في مجملها. إنّ اعتزال هذا الطريق خياري، وهو الطريقة الوحيدة للعيش حسب ما تعلّمت منك، لكنّ الخراب الّذي خبّأه القدر لم يكن ليأخذ منّي القوّة للعيش في العالم، كان من شأنه أيضًا أن يسدّ طريقي؛ لأنّه طريق واسع وليس قفزة تعبر فيها العالم. أنت فقط مَنْ يحقّ لك معرفة هذا؛ لأنّك كنت تعرفه دائمًا. وأعتقد أنّه حتّى عندما ألوذ بالصمت، فلن أكون أبدًا غير صادقة. أنا دائمًا أعطي ما يريده أيّ شخص منّي، والطريق نفسه ليس سوى الالتزام الّذي يجعلني حبّنا مسؤولة عنه. سأفقد حقّي في الحياة إذا فقدت حبّي لك، لكنّني أيضًا سأفقد هذا الحبّ وواقعه إذا تخلّيتُ عن المسؤوليّة الّتي يفرضها عليّ".</p><p style="text-align:justify;">في العام التالي، التقت أرندت بصحافيّ وفيلسوف ألمانيّ شابّ، في ندوة من ندوات هايدغر، وتزوّجته في خريف ذلك العام، كتبت في يوم زفافها، وهي ترسل صدًى رومانسيًّا أخيرًا إلى هايدغر، حزينة وفخورة في نفس الوقت:</p><p style="text-align:justify;">" لا تنسني، ولا تنسَ كم وكم أعرف أنّ حبّنا أصبح نعمة في حياتي. هذه المعرفة لا يمكن أن تتزعزع، ولا حتّى في هذا اليوم، عندما وجدت، كوسيلة للخروج من قلقي، منزلًا وشعورًا بالانتماء إلى شخص قد لا أفهمه كثيرًا.</p><p style="text-align:justify;">[...]</p><p style="text-align:justify;">أقبّل جبينك وعينيك،</p><p style="text-align:justify;">(حنّا خاصّتك)".</p><p style="text-align:justify;">استمرّت علاقة أرندت وهايدغر لمدّة نصف قرن، حتّى وفاة أرندت المفاجِئة... وبقيت هذه الرسائل المتبادلة في الأعوام بين 1925 و1975، بقيت على أنّها سجلّ استثنائيّ لهذه العلاقة الوطيدة، مليئة بالحكمة الخالدة حول كلّ جانب من جوانب الحياة والثقافة تقريبًا.</p><p style="text-align:justify;">&nbsp;</p><p style="text-align:justify;"><span style="color:rgb(78,95,112);"><i>* ماريا بوبوفا: كاتبة بلغاريّة تقيم في الولايات المتّحدة الأمريكيّة.</i></span></p><p style="text-align:justify;">&nbsp;</p><p style="text-align:justify;">&nbsp;</p><p><img class="image_resized" style="width:12.06%;" src="https://data.arab48.com/data/news/2022/04/12/bodyImages/images/20220412083805.jpg" alt=""><span style="color:rgb(142,68,173);"><i>شاعر ومترجم عراقيّ يقيم في عمّان. أصدر سبع مجموعات شعريّة. نشر وترجم العديد من النصوص والدراسات في مختلف الدوريّات والصحف العربيّة.</i></span></p><p style="text-align:justify;">&nbsp;</p><p><br>&nbsp;</p><p>&nbsp;</p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[موقع 180 مقالات]]></author>
                <guid>13758</guid>
                <pubDate>Fri, 15 Apr 2022 17:02:49 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[سحرية الخطاب الصوفي وجمالية السرد في رواية «الصوفي.. حبي»]]></title>
                <link>سحرية-الخطاب-الصوفي-وجمالية-السرد-في-رواية-«الصوفي-حبي»</link>
                <description><![CDATA[<p style="text-align:justify;"><strong><img class="image_resized" style="width:60px;" src="https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2020/10/%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%AA%D8%AD%D8%B1%D9%8A%D8%B4%D9%8A-150x150.jpg" alt=""> محمد تحريشي</strong></p><p>&nbsp;</p><p style="text-align:justify;">تطلّ علينا الكاتبة إليف شافاق من عالم سحري ينهل من خطاب ثقافي شرقي بلغة راقية تجعل القارئ منبهرا تهزه دهشة رهيبة، وهو يكتشف عوالم الكتابة عند هذه الروائية المتميزة. ولعل من أعمالها التي كانت فرصة اكتشافها رواية «الصوفي، حبي» والتي ترجمت إلى اللغة الفرنسية سنة 2010.<br>اعتمدت الرواية على السرد المتداخل بين حكاية إيلا روبنشاتين، امرأة أربعينية تعيش حياة مستقرة على الرغم من خيانة زوجها لها، وبعض التباعد بينها وبين أطفالها، وحكاية شمس الدين التبريزي وجلال الدين الرومي. تريد الراوية تجاوز روتينها اليومي الممل فتعمل قارئة خبيرة لمخطوط حول حياة الصوفي الكبير جلال الدين الرومي، الذي تتقاطع حكايته مع حكاية الدرويش الكبير شمس التبريزي. وعبر التداخل بين هذه الحكايات، وعبر التقاطع بين حياة الكاتبة إيلا وحياة عزيز كاتب المخطوط وحياة شمس التبريزي يجد القارئ نفسه أمام سرد عجيب يذكره بحكايات ألف ليلة، ويجعله يسبح في عالم التصوف الإسلامي بكثير من المتعة والدهشة، ويتعلق قلبه بقيم التسامح الإنساني.<br>ومن ثم فهذه الرواية هي رحلة للبحث عن الله في كل الأمكنة بكثير من السؤال والحيرة والقلق وبكثير من الاطمئنان والاعتقاد والإصرار، ولعل رحلة الإنسان في هذا الكون هي رحلة السؤال عن الله من خلال اختيار الكاتبة للدرويش شمس الدين التبريزي لتمرر عبره مجموعة من الرسائل والخطابات المبنية على أساس السؤال تلو السؤال. يقول هذا الدرويش: «أنا لا أبحث عن شيء مختلف. أنا أبحث عن الله. بحثي هو من الله». من هنا يبدأ السؤال ومن هنا تتعدد الإجابات لتكشف عن عمق التجربة الصوفية عند هذا الدرويش المتشبع باليقين والمحبة والإخلاص.<br>إن مبدأ المحاورة هو السبيل إلى استجلاء الحقيقة، ومن ثم فقد اعتمد هذا الدرويش في محاورته مع صاحب الحانة على دحض الحجة بالحجة والدليل بالدليل «هي القاعدة الأولى، أخي: الطريقة التي ترى بالله هي انعكاس مباشر لتلك الرؤية التي ترى نفسك من خلالها. إذا كان الله يجلب الخوف واللوم إلى الذهن في الغالب، فهذا يعني أن هناك الكثير من الخوف والذنب فينا. إذا رأينا الله ممتلئا بالحب والرحمة، فهذا هو حالنا». ويبدو لي أن الكاتبة قد اشتغلت على نصها كثيرا توثيقا وبناء وهي ترصد تجربة في الإبداع وفي اللغة وفي الفن والجمال، من خلال التعويل على تداخل الصوفي والروائي في هذا النص المميز. ومع ذلك يبقى السؤال معلقا حول هذا التداخل بين عوالم التصوف وعوالم الرواية بلغة إنكليزية؛ تجعل الكاتبة تركب الصعب وهي تغامر صوب وضع يجمع بين الواقع والخيال، ويستند إلى مرجعيات مختلفة ومتباينة قد تجعل القارئ يطرح أكثر من سؤال؛ من ذلك أن كلمة «GOD» أو كلمة»DIEU» هل تغطيان كلمة «الله» بكل حمولتها الدلالية عند المسلمين عموما وعند المتصوفة بشكل خاص؟</p><blockquote><p style="text-align:justify;"><strong>قامت الرواية على عنصر التشويق وهي تخترق أفق انتظار القارئ بأحداث تثير الإعجاب وتحرك الإحساس بالمتعة. لقد جعلتنا الراوية نترقب تلك الرسائل التي كانت تتبادلها مع الكاتب عزيز لما تحمله من محركات للأحداث وشحنها بالدلالات متعلقة بحيرة إيلا وقلقها</strong></p></blockquote><p style="text-align:justify;">اعتمدت الكاتبة على تقنية التقطيع بين الأحداث المركزية في حكاياتها، وبكثير من التشويق والقدرة على تكثيف الأحداث، استطاعت أن تجعل من هذا العمل السردي عملا يشدّ القارئ إليه عبر سرد الكثير من تفاصيل حياة شمس الدين التبريزي ولقائه مع تلميذه جلال الدين الرومي، وتأليف كتاب «قواعد العشق الأربعون» من خلال اعتكاف دام أربعين يوما. بدأ اللقاء بين الرجلين لما اعترض شمس الدين التبريزي موكب جلال الدين الرومي بسؤال جوهري يخاطب قناعات الرومي ليخلخل لديه بعض المفاهيم وما استقر لديه من قناعات ويقينيات. «قل لي، من فضلك، من الأكبر، في رأيك، الرسول محمد أم الصوفي البسطامي؟<br>ما هذا السؤال؟ كيف لك أن تقارن بين نبينا المبجل ـ عليه السلام- أخر الأنبياء وصوفي سيء السمعة؟». إن تفكيك السؤال يؤدي إلى تفتيق الإجابة، ما يجعل الخطاب ينفتح على التأويل فيشعر القارئ بالمتعة والجمال من جهة، ويشعر أيضا بأنه مشارك في إنتاج النص وفي تلقيه، وهو يكتشف قدرة الكاتبة وهي تحسن الاختيار لمحطات مهمة في بناء تصور لمسألة العشق الإلهي ومستوياته، ومن هنا تتبادل الأسئلة والأجوبة مبدأ الحصار ومحاولة الانعتاق. «إذا وجد رجل نفسه صغيرا جدا مقارنة بالله، في حين يدعي رجل آخر أن ما في الجبة إلا الله، فأيهما الأكبر؟ كما ترى، محبة الله هي محيط لا نهاية له، والبشر يطمحون في الحصول على الكثير مما يستطيعون من الماء، لكن في نهاية اليوم فإن الكمية التي حصل عليها كل واحد تعتمد على حجم إناء كل واحد. بعضهم لديهم براميل، وبعضهم الآخر له أحواض، في حين لغيرهم سلطانيات بسيطة».<br>أثناء حديثي رأيت تعبيرات الدرويش تنتقل من الاستنكار الخفي إلى الاعتراف الصريح ولادته، ومنذ ذلك الحين ارتدى الابتسامة الحلوة لمن يدرك أفكاره الخاصة في كلمات الآخر». هكذا توظف الروائية قدرتها على استنطاق المسكوت عنه بكثير من المهارة تنقل القارئ إلى عصر التبريزي والرومي، وفي الوقت ذاته تستفيد من مثل هذه المحاورة للإجابة عن كثير من الأسئلة حول العشق الإلهي، وتكشف عن أن من هنا بدأت تلمذة جلال الدين الرومي لدى شمس الدين التبريزي من خلال الاعتكاف لأربعين يوما.<br>استنطقت الرواية الكثير من الخطابات وهي تربط بين زمنين مختلفين، ماض وحاضر، يشتركان في الأسئلة نفسها في البحث عن راحة النفس واستقرار الروح واسترخاء الجسد. لتجاوز كل تلك الحيرة والقلق والاضطراب في مجتمع يمتلك كل وسائل الراحة والرفاه، ومع ذلك يعيش قلقا وجوديا. ومن ثم فإن وجود شخصية عزيز أغنت هذه الحوارية الوجودية بين زمنين متباعدين في الزمن متقاربين في الرؤية، زمن الدرويش شمس الدين التبريزي وزمن الكاتب عزيز؛ هذا الكائن الروحي الذي كان يأخذ أسئلة الدين والإيمان على محمل الجد، والذي كان يضع مسافة مع كل سياسة معاصرة، لا يكره شيئا ولا إنسانا. كان ملحدا حتى منتصف السبعينيات من القرن الماضي، ثم اعتنق الإسلام بعد كريم عبد الجبار وكات ستيفن بقليل.<br>قامت الرواية على عنصر التشويق وهي تخترق أفق انتظار القارئ بأحداث تثير الإعجاب وتحرك الإحساس بالمتعة. لقد جعلتنا الراوية نترقب تلك الرسائل التي كانت تتبادلها مع الكاتب عزيز لما تحمله من محركات للأحداث وشحنها بالدلالات متعلقة بحيرة إيلا وقلقها، وهو قلق جمعي تضعنا فيه هذه الرواية ضمن استراتيجية كتابة مخطط لها بكثير من العناية، تجعل القارئ يواصل القراءة على الرغم من طول الرواية التي تجاوزت أربعمئة وسبعين صفحة.<br>ركزت الرواية على التوطين المكاني والتوطين الزمني للحكايتين الرئيسيتين؛ فحكاية إيلا تبدأ موطنة في نورثامتون، 17 مايو/أيار 2008 ثم يستمر الزمن صعودا حتى يتوقف في قونيا 7 سبتمبر/أيلول2009، في حين أن حكاية شمس التبريزي وجلال الدين الرومي تبدأ بالإسكندرية، نوفمبر/تشرين الثاني 1252 ويعود إلى الوراء إلى 1242، ويتأرجح ذهابا ورجوعا في الزمن بين بغداد وقونيا. تتداخل الفصول بين حكاية إيلا وحكاية التبريزي وجلال الدين الرومي بكثير من العناية والاهتمام يشعر معها القارئ بالدهشة والإعجاب من تمكن الكاتبة من توظيف تداخل الصوفي والروائي والتاريخي والسياسي والثقافي والحضاري بكثير من الافتنان والجودة. رواية استطاعت أن تعمل الخيال لتجعل من أحداث تاريخية فنا وجمالا يولّد المتعة.</p><p style="text-align:justify;">كاتب من الجزائر</p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[موقع 180 مقالات]]></author>
                <guid>13754</guid>
                <pubDate>Fri, 15 Apr 2022 16:04:13 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[د. آمال موسى تكتب: التشبيك وذكاء الجمع والمفرد]]></title>
                <link>د-آمال-موسى-تكتب-التشبيك-وذكاء-الجمع-والمفرد</link>
                <description><![CDATA[<p><img class="image_resized" style="width:9.33%;" src="https://aawsat.com/sites/default/files/styles/opinion_small/public/2022/01/27/amal-musa-24012022.jpg?itok=BND8xNp9" alt="د. آمال موسى"><strong>د. آمال موسى</strong></p><p><strong>شاعرة وكاتبة وأستاذة علم الاجتماع في الجامعة التونسية</strong></p><p style="text-align:justify;">يستثمر اليوم العالم المتقدم، والآخر السائر في طريق النمو والتنمية، بعزيمة وإرادة في آلية التشبيك، التي أصبحت طريقة في العمل أساسيّة ومقاربة، تقوم على الجدوى واختصار الجهد والإمكانات والوقت. السؤال؛ أين نحن المجتمعات العربيّة من ثقافة التشبيك ومقاربته للمشكلات وللأولويات؟ إذا أردنا محاولة فهم أحد معاني التشبيك، فسنجد أن من بين مدلولاته الرّهان على الجمع أكثر من المفرد. المدهش أن هذا المعنى يعني لأول وهلة أن التشبيك سيكون آلية رائجة ومرحباً بها في ثقافتنا العربية، باعتبار أن النسق الثّقافي العربي يُولي أهمية للجماعات والمؤسسات.&nbsp;</p><p style="text-align:justify;">ومن ثم فإن المتوقع هو التبني الكامل لآلية التشبيك. ولكن هنا لا بد من التمييز بين الإذعان للجماعة وللمؤسسات وبين العمل في إطار جماعي ومع أطراف أخرى. فالفرق كبير ومهم جداً. نحن لا نجيد العمل في إطار جماعة، وهو أمر متوقع، لأن العمل في إطار جماعي يتطلب مصالحة حقيقية مع الذات ومع الآخر، في حين أن العلاقة بين الذات والآخر محكومة بالخوف والريبة، إضافة إلى النرجسية التي تجعل الذات تعتقد في اكتمالها وعدم حاجتها للتعاون مع الآخر لتحقيق نتائج أفضل وفي أقرب وقت ممكن.&nbsp;</p><p style="text-align:justify;">نحن اليوم في بلداننا العربية بحاجة ملحة وأكيدة إلى آلية التشبيك. كما أن هناك موضوعات كثيرة لا يمكن معالجتها خارج التشبيك. لنأخذ مثالاً موضوع الطفولة؛ فهو في نفس الوقت يهم وزارة التنمية الاجتماعية ووزارة الصحة ووزارة التعليم ووزارة البيئة ووزارة الثقافة، وإذا ظلت كل وزارة تقارب مسألة الطفولة بطريقتها الخاصة وحدها من دون تشبيك وربط للجهود وتفاعلية مستمرة مندمجة، فلن تتم معالجة أي مشكلة من مشكلات فئة الطفولة في بلداننا.</p><p style="text-align:justify;">&nbsp;ونفس المثال ينطبق على الشباب مثلاً؛ حيث التشبيك ضروري لتحقيق الحد الأدنى من النتائج. إن التشبيك آلية ممتازة جداً لتعويض العقود التي ضاعت من عدم التشبيك من جهة، وإهمال أمّات المشكلات من جهة ثانية. ثم إن المقاربة السليمة تقتضي أن تكون شاملة وملمة بالأبعاد كافة، من ناحية أن معالجة المشكل في بعد واحد من أبعاده لا يؤمّن عملية المعالجة التي تظل ناقصة وجزئية، علاوة على أن أبعاد الظاهرة أو المشكل يؤثر بعضها في بعض، وتتفاعل أيضاً، أي أن هناك نوعاً من التساند الوظيفي بين مختلف الهياكل التي تكون مهتمة بمسألة معينة، مع العلم أن التشبيك لا يشمل الهياكل الرسمية التابعة لأجهزة الدولة فقط، بل إنه بين مؤسسات الدولة والجمعيات والمنظمات، أي أن التشبيك، وهنا في الحقيقة تكمن قيمته وجاذبيته، هو آلية تستمد قوتها من الذكاء الجماعي. ولعله في هذا السياق من المهم تدقيق معنى معين، وهو أن الذكاء الجماعي هو خلاصة ذكاء الأفراد والثقافة كي تستوعب فلسفة التشبيك، فهي بالأساس يجب أن تكون مؤمنة بالفرد وقدراته. ويُوصف التشبيك بكونه فلسفة، فذاك يعود إلى كونه طريقة في التفكير ونظرة في مقاربة الظواهر والمشكلات والأسئلة. ما نلاحظه في غالبية بلداننا هو ضعف اعتماد مقاربة التشبيك؛ حيث كل هيكل أو طرف يعمل بمفرده، وكأنه وحده المعنيّ بذاك الموضوع دون سواه.</p><p style="text-align:justify;">&nbsp;ومثل هذا التماشي يعني التضحية بخبرات أطراف وهياكل أخرى قادرة على إحداث فارق في الفهم وتحديد الأسباب وإيجاد الحلول. بل إن العمل في عزلة وبتصور انفرادي يقودنا أحياناً إلى عدم استثمار بيانات مهمة هي موجودة وقريبة منا جداً ويذهب في بالنا أنها غير متوفرة. ونعتقد أنه لم يعد بالإمكان مواصلة العمل على هذا النحو إذا كنا فعلاً نريد تنمية حقيقية تستثمر الجهود وتختصر الوقت وتوظف الذكاء الجماعي بشكل جيد وناجح. ونفترض أن الرقمنة وتكنولوجيات الاتصال الحديثة من بين أهم مزاياها تشبيك البيانات والدراسات والمعلومات، وهذا معطى مهم جداً يساعدنا في تفادي التكرار ونسخ الجهود نفسها. من جهة ثانية، فإن التشبيك ينتج علاقات تقوم على الاندماج وتجعل من العمل الذي يبذل في شتى المجالات ذات الحيوية محل متابعة وانتباه ومن ثم إحاطة جيدة وتنمية لقدرات كل المعنيين بمسألة ما في المعالجة. فلا شيء يبرر أن تعمل المؤسسات والأطراف المعنية بمسألة المرأة أو الطفولة مثلاً بشكل انفرادي، من دون أن يكون هناك تشبيك ينمي الذكاء والقدرة والكفاءة.&nbsp;</p><p style="text-align:justify;">طبعاً هناك نقطة من المهم الإشارة إليها وهي أن التشبيك مع الخارج هو أفضل حال من التشبيك بين جميع الأطراف المنتمية لبلد واحد. غير أن في هذا البعد يتخذ التشبيك معنى الانفتاح والاستفادة من التجارب الأخرى، في حين أن التشبيك هو تضافر جهود يجمع بينها مركز اهتمام واحد، والغاية من التشبيك الاستفادة من ذكاء الجميع وإنتاج فهم شامل وجامع ومتعددا</p><p style="text-align:justify;">&nbsp;</p><p style="text-align:justify;">&nbsp;</p><p>&nbsp;</p><p><br>&nbsp;</p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[موقع 180 مقالات]]></author>
                <guid>13749</guid>
                <pubDate>Fri, 15 Apr 2022 14:58:39 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[العقدة المشرقية: حقيقة أم افتعال؟]]></title>
                <link>العقدة-المشرقية-حقيقة-أم-افتعال؟</link>
                <description><![CDATA[<p style="text-align:justify;"><strong><img class="image_resized" style="width:60px;" src="https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2019/10/%D8%A7%D9%95%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D9%87%D9%8A%D9%85-%D9%85%D8%B4%D8%A7%D8%B1%D8%A9-150x150.jpg" alt=""> إبراهيم مشارة</strong></p><p style="text-align:justify;">تعود جذور القضية على الأقل إلى العصر الأندلسي، حين استقبل المشارقة كتابا أدبيا في شكل موسوعة شعرية ونثرية في ذلك الوقت، وليست هذه الموسوعة سوى كتاب «العقد الفريد» لابن عبد ربه الأندلسي (860/940) فما كان من الصاحب ابن عباد الوزير والأديب إلا أن قال بعد أن تأمله: (ظننا فيه شيئا من أخبار بلادهم فإذا هي أخبار بلادنا، بضاعتنا ردت إلينا).. وأهمل الكتاب.<br>هذه المقولة من الصاحب ابن عباد تعني أن ابن عبد ربه أهمل أدب وتاريخ الأندلس والمغرب لحساب أدب المشرق وأخباره، وهذا يعني ضمنيا أن الكاتب كان قد وقع تحت تأثير عقدة المشرق، أي التسليم بتفوق المشارقة فهم متن، ودونية المغاربة هم هامش، حساسية تاريخية لها جذور ضاربة في القدم، حيث تظل أخبار وأشعار وخطب المشرق في الصدارة، كما أن الكتاب لا يحتفى به، إذا تضمن أشعار وأخبار بلاد المغرب، وترسخ هذا القول أقوال تم تداولها تقلل من شأن المغرب والأندلس، ككم الثوب وذيل الطائر وهي تصف هذه البلاد بالهامشية والتبعية.<br>ومما لا شك فيه أن المشرق في المخيال والضمير المغربيين يعني أرض النبوة ومهبط الوحي ومهد الشعر، هكذا إذا تغدو الأوضاع غير متكافئة بين مشرق صدّر اللغة والوحي والشعر، ومغرب استقبل واستهلك وقلد، وتأتي تلك الأقوال الآنفة الذكر وغيرها كثير مما هو مبثوث في كتب التاريخ لتكرس هذا الرأي.</p><p style="text-align:justify;">وفي العصر الحديث تكرس كذلك هذا الاتجاه، في شكل صيحات من لدن المغاربة عن إهمال المشارقة لهم ولأدبهم ولبلادهم، ففي عام 1937 نشر الكاتب الجزائري فرحات الدراجي، مقالا مهما بعنوان «كلمة عتاب إلى إخواننا الشرقيين» ومما جاء فيه (إن المشارقة لا يعرفون عن المغرب وشؤونه وتاريخه شيئا كثيرا، وقلما نجد كتابا للمشارقة عن المغرب سالما من الأخطاء) وعندما سئل عن علة عزوف المشارقة عن أدب المغاربة أجاب: (إن ذلك يعود إلى مركز العلو لدى المشارقة، ومركب النقص لدى المغاربة من حيث يجب أن تزول هذه النظرة). ثم أدلى الكاتب الجزائري أبو يعلى الزواوي الذي عاش في مصر واشتغل في الصحافة فحمل على المغاربة ودعاهم إلى الاهتمام ببلادهم وشؤونهم وثقافتهم، وكان عنوان مقالته «اشتغالنا بالشرق أنسانا أنفسنا».. وقد خاض الناقد الجزائري عبد الملك مرتاض في الجدل وفصل القول في هذه الجدلية في كتاب شهير وصغير الحجم في آن واحد عنوانه «الجدل الثقافي بين المغرب والمشرق» وهو يمضي في عتاب المشارقة وتعداد وجوه تقصيرهم في حق الثقافة المغربية عامة، وعلق فهمي هويدي على الكتاب بقوله (ولا نبالغ كثيرا إذا قلنا إن هذا الكتاب الذي لا نزيد صفحاته عن 140هو بمثابة عريضة اتهام للمشارقة، تدعونا بصوت عال لأن نراجع موقفنا ومعلوماتنا عن المغرب والمغاربة). وكتب المفكر التونسي محمد مزالي في كتابه «في دروب الفكر» في السياق نفسه معددا وجوه النقص في التعاطي مع الأدب والثقافة المغربيين، كما أن لقاءات أصيلة الثقافية المغربية خصصت أحد لقاءاتها لتناول هذه القضية الشائكة.</p><p style="text-align:justify;">ما سبق يعني أن المغاربة من تونس والجزائر والمغرب، أنحوا باللائمة على المشارقة لإهمالهم أدب وفكر وثقافة المغرب العربي وتاريخه وجمعوا الدلائل والشواهد والقرائن المؤيدة لوجهة نظرهم، فمنها قلة المعرفة بالمغرب العربي واللامبالاة معا، فوهران تصبح آوران وقسنطينة تصبح قسنطين مع أن المدينتين ذكرهما باسمهما الصحيح ياقوت الحموي في «معجم البلدان» والتاريخ هو تاريخ المشرق يبدأ من العصر الجاهلي فصدر الإسلام فالعصر الأموي والعباسي فعصر الضعف والعصر الحديث، دون التطرق إلى دولة الأغالبة والأدارسة والزيانيين والرستميين والمرابطين والموحدين في المغرب، كما أن لويس معلوف في منجده للغة والأعلام، أتى على ذكر الصحف العربية وأهمل الجزائر تماما مع أنها عرفت 90 دورية. وانخرط أحمد أمين في الطرح نفسه النابذ في كتابه «زعماء الإصلاح في العصر الحديث» فلم يتناول واحدا من زعماء الحركة الإصلاحية في الجزائر كابن باديس مثلا.<br>ومما آلم فرحات الدراجي، أنه أهدى المشارقة سجل جمعية العلماء المسلمين الجزائريين عام 1935 فلم يكتب عنه أحد، حتى الزيات صاحب الرسالة الذي انشغل بالحديث عن كلب العقاد وسنور المازني كما كتب.<br>ويزيد المغاربة في عريضة اتهام المشارقة بالإعراض عن كل ما هو مغربي، وأنهم مثلا يسقطون اسم الجزائر حين الحديث عن الدول العربية، ومنها أن فريد الأطرش في أغنية «على بساط الريح» أهمل الجزائر تماما مكتفيا بذكر تونس والمغرب فقط في الشمال الافريقي. وزاد الطين بلة زيارة أحمد شوقي للجزائر للاستشفاء عام 1904 فقال عن البلد معرضا به (لا عيب فيها أي الجزائر سوى أنها مسخت مسخا، وقد عهدت مساح الأحذية يستنكف النطق بالعربية، وإذا خاطبته لا يجيبك إلا بالفرنسية» وقد أغضب هذا القول الشيخ ابن باديس فرد عليه (فاعجبوا للاستدلال على حال أمة بمساح الأحذية، إلا أن فقيدنا العزيز لو رأى من عالم الغيب حفلنا هذا لكان له في الجزائر رأي آخر ولعلم أن الأمة التي أنجبتها العرب لا تستطيع ولن تستطيع أن تمسخها الأيام ونوائب الأيام) وكان هذا في حفل إحياء ذكرى شوقي.</p><p style="text-align:justify;">وزار سلامة موسى الجزائر عام 1930وأفاض في التقليل من شأن البلد وتاريخه حتى إنه قال: (إننا لا نجد في الجزائر حركة وطنية، بينما نجد في الهند حركة وطنية هي غاية في القوة، وذلك لأن الفرنسيين قتلوا الروح الوطنية في الجزائر بمقاومة اللغة). وفي السياق نفسه، وبدرجة أقل حدة ناقش المفكر البحريني محمد جابر الأنصاري القضية، غير أنه نظر إليها من زاوية أخرى فهو لا ينكر وجودها، لكنه ربما التمس لها العذر ورأى فيها شيئا من الغلو والافتعال الزائد، فقد كتب في «من أجل تفاعل بلا عقد بين المغرب والمشرق» (عانت الجزيرة واليمن والخليج من الإهمال أكثر من المغرب، وهي مشرق المشرق عقدة تفوق مشرقية تجاه الثقافة المغربية؟).</p><blockquote><p style="text-align:justify;"><strong>ومن زاوية أخرى يبدو أن هناك شيئا من الغلو والافتعال الزائد في الحديث عن هذه العقدة المشرقية، والاستعلاء المشرقي، فعلى الرغم من الاستعمار والعزلة التي فرضها الاستعمار، إلا أن بعض الأعلام من المشارقة زاروا الجزائر ونشطوا فيها، فرحل إليها محمد عبده عام 1903 وذكر البشير الإبراهيمي، أن تلك الرحلة مهدت لظهور الحركة الإصلاحية.</strong></p></blockquote><p style="text-align:justify;">وهو يرى أن الجزيرة العربية نفسها عانت من التهميش من قبل المشارقة ولم يرفع عنها الغبن إلا الطفرة النفطية التي جعلت المشارقة يقبلون على الخليج، حبا في دولاراته قبل كلماته، ولنلاحظ هنا أن المشرق الذي هو مصر والشام والعراق يغدو مغربا بالنسبة للجزيرة العربية، ويرى الأنصاري وله كثير من الصواب أن العالم العربي قبل الخمسينيات كان كله أشبه بريف ثقافي قياسا إلى الحواضر الثقافية الكبرى كالقاهرة وبيروت وبغداد والشام، وبالطبع فالأنظار تتوجه إليها كونها مهد الصحافة والإعلام والسينما والاحتكاك بالغرب ودور النشر، وفيها كبار الكتاب والنقاد ومن أراد شيئا من الشهرة فعليه بهذه الحواضر، هكذا فعل علي أحمد باكثير ومالك بن نبي ونزار قباني والنجفي، بينما لم يسعف الحظ الزهاوي والرصافي والعريض كثيرا لأنهم بقوا في بغداد والمنامة مع أنهم يستحقون كثيرا من الاحتفاء وذيوع أعمالهم. وقد أفاض مرتاض في الحديث عن عزلة الجزائر إبان الاستعمار الفرنسي والستار الحديدي الذي ضربه عليها، فقد عزلها عن محيطها العربي والإسلامي وفرض عليها لغته وثقافته، ومنع تواصلها مع جيرانها المغاربة ومع المشرق، وفرض رقابة كبيرة على ذلك واحتاجت الجزائر إلى وقت طويل لتجمع شملها وتصفي الاستعمار بالثورة الشاملة، بل إن الحصار والتمزيق فرضه الاستعمار الأوروبي على العالم العربي برمته، وهكذا كانت جريدة «العروة الوثقى» تسافر بحرا من فرنسا إلى الهند، لتنال موافقة المفوض البريطاني قبل أن تصل إلى ميناء الإسكندرية، واحتاج الريحاني إلى الحيلة وإلى جواز سفر أمريكي ليسافر إلى ربوع الجزيرة العربية، وليكتب كتابيه الكبيرين «ملوك العرب» و»قلب العراق» مثلا في حين يسافر الرحالة الأوروبيون والأمريكيون بكل سهولة في ربوع العالم العربي مشرقه ومغربه.</p><p style="text-align:justify;">ومن زاوية أخرى يبدو أن هناك شيئا من الغلو والافتعال الزائد في الحديث عن هذه العقدة المشرقية، والاستعلاء المشرقي، فعلى الرغم من الاستعمار والعزلة التي فرضها الاستعمار، إلا أن بعض الأعلام من المشارقة زاروا الجزائر ونشطوا فيها، فرحل إليها محمد عبده عام 1903 وذكر البشير الإبراهيمي، أن تلك الرحلة مهدت لظهور الحركة الإصلاحية. كما زارت فرقة جورج أبيض الجزائر ومثلت فيها ثلاث مسرحيات «صلاح الدين الأيوبي» و»شهامة العرب» وتولى الأمير خالد حفيد الأمير عبد القادر الدعاية للثالثة بنفسه «مجنون ليلى» وأفضت تلك الزيارة إلى تكوين جمعية الآداب والتمثيل الفني في الجزائر المستعمرة، كما زارها الموسيقار سامي الشوا، وكتب الأمين العمودي أن تكريم الفن هو إسهام في إحياء الأمة العربية، ثم هناك زيارة يوسف وهبي عام 1950 حيث استقبل وفرقته بحرارة، كما زارها فريد الأطرش وكل هذا حدث والجزائر مستعمرة.<br>وفي النصف الثاني من القرن المنصرم بدأ الأدب والثقافة المغربية يأخذان مكانهما في المشرق صحافة ونقدا ودراسة أكاديمية، ولو أن عميد الأدب العربي طه حسين، سبق إلى ذلك فقدم باحتفاء عبد الله كنون ومحمود المسعدي ومولود معمري، وتجلى ذلك في احتفاء المشارقة بمؤلفات محمد عزيز الحبابي والجابري والمرنيسي ومحمد برادة ومحمد شكري ومحمد زفزاف وعبد المجيد بن جلون والطاهر وطار وعبد الحميد بن هدوقة وهشام شرابي وأخيرا أحلام مستغانمي وواسيني الأعرج، ولا أدل على ذلك من نيل الروائي الجزائري عبد الوهاب عيساوي جائزة البوكر بروايته «الديوان الإسبرطي» عام 2020 وتتويج رواية «اختفاء السيد لا أحد» للروائي أحمد طيباوي بجائزة نجيب محفوظ عام 2021 فلو كان هناك نبذ وتعال وإقصاء ما تقدم كل هؤلاء في مضمار الاحتفاء والتقدير في المشرق ذاته.<br>في مقال بعنوان «شمس العرب هل تشرق من المغرب؟» وتحت عنوان فرعي «مطلوب من المشارقة إعادة اكتشاف المغرب ثقافيا» كتب الأنصاري (إن ما سمعته من الإذاعة التونسية والمغربية، يدل على أن للعربية الفصحى مكانة تدعو إلى الاطمئنان، وإن المذيعين المتحدثين بها يجيدونها بشكل يدعو إلى أن يغبطهم عليه بعض إخوانهم المشارقة).<br>لقد استطاع الأدب المغربي مثلا المكتوب بالعربية، ناهيك من المكتوب بالفرنسية والمعرب، وكذا الثقافة خاصة في الجانب الفكري والنقدي من احتلال الصدارة ولم يعد هناك عزوف ولا استعلاء بالقدر الذي عهدناه في الماضي، بل إن الطلبة يقدمون على دراسة الأدب والفكر المغربيين، وتزيد الثورة المعلوماتية وطفرة الاتصالات ووسائل التواصل الاجتماعي من مد جسور التقارب بين المشرق والمغرب، وردم الهوة التاريخية وتضييق الفجوة بين مشرق ازدهى قرونا بمركزيته، ومغرب أبى إلا أن يكون كم ثوب وذيل طائر، ثم تمرد على ابن عبد ربه، فلم يعد يجمع أشعار المشرق بقدر ما يبدع أشعاره الخاصة، ويكتب سرده وهو ما يزيد من إعجاب المشارقة بهذا الإنتاج لخصوصيته المغربية العربية والأمازيغية، مثلما يتقدم الأمر في الخليج، ويحتفى بإنتاجه الفني والأدبي والفكري وهذا كله يصب في مصب واحد هو وحدة الثقافة العربية.</p><p style="text-align:justify;">كاتب جزائري</p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[موقع 180 مقالات]]></author>
                <guid>13743</guid>
                <pubDate>Thu, 14 Apr 2022 13:11:45 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[د. أيمن العتوم يكتب: بيني وبينك … اشتباك المُفردات]]></title>
                <link>د-أيمن-العتوم-يكتب-بيني-وبينك-…-اشتباك-المُفردات</link>
                <description><![CDATA[<p style="text-align:justify;">كانتْ لي منذُ الصّغر هواية اللّعب بالكلمات، الانتِقال السّلس أو الحَرِج بين مُفرداتها، ومحاولة إيجاد الكلمة البديلة، كان دائِمًا هاجِسي في كلّ نصٍّ قرأتُه منذُ البدايات: ماذا لو ؟! ماذا لو قال الشّاعر أو الكاتب هذه المفردة بدلًا من تلك، ماذا لو قال غير ما قال مِمّا يسمح به المقال؟! أذكر أنّني لَمّا قرأتُ بيت المُتنبّي:</p><p style="text-align:justify;">إذا اشتبهَتْ دموعٌ في خُدودٍ</p><p style="text-align:justify;">تَبيّنَ مَنْ بَكى مِمّنْ تباكَى</p><p style="text-align:justify;">قلتُ: لماذا لا تكون إذا اشتبكتْ دموعُ في خدودٍ؛ فالاشتِباك، الّذي يتضمّنُ الاشتِباه فيما يتضمّنه أفضل، ناهيكَ بصوت حروفها الّتي تكاد تسمع فيه تدافعًا وطِعانًا، أضِف إلى تجانسها مع كلمة تباكى الّتي في آخر البيت في ثلاثة حروف هي التّاء، والباء، والكاف. ثُمّ لم يُعجبني رأيي، فقلتُ لماذا لا تكون: «إذا اشتعلتْ دموعٌ في خدود»؛ فقولنا جرادٌ مُشْعِلٌ، إذا انتشر وجَرى في كلِّ وجه، فتعني القوّة والكثرة والانتِشار، وقولنا غُرَّةٌ شَعْلاءُ يعني أنْ تأْخذ الغُرّة وهي الشّعر الكثيف إِحدى العينين حتى تدخل فيها، وهذا يُناسب امتلاء العين بالدّمع حتّى تفيضَ المقلتان به فتتدفّق على الخدود، والاشتِعال يعني فيما يعني الاحتِراق الّذي يتناسبُ مع حرقة الدّموع وحرارتها، ولكنّنا سنصطدم بقوله (تبيّن)؛ فالتّبيُّن أو التّباين يكون بين مُستوَيَين أو بين نقيضَين كما أراد الشّاعر بين البُكاء والتّباكي، ولكنّ اشتعل تذهب إلى مستوى واحد وهو الاشتِعال الحقيقيّ لا المُصطَنَع، فالكلمة لا تفي تمامًا بما أراد الشّاعر، فعدلتُ عن أنْ أجدها مناسبةً! فقلتُ: لماذا لا تكون «إذا اشتجرتْ دموعٌ في خدودٍ»، فالاشتِجار يدلّ على ألف معنًى يزيد على الاشتِباه الّذي أراده المتنبّي؛ فاشتجر الشّيءُ تعني تداخل بعضُه في بعض، ويقال: اشتجرت الرّماح إذا اختلطت لكثرتها من جهة، ولعدم معرفة مَنْ كان منها معك مِمّن كان منها ضِدّك من جهةٍ أخرى، ويقال كذلك اشتجرت الأصابع إذا تشابكتْ، واشتجر القوم تخالَفوا وتنازَعوا. وأعجبتْني هذه الكلمة أكثر. لكنّني أيضًا قلت: لماذا لا تكون: إذا اشتهرتْ دموعٌ في خدود؛ أي إذا ظهرتْ بوجهٍ جليّ فَرُئِيتْ لكثرتها، وهذا يتناسبُ مع قَفْلة البيت بكلمة (تباكَى) إذْ إنّ مَنْ يبدو هنا باكِيًا يريد لدموعه الاشتِهار، فهو لم يبكِ بل تباكَى.. وهكذا؛ ومع أنّ الكلمات الخمس (اشتبهتْ، واشتعلت، واشتبكتْ، واشتجرت، واشتهرت) مشتركة كلّها في وزنٍ واحدٍ، وفاؤها واحدة وهي الشّين إلاّ أنّ البَوْن بين كلّ كلمةٍ وأخرى شاسعٌ. وفكّرتُ لماذا لا يستطيع الشّاعر أنْ يضعَ كلّ الخيارات الممكنة الأخرى إلى جانب كلّ كلمةٍ يقولها، فكلمات العربيّة رائعة وقادرةٌ على أنْ تُصيبكَ بحالةٍ من الانخِطاف إلى حَدّ يصعبُ تخيّله، إنّ كلماتها أكثر من النّجوم، والانتِقاء منها أسهل من اغتراف كأسٍ من الماء من محيطٍ متلاطم، ثُمّ قلتُ إذا لم يفعل هو ذلك، فلماذا لم يفعله الشُّرّاح والنّقّاد؟».</p><p><br><br>&nbsp;</p><p>&nbsp;</p><p>&nbsp;</p><p>&nbsp;</p><p><br>&nbsp;</p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[موقع 180 مقالات]]></author>
                <guid>13741</guid>
                <pubDate>Thu, 14 Apr 2022 13:03:20 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[رحيل الشاعر العراقي حسب الشيخ جعفر]]></title>
                <link>رحيل-الشاعر-العراقي-حسب-الشيخ-جعفر</link>
                <description><![CDATA[<p style="text-align:justify;"><strong><img class="image_resized" style="width:60px;" src="https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2018/08/%D9%85%D8%B1%D9%88%D8%A7%D9%86-%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%84%D9%8A%D9%85%D9%8A-%D9%86%D8%AA-150x150.jpg" alt=""> مروان ياسين الدليمي</strong></p><p style="text-align:justify;">توفي في العاصمة العراقية بغداد يوم الاثنين 11 نيسان/ إبريل 2022 الشاعر العراقي حسب الشيخ جعفر، تولد مدينة العمارة العراقية عام 1942، ويحسب جعفر على الجيل الشعري، الذي أعلن عن ظهوره في مطلع ستينيات القرن الماضي، حيث بدا واضحا تحرره من نمط القصيدة العربية الكلاسيكية، ومنجذبا في آفاق تجربته إلى ما أنجزه السياب ونازك الملائكة من تحديث للشعر العربي، إضافة إلى تفاعله مع الظواهر الشعرية في التجارب العالمية.<br>وحال رحيله نعاه الاتحاد العام للأدباء والكتّاب في العراق بكلمة هذا نصها: «يعزي الاتحاد العام للأدباء والكتّاب في العراق الوطن كله، وينعى برحيل الشاعر القدير حسب الشيخ جعفر، الذي فارق الحياة يوم الاثنين 11 نيسان 2022، بعد معاناة مع المرض، الرحمة لروحه الطاهرة، وخالص العزاء للأهل والمحبّين، إن رحيل جعفر خسارة فادحة للأدب العربي، فهو التجربة المهمة، والشاعر المبتكر، والأديب الأصيل، والإنسان النبيل، وداعاً أيها الوديع الهامس بكل مفردات الحياة، تبكيك الأنهار والجهات وهي تتعلم الدوران من تدوير تفعيلاتك، وتبكيك الأمم التي تسمو بك، وتعلو لتعود إليك.. المجد لروحك الطاهرة الخالدة».<br>رئيس جمهورية العراق برهم صالح نعاه أيضا برسالة جاء فيها: «طائر الجنوب الذي حلق في الشعر العربي لعقود، شاعرا ومترجما ومجددا رحل عن عالمنا، وبوفاة الشاعر العراقي الكبير حسب الشيخ جعفر يفقد الشعر أحد أهم قاماته، وتنحني نخلةُ الله حزنا على ابن ميسان الذي أضاء الشعر بمدوراته. تعازينا لكل العراقيين، وتغمد الله روحه بالرحمة».<br>كما نعاه مصطفى الكاظمي رئيس مجلس وزراء العراق قائلا: «تلقينا ببالغ الأسى نبأ رحيل الشاعر العراقي الكبير حسب الشيخ جعفر. كان رحمه الله قامة ثقافية وإنسانية باسقة أمد الثقافة العراقية بدفق الفكر والوطنية. تعازينا الحارة لعائلته وأصدقائه وللوسط الثقافي العراقي والعربي بغياب منبر من منابر الإبداع».<br>من جانبه نعاه وزير الثقافة العراقي حسن ناظم بكلمة مقتضبة على صفحته في فيسبوك جاء فيها: « توفي في بغداد اليوم الشاعر الكبير حسب الشيخ جعفر، أعظم شاعر بعد السيّاب، وأكبر شاعر مجدّد بعد تجديد الروّاد الكبار».<br>أما الشاعر خزعل الماجدي فقد وصفه بآخر الشعراء الكبار في العراق، وأضاف «قبل ساعات انتقى الخلود شاعراً كبيراً في العراق، فقد كان حسب الشيخ جعفر خلاصةً نادرةً وطيبةً للشعر العراقي الحديث، اجتمعت فيها منجزات الريادة الشعرية الخمسينية وجموح التجديد الستيني، فكان حسب سليل كل هذا التاريخ العذبِ للشعر العراقي الحديث. يتذكر الشعراء والمعنيون بالشعر مجموعاته الشعرية الأولى التي شكّلت إلهاما متدفقاً لأجيال أتت بعده، ويتذكرون مائدته الخاصة في اتحاد الأدباء التي كان يختار فيها جلاّسه بعناية. يتذكرون صوته المنخفض وإيماءاته المعبّرة، ومن جالسه يعرف عمق ثقافة ووعي أبي نؤاس التراثي، واطلاعه الواسع على الأدب العالمي وقدرته الفائقة على تشخيص معضلات تلك المرحلة المعقدة من تاريخنا الثقافي. ستبقى ذكراه في الضمائر والقلوب، وسيبقى متربعاً مكانته الشعرية العالية، سيبقى شعره الجميل والخاص ووجدانياته الرائعة منارة ضوء. لروحه المحبة والسلام ولأهله واصدقائه العزاء».<br>أما الشاعر إبراهيم البهرزي فكتب عنه ما يلي: «قبلما تحل ذكرى مرور عام على رحيل سعدي يوسف، ها هو عمود آخر من أعمدة الشعرية العراقية يغيب، لا يشبه شعر حسب الشيخ جعفر شعر شاعر آخر أبدا، هو كما كان سعدي وقبلهما سركون بولص وقبل سركون البريكان وحسين عبد اللطيف من شعراء (القصيدة الشخصية) تلك القصيدة المتخلقة من شخصية الشاعر الخالصة، القصيدة – التوقيع الشخصي، كانوا بعيدين جدا عن قصائد الإنابة وجو القصيدة الثقافية المتحذلقة، الذي كان يهيمن بطريقة ما على أغلب الأجيال الشعرية التي واكبها هؤلاء الافذاذ، كانت أساليبهم هي شخصياتهم لا غيرَ، لا انفكاك بين حرارة الحياة، بين أملها ويأسها، غضبها ورضاها، سخريتها وتجهمها، إشراقها وسوداويتها، لا انفكاك بين الشعر وشاعره، لن يتكرر شاعر مثل الراحل حسب، المتن المتفرد في الشعرية العراقية، وربما كان الخفي من شعريته أكثر ثراء من الظاهر، وتلك خيبة النقد العراقي المزمنة، برحيل حسب يغلق باب كريم من أبواب الشعرية العراقية لن يعوضه مدخل آخر.<br>وكتب الشاعر سعد الياسري في صفحته في موقع فيسبوك « توفي اليوم حسب الشيخ جعفر، وفي تقديري كان الرجل أحد أهم الأصوات في الشعرية العربية لا العراقية فقط، وبالإضافة إلى إسهاماته في التجديد على مستوى الشكل الشعري والتدوير خصوصا، مثّلت ترجماته المهمة عن اللغة الروسية بثرائها وغزارة أدبائها أحد أهم منابعه لإبداعية. كل ما أعرفه، الآنَ، أننا أمام نبأ مؤلم حقًّا.. سلاما أيها النظيف الزاهد».</p><blockquote><p style="text-align:justify;"><br><strong>وكان الراحل خلال الأعوام الماضية قد آثر العزلة، مبتعدا عن المشاركة في الفعاليات الثقافية داخل العراق، حال عودته من العاصمة الأردنية عمان بعد عام 2003 التي أقام فيها منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي.</strong></p></blockquote><p style="text-align:justify;"><br>تشيرالسيرة الذاتية للراحل إلى انه تخرّج من معهد غوركي للآداب في موسكو 1966 وحصل على ماجستير آداب، وعين رئيساً للقسم الثقافي في إذاعة بغداد 1970 – 1974، ومحرراً في جريدة «الثورة» وهو عضو اتحاد الأدباء والكتاب في العراق. وقد ترجم العديد من النصوص الشعرية لشعراء روس. وتقديراً لأعماله الشعرية نال جائزة السلام السوفييتية سنة 1983، كما نال جائزة مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية للشعر الدورة الثامنة 2002 – 2003.<br>من إصدارته الشعرية: «نخلة الله» 1969، «الطائر الخشبي» 1972، «زيارة السيّدة السومريّة» 1974، «عبر الحائط في المرآة» 1977، «وجيء بالنبيين والشهداء» «في مثل حنو الزوبعة» «الأعمال الشعرية» 1985، «أعمدة سمرقند» 1985، «كران البور» «الفراشة والعكاز» «تواطؤاً مع الزرقة» «رباعيات العزلة الطيبة» «رماد الدرويش» 1986، كما اصدر عام 2012 رواية بعنوان «الريح تمحو والرمال تتذكر» وفي اطار الترجمة فقد أنجز ترجمات مهمة لمختارات من الشعر الروسي وقصائد لغابرييلا ميسترال وقصائد أخرى لبوشكين.<br>يذكر أن دائرة الشؤون الثقافية التابعة لوزارة الثقافة العراقية احتفاء بتجربة الشاعر الراحل، ودوره المميز في مسار الشعر العراقي الحديث كانت قد أصدرت في مطلع هذا العام 2022 ثلاثة مجلدات ضمت جميع نتاجه الشعري.</p><p style="text-align:justify;">كاتب عراقي</p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[موقع 180 مقالات]]></author>
                <guid>13708</guid>
                <pubDate>Tue, 12 Apr 2022 14:03:10 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[حين يكون التدوين الذاتي موضوعيا: قصة حياة أحمد أمين]]></title>
                <link>حين-يكون-التدوين-الذاتي-موضوعيا-قصة-حياة-أحمد-أمين</link>
                <description><![CDATA[<p style="text-align:justify;"><strong><img class="image_resized" style="width:7.09%;" src="https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2019/03/%D8%B4%D9%83%D9%8A%D8%A8-%D9%83%D8%A7%D8%B8%D9%85-150x150.jpg" alt=""> &nbsp; &nbsp;شكيب كاظم</strong></p><p style="text-align:justify;">كانت بداية معرفتنا الثقافية به، يوم نما إلينا خبر إصداره كتبه التي بحثت في الشأن الإسلامي، وقد شاع في عقدي الثلاثين والأربعين من القرن العشرين، التدوين في الشأن الإسلامي، إذ كتب الدكتور طه حسين (ت 1973) «على هامش السيرة» و»الشيخان» ويقصد أبا بكر وعمر و»الفتنة الكبرى» بجزأيها، فضلاً عن الذي كتبه عباس محمود العقاد (1946) في عبقرياته، فقد أصدر الأديب المصري والأستاذ الجامعي أحمد أمين إبراهيم (1886-1954) كتابه «فجر الإسلام» الذي أثار ضجة واسعة في العراق وسوريا، فألفت عديد الكتب لمناقشة ما ورد فيه، ويوم يشخص لزيارة العراق، عوتب لدى زيارته كربلاء والنجف، أشد العتاب؛ عاتبه الشيخ الجليل محمد حسين آل كاشف الغطاء، صاحب الكتيّب الوثائقي «المثل العليا في الإسلام لا في بحمدون» وله قصة طويلة لا مجال هنا لسردها؛ عاتبه لأنه اعتمد في نقوله على جهة واحدة، وكان الواجب العلمي يحتم عليه نقل رأي الآخر، لكنه يلمس وقد كتب «ضحى الإسلام» وقد أخذ برأي من انتقده، وعرض رأي الفريقين، إنه لم يُرْضَ عنه أيضاً، لأنه كان مناقشا ومبدياً رأيا، ما يدل على ضيق صدر مجتمعاتنا كأنما يصّعَد في السماء، وكان من المؤمل – كما يقول أحمد أمين- أن يواصل إصدار هذه السلسلة حتى ليكتب «عصر الإسلام» بعد أن كتب «ظهر الإسلام» لكن المشاغل التي كان ينوء بها، رئيسا للجنة التأليف والترجمة والنشر، وعضواً في المجمع اللغوي في مصر، وأستاذا في كلية الآداب في جامعة فؤاد الأول، وغيرها من الأعباء الوظيفية، قد أكلت وقته وبعثرت زمنه ووزعت جهده مع قلة فائدتها» ولو استقبلت من أمري – كما يقول- ما استدبرت لرفضت كل هذه الأمور ونحوها وفرغت لإتمام سلسلة فجر الإسلام وضحاه وظهره وعصره، فلقد كان ذلك أجدى وأنفع وأخلد».<br>لقد كتب أحمد أمين قصة حياته وأصدرها أخريات أيامه، إذ أصدر طبعتها الأولى سنة 1950، وفيها يصور خلجاته وهو يهم بكتابة هذه السيرة الحياتية التي أطلق عليها اسم «حياتي» وتهيبه من الكتابة في هذا المجال فهو يقول «لم أتهيب شيئا من تأليف ما تهيبت من إخراج هذا الكتاب. فإن كل ما أخرجته كان غيري المعروض وأنا العارض أو غيري الموصوف وأنا الواصف، ومع هذا فكيف يكون الإنصاف؟ إن النفس إما أن تغلو في تقدير ذاتها فتنسب إليها ما ليس لها، وإما أن تغمطها حقها، أو تقلل من قيمة أعمالها، أما أن تقف من نفسها موقف القاضي العادل والحكم النزيه، فمطلب عزّ حتى على الفلاسفة والحكماء». والحق أقول: إني قرأت الكثير من السير الذاتية، وكتب المذكرات والذكريات، فكانت «حياتي» أقرب إلى وقائع الحياة والأشياء من غير إفراط ولا تفريط. على مدى أكثر من مئتي صفحة يطوف بنا أحمد أمين، عقودا من الزمن المصري؛ منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين، منذ أن غادر عمه وأبوه أرضهما الزراعية في سمخراط، بسبب الضرائب الباهظة، نحو مدينة القاهرة، فيجد عمه له عملا في السوق، في حين ينخرط أبوه في الدرس الأزهري، فيمضي العمر بين المحابر والقراطيس، مصححا لغويا، وناسخا لكثير من الكتب النحوية والفقه الشافعي، لذا كانت كتب الأب الأزهري أمين إبراهيم نواة لمكتبة نجله أحمد أمين، هو الذي أهدى بعضا منها إلى مكتبة الأزهر، حاملة اسم أبيه أمين إبراهيم، وفيها الكثير من المخطوط النادر.</p><p style="text-align:justify;">لقد درس أحمد أمين في المدرسة الحكومية، بعد أن كانت البداية في الكُتّاب، وكانت المدرسة الحكومية مما يأتلف مع ذوقه وتوجهاته، لكن الأب الأزهري المتعصب يظل يستخير هذا ويسأل ذاك من الصديق، كي يرشدوه إلى مستقبل ابنه الدراسي؛ هل يواصل ابنه الدراسة في المدرسة الحكومية، أم يرسله نحو الأزهر؟ ويتردد ويتردد ثم يستخير الله ويخرجه من المدرسة إلى الأزهر!<br>يعتم الطفل الصغير بالعمة ويلبس الجبة وينتعل النعال، فكان ذلك أشق عليه من الدرس في الأزهر، حيث الجلوس على الأرض، والأستاذ على نشز من الأرض عند أحد الأعمدة، أشق عليه وهو يرى تضاحك أترابه الصبيان منه، وعبثهم معه، وهذا الأمر يذكرني بما سرده سهيل إدريس (2008) في روايته الناهلة من سيرته الذاتية «الخندق الغميق» وكما تضرع الصبي أحمد إلى أبيه أن يعفوه من ذلك فما سمع، فقد كان أبو سهيل إدريس رجل الدين المزواج، قد أعار توسلات ابنه أذنا صماء، «ها أنا في سن الرابعة عشرة تقريباً، يُلْبسِني أبي القباء والجبة والعمة والمركوب بدل البدلة والطربوش والجزمة، ومما آلمني أني أحسست العمامة تقيدني فلا استطيع أن أجري كما يجري الأطفال ولا أمرح كما يمرح الفتيان، فشخت قبل الأوان، والطفل إذا تشايخ كالشيخ إذا تصابى كلا المنظرين ثقيل بغيض».</p><blockquote><p style="text-align:justify;"><strong>أحمد أمين شأنه شأن الكثير من كتاب مصر، كانوا يحضون على الكتابة بالعامية مثل عبد العزيز فهمي، أو سلامة موسى الذي كان يدعو فضلا عن العامية، إلى اللاتينية والفرعونية والفابية، وكما دعا طه حسين إلى ثقافة البحر الأبيض المتوسط، وسلخ مصر عن محيطها العربي، فإن أحمد أمين يتناغم مع هذه الجوقة وغيرهم لكن بصورة أخف</strong></p></blockquote><p style="text-align:justify;"><strong>حسن باشا عاصم</strong></p><p style="text-align:justify;">في الكتب التي أقرؤها، أحاول أن أقف عند مثابات شاخصة، والتقط تصرفات سامقة، تدل على سمو أخلاق، ودفاع عن الحق والفضيلة، وأسجلها عبرة لنا جميعاً وإفادة، فأحمد أمين في كتابه «حياتي» يحدثنا عن حسن باشا عاصم الرئيس المشرف على التعليم في (الجمعية الخيرية الإسلامية) الذي كان قبل ذلك رئيسا للقلم العربي في السراي أيام الخديوي عباس الثاني – حكم مصر من 1892- 1914 وهو آخر الخديوات السبعة الذي حكموا مصر- فأراد الخديوي أن يستبدل أطيانا، أي أرضا يملكها بأطيان للوقف، فلم يوافق هو ولا الشيخ محمد عبدة (1905) فأخرجه الخديوي من وظيفته تلك، فتبرع حسن باشا عاصم بالإشراف على التعليم في (الجمعية الخيرية الإسلامية) ورعايته.<br>حدث أن تقدم أحدهم لتسجيل ابنه في المدرسة هذه. كانت سنه تزيد شهرا، شهرا واحداً فقط عن السن المقررة، فأبى حسن باشا قبوله، واضعين في الحسبان أن هذا الصبي هو ابن الرجل الذي تبرع بأرض المدرسة هذه لحساب الجمعية، فضلا عن نفقات بنائها وأوقف عليها من أملاكه! معللا حسن باشا عاصم رفضه ذلك: لقد تبرع هذا الرجل للجمعية فوجب شكره، لكن أراد بعد أن يخرق القوانين فوجب صده، فلما الحوا عليه قدم استقالته فاضطروا للنزول على رأيه. وهكذا كان يسير على هذا النمط في ما يعهد إليه من أعمال، وهو نمط من الناس غريب في الشرق المملوء بالمجاملات وقبول الرجاء مهما خالف العدل وخالف القانون».<br>ومن أجل أن يكون حديثنا متوازنا، فإذ ذكرت هفوة الخديوي عباس إزاء حسن باشا عاصم، إذ أقاله من عمله لأنه لم يلب مطلبه، فإني أدون هذه الواقعة التي تدل – في بعض صورها- على رحابة صدر الرجل وقبوله الأمر الواقع.<br>حدث أن تقرر سنة 1907 إنشاء مدرسة للقضاء الشرعي، لتخريج قضاة شرعيين، بعد أن كثرت الشكوى من القضاة الشرعيين الذين يتخرجون في الأزهر، وكان الخديوي عباس كارها لهذا المشروع، الذي آزره سعد باشا زغلول وزير المعارف والشيخ محمد عبده، وتعقد جلسة لمجلس النظارة؛ أي مجلس الوزراء بمسميات هذا الزمان، فصوت جميع النظار إلى جانب سعد زغلول، عدا ناظرا واحدا، قال أحمد أمين: فلم يسع الخديوي إلا أن يوافق على رأيهم ويمضي القانون.</p><p style="text-align:justify;"><strong>دعوات الكتابة بالعامية</strong></p><p style="text-align:justify;">أحمد أمين شأنه شأن الكثير من كتاب مصر، كانوا يحضون على الكتابة بالعامية مثل عبد العزيز فهمي، أو سلامة موسى الذي كان يدعو فضلا عن العامية، إلى اللاتينية والفرعونية والفابية، وكما دعا طه حسين إلى ثقافة البحر الأبيض المتوسط، وسلخ مصر عن محيطها العربي، فإن أحمد أمين يتناغم مع هذه الجوقة وغيرهم لكن بصورة أخف، فهو إذ يُدعى إلى الحديث في الإذاعة، ليتمنى على نفسه لو خاطب الناس بالعامية كي يفهموا! ناعيا على أدباء مصر أرستقراطيتهم وتعاليهم، وأرى أن الأمر الصحيح رفع مستوى الناس عامة، وليس النزول إلى مستوى عامة الناس، والحديث بلغة مفهومة وليست عامية هجينة، وصولا إلى شيوع الثقافة والمعرفة والعلوم، وإذ ذاك لا نجد غضاضة من الحديث بالفصحى لا الفصيحة فقط!<br>قال أحمد أمين: ومن أجل هذا اقترحت في بعض مقالات نشرتها وفي محاضرة في المجمع اللغوي، أن نبحث عن وسيلة للتقريب، واقترحت أن تكون لنا لغة شعبية، ونلتزم في أواخر الكلمات الوقف من غير إعراب وتكون هي لغة التعليم ولغة المخاطبات ولغة الكتابة للجمهور، ولا تكون اللغة الفصحى المعربة إلا لغة المثقفين ثقافة عالية».ولعل من حسن حظنا وحظ لغتنا أن لقي اقتراحه هذا معارضة شديدة وطوته الريح!</p><p style="text-align:justify;"><strong>أستاذيته ودكترته</strong></p><p style="text-align:justify;">ظلت مسألتان في حياة أحمد أمين، تشغلاني ولم أعثر لهما على جواب حتى قراءة هذا الكتاب الممتع والمفيد، والقريب من وقائع الحياة، والبعيد عن التنفج والزهو بالذات، حتى أنه يذكر الكثير من نقاط ضعفه.<br>المسألة الأولى: كيف أضحى أحمد أمين أستاذا جامعيا؟ ويأتي الجواب: ودق جرس التلفون في منزلي في مصر الجديدة، وأنا قاض في محكمة الأزبكية سنة 1926، وإذا المتكلم صديقي طه حسين يطلب إليّ مقابلته، وذهبت إلى مقابلته فإذا هو يعرض عليّ أن أكون مدرسا في كلية الآداب، فترددت قليلا ثم قبلت، لنفوري من القضاء وحبي للتدريس، وذهبت إلى الكلية، فوجدت شيئا جديدا عليّ، ها أنذا أطلّق كتب الفقه، وأعود إلى كتب اللغة والأدب والنحو، ودَرّستُ في أول سنة درسين: درسا أقرأ فيه الكامل للمُبَرّد، ودرسا أقرأ فيه البلاغة، ومن قديم لم تعجبني البلاغة العربية.<br>المسألة الثانية: هي درجة الدكتوراه، فمرة أقرأ اسمه خلوا من الدكترة، وأخرى مرادفة له، ويأتي الجواب: في سنة 1948 قرر مجلس كلية الآداب ومجلس جامعة فؤاد الأول منحي الدكتوراه الفخرية فلقبت: الدكتور أحمد أمين، ومنحت جائزة فؤاد الأول، وهي إحدى الجوائز التي تقدر بألف جنيه مصري وتمنح لمن ينتج أحسن عمل أو إنتاج في الآداب والعلوم والقانون، وقد أقيم حفل كالمعتاد في يوم 28 فبراير/شباط 1948 في قاعة الاحتفالات الكبرى للجامعة سُلّمتُ فيها الجائزة».</p><p style="text-align:justify;">كاتب عراقي</p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[موقع 180 مقالات]]></author>
                <guid>13701</guid>
                <pubDate>Mon, 11 Apr 2022 18:08:37 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[كتب سهيل كيوان: حاجتنا إلى نقد أدب الأطفال..]]></title>
                <link>كتب-سهيل-كيوان-حاجتنا-إلى-نقد-أدب-الأطفال</link>
                <description><![CDATA[<p style="text-align:justify;">تشهد ساحتنا الأدبية المحلية في العقدين الأخيرين، نهضةً في الكتابة للأطفال، وذلك من الناحية الكميّة، حيث لا يمرُّ أسبوع إلا ونشهد صدور كتاب جديد أو أكثر للأطفال، وهي عمومًا عبارة عن قصص والنادر من الشعر.</p><p style="text-align:justify;">أحصيتُ في كتاب "أعلامنا في أدب الأطفال" الذي أعددته بالمشاركة مع مديرة مكتبة نحف العامة، السّيدة هدى عيسى، حوالي 200 اسم بين كاتب وشاعر كتبوا للأطفال، إلا أن أكثرهم ظهروا في العقدين الأخيرين، وتزداد أعداد الكتّاب عامًا بعد عام.</p><p style="text-align:justify;">هذه الظاهرة صحّية جدًا، ولها أسبابها، وسيكون لها تداعياتها على هندسة وعي الأجيال الصاعدة.</p><p style="text-align:justify;">كتب للأطفال كتَّابٌ وشعراءُ ومسرحيّون ونقّادٌ ومختصّون نفسيون ومعلمو مدارس، وأستاذة جامعات وكلّيات، وصُحفيّون ومفتّشون في اللغة، وأصحاب دور نشر، وشخصيات اجتماعية وسياسيون وعاملون في المجال الطبي والقضائي وحتى الأطفال كتبوا قصصًا ونشروها في كتب بمساعدة ذويهم.</p><p style="text-align:justify;">فما هو سر هذا التهافت على الكتابة للطفل؟</p><p style="text-align:justify;">أوّلاً، لأنَّ طلاب المدارس يشكّلون أوسع شريحة عددية من القرّاء، ويعود هذا إلى كون الأطفال في أطر منظّمة، من السّهل توفير الكتاب لهم، سواء من مكتبات المدارس أو المكتبات العامة في كل بلدة أو المكتبة المتجوِّلة والمراكز الجماهيرية، وإقامة أسبوع للغة العربية الذي يتخلّله انكشاف على الكُتّاب المحليين وأدبهم.</p><p style="text-align:justify;">ثانيا، يوجد لدى الأهالي استعداد كبير لدفع المال ولشراء كتب لأطفالهم، كثيرًا ما نرى الأهالي في معارض الكتب يشترون عشرات الكتب لأبنائهم، وهو ما لا يفعلونه لأنفسهم.</p><p style="text-align:justify;">ثالثًا وهذا مهم جدًا، استسهال عملية الكتابة للطفل، فالكثير من القصص بسيطة جدًا، وفي أحيان كثيرة ساذجة جدًا، تعتمد في تسويقها على نوعية الورق والرُّسومات الملوّنة وعلاقة الكاتب العامة.</p><p style="text-align:justify;">سهولة نقل الكثير من القصص العالمية، في صِيَغ مختلفة قليلاً عن الأصل، دون أن يحاسِب الكُتّابَ أحدٌ على ذلك، إضافة إلى نقل قصص تراثية شعبية وقصص دينية معروفة، أو حتى من كتب دراسة قديمة.</p><p style="text-align:justify;">عدم قدرة معظم الأهالي على التمييز بين الغثّ والسّمين مما يُكتب للأطفال، لاعتقادهم بأن ما ينشر مدروسٌ بشكل يلائم ذوق ووعي الطفل وليس ذوقهم هم.</p><p style="text-align:justify;">المردود المادي لكتب الأطفال أكبر بكثير من كتب الكبار، سواء للنّاشر أو للكاتب نفسه، والمقصود ليس المبيعات فقط، بل وبصورة غير مباشرة من خلال انتشار اسم الكاتب وكتابه في المكتبات المدرسية وفي مسيرة الكتاب، الأمر الذي حوّل كتابة قصص الأطفال إلى صناعة مربحة نسبيًا قياسًا بقصص الكبار.</p><p style="text-align:justify;">مُلاحظ أنّ معظم قصص الأطفال خالية من العقدة التي تُعتبر أساس كل قصة، بل نجد سردًا لأحداث عادية دون تأزيم للموقف أو إدهاش، وإذا وُجدت عقدة، فهي ساذجة. كثير منها في صيغة: لماذا يا جدي كذا وكذا؟ أو لماذا يا ماما؟ وحينئذ يسردُ الكاتب ما يريد أن يوصله ويصبح لدينا قصة.</p><p style="text-align:justify;">باعتقادي أن القصة للطفل يجب تحمل مقومات قصّة الكبار، والقصّة الجيّدة للأطفال يستمتع بها الصغير والكبير وحتى الكاتب والناقد، مثلا قصّة القنديل الصّغير لغسان كنفاني.</p><p style="text-align:justify;">الطفولة هي مرحلة حاسمة في بناء شخصية الإنسان، ولهذا يفترض أن تكون القصص والأشعار هادفة ومساهمة في عملية البناء من نواح عدة، لأن أحداث القصص تنغرس في وعي الطفل كأنها حقيقة، وتؤثر على تصرفه وفكره ونفسيته وهذا يستمر حتى بعد أن يصبح شابًا.</p><p style="text-align:justify;">نلاحظ زيادة الوعي في القضية الوطنية والقومية، فقد انتشرت قصصٌ كثيرة عن المدن والجغرافيا الفلسطينية خصوصًا المدن السّاحلية -عكا وحيفا ويافا وغيرها - كذلك انتشرت قصص كثيرة عن القرى المهجرة والنكبة وفكرة حقّ العودة، كذلك يوجد اهتمام في الشخصيات التاريخية المُلهمة والأحداث التاريخية.</p><p style="text-align:justify;">بعض القصص تعليمية وأخرى مكرّسة للقيم الأخلاقية مثل التسامح والسّلوك العام في مواقف كثيرة والمناسبات الدينية والاجتماعية، والكثير من القصص صارت تعالج قضايا أكثر تعقيدًا وغير تقليدية، ذات طابع نفسي مثل الأحلام والموت والشّراكة مع آخرين في البيت والوالدين والأشقاء والخوف بشتى ألوانه والقلق والتعامل مع الجسد وذوي الإعاقة والتكنولوجيا الحديثة، وتقبّل الذات والعلاقة مع الآخر المختلف وغيرها الكثير.</p><p style="text-align:justify;">يُسجّل للكاتب سهيل عيساوي أنه تناول العديد من قصص الأطفال بالنقد، وهذا مطلوب جدًا، ولكن نحتاج إلى أكثر، أرى أننا بحاجة إلى حركة نقديّة تواكب هذا الإنتاج الغزير مما يكتب للأطفال مثلما توجد حركة نقدية تتعامل مع قصص وروايات وشعر الكبار، نظرًا لأهمية هذا اللون من الأدب وتأثيره الكبير في صناعة وعي الأجيال.</p><p>&nbsp;</p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[موقع 180 مقالات]]></author>
                <guid>13686</guid>
                <pubDate>Sun, 10 Apr 2022 18:18:01 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[غادة السمان تكتب: أفضل روائي اسمه… «القدر»!]]></title>
                <link>غادة-السمان-تكتب-أفضل-روائي-اسمه…-«القدر»</link>
                <description><![CDATA[<p style="text-align:justify;">القدر يكتب بأبجديته الأحداث المعاشة، لا أدباً غرائبياً على غرابة أحداثه أحياناً. كمثال، أتذكر طبيباً بيروتياً من أسرة عريقة اشتهر كأفضل طبيب للأطفال في بيروت ما قبل الحرب الأهلية وخلالها حتى موته، كان الأطفال وعافيتهم هاجسه. ومهما كانت الأم جميلة وشهيرة وأحبت التدخل في علاج طفلها، كان يسكتها بفجاحة ما دامت ليست طبيبة! وكنت من (زبائنه) وأنا أحمل له طفلي (الدكتور حازم اليوم) للفحص السنوي أو إذا أصيب بمرض كالأطفال كلهم. ومرة رافق الشاعر نزار قباني زوجته الرائعة بلقيس ومعهما زينب وعمر، وكانا طفلين، فطرد الطبيب نزار وقال له: انتظر أمام الباب، فأنت تفهم في الشعر لا في طب الأطفال! أي أن هاجسه الأول كان عافية الطفل! وبلا مجاملات للأهل.</p><p style="text-align:justify;"><strong>أنقذ حياة ابني!</strong></p><p style="text-align:justify;">أصيب مرة ابني وكان عمره سنة، بالتهاب رئوي، واتصل بي الطبيب المناوب ليلاً في المستشفى وقال إن حرارة ابني مرتفعة جداً، وهكذا أيقظت الطبيب الشهير من نومه في الثانية صباحاً ولم يتذمر، والتقينا في المستشفى، واكتشف الطبيب الكبير أن الطبيب المتدرب أعطاه حقنة من البنسلين، ولابني حساسية ضد البنسلين!<br>وباختصار، أنقذ الطبيب الكبير حياة ابني، ولم أنسَ ذلك يوماً، ونشأت بيننا صداقة عائلية لأن زوجة الطبيب قريبة لزوجي. وحين تزوجت ابنة الطبيب الشهير وأنجبت، قلنا إن حفيده سيلقى أفضل عناية صحية بفضل جده الطبيب الأشهر في بيروت. ثم علمنا من الصحف بخبر نزل على الأمهات نزول الصاعقة حقاً، والخبر وفاة حفيد الطبيب الأشهر على الرغم من المعالجة. وهنا تقاعد الجد المحزون، وتسلم ابنه -الطبيب أيضاً- عيادته، لكن الشؤم حال بينه وبين كثرة الزبائن كما كان والده من زمان، حتى أنه هاجر من لبنان!<br>أليس القدر أفضل روائي؟ وكيف كان في وسع أي كاتب أن يختار وفاة حفيد الطبيب الأشهر للأطفال في لبنان كخاتمة روائية؟ ومَن غير القدر يسطر الروايات الاستثنائية؟<br>وأعتقد أن كل قارئ عاش أو قرأ أو شهد رواية مدهشة سطرها القدر عجز البشر عن تبديل مسارها.</p><p style="text-align:justify;"><strong>عالجوه ولم يكن مريضاً!</strong></p><p style="text-align:justify;">ما أكثر الذين يمرضون ولا يجدون العلاج في الصيدليات كما يحدث هذه الأيام في لبنان، أما في بلاد الرفاهية فقد يحدث العكس!<br>وكمثال، أذكر ذلك الرجل الأمريكي الذي عالجه الأطباء طوال ثلاثة أعوام ضد مرض السرطان بكل الأدوية المتوافرة. ثم حدثت المفاجأة، وتبين أن الرجل المسكين و»المريض بالوهم» الطبي لم يكن مصاباً بالسرطان! وهكذا حصل الرجل على ثلاثة ملايين يورو تعويضاً عن المعالجة الأليمة التي عانى منها ولم يكن مريضاً!<br>مَن غير القدر تخطر بباله حكاية كهذه؟ كأن القدر في رواياته يحب دائماً تذكيرنا بأننا من البشر، وأننا نصيب ونخطئ، لكن بعض الأخطاء ثمنها ثلاثة ملايين دولار. ومن طرفي، لا أعتقد أن بوسع أحد التعويض على عذاب إنسان تلقى علاجاً أليماً ضد مرض لم يكن مصاباً به! لكن القدر يحب كتابة هذا النمط من الروايات!</p><p style="text-align:justify;"><strong>يحاول الخداع، ويسخر القدر!</strong></p><p style="text-align:justify;">الروايات التي يكتبها القدر لا تخلو من المفاجأة حتى لقراء مثلي لم يعد ثمة ما يدهشهم. هذا رجل ادعى أنه تم اختطافه لكي تدفع زوجته المخلصة الفدية، ليعيد الخاطف/الخاطفون لها زوجها.<br>ودفعت المسكينة الفدية، ولم يخطر ببال الزوجة الوفية أن زوجها لم يكن مختطفاً، لكنه أراد ابتزاز المال منها لينفقه على عشيقته!<br>مَن غير القدر (يكتب) قصة كهذه تجسد الخيانة الزوجية والمتوجة بابتزاز المال؟</p><p style="text-align:justify;"><strong>في رواياته، يسخر القدر منا!</strong></p><p style="text-align:justify;">نحاول دائماً تعليم أولادنا في الجامعات، ونفخر حين يصيرون أساتذة فيها برواتب كبيرة. ويسخر القدر.. فعلينا اليوم الاعتناء (بأقدام) أولادنا قبل رؤوسهم! ها هو مثلاً لاعب كرة القدم «نيمار» وراتبه من ناديه أربعة ملايين يورو شهرياً! وهكذا يسخر القدر منا، نحن الذين نقوم بتعليم أولادنا في الجامعات ونفخر حين يحملون (الدكتوراه) لكن عصرنا يفضل -مالياً- من ينجح في ركل كرة القدم، بدلاً من دراسة الكتب العلمية والحصول على الدكتوراه بصمت علمي بدلاً من إدخال كرة قدم في هدف ما.. إنه القدر الساخر في (رواياته) الواقعية عن أولادنا وعنّا.</p><p style="text-align:justify;"><strong>الإبداع سرقة أدبية!</strong></p><p style="text-align:justify;">القدر ليس وحده الروائي الأكبر الذي يستحق جائزة نوبل في الأدب، بل هو منجم عطاء للروائيين. وليس بيننا من لم يسرق من القدر حكايات حدثت وخطها القدر شرط أن نكتبها بفنية روائية؛ أي أن لا يكون ما نسطره نقلاً فجاً لروائيات القدر، وإلا لدخل في باب السرقات الأدبية دونما فنية إبداعية، لكن كل مبدع أدبياً هو بمعنى ما السارق الأدبي الأول، وهي السرقة الوحيدة التي يباركها النقاد شرط توافر الفن الروائي فيها، لا النقل الحرفي (الإخباري) الصحافي.</p><p style="text-align:justify;"><strong>سعد الدين: كلنا أموات!</strong></p><p style="text-align:justify;">حين توفي الدكتور الكبير خير الدين حسيب، صديق أسرتنا كما زوجته السيدة شيرين، لم أعلم بنبأ وفاته إلا بعد أشهر، فالصحف اللبنانية لم تعد تصلنا إلى باريس، ولعل خبر رحيله فاتتني قراءته في صحف عربية تصدر في لندن وباريس. والدكتور الكبير علماً خير الدين حسيب، كان وزوجي متعاوناً في تأسيس مركز «دراسات الوحدة العربية» ولولا اتصال الصديقة الغالية شيرين بي بعد أشهر من وفاته لما علمت بذلك، واعتذرت عن تقصيري في تقديم واجب التعزية لتلك الصديقة الغالية وتعلمت درساً. وهكذا صرت كلما اتصلت هاتفياً مع منشوراتي في بيروت «ودار الطليعة» أسأل: هل توفي أحد الأصدقاء؟ وأذكرهم بان أحداً لم ينقل لي نبأ وفاة الراحل الكبير والصديق الكبير لزوجي، حسيب.<br>وهذا الصباح سألت الأستاذ سعد الدين النعنع، الموظف في دار الطليعة: هل توفي أحد من الأصدقاء؟<br>فأجابني اليوم السيد سعد الدين النعنع بعدما سئم من سؤالي اليومي عما إذا كان صديقاً مات ولم أدر بذلك، وكانت إجابته صادقة: يا سيدتي، كلنا أموات في بيروت!<br>وللأسف، كان جواباً صادقاً وباختصار. لا ضوء في آخر النفق اللبناني المظلم، ولا كهرباء ولا ماء للشرب ولا (مازوت) للمحركات الكهربائية ولا (بنزين) للسيارات، ولا مال عند الناس لشراء ما تقدم إذا توافر. كأننا نعيش في قبر على ضوء شمعة، وكان اسم المقبرة «سويسرا الشرق». فكيف أسأل عما إذا كان أحد الأصدقاء توفي، وكلنا كما قال سعد الدين النعنع بعفوية حين عاتبته لعدم علمي بوفاة خير الدين حسيب: كلنا أموات يا سيدتي! ولم يكذب!</p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[غادة السمان]]></author>
                <guid>13658</guid>
                <pubDate>Sat, 09 Apr 2022 17:21:25 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[هاني بشر يكتب: تحولات الدراما الرمضانية من التاريخ والدين إلى السياسة والأمن]]></title>
                <link>هاني-بشر-يكتب-تحولات-الدراما-الرمضانية-من-التاريخ-والدين-إلى-السياسة-والأمن</link>
                <description><![CDATA[<p style="text-align:justify;">يختطف رجل على دراجة نارية حقيبة ظهر من رجل آخر خارج من محل تجاري في مدينة أوروبية، وسرعان ما يركب هذا الآخر دراجته النارية لتبدأ مطاردة بوليسية بين الدراجتين. تدور الكاميرا من كافة الزوايا والاتجاهات لتبين تفاصيل المطاردة الغامضة في الشوارع والأزقة، يصل الأول إلى سفح هضبة مطلة على المدينة ويترك الحقيبة على دراجته النارية، وما أن يصل الثاني ويستعد لالتقاط الحقيبة، يباغته الأول من الخلف زارعا حقنة في رقبته فيسقط على الأرض مغشيا عليه، بعدها يخلع الأول خوذته لنكتشف أنه الممثل المصري أمير كرارة في المسلسل الرمضاني الجديد "العائدون"؛ أحد المسلسلات البوليسية التي تُعرض في رمضان هذا العام من تأليف باهر دويدار، وإخراج أحمد نادر جلال.</p><blockquote><p style="text-align:justify;"><strong>رغم حضور الشق السياسي ممثلا في مسلسلات مثل "رأفت الهجان" "ودموع في عيون وقحة" و"السقوط في بئر سبع"، فإنه كان حضورا في الإطار الوطني العام يتناول قضايا جامعة، وهي الصراع العربي-الإسرائيلي وتجنب قضايا الخلافات العربية-العربية أو الخلافات الوطنية-الوطنية داخل الدولة الواحدة.</strong></p></blockquote><p style="text-align:justify;">يبدأ المسلسل أولى حلقاته بنص يقول إن هذه القصة مستوحاة من واقع نعيشه بأحداث وشخصيات من وحي خيال المؤلف قبل أن تتسارع الأحداث وتكشف عن القصة التي تدور عن تنظيم الدولة (داعش)، ومحاولات المخابرات المصرية اختراق التنظيم.</p><p style="text-align:justify;">المسلسل الجديد يدور في فلك ظاهرة بدأت منذ سنوات ومستمرة معنا حتى الآن وهي التحول الضخم في الإنتاج العربي من الدراما التاريخية والدينية نحو الدراما البوليسية والسياسية، وتحديدا التي تتناول قضايا العنف والإرهاب، وهي دراما تتميز بالجودة الفنية من ناحية تقنيات التصوير والمونتاج والضعف الشديد في السيناريو والحوار يصل في أحيان كثيرة إلى حد اللغة الخطابية المباشرة.</p><p style="text-align:justify;">وعلى النهج نفسه يسير مسلسل "الاختيار 3" الذي يتناول قضية سياسية شائكة في مصر إبان حكم الرئيس الراحل محمد مرسي، الذي يتجنب الشق السياسي في القضية ويركز على الجانب الأمني والاستخباراتي بشكل كبير، من تأليف هاني سرحان وإخراج بيتر ميمي. فالممثلون الرئيسيون في المسلسل معظمهم ينتمي لأجهزة أمنية مثل ضابط الجيش الذي يقوم بدوره أحمد السقا وضابط الشرطة الذي يقوم بدوره كريم عبد العزيز، وضابط آخر يقوم بدوره الممثل أحمد عز، بالإضافة إلى أن خيوط القصص الرئيسية تدور في أروقة الأجهزة الأمنية.</p><p style="text-align:justify;">الملفت أن المسلسل تجنب مقولة إن القصة مستوحاة من قضايا واقعية مثل مسلسل "العائدون" إلى الكتابة في أول إعلان للمسلسل أنه يعرض حقائق لأول مرة. وتوالت حلقات المسلسل لتكشف عن أنه لا يستعير مشاهد حقيقية من قنوات إخبارية فقط بين عامي 2012 و2013، بل يعرض مقاطع فيديو مصورة لقيادات الإخوان في اجتماعات مغلقة؛ وذلك لتأكيد الرسالة السياسية المباشرة التي يريد إيصالها للمشاهد.</p><p style="text-align:justify;">يعزف مسلسل "بطلوع الروح" على الوتر الأمني نفسه، ويعرض قصة نساء يعشن تجربة الحياة داخل تنظيم داعش، ويقمن بأدوارهن إلهام شاهين ومنة شلبي، وهو من تأليف محمد هشام عبيه وإخراج كاملة أبو ذكري.</p><p style="text-align:justify;">المثير في هذا المسلسل أمران: أولهما شكلي يتعلق بالإنتاج إذ إنه يكسر قاعدة 30 حلقة ليكون 15 حلقة فقط، ويبدأ عرضه من منتصف رمضان. والأمر الثاني يتعلق بالقصة لكونه يتقاطع مع مسلسل "الدولة" الذي عرضته القناة الرابعة البريطانية عام 2017 عن حياة نساء بريطانيات مسلمات داخل تنظيم داعش من تأليف وإخراج بيتر كوزمنسكي. والمسلسل الأخير تجنب كل فخاخ الإسلاموفوبيا والنمطية في التعامل مع هذه القضية الشائكة وقدم رؤية درامية إنسانية بالغة الأهمية والحبكة، وكشف عن كافة الجوانب المأساوية، لذلك ستكون المقارنة صعبة بينه وبين "بطلوع الروح" بعد عرضه.</p><h2 style="text-align:justify;"><strong>ما بعد الدراما الوطنية الجامعة</strong></h2><p style="text-align:justify;">يمثل هذا النمط البوليسي من المسلسلات العربية تحولا جذريا في الدراما العربية خلال العقود الماضية التي بدأت بالتركيز على القضايا الدينية التاريخية أولا ثم التاريخية الحضارية ثانيا، قبل أن نصل إلى هذا النمط من المسلسلات البوليسية. ورغم حضور الشق السياسي ممثلا في مسلسلات مثل "رأفت الهجان" "ودموع في عيون وقحة" و"السقوط في بئر سبع" فإنه كان حضورا في الإطار الوطني العام ويتناول قضايا جامعة، وهي الصراع العربي-الإسرائيلي، وتجنب قضايا الخلافات العربية-العربية أو الخلافات الوطنية-الوطنية داخل الدولة الواحدة.</p><blockquote><p style="text-align:justify;"><strong>في حال استمر هذا النوع من الدراما على هذا المنوال فسيحدث عزوف جماهيري، وقد بدأ بالفعل بدرجة ما مع الشرائح الشبابية نحو مسلسلات المنصات الأجنبية مثل نتفليكس وغيرها، أو المسلسلات التركية.</strong></p></blockquote><p style="text-align:justify;">الأزمة في هذا النوع من الإنتاج تتجلى في عدة نواح، منها أنه يرفع سقف توقعات الجمهور عاما بعد آخر لمشاهدة ما هو أكثر إثارة. والقضايا السياسية والأمنية الحقيقية ليست متكررة بهذه الكيفية لتصلح أن تكون مادة درامية ثرية مبنية على وقائع. ولهذا السبب ربما يعول مسلسل "الاختيار 3" على المشاهد المسربة لرفع إيقاع الحلقات، إذ إن القصة الأصلية أكل عليها الدهر وشرب خلال 10 سنوات مضت. كما أن اللغة الخطابية المباشرة في كثير من هذه المسلسلات والتي تنحو في أحيان كثيرة نحو الاستقطاب ونزع الأنسنة عن الطرف الآخر في السيناريو والحوار تتناقض مع البناء الدرامي الذي يعتمد على التعقيد وتشابك النزعات الإنسانية في الشخصيات.</p><p style="text-align:justify;">إن التركيز المالي والإنتاجي على هذا النمط من الدراما يحرم المشاهد من الدراما التاريخية والدينية التي قامت بدور كبير خلال العقود الماضية في إلقاء الضوء على حقب تاريخية مهمة، وأعادت تجسيد كثير من القيم على الشاشة؛ مثل مسلسلات "عمر بن عبد العزيز" و"عمر" و"الحسن والحسين" و"الملك فاروق" و"التغريبة الفلسطينية" وغيرها. وهي مسلسلات جمعت بين قوة البناء الدرامي الاحترافي واحترام الحقائق التاريخية وتجسيد كثير من القيم الدينية والوطنية العامة.</p><p style="text-align:justify;">وفي حال استمر هذا النوع من الدراما على هذا المنوال فسيحدث أمران: أولهما عزوف جماهيري، وقد بدأ بالفعل بدرجة ما مع الشرائح الشبابية نحو مسلسلات المنصات الأجنبية مثل نتفليكس وغيرها أو المسلسلات التركية. وثانيهما دخول أي طرف إنتاجي آخر لتقديم رؤية درامية مغايرة لما يتم طرحه، وبذلك ندخل في دوامة المسلسلات والمسلسلات المضادة أو حرب الدراما والسرديات، وهي ليست ظاهرة صحية لأنها لا تأتي في مناخ صحي من حرية التعبير، وإنما في مناخ من الاستقطاب والشحناء.</p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[موقع 180 مقالات]]></author>
                <guid>13654</guid>
                <pubDate>Fri, 08 Apr 2022 19:24:02 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[جبار الكواز… سردنة الشعر وغواية الاستدعاء]]></title>
                <link>جبار-الكواز…-سردنة-الشعر-وغواية-الاستدعاء</link>
                <description><![CDATA[<p style="text-align:justify;"><strong><img class="image_resized" style="width:60px;" src="https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2019/06/%D8%B9%D9%84%D9%8A-%D8%AD%D8%B3%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%88%D8%A7%D8%B2-150x150.jpg" alt=""> &nbsp;علي حسن الفواز</strong></p><p style="text-align:justify;">يكتب الشاعرُ قصيدتَه ليستثمرَ طاقتها الاستعارية، في المكاشفة، والمساءلة وفي تسويغ رؤية الوجود، إذ يكون الوجود في اللغة مخاتلا ومواربا، وهذا ما يجعل «لعبة» الكتابة وكأنها محاولة في إثبات الصلة بين القصيدة، وحمولاتها الرؤيوية والدلالية والرمزية، ما يُعطي لها شغفا في المناورة، وفي تجاوز التحييد، وفي استدعاء الغواية، للتلصص، والتماهي مع الطبيعة، وحتى الإصغاء إلى أصوات الغائبين، واستدعاء شغف البصيرة لكي تجسّ ما هو خفي في اللغة، وفي سرائر الأمكنة وطلاسمها.<br>يضع جبار الكواز شعرية أناه الشعرية، الحاضرة والقلقة والشكاكة والمتسائلة، إزاء لعبة الإصغاء، وإزاء المخفي والغائب في الوجود، وليجعل من مدونته وكأنها تصعيد، أو افتتان تعويضي بفكرة الحضور، وبهواجس البحث عن المعنى، عبر استغوارات الأسطورة والرمز، وعبر ما هو مستور في الأمكنة، تلك التي يستدعيها بوصفها إحالة رمزية لوجوده، ولذته، ولرؤيته، حدّ أن مقاربته لـ»الإقصاء المكاني» تبدو وكأنها إقصاء لوجود الشاعر ولذاكرته المسكونة باسماء ورموز لا تنفصل عن ما تستدعيه شعرية الرؤيا ذاتها، فهو الشاعر المديني، المسكون بالرؤيا والأرشيف، وبهواجس الراوي الذي يرصد التحولات والمرويات والحكايات والخيبات..<br>في قصيدة « لا أسميها البصرة» يحضر الدال المكاني بوصفه فاعلا، ونافيا لفكرة الغياب، إذ يبدو «النفي» في عتبة العنوان، شرطا إيحائيا بالحضور، وإحالة إلى توصيف إشاري يكون فيه الضمير «أنتِ» شاهدا على إثبات البقاء، المقرون ضديا بما اختزنه ذاكرة الرائي من رعبٍ/ إنهاك استغرق المدينة/ الوجود.. تمركز القصيدة حول ثيمة المكان/ البصرة، يوجّه علاميا إلى مقاربة التاريخ، والحرب وعوامل الإقصاء والمحو والموت، مقابل الإشارة إلى التفاصيل التي توحي بالتذكّر والبقاء والرؤية، وهي إحالات للحياة، إذ يحضر النخيل مقابل الظمأ، وإذ تحضر السماء الثكلى مقابل البرابرة، وإذ يحضر الأولاد الخونة مقابل الدلاء المتينة بحبالها، والمدى الواسع في أعالي الرياح.<br>يوظف الشاعر سردية الشعر بتقنية «أنا الشاعر/ الشاهد، وعلى نحوٍ يمنح طاقة الشعري حافزا لمنح النسق السردي طاقة تخيّلية لترسيم ما هو شعري، وما هو تأويلي، وما هو استعاري، وهي تشكلات تصعد باتجاه ربط حكاية القصيدة، بالتاريخ، وبجعل التمثيل الشعري فيها، وكأنه نوعٌ من التوليف/ المونتاج الذي ترتبط استعاراته بالانزياح، وإشاراته بالمحذوف من التاريخ، وتخيلاته بما هو مخفي في أنساقه المضمرة، فالقصيدة تجد البناء النثري تمثيلا تصويريا لترسيم مشاهدها، ومساحة لتحويل ما هو بصري إلى تشكيل شعري ذي بنية ملحمية، يستقرأ من خلالها الشاعر المخفي في الصراع والحرب والغزو، وإحالة المقروء النصي/ التصويري إلى معاينة ومكاشفة يستنطقها الشاعر، ويصطنع لها استعارات تعزز بنية السينوغرافيا في المشهد الشعري.<br>هكذا أنتِ<br>بعد أن انهككِ البرابرة،<br>التفتُ<br>رأيتُ السماءَ ثكلى<br>والرياحَ جنونا،<br>والآفاقَ ومضة في عيون اليتامى،<br>ولم يكن فوق نخيلك إلا هواجسك،<br>وأنت تفلسفين أحلامك بالظمأ..<br>ما تستدعيه الرؤية الشعرية..<br>بدءا من عتبة العنوان، وحمولته الرمزية، يعمد الشاعر إلى توظيف «السرد الشعري» بوصفه بنية «تشكيلية» لا تنفصل عن تمثيل رؤيته، ولا عن لعبته في بناء مشاهد تتغذى بالتخيّل، إذ يكون ظرف «بعد» زمانيا يتعلّق بما يحدث جرّاء الإنهاك، وعنصرا تصويريا يتعلّق بوجهة نظر السارد، الذي يستدعي عين الكاميرا الشعرية لتتبع سيرة المدينة، ولتقصّي تحولاتها، تلك التي تستثمر طاقة الملحمي لتصوير فجيعتها في الحضور والغياب، وفي توليف عناصرها البنائية، والتشكيلية، ولتجعل من تمثلات «الحال الملحمي» للقصيدة، مجالا تعبيريا لتجسيد حركة الاستعارات، بوصفها وصفا للصراع، وتمثيلا لحمولتها الإشارية، إذ تنفتح صيغة النداء «أيتها» على أسطورة الخلق والسحر، ليستأنف عبرها الشاعر رؤياه، وهي تستغرق، وتحفر، وتجس، وتتقمص دور الرائي والشاهد والناهي.<br>« أيتها الحالمة بجنائن من طين،<br>وبجنون ظلّ يفرك روحك بالدخان،<br>حتى أضاءكِ العطش،<br>وعتعتكِ الملح،<br>وهزلكِ الاولاد الخونة كقطاة طمآى،<br>لا تختمي بإبهامكِ بئرا،<br>إلا حين تتيقنين أن الدلاء متينة حبالها،<br>وأنّ المدى واسع في أعالي الرياح،<br>وهو وريقك في السراء والضراء.<br>لعبة الشاعر في الاستدعاء، لا تنفصل عن رؤيته للتاريخ والأسطورة، إذ تحضر جملها الفعلية «التفتُ، رأيتُ» بوصفها استهلالا لتوقيد اللساني، وإلى تشكيل سلسلة من الجمل الأسمية التي تبدو وكأنها محاولة في اصطناع «إيقاعات بصرية» يختلط فيها الشعري بالذهني، والتاريخي بالسردي، والأسطوري باليومي، وهذه العلائق تقترح كشوفات بنائية، وسيميائية يحضر فيها الشاهد والرائي، ليس لتدوين الوقائع، بل للنهي عن حدوثها، ولإعطاء فعل الاستدعاء طاقة الكشف عن الشعري، بوصفه خزّان الرؤيا، والاستعاري الذي يُحيل المعنى إلى التأويل، وإلى ما يشبه الترياق الاستعاري لمواجهة الموت..<br>القصيدة/ «السكيج» قد تكون مقترحا لقراءة بنية المشهد في هذه القصيدة، فهذه التقانة في ترسيم الوحدات الشعرية، تجعل الشاعر أكثر رهانا على الجملة التصويرية، بوصفها جملة شعرية، تشتغل على المحذوف في الجملة النحوية، إذ تكوّن الجملة القصيرة إيحاءً، واختزالا، مثلما تكوّن الجملة الطويلة مشهدا توضيحيا يستند إلى الاستعارة وإلى المجاز، وعلى نحوٍ يجعل من «السكيج» وكأنه مقطع من مشهد ملحمي للمدن التي غزاها «البرابرة» بكل أقنعتهم وأسمائهم.<br>مفاتحيك ضاعت في أكف جنود الإنكليز،<br>كم سواد مرّ عليك،<br>وأنت تتكئين على جدارهم،<br>ولم تُلقّح أشآم كؤوسك<br>سوى حب عذارى ورقصات.<br>شيفرة النهي وشهوة الاستعارة<br>لا يضع الشاعر الكواز قصيدته أمام اضطرار المشابهة، بل يقترح لقارئه أفقا لقرائتها، وغواية لتوظيف الاستعارة، ولمخاتلة المعنى، وباتجاه تحويل دافع القراءة إلى ما يشبه البحث عن المخفي، في سيرة المدينة، وفي ما تستبطنه تلك الاستعارة من مخفيات، فهو لا يتعمد إلى الإقصاء، بقدر ما يجعل حرف النهي «لا» مجالا للامتناع، وليس للتغيّب والمنع كما هو في الجزم، وهذه التوليفة تُحيل إلى مقاربة استعارية لاستدعاء الحياة، ولجعل شيفرة النهي وكأنها دعوة خبيئة للإرجاء بحمولته الفلسفية، كما عند بول ريكور، أو لمواجهة التخلّي عبر اللغة كما عند الصوفيين..<br>ما بين الإرجاء والتخلّي يخترق الشاعر حجبه، ويجعل من النهي استئنافا لكشوفات أخرى، ولتعرية أكثر قسوة، لكنها أكثر فضحا وتعرية، ولاستدعاء «ذاكرة» تساكن « الغائب الموعود، وتمنح اللغة بوصفها «نصوصا» طاقة خلاقة، يستعيد عبرها الشاعر روح المدينة، ويجعل من شيفرة النهي أكثر استئثارا بالتأويل، وبمنح القصيدة حركة داخلية دائبة عبر التوالي، وعبر رفد الشعري بالتصويري، والتاريخي بالسردي، إذ يتلقي النهي العنواني «لا أسميك البصرة» بالنهي الطارد للموت، ليُشكّلا فضاء يجعل من الواقعة الشعرية ضدا نوعيا للواقعة التاريخية، ولشعرية النهي ضدا استعاريا لشعرية الإقصاء.<br>فلا تتعجلي الموت،<br>الملحُ في العيون،<br>والمياه غربة ونواح، ورحيل بلا ملاح،<br>ورحيل خاتل ضيّعه ملاح،<br>وهو يحثّ الشراع بالدخان،<br>ويُعلّق في رقبة قيدومك<br>شجرة جدنا الغرنوق المثمرة،<br>مردة، سحرة وخونة وإنكليز وهنود<br>وقراصنة وشهداء..<br>وفي ختام القصيدة يستدعي الشاعر– مرة أخرى- حرف النهي «لا» ليؤدي وظيفة استفزازية للثابت، ولتصعيد المتحرك في دراما الحدث، إذ يُقرن النفي بما يشبه «المع» اي الجزم، وهذا تحوّل في توالي حركة المشاهد، ولتوضيح القصد، إذ يتخلى عن جملة المحذوف، مقابل حضور جملة المشهد الواضحة، والمكشوف كخطاب مُرسل إلى المدينة لمواجهة محوها، وتاريخ إقصائها، وتأكيد وجودها ويقظتها كسيرة للحضور والصحو، ولمشاكلة بضاعة الأوهام الغائرة في نصوص خائنة ومخادعة تركها غزاة آخرون..<br>فلا تدسّي عقلك بضاعة في وهج الأمس،<br>ولا تنامي على وعدٍ آخر يقودك<br>إلى كذبِ موتك – كذبِ حياتك<br>حين أعلنوا أنهم راحلون عن البصرة<br>أمس أو قبل قرون…</p><p style="text-align:justify;">كاتب عراقي</p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[موقع 180 مقالات]]></author>
                <guid>13646</guid>
                <pubDate>Fri, 08 Apr 2022 18:39:59 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[ظلال الميراث السّردي العربي في منجز سيرفانتس]]></title>
                <link>ظلال-الميراث-السّردي-العربي-في-منجز-سيرفانتس</link>
                <description><![CDATA[<p style="text-align:justify;"><strong><img class="image_resized" style="width:60px;" src="https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2018/04/%D9%88%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D9%86%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B9%D8%B1%D8%AC-%D8%A7%D9%86%D8%AA%D8%B1%D9%86%D8%AA-150x150.jpg" alt=""> واسيني الأعرج</strong></p><p style="text-align:justify;">يكفي اليوم أن نلقي نظرة خاطفة على كتابات سيرفانتس التي أنجزها بعد تجربة الخمس سنوات (1575-1580) رهينة في الجزائر لندرك الأثر الكبير الذي خلفته فيه الكتابات التي يكون قد اطلع عليها مباشرة من خلال الترجمات الإسبانية أو في الجزائر إذ كانت له حظوة خاصة عند حاكم الجزائر حسن باشا (حسن فينيزيانو). كان له الحق في الاطلاع على الوثائق العامة والكتب المتوفرة في الديوان. فقد وضع حسن باشا برفقته مترجماً خاصاً يساعده عند الحاجة، ويعلمه في الوقت نفسه اللغة العربية.<br>تظهر تأثيرات السرديات العربية السماعية (دون كيشوت تفتتح كأننا في حلقة سوق شعبية جزائرية مع المداح أو القوال) أو المدونة، في أعمال سيرفانتس بشكل واضح. أولاً في روايته العالمية الكبيرة التي اخترقت القرون والأزمنة واستمرت بقوة في الذاكرة الجمعية الإنسانية «دون كيشوت دي لامانشا» (دون كيشوت) التي تدور أحداثها، في جزء منها، في الجزائر العاصمة، في نهايات القرن السادس عشر. أفرد ثلاثة فصول كاملة للجزائر بعنوان كبير: الرهينة يقدم من خلالها صورة بانورامية جزائر ذلك الوقت. في مجموعته «قصص نموذجية» يذكر تفاصيل كثيرة من الحياة في العاصمة اجتماعياً وثقافياً والمعتقد الديني. على الرغم من اعتقاله، فقد كان مسموحاً له ولبقية الرهائن أن يؤدوا صلواتهم دون ضغط أو تهديد. هذا العامل يكون قد ساهم في تغييره عميقاً وزرع فيه الكثير من التسامح. فقد أحس بهذا التسامح الديني حتى وهو داخل السرداب لا يرى نوراً ولا شمساً ولا سماء. ونلاحظ بشكل واضح التحول التدريجي المتسارع في وعيه عندما تعرف على حياة المسلمين خارج أحقاد الحروب وضغائنها، ولكن في الحياة اليومية. وسمع أصوات الناس واحتجاجاتهم ضد سياسة الإذلال والاحتقار التي كان يمارسها العثمانيون ضد السكان الأصليين من عرب وأمازيغ. ثم نصه المسرحي: الحياة في الجزائر، الذي لم يخرج عن هذا الإطار بحيث يضع أمامنا أنماط المعيشة أحياناً بجدية وصرامة، وفي أحيان أخرى بسخرية. نتعرف على النظام الاجتماعي، والتسيير الإداري، والمخدرات التي تغرق الناس في هوامش الحياة وتمنعهم من أي تفكير.</p><blockquote><p style="text-align:justify;"><br><strong>ونظراً لاختلاطه السهل بالسكان الأصليين، فقد تعلم اللهجة اليومية القريبة جداً من اللغة العربية، لكن كتابه الأكثر قسوة من حيث التصوير، هو يومياته التي أعطاها تسمية: سجون الجزائر، وهي تجسد أيامه الأولى في الحجز، قبل إحالته إلى الحاكم حسن باشا. وضعه تغير جذرياً، إذ أصبح يعيش في قصر الباشا.</strong></p></blockquote><p style="text-align:justify;"><br>هذه المؤثرات الثقافية ستصل إلى درجة قصوى وتتحكم في بنية نصوصه. لا نحتاج إلى جهد خارق لنلمس تأثيرات المجتمع العربي الإسلامي في نصوصه، بل ونلمس بسهولة ظلال مرويات ألف ليلة وليلة، وحي بن يقضان التي كانت قد ترجمت وقتها إلى لغات كثيرة من بينها الإسبانية القديمة. حتى الطريقة التي يتم بها افتتاح النصوص في العتبات بوضع فكرة أساسية في سطر أو سطرين، تحت عنوان الفصل، تصف الأحداث الآتية لشد انتباه القارئ، وهي لعبة أتقنتها السرديات العربية لشد انتباه القارئ وغوايته، نجدها واضحة في النصوص القديمة ومنها ألف ليلة وليلة. برع العرب القدامى في هذا النظام العلائقي مع القارئ الذي يحتاج إلى دراسة مستقلة، وتأثرت به الآداب الأوروبية، في القرون الوسطى بشكل واضح، كما فعل دانتي أليغري في الكوميديا الإلهية، إذ من الصعب محو ظلال رسالة الغفران للمعري وتقاليد الكتابة العربية. يحتاج الأمر إلى الكثير من العمى لكيلا لا ينتبه لها المختصون. التراكيب الجُملية العربية نفسها تبدو واضحة جداً في نصوص سيرفانتس، ويمكن حصر الكثير منها التي وردت في النص. حتى استعاراته العربية تتقاطع مع الثقافة العربية القديمة. الكثير من المفردات العربية تؤثث أغلب نصوصه الروائية والقصصية والمسرحية.<br>لا يمكن أن نفهم مثلاً روايته المرجعية دون العودة إلى سنوات وجوده كرهينة في الجزائر. مثلاً، من أين جاءته فكرة الرواية وافتراض (كما يعلن عن ذلك في مطلع دون كيشوت) أنها في الأصل مخطوطة لشاب موريسكي هو سيد أحمد بن أنجلي، وأنه عندما رأى مخطوطته لم يستطع تفاديها حتى اشتراها من صاحبها. فتصبح مخطوطة: دون كيشوت دي لا مانشا، هي الرواية التي تصف أحداث الفارس الذي وجد نفسه في زمن ليس له ولا يفهمه، من خلال سلسلة من المغامرات المتلاحقة. القاموس اللغوي للرواية نفسها جزء كبير منه عربي، ويمكن إحصاؤه بسهولة وهو يبين درجة المؤثرات الكبيرة التي خلفها المكان فيه.<br>لكن أكبر تأثير يتعلق ببنية الرواية ونماذجها الساخرة المختارة مثل: دون كيشوت، وتابعه سانشو دي بانصا، الذي كان حكيماً أكثر من سيده، له مصادر عديدة ومنها «مقامات» الحريري التي كانت شائعة ودخلت إلى الأندلس وترجمت، وكانت تُحكى أيضاً في شكل مسامرات. عندما نتأمل نظام المقامات التي تعتمد الارتحال، والرفقة مع شخص، وحكي المغامرات من خلال مفارقات الحياة، نتذكر كم أن العناصر القابلة للتحليل والمتابعة النقدية كثيرة. لا نعرف اليوم القنوات التي مرت عبرها مقامات بديع الزمان الهمذاني إلى أن وصلت إلى سيرفانتس، لكننا على شبه يقين أنه توصل إليها واطلع عليها إما عن طريق مكتبة حاكم الجزائر التي كانت تحوي على الكثير من الذخائر، أو في إسبانيا نفسها. تفصل بينه وبين أبي الفضل أحمد بن الحسين بن يحيى بن سعيد، المعروف ببديع الزمان الهمذاني (969-1007) ستة قرون. واحد من أهم كُتّاب المفارقة والسخرية وخلق الشخصيات الوهمية التي كان يستعملها كأقنعة يمرر من خلالها كل خطاباته النقدية لتفادي رقابة المؤسسة الاجتماعية – الدينية، هو ما فعله سيرفانتس مع دون كيشوت، في نقده لاضطهاد مهجَّري الأندلس، وممارسات محاكم التفتيش المقدس.<br>يتبين لنا جزء من التشابه في الحياتين؛ فقد عانى سيرفانتس الأمرين وبنفس الطريقة، قبل أن يستقر ويجد الرعاية عند الكونت والمركيز والفيكونت والحاكم الذين منحوه الاستقرار والراحة المادية. هذا التقاطع في الحياة واختبار المجتمع بمختلف تحولاته.<br>قصص المقامات هي قصص مغامرات فكاهية ساخرة، أحياناً سخرية مرة تبنى على المفارقة الحقيقية والطريفة. تأتي المقامات كما يعرف الجميع في شكل قصص وحكايات يرويها بطل وهمي هو أبو الفتح الإسكندري، عرف بذكائه ومغامراته التي لا تتوقف، وحسن التخلص من المآزق التي تعترض طريقه. فوق هذا كله، فأبو الفتح الإسكندري شخصية تهكمية فكاهية. وتروي قصصه ومقالبه شخصية وهمية ثانية هي عيسى بن هشام. تكاد هذه الموضوعات وطرائق تقديمها تتماهى مع ما كتبه سيرفانتس. فقد جعل من معاناته مع البشر ومحيط الضغائن وسيلته للمقاومة، فاجترح من ثقافة عصره (بما فيها الثقافة العربية) وسيلته التعبيرية. هو أيضاً اختار شخصية وهمية للقيام بالفعل السردي، من خلال سلسلة من المغامرات المتواترة لتشكل في النهاية كياناً نصياً واحداً. دون كيشوت دي لامنشا، لا أحد يحاسب مجنوناً مثل دون كيشوت. ومن يتجرأ أن يحاسب أبو الفتح الإسكندري وهو مجرد شخصية وهمية، ينقل مغامراتها ليس بديع الزمان، لكن عيسى بن هشام الوهمي أيضاً. أحمد بن أنجلي في رواية دون كيشوت، لا وجود له إلا في الرواية. تمر عبرهم (الكاتبان وشخصياتهما) ثقافة العصر وصراعاته، من خلال أفق ساخر ناقد الكوميديا السوداء.<br>ربما احتاج الأمر إلى تفصيل أكثر وإلى بحث أعمق.</p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[موقع 180 مقالات]]></author>
                <guid>13631</guid>
                <pubDate>Wed, 06 Apr 2022 17:58:28 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[«روائيون عظام»… هكذا اختار سومرست الروايات الأكثر خلودا]]></title>
                <link>«روائيون-عظام»…-هكذا-اختار-سومرست-الروايات-الأكثر-خلودا</link>
                <description><![CDATA[<p style="text-align:justify;">يطلق مصطلح الروايات العظيمة على الروايات التي حققت معاني (العظمة) المرتبطة دائماً بسلطة الأثر وقوة التأثير، الذي يمتد لأطول فترة ممكنة من الزمن في واقع التلقي، وواقع اعتبار روايات ما مصدراً إلهامياً لسلسلة طويلة من الأعمال أو الروائيين أو النصوص، قريباً وبعيداً.<br>ومن اهم الكتب التي تتناول الحديث عن الأعمال الروائية العظيمة، كتاب «روائيون عظام ورواياتهم» للكاتب الإنكليزي سومرست موم، الصادر عن (دار المدى) وهو عبارة عن بحوث أدبية قصيرة تناولت أعظم عشر روايات في العالم، إضافةً إلى حياة كُتّابها من الرجال والنساء.<br>يذكر سومرست موم في مقدمة كتابه ما دفعه لخوض هذه التجربة، حيث طُلِبَ منه في الولايات المتحدة الأمريكية تحديد قائمة بعشر روايات عالمية وجاء اختياره مرفقاً بعبارة «إن القارئ الذكي سيحصل على متعة أكثر من قراءتها إذا تعلم فن القفز المُفيد». وعلى أثر ذلك يقترح عليه ناشر أمريكي إعادة طبع السلسلة المختارة بعد حذف ما يراه حشواً أو غير ضروري. مع كتابة مقدمة لكل رواية على حدة، وبما أن مختصر ما كتبه سومرست نُشر في إحدى المجلات الأدبية، ونال إعجاب المتابعين والقراء، لذلك تشجع لطبع مقالاته عن تلك الأعمال العظيمة في كتاب مستقل، مع حذف ما خصصه لمارسيل بروست، إذ يقول عن صاحب «البحث عن الزمن الضائع» إن روايته طويلة ولا يمكن حتى مع الحذف اختصارها إلى حجم معقول. ويشير في السياق ذاته إلى محبي بروست المُتعصبين، ويعتبر نفسه واحداً منهم، بل يفضل الضجر مع بروست على التسلية بصحبة كاتب آخر.<br>يذكر الكاتب في مقدمة الكتاب، إن الحديث عن أفضل عشر روايات مجرد هراء. ربما هناك مئة رواية في رأي الكاتب، ويتوقع بأن خمسين مُثقفاً أو قارئاً إذا شاركوا لاختيار مئة رواية وهي الأفضل عالمياً، لا يتجاهلون الأعمال التي ذكرها في كتابه. ومن ثم يحاول تفسير تفاوت الآراء بشأن الروايات ولماذا أنَّ القارئ قد يعجبهُ عمل دون غيره، فبنظر المؤلف توجد عدة عوامل تتحكم في مذاق القارئ منها، التوقيت أو الزمن الذي تابعَ فيه العمل الروائي، أو أن ثيمة الرواية تكون أكثر أهمية بالنسبة لقارئ معين.<br>وقد يراودنا سؤال مهم من قراءة السطور الأولى لهذا الكتاب: من هو أعظم الكتاب بالنسبة إلى سومرست موم؟ وهنا يجيبنا سومرست موم عن هذا السؤال: كما قلت في بداية مقدمتي لرواية «الحرب والسلم» بين جميع الروائيين العظام الذين أغنوا العالم بأعمالهم عالم الكنوز الروحية، بلزاك هو الأعظم بالنسبة لي، فالخصوبة في العمل الروائي هي ميزة الكاتب، وخصوبة بلزاك كانت مذهلة.</p><p style="text-align:justify;">وبعد مقدمة عن بلزاك ونشأته وحياته الاجتماعية وتأثير النساء في حياته يختار سومرست موم الحديث عن روايته «العجوز غوريو» (اخترت العجوز غوريو لعدة أسباب. القصة التي يرويها تثير الاهتمام على نحو مستمر، ففي البعض من رواياته يقاطع بلزاك السرد ليتحدث حول جميع المواضيع التي لا علاقة لها بالقصة، ورواية «العجوز غوريو» تخلو من هذا العيب). كما يعتقد سومرست موم أن بلزاك هو الروائي الأول الذي استخدم (نُزلاً) كمكان تجري فيه أحداث قصته. (إنه يترك شخصياته تفسر نفسها بكلماتها وافعالها بموضوعية و»العجوز غوريو» جيدة من حيث البناء، حب العجوز الذي يضحي بنفسه من أجل بناته الجاحدات، إنه يرى شخصياته من خلال مزاجه الحيوي، وواقعيتهم ليس من الحياة الواقعية، إنهم مرسومون بألوان أولية حيوية، واحياناً مزخرفة، وهم أكثر إثارة من الناس العاديين، لكنهم يعيشون ويتنفسون، وأنت تصدقهم، وأعتقد أن بلزاك هو نفسه يصدقهم). وفي العديد من رواياته يظهر طبيب مخلص يدعى بيانشون، وحين كان بلزاك يحتضر قال (ابعثوا بطلب بيانشون سينقذني).</p><p style="text-align:justify;"><img src="https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2022/04/07.jpg" alt="" srcset="https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2022/04/07.jpg 900w, https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2022/04/07-768x463.jpg 768w, https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2022/04/07-735x443.jpg 735w, https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2022/04/07-296x178.jpg 296w" sizes="100vw" width="900"></p><p style="text-align:justify;">سومرست موم</p><p style="text-align:justify;">وكذلك في قائمة أهم عشر روايات، قد تكون هناك رواية عظيمة على الرغم من أن كاتبها لا يتمتع بموهبة ابتكار! مثل ستندال صاحب رواية «الأحمر والأسود» الذي أخذ حبكة الرواية من صحيفة نشرت محاكمة أثارت الاهتمام في وقتها، وقد كره ستندال أسلوب الكتابة المتأنقة بلاغياً الشائعة في وقتها، لكن على الرغم من ذلك تبنى أسلوباً بارداً جلياً منضبطاً يزيد ببراعة رعب القصة ويضيف إليها تشويقاً ساحراً.<br>وعندما ينصرف المؤلف إلى رواية «توم جونز» الكوميدية للكاتب المسرحي والروائي الإنكليزي هنري فيلدنغ (فعلى الرغم من مجونه وعربدته) تعتبر هذه الرواية من صنف الروايات التشردية، التي نشرت لأول مرة في 28 فبراير/شباط 1749 في لندن، وهي من أوائل أعمال النثر الإنكليزية، التي توصف بأنها رواية، وتعتبر أقدم رواية أشادَ بها سومرست موم في هذا الكتاب: (قيل عن الأسلوب الجيد هو الذي يشبه حديث الرجل المثقف، وهذا ما حققه أسلوب فيلدنغ، إنه يتحدث إلى القارئ ويروي قصة توم جونز كما أنه يرويها وهو جالس إلى طاولة العشاء مع زجاجة من النبيذ وعدد من الأصدقاء. إنه لا يتأنق في كلماته أكثر من كاتب حديث).<br>وعلى عكس رواية توم جونز، يكتب سومرست موم عن صاحبة العاطفة المهذبة جين أوستن وروايتها «كبرياء وهوى»: (كانت ملاحظاتها دقيقة وعاطفتها مهذبة، لكن إحساسها بالفكاهة هو الذي أضفى القوة على ملاحظاتها ونوعاً من الحيوية المهذبة على عاطفتها. كان مجالها محدودا. كتبت ذات النوع من القصص في جميع كتبها، وليس ثمة تنوع كبير في شخصياتها، فقد كانوا الأشخاص ذاتهم الذين نُظر إليهم من وجهة نظر مختلفة إلى حد ما. كانت تتمتع بحس سليم من الدرجة العالية، ولا أحد عرف حدودها أفضل منها. كانت تجربتها الحياتية محصورة بدائرة ضيقة من المجتمع الريفي، وذلك هو السبب الذي جعلها قانعة بالتعامل معه. كتبت فقط حول ما عرفته وقد لوحظ أنها لم تحاول أبداً إعادة خلق محادثة بين الرجال لأنها لم تسمعها ابداً في الواقع).</p><blockquote><p style="text-align:justify;"><strong>وعلى عكس رواية توم جونز، يكتب سومرست موم عن صاحبة العاطفة المهذبة جين أوستن وروايتها «كبرياء وهوى»: (كانت ملاحظاتها دقيقة وعاطفتها مهذبة، لكن إحساسها بالفكاهة هو الذي أضفى القوة على ملاحظاتها ونوعاً من الحيوية المهذبة على عاطفتها. كان مجالها محدودا.</strong></p></blockquote><p style="text-align:justify;">وعن روايتها «كبرياء وهوى» يقول سومرست موم: (اعتقد أن من المستحسن قبول حكمة، إن الذي يجعل الأثر الأدبي يكتسب صفة الديمومة ليس إطراء النقاد ولا تأييد الأساتذة ولا تدريسه في الكليات الجامعية، بل الجمهور الواسع من القراء الذي وجدَ جيلاً بعد جيل ، متعة وكسباً روحياً في قراءته، إن الرواية ذات القيمة الأعلى في رأيي هي رواية «كبرياء وهوى» لإنها الأكثر إقناعاً من جميع الروايات الأخرى. لم أقل بعد عما يجول في ذهني حول الميزة الأعظم لهذا الكتاب الفاتن: إنه كتاب ممتع ـ بل إنه أكثر امتاعاً من بعض الروايات الأهم والأشهر. وكمال قال والتر سكوت، تتعامل الآنسة جين مع الأشياء العادية والمشاعر المعقدة، ومع شخصيات الحياة العادية، لا شيء يحدث ويثير الاهتمام، ومع ذلك حين تصل إلى أسفل الصفحة تقلبها بتلهف لكي تعرف ما الذي سيحدث بعد ذلك مباشرة، لكن لا يحدث شيء ذو أهمية، فتقلب الصفحة ثانية بالتلهف ذاته).<br>ويفرد سومرست موم فصلاً مطولاً عن حياة تشارلز ديكنز صاحب «قصة مدينتين» فروايته «دافيد كوبرفيلد» في جزئها الاعظم سيرة ذاتية، لكن ديكنز كتبها على شكل رواية وليس سيرة ذاتية، فيرسل دافيد كوبرفيلد وهو في سن العاشرة إلى العمل بدافع زوج أمه الشرير، كما حصل مع ديكنز في طفولته وعانى من الطريقة ذاتها (الخزي) بسبب اختلاطه مع صبيان من عمره غير مساوين له له اجتماعياً..</p><p style="text-align:justify;">ولا يغيب إبداع الأخوة برونتي عن ساحة أفضل عشر روايات في العالم وهنا يرشح سومرست موم رواية «مرتفعات ويذرنغ» للكاتبة إميلي برونتي، هذه الرواية المشحونة بالحب والرومانسية والألم والنشوة فكيف استطاعت كاتبة (عمل واحد) ابنة رجل دين، عاشت حياة انعزالية أن تكتب رواية رومانسية على نحو عشوائي! يرجح البعض أن هذه الرواية كانت من تأليف برانويل شقيق إميلي برونتي لكن هذا الرأي مجرد شائعة ولا يستند إلى دليل قاطع. ويرى سومرست موم أن مرتفعات ويذرنغ تعبير عن النوازع الداخلية والكبت الذي عاشت فيه الكاتبة غريبة الأطوار، فقد عرف عن إميلي إنها شخصية منعزلة سريعة الغضب، لا تتحدث إلى الغرباء كثيرة الحنين إلى الوطن (عندما سافرت برفقة شقيقتها إلى بروكسل)<br>وفي هذه الرواية صبت إميلي كل أحلام اليقظة التي عاشت داخلها، رومانسيتها، غضبها الشديد، نوازعها الجنسية، غيرتها، كراهيتها وقسوتها وساديتها. يقول سومرست موم: (ليسَ فينا احدٌ متجانس، هناكَ أكثر من شخص يسكن فينا، ودائماً في صحبه مضطربة مع رفيقه، وميزة كاتب الروايات هي أنه يمتلك القدرة على أن يضع في قالب مادي محسوس الشخصيات المتنوعة التي يتكون منها في شخصيات فردية).<br>أما عن فلوبير كاتب الرواية العظيمة «مدام بوفاري» فقد صمم في هذه الرواية الرائعة على أن يكون واقعياً وموضوعياً، فقرر أن يشاركنا كل العواطف التي جعلنا نشعر بها أثناء قراءتها. يقول سومرست موم: (لا استطيع إقناع نفسي بأن إيما بوفاري هي ابنة فلاح عادية. فالحقيقة هي أنه كان فيها شيء من كل امرأة وكل رجل. وحين سئل فلوبير عن النموذج الذي اختاره ليمثلها قال: مدام بوفاري هي أنا. نحن جميعاً لدينا نزوع نحو أحلام اليقظة السخيفة، التي نرى فيها أنفسنا أغنياء وسيمين ناجحين، أبطالاً أو بطلات المغامرات الرومانتيكية، لكن معظمنا يتحلى بالوعي، أو الجبن، أو بالبعد عن المغامرة، فلا ندع أحلام اليقظة تؤثر في نحو جدي على سلوكنا. لكن مدام بوفاري كانت استثناء في ذلك، حاولت أن تعيش حلم حياتها، كانت استثناء في جمالها).<br>واذا كنا وجدنا في الشخصيات المبتكرة في روايات جين أوستن وفلوبير تجسيدات للعواطف العنيفة، الكبرياء، الشهوة، الحسية، الكراهية، فإن رواية «الأخوة كارامازوف» للكاتب الروسي العظيم دستويفسكي على العكس منها فقد وضع دستويفسكي في هذه الرواية جميع شكوكه المعذبة وحماسته للإيمان بما رفضه عقله وبحثه القلق عن معنى الحياة، إن رواية «الأخوة كارامازوف» انبثاقات عن كاتب معذب، مشوه، ذي حساسية مرضية، لكن على الرغم من أنها ليست حية، فهي تنبض بالحياة.<br>إلى جانب هؤلاء ينضم إلى قائمة أفضل عشر روايات في العالم تولستوي بروايته «الحرب والسلم» وكذلك هرمان مليفل بروايته «موبي ديك».<br>سومرست موم، روائي وكاتب مسرحي إنكليزي كان من أشهر كتاب بداية القرن العشرين، وكان من أكثر الكتاب ربحاً في الثلاثينيات من القرن العشرين. اشتهر بكثرة كتاباته التي تنوعت ما بين روايات مسرحية وقصص وكتب سياسية. امتاز بأنه كاتب واقعي يستمد قصصه من الحياة ومن ملاحظته للناس في أسفاره العديدة، من أكثر رواياته شهرة «القمر وستة بنسات»..</p><figure class="image image_resized image-style-side" style="width:12.15%;"><img src="https://180mqalat.com/assets/images/ckeditor/b28b4423-5f3c-4530-bbcb-5ed2e6eff2c7.jpg"></figure><h2><strong>رند علي</strong></h2><p>كاتبة من العراق</p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[موقع 180 مقالات]]></author>
                <guid>13620</guid>
                <pubDate>Tue, 05 Apr 2022 19:11:18 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[لون العتمة | قصّة]]></title>
                <link>لون-العتمة-قصّة</link>
                <description><![CDATA[<p style="text-align:justify;">قبل المغيب بدقيقتين فقط، شهدت المدينة توقّف الساعات كلّها للحظة واحدة فقط، وبدأت عقاربها تعود إلى الخلف باتّجاه معاكس لحركتها. في تلك الأثناء، كانت الشمس ساكنة عند النقطة نفسها، لا ترتفع إلى موضعها قبل الآن، ولا تغوص إلى ما وراء الساحل. ذُهِلَ سكّان المدينة بما رأوا؛ منهم من بدأ بالاستغفار ومنهم من تلا صلاواته لأوّل مرّة، ومنهم من طفق يشدّ شعره، لكنّ أحدًا منهم لم يغادر مطرحه. حالة جمود في المكان، وتغيّر في حركة العقارب لا أكثر.</p><p style="text-align:justify;">&nbsp;صار الوقت عصرًا فظهرًا فشروقًا، والشمس ساكنة وما المتغيّر سوى ساعات اليد، الحائط، الهواتف المحمولة، ساعة المدينة، وألوان السماء، من حمرة لزرقة مخضّبة لزرقة صافية لاندماج ثوريّ بين الأصفر والأزرق، وصولًا للطخة زرقاء فاتحة في لوحة سوداء. صاح الديك وقتها فهذا موعده. حلّ الفجر فاستيقظ صرصار الليل ونادى جاره البوم. لا قمر ولا نجوم في المشهد. كان سوادًا طاغيًا من ليل&nbsp;وبقعة من الشمس الساكنة غير المتزحزحة، كأنّها مصباح ملتصق بباطن السماء. بدأ اللون الأبيض بمعاركة الأسود حتّى تتبيّن الأشياء. والناس في مطارحهم دون أدنى حركة للأقدام، حتّى مضت أربع وعشرون ساعة. أو كأنّها رحلت وحُذِفَتْ. أو ربّما تكرّرت، وخلقت يومًا إضافيًّا جديدًا. ثمّ تتحرّك الشمس وتكمل المسير نحو الغروب.</p><p style="text-align:justify;">لا أحد ناقش الأمر مع جاره، ولا سأل أحدهم آخرًا عمّا حدث. لم تتناقل وسائل الأخبار الحكاية، ولم يعرف أحد إن زِيدَ يوم على حياته أو نقص. كان سكّان المدينة بعد ذلك&nbsp;في حالة من التأهّب لشروق يوم جديد، ومحاولات قدر الإمكان لانتقاص لحظات من حياة دون البحث عن إجابات قبل الموت. ثمّة شخص واحد فقط لم يكتم سرًّا.</p><p style="text-align:justify;">يروي قصّته: أعود بعد عملي إلى بيتي – آخر بيت في الحارة، حيث لا جيران ولا صحبة إلّا من كلب يشغل بعض وقتي. كلّ يوم أفتح باب الثلّاجة، وأدير العجلة إلى درجة واحدة فوق الصفر. أقوم بإخراج الرفوف والجوارير وما فيها من أغراض فيتّسع المكان للجلوس داخله. أدخل وأتمركز متربّعًا، ثمّ أمسك بطرف باب الثلّاجة وأضمّه إليّ وأتّبع اختفاء الضوء عند اقترابه من الانغلاق، ثمّ ينطفئ وتبدأ سهرة خاصّة بي مدّتها ربع ساعة يوميًّا.</p><p style="text-align:justify;">في هذا العتم تتبدّى زرقتي بما ألبسه، فقبل أن أدخل إلى هذا المكعّب البارد ارتدي ما لديّ من ملابس زرقاء - ليست فاقعة أو معتمة، إنّما بين بين، ذلك الازرقاق الّذي ترتاح له العين حين تراه، وتبرد القلوب عند ملامسته. أسمع صوت مطر يطرق سطح البيت، لكنّها والله لمسافة ثقيلة أن أخرج إليه، وإنّني أعلم تمامًا أنّه يحاول التسلّل من أحد الشبابيك أو شقوق السطح، فيجد ثغرة ما لينزّ باحثًا عن خراب جديد.</p><p style="text-align:justify;">&nbsp;أحاول التركيز على ما جئت به قاصدًا عزلتي هذه، فأغمض عينيّ، ولا شيء يتبيّن؛ إذ لا فرق الآن بين السواد خارجهما أو داخلهما، إلّا في هذه الزرقة الّتي أرتديها. أشغّل صوت تسجيل في أعماق مخيّلتي: "أنت بارد، أنت مطر، أنت شتاء، أنت جليد، بارد جليد، أنت أزرق، جليد بارد أزرق"، أكرّرها بصوت لا أدري هل أنطق به أم أنّني أسمعه مباشرة من داخلي. أكمل: "لا تحبّ أحدًا، ولا أحد يحبّك. وحيد، منعزل، أنانيّ، بارد".</p><p style="text-align:justify;">أستوقف نفسي قليلًا، كالعادة، وأقول بصوت مسموع هذه المرّة: "كاذب". في ذلك التوقيت، لا أشعر بالبرد، فأتحسّس موضع مؤشّر التبريد ثمّ أحرّكه بعكس عقارب الساعة فأسمع مرّتين صوت اصطدام المسنّنات الداخليّة ببعضها، وهذا يعني مزيدًا من البرودة من حولي، وأنّني أمدّ المكان بدفء محبوس فيّ. بعد نهاية ربع الساعة أفتح باب الثلّاجة، وأخرج على بطء حبوًا نحو أقرب مرآة أجدها، أحدّق في عينيّ. عيناي تنظر إليهما. ثمّ أمسك قلمًا قريبًا وأهمّ برسم لوحة جديدة.</p><p style="text-align:justify;">لا أجد ورقة بيضاء، بل ما كان متوفّرًا لحظتها هو ورق مسطّر، وإنّني لأكرهه. واحد وعشرون سطرًا بلون أزرق باهت، لا يميلون وبينهم مسافات ثابتة لا تتغيّر. كأنّ الورقة تأمرني أن أبدأ من أقصى اليمين حتّى اليسار، ثمّ أقفز عائدًا إلى اليمين بحركات آليّة، محكومًا بقواعدها. أفتّش مرّة أخرى عن ورقة جديدة دون جدوى، فتخطر في بالي فكرة انتقام. عكست اتّجاه الورقة ثمّ أمسكت بقلم أحمر بطريقة الإمساك بخنجر كأنّني أجرحها قاطعًا فيها كلّ الأسطر، وكلّما دخلت الفراغ بين سطرين هدأت فإذا اقتربت من الخطّ الأزرق شددت على القلم فأقطع الخطّ الأزرق، ثمّ أركن ثمّ أجزّ وهكذا حتّى استفقت من حالة فقدان للوعي قصير المدى.</p><p style="text-align:justify;">&nbsp;أنظر إلى الورقة فأجد سطرًا أحمر قطع كل الخطوط الزرقاء الباهتة! من هذا الخطّ انطلقت في رسم لوحة متخيّلة. أتناول صندوق ألواني، وريشتي الخاصّة. وأرسم طبقة حمراء اللون، فيها درجة ذهبيّة متوهّجة اللون. لا تعجبني. فأزيد طبقة فوقها من اللون الأزرق وأخوته من الدرجات الصافية. لا تعجبني. فأحوّلها إلى سواد حالك. ثمّ أقلب الورقة بالعكس، ممسكًا بريشتي الملطّخة بالألوان عاجزًا عن رسم شيء جديد. أنظر إلى ساعتي، فأجدها تشير إلى ما قبل المغيب بدقيقتين.</p><p style="text-align:justify;">&nbsp;</p><p style="text-align:justify;">&nbsp;</p><figure class="image image_resized image-style-side" style="width:10.65%;"><img src="https://data.arab48.com/data/news/2022/04/04/bodyImages/images/20220404121333.jpg" alt=""><figcaption>أحمد جابر</figcaption></figure><p style="text-align:justify;">&nbsp;</p><p style="text-align:justify;"><span style="color:rgb(142,68,173);"><i>قاصّ وكاتب من فلسطين. حاصل على الماجستير في «هندسة الطرق والمواصلات». حائز على جائزة مؤسّسة «عبد المحسن القطّان للكاتب الشابّ» (2017)، عن مجموعته القصصيّة «السيّد أزرق في السينما».</i></span></p><p style="text-align:justify;">&nbsp;</p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[موقع 180 مقالات]]></author>
                <guid>13615</guid>
                <pubDate>Tue, 05 Apr 2022 18:43:42 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[رواية «قبعة بيتوفهن»… ظلم الحروب ينجب طغاة]]></title>
                <link>رواية-«قبعة-بيتوفهن»…-ظلم-الحروب-ينجب-طغاة</link>
                <description><![CDATA[<h2 style="text-align:justify;"><span style="background-color:hsl(0,75%,60%);color:hsl(0,0%,100%);"><strong>ضحى عبدالرؤوف المل</strong></span></h2><p style="text-align:justify;">&nbsp;</p><p style="text-align:justify;">تدخل الرواية السورية المعاصرة الصراع مع اندلاع الحرب التي شرذمت الشعب، وتركته على أرض الواقع اليومي، بين النظام ومعارضيه في حالة غير مفهومة، تصدم القارئ بما يطرحه الروائيون السوريون الجدد من مواضيع جديدة، مرتبطة بصعوبات الحياة بعد أن دخلت سوريا في حرب طويلة وشديدة الأزمات، وقبل كل شيء الغزيرة بالمشاكل النفسية، التي أصابت الفرد بصدمة منعته من التكيف والتواصل الإنساني في الداخل والخارج، وحتى ضمن الرواية العربية للحرب السورية، التي تتكرر فيها المشاهد نفسها من السجون إلى الاقتتال إلى الظلم والتآكل الإنساني، الذي يحكي عن فظائع الحرب وويلاتها. للتعبير عن التغييرات التي أصابت سوريا تحديدا بعد خلط المشاهد الروائية بين النظام ومعارضيه، والتي تأثرت بالمخاطر التي تفرضها الحرب عامة. لأن دخول أي بلد في حرب مع الثوار الذين اختلطت عليهم الرؤى، تجعل الحقائق مخفية نوعا ما، لأنها تحتاج إلى تقصٍ وإثباتات وإظهارها في أشكال سردية جديدة، تتمحور حول الموضوع، وتعبر عن اضطراب العالم من خلال سرد متقطع، كما فعل الروائي رامي الطويل في روايته «قبعة بيتوفهن» الصادرة عن دار الساقي، وهو الذي حبك قصته في السجون الغامضة، غير مدرك لمن تكون، لكنه استحضر رواية «صحراء التتار» لدينو بوتزاني، وفي جملة تختصر كل المفاهيم الصادرة عن الحروب وهي «من يكون السلاح وسيلته الوحيدة لمواجهة الطغاة، لن يتخلى لاحقا عن سلاح يتيح له أن يكون طاغية». فهل كثرة التعرض للظلم في الحروب تنجب طغاة؟ أم أن فقدان هوية الانتصار في الحرب السورية أنجبت الكثير من الروايات التي كررت نفسها في الكثير منها، ولا سبيل لذكر ذلك هنا، بعيدا عن رواية رامي الطويل، الذي استحضر أيضا «لعبة الحجلة» لخوليو كورتاثار، الذي يقول فيها: لا يمكن محاربة الفاشية بأساليب فاشية» فهل انتقد رامي الطويل المنظمات والجمعيات التي عملت على تكريس رموز لثورة لاجئين كانوا من أوائل الفارين منها؟ أم أن «قبعة بيتهوفن» هي فعلا الأحداث التي تتكرر في الحروب، كما في رواية «الخلود» لميلان كونديرا، التي جاء فيها «نفتقد قبعة بيتهوفن»؟<br>إذلال لسجناء، انتهاك لحقوق الإنسان، ظلم واستبداد وغموض لهوية من يعتقل من، واستعراض القوة المستفزة والمؤدية للانتحار أو للجنون، ومحاولات للتغلب على الإحساس بالقهر والعودة بالذاكرة إلى حيث رغد العيش، للسيطرة على الإحساس بالبقاء، لكن النتيجة فقدان قيمة الهوية أثناء الحروب، حيث التفكك وتقلص مساحات الحياة. فهل الإنسان مهدد من قوى غامضة؟ وهل الروائيون الذين تأثروا بالاضطراب الكبير يكرسون أنفسهم للكتابة لإعادة خلق المشاهد في فضاءات روائية ولدت في الحروب التي أكلت من الموالاة والمعارضة على السواء؟ أم أن البيئة الروائية هي بيئة الروائي الذي يدشن مرحلة جديدة في الحرب السورية، التي حدثت فجأة وخلخلت التوازن لشعب عاش في استقرار لفترة طويلة من الزمن؟</p><p style="text-align:justify;">كاتبة لبنانية</p><p>&nbsp;</p><p><br>&nbsp;</p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[موقع 180 مقالات]]></author>
                <guid>13602</guid>
                <pubDate>Mon, 04 Apr 2022 18:56:08 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[صوفي تويبر: فنٌّ يتمشّى بين قرنين]]></title>
                <link>صوفي-تويبر-فنٌّ-يتمشّى-بين-قرنين</link>
                <description><![CDATA[<p style="text-align:justify;"><span style="background-color:hsl(0,75%,60%);color:hsl(0,0%,100%);"><strong>إسماعيل كرك</strong></span></p><p style="text-align:justify;">إذا كانت الحياة عقلانيةً ومقبولة، فلماذا على الفن أن يكون مختلفاً؟» بهذا التساؤل البسيط والمهم عبَّر فنانو (الحياة الجديدة) الذين قدَّموا خلال السنوات الأولى من القرن العشرين أعمالاً غايةً في التفرُّد والتمرُّد، ورسموا خريطة الإنسان الأخلاقية لأكثر من مئة عام. من بين هؤلاء كانت السويسرية صوفي تويبر، التي أبدعت بالرسم، النحت، التصميم الفني والرقص.<br>سنة 1915 التقت بهانز آرب (الذي سيصبح من أهم فناني القرن) ثم تزوجا بعد ذلك بسبع سنوات في (أسكونا) البلدة الجميلة في (تيشينو) – الكانتون السويسري الناطق بالإيطالية. بعد زواج صوفي المغرمة بالإنجاز، المتعددة المواهب، عانت الكثير بصبر لا يعرف الهزيمة، بين حربين هُزِمَ فيهما الجميع، كما يدرك ويعرف الجميع!<br>يتذكرها زوجها الفنان العالمي هانز آرب: «عاشت تويبر في أعمالها ما تصنَعُهُ من تصوُّرات للشَعر الطويل، الخطوط، الدوائر والمثلثات فأوجدت دروباً تسير بها خلال الحلم والحقيقة». وفي إحدى مقالاته يصفها فاسيلي كاندينسكي مُنَظِّر الفن الحديث متحدثاً عن تجربتها المميزة: «عبّرت تويبر في السنوات الأخيرة من حياتها، مستخدمةً بشكلٍ حصري أبسط الأشكال الهندسية، من خلال رصانتها، وطريقتها في الاكتفاء بنفسها، إنها تدعو اليد – إذا كانت ماهرةً – إلى استخدام اللغة المناسبة لها، التي غالباً ما تكون همسةً؛ لكن في كثير من الأحيان يكون الهمس أكثر تعبيراً، وأكثر إقناعاً من الصوت العالي الذي ينفجر هنا وهناك».<br>ابتداء من عام 1915 مروراً بعشرينيات القرن العشرين المعقَّدة سياسيا واقتصادياً خطت تويبر خطاها الأولى نحو زيوريخ – نيدردورف ووصلت إلى (شبيغل غاسيه) لتلتقي هناك بالدادائيين في (كباريه فولتير) وترسم على الجدران وتبدع في الرقص مع كل من ماري ويغمان، وإيمي هينينغز، التي وصفتْ روح الفن لدى تويبر: «تمنحنا الجدران التي قامت بِطِلائِها بألوانها، أطيافاً لِغُرَفٍ لا تنتهي، لِبَيتٍ كأنه صندوق كنز.. يستطيع المرء النظر إلى أعمالها بعيون جديدة فهي مصباح يضيء كهفاً رُخامياً».</p><p style="text-align:justify;"><img src="https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2022/03/10-11.jpg" alt="" srcset="https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2022/03/10-11.jpg 900w, https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2022/03/10-11-768x463.jpg 768w, https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2022/03/10-11-735x443.jpg 735w, https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2022/03/10-11-296x178.jpg 296w" sizes="100vw" width="900"></p><p style="text-align:justify;">آمنت تويبر الممتلئة بالطاقة الإيجابية والشخصية الهادئة، بإمكانية الحل والتعايش مع المعاناة بإسقاط الراء من كلمة حرب، وبالتفاني والعمل الجاد لتقديم الأجمل والأكمل. تسأل نفسها في رسالة إلى هانز آرب: «إذا لم يكن هناك أي شيء أفْضَل للقيام به، فسوف أختار حتى الموت من التعب لكسب بعض المال، أريد أن أخبركَ أيضاً أن عمل الخرز جميل وأحبه كثيراً، لكنه شاقٌ بشكل غير معقول، لأنه مجرد خيال ولا يخترع أي شيء جديد». إنها إذن تعي في رسالتها مرارة الواقع وصعوبة العيش، إلا أنها وجدت الحل المناسب لاحقاً، عندما وظَّفت فنّها وخبرتها في التصميم الفني في أُطر الفن التجريدي الصِرْف.&nbsp;تتكون أشكالها المطلية بلون وحيد، من مخاريط خشبية ودبابيس متصلة بأسلاك، لتشكِّل دُمىً مبتكَرة ومميزة، صممتها في النهار، لتتمكن من متابعة دروسها في مدرسة رقص (رودولف لابان) مساء، كما أقامت عروض رقص دادائية أثناء أمسيات الشِعر في كباريه فولتير، التي شارك فيها كل من تريستان تزارا، أبولينير، لوي أراغون وبول إيلوار، ومارسيل يانكو، ومن أشهر الأعمال الشعرية التي رقصت على كلماتها قصيدة (كرفانة) للشاعر هوغو بال وهي غرائبية مبتكرة تنتمي إلى (شِعر الصوت). ثم أسَّسَتْ مع هانز آرب ومجموعة من الدادائيين مجلة «بلاستيك» التي صدرت منها خمسة أعداد ثم توقفت.<br>افتُتِحَ معرضها الدادائي الأول بتاريخ 11 أيلول/سبتمبر 1918 في (مسرح ماريونيت) في زيوريخ. وعلى الرغم من أن المعرض نال إشادة كبيرة من نقاد الفن الحديث، إلا أنه لم تتم الموافقة على تكراره سوى ثلاث مرات، لأن المسرح المذكور أُغلق بسبب تفشِّي الأنفلونزا الإسبانية آنذاك.<br>ولدت الفنانة متعددة المواهب في دافوس (كانتون غراوبوندين) بعدها انتقلت مع أمها لتقضي أيام طفولتها في « المنزل الأحمر» في (تروغين – كانتون سانت غالين) الذي يعتبر أحد أهم المحطات التي يزورها المهتمون بالحركة التجريدية. مؤخراً ومنذ السنة الماضية تم اعتبار حياتها وعملها محوراً لمعرض دولي في بلدتها تروغين، كما أشارت إلى ذلك الصحافية شارلوت كايل في صحيفة «تاغ بلات» السويسرية في عددها الصادر بتاريخ 10/04/2021.<br>الجدير بالذكر هنا أيضاً، أنه اعتباراً من سنة 1995 حتى سنة 2016 وكَتَثمين لفنّها وضع السويسريون صورتها على العملة الورقية السويسرية فئة 50 فرنكا، لتعريف عموم السويسريين والمتعاملين بالعملة السويسرية بإبداعها ودورها العالمي المؤسِّس للفن التجريدي، حيث كانت ترتدي قبعة لتبدو بشكل خارق، كواحدة من رؤوس الدادائية المتناظرة.<br>توجد الدُمى التي صممتها تويبر في (متحف فن التصميم في زيوريخ) حيث تمت إعارتها من أجل إقامة معرض استعادي كبير بدأه متحف الفن في مدينة بازل في آذار/مارس 2021 ثم انتقل إلى معرض الفن (تيت موديرن) في لندن من العام ذاته وصولاً إلى متحف نيويورك للفن الحديث الذي انتهى في الثاني عشر من مارس 2022.<br>هناك في نيويورك وُضِعت في مكانها الصحيح كمحرك رئيسي بين دادائيِّ زيوريخ، بعدما أُغفل ذِكرها لعقود في أوروبا، فلَمعت ألوانها المائية المجردة، المنحوتات الخشبية المطلية والدمى، الحقائب المزيّنة بالخرز، والنوافذ ذات الزجاج الملوّن، لأن فنها النابض كان بإمكانه فعل كل شيء. تويبر، أيضاً، خجولة بشكل غريب بشأن مصادرها الفنية، نظراً لإسقاطاتها التجريدية المهمة والتي استٌخدمتّ في المنسوجات الأمريكية و إيحاءاتها المهمة لتطوير أعمال النحاتين الحداثويين الأفارقة «والتي تغرق ألوانها وأنماطها في حوار مع الاستعمار والإثنوغرافيا. في نيويورك وجد زائرو المتحف الكثير مما يمكن تخيُّله، يشدِّدُ على ذلك جايسون فاراكو الصحافي الأمريكي المتخصص في شؤون الفن. كان الهدف من المعارض الثلاثة إخراج صوفي تويبر من ظل زوجها هانز آرب (أو جان آرب كما يسميه الفرنسيون) الذي يرى الفنانة السويسرية، الشخصية المركزية الاعتبارية للحداثة التجريدية.</p><p style="text-align:justify;"><img src="https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2022/03/09-8.jpg" alt="" srcset="https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2022/03/09-8.jpg 900w, https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2022/03/09-8-768x463.jpg 768w, https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2022/03/09-8-735x443.jpg 735w, https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2022/03/09-8-296x178.jpg 296w" sizes="100vw" width="900"></p><p style="text-align:justify;">في متحف الفن في بازل طارت روح تويبر فرِحةً، لأنها لا تعترف ببدعة المقدَّس الرأسمالي المثلث: رب العمل، الآلة والوقت اللازم للإنتاج، وأكملتْ تلك الطاقة الملموسة رحلتها واتحدت بروح العالم.. بلى العالم: تلك الدمية ذات العُقدتين والرأس الخشبي المصبوغ، القادر على التجريد، الرقص والقصيد، فانتصرت على الشَرَك الذي نُصِبَ لها بين حربين، لتثبت أن الدمار الذي تخلِّفه الحروب لن يمنع هذا العالم، من أن يُشفى من آلامه، دون ذكريات، وبلا ذبذبات حروف لفظة.. (لكن) المترددة! أما في (تيت موديرن) في لندن فقد كتبت الصحافية البريطانية لورا كامينغ: «في خطوطها ترفرف وترقص وتتقاطع تشكيلات مجرَّدة رائعة». وعلى الرغم من أن الجرائد لم تنشر عنها الكثير آنذاك، إلا أن تويبر تخرج هذه الأيام من النتيجة الهزيلة للقاسم المشترك للحرب، محاولةً إعادة ترتيب الجمال وإعادته إلى مفاهيمه الأصيلة، لأنها بحق تلك المرأة التي رسمت روحها المتحركة على جدران الوقت، وحملتْ عَلَمَ هوغو بال بيدها اليسرى (أيضاً) لِتُجَرِّدَ العالم من سلاح ينوي بَقْرَ بطن الحُلم وإعادته إلى الإيقاع الصِفري، وما زالت تحاول إعادة تزيين هذا القرن، كما فعلتْ في القرن العشرين بخَرَزِها الجميل، لتدافع عن فن تجريدي خالص أساسه خطوط الدائرة، المستطيل والمثلث، فنٌّ ينظِّف الأمكنة من زوغان الواقع ومن قواميسه المزدحمة التي لا تقول كثيراً مما يجب أن يُعاش.</p><p style="text-align:justify;">كاتب سوري</p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[رأي حر ]]></author>
                <guid>13588</guid>
                <pubDate>Mon, 04 Apr 2022 12:04:06 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[انعطافات الشعر العربي بين المذهبية والتحولات الجذرية]]></title>
                <link>انعطافات-الشعر-العربي-بين-المذهبية-والتحولات-الجذرية</link>
                <description><![CDATA[<p style="text-align:justify;"><span style="background-color:hsl(0,75%,60%);color:hsl(0,0%,100%);"><strong>عادل ضرغام</strong></span></p><p style="text-align:justify;">النظرة إلى الشعر العربي على امتداد تاريخه بشكل عام وإلى الشعر المعاصر وتحولاته بشكل خاص يكشف عن أن هذه التحولات التي مرّ بها الشعر العربي لم تكن مرتبطة بهيئة واحدة أو بشكل أو اتجاه واحد، بل جاءت متعددة التوجهات والمشارب. والتساؤل حول التحولات والانعطافات في الشعر العربي ربما يكون توجها مهما لمعاينتها، ومقاربة طبيعتها من كونها تحولا داخل حدود الإطار الفني أو مضيفة إليه ما يوازي الإضافة التي يضيفها اللاحق إلى السابق من خلال السير أو إعادة السير في الطريق ذاتها، أو من كونها تحولا جذريا أو مفصليا، ولا يؤدي هذا التحول المفصلي إلى الابتعاد التدريجي عن التقاليد والقوالب المتداولة داخل حدود النسق الفني، ولكنه – فوق ذلك – يهشم الهوية الفنية المؤسسة للنسق الشعري المتداول.<br>إن هذه التحولات – جذرية أو داخل حدود النسق المتداول – مشدودة لمؤثرين ومرتبطة بهما بشكل خاص: الأول منهما يتمثل في تحولات الواقع العربي هبوطا وارتفاعا وهزيمة ونصرا، أما الأخير منهما فيرتبط بالعلاقة بالآخر ودرجة الإفادة من منجزاته وثقافته، ودرجة الوعي بهذه الثقافة، فقد يكون الوعي واقفا عند حدود الاستلاب، وقد يكون قائما على الفهم والاستيعاب الذي يؤدي بالضرورة إلى إضافة منجز ذي خصوصية إبداعية لافتة. فتعبير مثل (صدمة الحداثة) يكشف عن حالة الاستلاب المرتبطة بتأمل الذات الجمعية العربية لنفسها في انكسارها واندحارها، ولكن المصطلحات المرتبطة بمراجعة التوجهات الإبداعية والنظرة إليها داخل حدود السياق العربي تكشف عن فهم واستيعاب لافتين، وتكشف – في الوقت ذاته – عن وجود أرضية مشتركة بين ثقافتين.<br>ويمكن ان نضيف إلى المؤثرين السابقين مؤثرا ثالثا يتمثل في طبيعة النظرة إلى التراث، وتباينها من نظرة ترتبط بالتقديس، إلى نظرة ترتبط بالمحو، إلى نظرة انتقائية تتحرك وتنطلق من حدود الراهن فتحيل التراث إلى وجود لا يكفّ عن الفاعلية والحضور والتأثير، ولكنه حضور وتأثير جزئي، لأن الفاعلية الكلية تصبح مجدولة ومرتبطة بالآني وتشعباته، فيتولد له قدرة على إحالة التراث إلى وجود حضاري فاعل وممتد.</p><p style="text-align:justify;"><strong>تجاور الشعريات</strong><br><strong>والتحولات المذهبية</strong></p><p style="text-align:justify;">الحديث عن التحولات المذهبية في الشعر العربي الحديث وطبيعة هذه التحولات يشدنا إلى إشكالية مهمة من إشكاليات الشعر العربي، هي إشكالية تقبُّل الجديد وإفساح مكان ومساحة لنموه وحركته، فمع الفنون التي تملك تراثا يستند إلى تاريخ موغل في القدم يتحول التراث بالتدريج إلى تقاليد صلبة لها قدرة على مجابهة وقمع أي بوادر للخروج. ربما كان إصرار بعض التوجهات الإبداعية الجديدة في إيجاد مكان إبداعي خاص يشكل وجودا جزئيا لافتا، ولكن هذا المجال الإبداعي الخاص ليس له قدرة على نفي الشكل التراثي، وهذا يشير إلى سطوة هذه التقاليد من جانب، ويشير من جانب آخر إلى ارتباط التقليدي الموروث بالمقدس وانفتاحه على الديني. إن نظرة فاحصة إلى الاتهامات التي وجهت ضد أبي تمام وبشار وأبي نواس – وهم أقطاب الحداثة الأولى – تثبت أنها مشابهة للاتهامات التي وجهت ضد أقطاب الشعر الحر وأقطاب قصيدة النثر، وهذا يثبت مشروعية التأويل والتفسير، فالفني في الثقافة العربية – وفي أي ثقافة بدرجات متفاوتة – لا يخلو من انشداد إلى الاجتماعي والعرفي والديني.<br>وفي ظلّ التجاور في الأشكال الشعرية السائدة لا تتولّد فاعلية نهائية لشكل وحيد، أو لنمط قادر على التعبير عن اللحظة الحضارية بسياقاتها. وهذا يكشف عن تغلغل وقوة التقاليد الفنية والإبداعية، ويكشف أيضا عن خلل في الأشكال الجديدة وفي طبيعة ميلادها، وربما يولد أسئلة مرتبطة بمشروعية التجديد والتطور، وهل هو استجابة حقيقية لمتغيرات في بنية العقل وطبقات المجتمع، أم هي استجابة مرتبطة بالتأثر بالآخر وبما ينتجه. فهذا التجاور الذي نراه ماثلا في الشعرية العربية المعاصرة في معظم الأقطار العربية، لا يعود فقط إلى سطوة التقاليد، وقدرتها على تقليم وهدهدة الجديد بشكل يفقده توهجه ومنطلقاته، وإعطاء الصيرورة والامتداد للقديم الموروث، وإنما يعود في جانب كبير منه إلى طبيعة التجديد في السياق العربي القائم على التبعية، وعلى نقل الأشكال أو التأثر بها دون وجود أرضية موازية ترتبط ببنية المجتمع، وتحولات الذهنية العربية في إدراكها ووعيها بوجودها وسياقها.<br>إن نظرة متأنية ومتأملة إلى المذاهب الأدبية أو إلى تجليات المذاهب الأدبية الشعرية في الأدب العربي تكشف عن تنويعات عديدة لكل مذهب، أو لكل اتجاه إبداعي، وفي ذلك دليل على أن ميلاد المذهب الأدبي لا يتمّ بتجل وحيد مكتمل، وإنما يتشكل في إطار تجليات عديدة تكشف عن استباقات للحظة الميلاد الحقيقية، حيث يتولد المذهب أو الاتجاه دون معاظلة ودون محاولة استنبات سابقة لأوانها، خاصة إذا أدركنا ان قضية المذاهب والاتجاهات الإبداعية- وربما المناهج النقدية أيضا- وثيقة الصلة لفترات طويلة بالعلاقة بالمكتشف الغربي والمستهلك العربي، فتنشأ فجوة بين المذاهب الغربية في تجليها المثالي المحددة بفترة زمنية في نشأتها وذوبانها وتلاشيها، والمذاهب أو المدارس الأدبية العربية في تجليها المتعدد والمتشعب والممتد، لأن بعضها لا يتولّد في تباينه مع السابق ولادة طبيعية مترتبة على تحول السياقات والمناخات داخل إطار عام.<br>وفي إطار الموضوعات الخاصة بالمقاربة الشعرية فإن المتأمل سيجد الأشياء في الشعر الكلاسيكي سميت بأسمائها، وليس هناك مساحة للاختراع، أو لمعاينة ومقاربة موضوعات خارج المساحة التي يتيحها العقل، فلم تشده نتيجة لذلك الموضوعات الوجودية والميتافيزيقية، بعكس الشاعر الرومانسي، حيث أتاح له الخيال مقاربة هذه الموضوعات. ويمكن للقارئ أن يكمل رصد جزئيات التباين الواضح بشكل خاص بين التوجهين أو المذهبين الشعريين، مثل طبيعة اللغة أو المعجم الشعري أو الآليات الفنية التي ارتبط وتأسس وجودها بهذا الانتقال.<br>لكن هل يمكن أن نعد ذلك تحولا في الكتابة الشعرية؟ أم يظل إضافة طبيعية تحتمها طبيعة الحركة والنمو والتراكم التدريجي؟ هناك كثيرون من النقاد يعتبرون هذا الانتقال المذهبي تحولا مشدودين في ذلك السياق إلى اعتبار الرومانسية أول ثورة حقيقية نظرا لعمق تأثيرها في الكتابة الشعرية، بالإضافة إلى تحللها وذوبانها في اتجاهات إبداعية تالية، لا تختلف عنها في التوجه وطبيعته، ولكنها تختلف عنها في درجة الاحتشاد، وطريقة استخدام الآليات الفنية التي ولدت في سياق تجليها وهيمنتها، مما أوجد لها تمددا وديمومة.</p><p style="text-align:justify;"><strong>التحولات الجذرية المفصلية</strong></p><p style="text-align:justify;">وإذا كان الانتقال من مذهب أو توجه شعري إلى مذهب مغاير داخل حدود الإطار الإبداعي البنائي محل جدال وشك وتساؤل، خاصة إذا كان الأمر- كما عرضنا سابقا- يرتبط بالرومانسية بتجلياتها العديدة في الأدب العربي، حيث يتمّ اعتبارها أكثر الحركات تأثيرا، لأنها مثلت جذرا مغذيا لانتقالات مذهبية تالية ارتبطت بها من خلال التجاوب في الأسس والاختلاف في الدرجة والحدة، فإن الأمر في هذه الحالة يحتاج تفريقا بين الانتقال أو الحركة من جانب والتحول المفصلي الجذري من جانب آخر.<br>فهذه المذاهب بالرغم من حركتها واختلافها لم تخلق هوية جديدة، فهي تتحرك – حتى في اختلافها – في إطار هوية محددة سلفا، وسابقة التجهيز، قد تخدش، ولكن أسسها القديمة لم يتمّ خرقها، وتظل تطلّ بفاعلية، لأنها متجذرة بوجودها اللافت والحيوي على المدى الزمني البعيد. فهي حتى في خروجها الجزئي عن الشكل الموروث على نحو ما يمكن أن نرى في الرومانسية على سبيل المثال تظل منطوية على استحضار الهوية الفنية الممتدة. فقد كان هناك في ظل سيادة الرومانسية، وخاصة في تجليها الأخير (أبولو) دعوات إلى تجديدات جزئية ترتبط بمناوشة الشكل والبناء مثل ازدواج القافية أو التنويع في القوافي والبحور العروضية، ولكنها ظلت كلها محاولات مقهورة لانشدادها إلى سطوة النسق الموروث.<br>مع قصيدة التفعيلة يقابلنا أول تحول مفصلي في تاريخ الشعر العربي استنادا إلى عمق المجابهة ودرجتها بالنسبة للمؤسس، وتقديم بدائل نوعية تتصل بالمفهوم والبناء والشكل، فهناك خرق لهوية فنية ظلت مهيمنة ومتجذرة لفترات زمنية طويلة. فقد جاءت قصيدة التفعيلة لتمثل تحولا مفصليا مهما في توجيه ضربات نحو جزئيات محددة في بنية الشكل الموروث، وذلك من خلال الاتكاء على جزئيتين، كان لهما كبير الأثر في تهشيم سطوة النسق والقضاء على الهوية الفنية، تتمثل الأولى في القضاء على عدد التفعيلات الثابت في البيت الشعري ليتحول إلى سطر شعري، والأخرى تتمثل في المكان الذي ترد فيه القافية، فلم يعد حضورها شيئا ملزما، ومكان حضورها أصبح غير محدد، وإنما تحضر حين يستدعيها السياقان الإيقاعي والدلالي.<br>ففي قصيدة النثر هناك انفتاح على معطيات يتيحها إطاران إبداعيان، يشكلان من خلال جمعهما معا هجنة بنائية، فقصيدة النثر أوجدت شكلا مغايرا يستفيد من حركية النثر وانطلاقه وثبات الشعر، فالنثر حفر دائم أثناء الحركة، والشعر حفر من الثبات، فقد جاءت قصيدة النثر لتجمع الاثنين في نص واحد، وهذه هي الإضافة التي يوجدها التداخل بين الأجناس الأدبية، فالتطور في الشعر في قصيدة النثر نابع من هذا التداخل، وفي إشعار الناقد أن هناك تحولا ما، ربما يعود في جزء كبير منه إلى ذوبان الحدود الصلبة التي مجدتها النظرية الكلاسيكية للأنواع، فالاستعارة – وهي قوام الشعر ولبابه – تستدعي الثبات والتوقف من القارئ لتفكيك عناصرها وتراكيبها، ولكن حركة النثر تقوم بعمل تدريجي توجيهي لاشتغال هذه الاستعارة، فتأتي قصيدة النثر كاشفة ومعبرة عن الحركة والثبات في آن.<br>قصيدة النثر وثيقة الصلة بالتجريب المستمر المنفتح في كل كتابة على شكل جديد، فهو نوع ليس ساكنا، بل يتجلى دائما للبحث والتنقيب عن أطر إبداعية جديدة، يتولد من خلالها إيقاع خاص، ذلك الإيقاع المتغير والمتبدل دائما مع كل قصيدة نثر جديدة، ففي كل كتابة هناك إعادة وتجل جديد للشكل، وفي ذلك يقول ريفاتير في كتابه «دلائليات الشعر» عن قصيدة النثر (إنها نوع ليس له شكل ثابت ينبه القارئ عرفيا، وإنما له لعبة المعنى وحدها التي يمكن أن تفسّر تعرف مقطع نثري تعرفا مفارقا بأنه شعر).</p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[موقع 180 مقالات]]></author>
                <guid>13580</guid>
                <pubDate>Sun, 03 Apr 2022 19:20:00 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[رفاعة الطهطاوي.. عبقرية الخروج من ظلام التخلف]]></title>
                <link>رفاعة-الطهطاوي-عبقرية-الخروج-من-ظلام-التخلف</link>
                <description><![CDATA[<p style="text-align:justify;"><span style="background-color:hsl(0,75%,60%);color:hsl(0,0%,100%);"><strong>بقلم: محمد حماد</strong></span></p><p style="text-align:justify;">رفاعة الطهطاوي (1216 هجرية الموافق 1801 ميلادية - 1290 هجرية الموافق 1873 ميلادية)، أطلق عليه كثير من المؤرخين والمفكرين لقب رائد التنوير في العصر الحديث، وعد في موسوعات المجددين واحداً من مجددي القرن الثالث عشر الهجري، وهو باتفاق الجميع من قادة النهضة العلمية والفكرية في مصر والوطن العربي.<br>ولد رفاعة رافع الطهطاوي في 15 أكتوبر 1801م، بمدينة طهطا إحدى مدن محافظة سوهاج بصعيد مصر، ونشأ في أسرة كريمة الأصل شريفة النسب، فأبوه ينتهي نسبه إلى الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، وأمه فاطمة بنت الشيخ أحمد الفرغلي، ينتهي نسبها إلى قبيلة الخزرج الأنصارية.<br>لقي رفاعة الطهطاوي عناية من أبيه، فحفظ القرآن الكريم، وبعد وفاة والده وجد من أخواله اهتماماً كبيراً؛ حيث دفعوا به إلى الشيوخ والعلماء، فحفظ على أيديهم المتون التي كانت متداولة في ذلك العصر، وقرأ عليهم شيئاً من الفقه والنحو.<br>سافر رفاعة الطهطاوي إلى القاهرة، وهناك التحق وهو في السادسة عشرة من عمره بالأزهر في عام 1817 م، وشملت دراسته في الأزهر الحديث والفقه والتفسير والنحو والصرف.. وغير ذلك من علوم الدين، خدم بعدها إماماً في الجيش النظامي الجديد عام 1824.</p><p style="text-align:justify;"><strong>منعطف كبير</strong></p><p style="text-align:justify;">هذا الشاب الأزهري الذي بعثه حاكم مصر محمد علي باشا إلى فرنسا؛ ليكون إماماً لبعثة فنية تكون نواة للتقدم العلمي لمصر عام 1826، كان دوره المنوط به؛ يتمثل في الحفاظ على ثوابت العقيدة والقيم لدى المبعوثين، وكان أستاذه الشيخ حسن العطار الذي رشحه لهذه المهمة قد طلب منه متابعة ما يراه في باريس وتدوينه.<br>وكانت هذه المهمة هي المنعطف الكبير في حياة الطهطاوي؛ بل وفي تاريخ مصر والمنطقة التي كانت ترزح تحت وطأة التخلف الفكري والثقافي والحضاري للدولة العثمانية التي عزلت مصر عن العالم الخارجي، فكان كتاب الطهطاوي الشهير «تخليص الإبريز في تلخيص باريز»، وكتبه الأخرى، خطوة نحو آفاق جديدة من المفاهيم والأفكار.<br>جاءت أهم إضافة إلى معارف الطهطاوي وطريقة تفكيره باحتكاكه المباشر مع الثقافة الغربية في واحدة من أهم عواصم تلك الثقافة، وكان لهذا الاحتكاك المباشر أثر كبير في توسيع مدارك الشيخ الشاب، الذي حرص رغم ذلك على الاحتفاظ بشخصيته المصرية الصعيدية، والاستمساك بدينه، ولا عجب في أن نرى الطهطاوي يرد في كتابه «تخليص الإبريز» على مقولة الغربيين بأنهم أساتذتنا في سائر العلوم، فيقول: «إننا كنا في زمن الخلفاء العباسيين أكمل سائر البلاد تمدناً ورفاهية، وتربية زاهرة زاهية، وسبب ذلك أن الخلفاء كانوا يعينون العلماء وأرباب الفنون. وغيرهم، على أن منهم من كان يشتغل بها بنفسه، فانظر إلى المأمون بن هارون الرشيد فإنه كان يشغل بنفسه بتعلم الفلك وقد حرر ميل دائرة فلك البروج على دائرة الاستواء فوجد ثلاثاً وعشرين درجة وخمساً وثلاثين دقيقة ميلاً».</p><p style="text-align:justify;"><strong>مدرسة الألسن</strong></p><p style="text-align:justify;">أخذ الطهطاوي من المدنية الغربية أحسنها وأقومها وما يتناسب وبيئته المصرية، فرجع إلى وطنه حاملا شعلة التنوير وقد اعتزم خدمة مصر بالعلم والتعليم، فأعانه الله فأبر بوعده ووفى بعهده، فنشر العلوم والمعارف، فتخرج على يديه جيل من خيرة علماء مصر، حملوا مصباح العلم والعرفان وأضاؤوا به أرجاء البلاد.<br>ولا يمكن تلخيص الأثر الكبير الذي تركه الطهطاوي في عدة سطور أو فقرات قليلة، ولكن يبقى أنه أول من افتتح أول مدرسة للغات في مصر، والتي أصبحت تعرف لاحقاً ب«مدرسة الألسن»، وتعد أهم إنجازاته وأساس النهضة في مصر الحديثة التي أرادها رفاعة وسطاً بين الأصالة والمعاصرة، وفي هذه المدرسة، أنشأ أقساماً متخصصة لترجمة علوم الرياضيات والطبيعيات والإنسانيات، ومدرسة المحاسبة لدراسة الاقتصاد ومدرسة إدارة لدراسة العلوم السياسية، وكان الطهطاوي يقوم إلى جانب إدارته الفنية للمدرسة باختيار الكتب التي يترجمها تلاميذ المدرسة، ومراجعتها وتحريرها.<br>وكذلك يعد الطهطاوي أول من أنشأ متحفاً للآثار في تاريخ مصر الحديث، فنراه يبدأ في جمع الآثار المصرية القديمة، ويستصدر أمراً لصيانتها ومنعها من التهريب والضياع، كما يعد أول منشئ لصحيفة أخبار في مصر بعد أن قام بتغيير شكل جريدة «الوقائع المصرية»، بعد أن جعل الأخبار المصرية المادة الأساسية بدلاً من التركية، فهو أول من أحيا المقال السياسي عبر افتتاحيته في جريدة «الوقائع».</p><p style="text-align:justify;"><strong>إحياء التراث الإسلامي</strong></p><p style="text-align:justify;">وكان الطهطاوي أول من سعى إلى إنجاز أول مشروع لإحياء التراث العربي الإسلامي، فنجح في إقناع الحكومة بطبع العديد من أمهات الكتب، مثل: «تفسير مفاتيح الغيب» للفخر الرازي، و«معاهد التنصيص على شواهد التلخيص» في البلاغة، و«خزانة الأدب» للبغدادي، ومقامات الحريري، وغيرها من أمهات كتبنا العربية، والتي لم تكن متوافرة في ذلك العصر.<br>رأى الطهطاوي أن القيمة العليا في الحضارة العربية والإسلامية تكمن في العدالة، ومن هنا كانت نظرته إلى المرأة في العالم الإسلامي والتي اعتبرها حاضنة الحضارة ومستودع فضائل الأمة، فكان يقول عنها: «إن مقياس تمدن الأمم هو درجة احترامها للمرأة، فكلما كانت الأمة متقدمة زاد احترامها للمرأة والعكس بالعكس»، وقد نادى بأهمية تعلم المرأة في كتابه «المرشد الأمين لتعليم البنات والبنين».<br>في دراسة بعنوان «التاريخ والعلم في جدال الحداثة في مصر في القرن التاسع عشر»، كتب الدكتور محمد عبد الوهاب جلال أن القرن التاسع عشر شهد تعاقب ثلاثة أجيال من الأزهريين الإصلاحيين أهم رموزها على الترتيب رفاعة الطهطاوي، وعبد الله فكري، ومحمد عبده. وقد عملوا جميعاً في المؤسسات «الحديثة» للدولة مثل المدارس والإدارة والصحف والقضاء. وشاركوا في محاولة إزالة العقبات التي اعترضت العلم الجديد، الذي كان من أهم أدوات الدولة «الحديثة». ومن أجل ذلك استخدموا رصيدهم الديني، من علم ومكانة وانتماء للأزهر، في صياغة خطاب توفيقي بين العلم والدين. وكان التاريخ أحد مكونات ذلك الخطاب، لكن بدرجات متفاوتة جسدت كل منها الحالة الفكرية للمرحلة.</p><p style="text-align:justify;"><strong>نضال رسالي</strong></p><p style="text-align:justify;">من أدق ما كتب عن دور رفاعة الطهطاوي ما جاد به قلم المفكر الإسلامي الراحل الدكتور محمد عمارة رحمه الله، في كتابه «رفاعة رائد التنوير في العصر الحديث»، الذي أكد في مقدمته على أبوة الطهطاوي لحركة اليقظة العربية الحديثة وريادته لدرب الصحوة الوطنية والتنبه القومي، ووصله حركة اليقظة التي صنعها بعصر المجد العربي وفترات ازدهار الحضارة العربية الإسلامية، وقيادته العقل العربي وإرشاده كي يتخطى عصور التراجع المملوكية والعثمانية التي سادت عالمنا لأكثر من خمسة قرون. ومثل هذا التقييم وحده يجعل رفاعة الطهطاوي على رأس قائمة المجددين في القرن الثالث عشر الهجري، التاسع عشر الميلادي.<br>ومرة أخرى يعود الدكتور عمارة في نهاية كتابه؛ ليؤكد مجدداً تحت عنوان «ذلكم هو رفاعة الطهطاوي»، على أنه واحد من أبر الأبناء بأمته، مصري، صعيدي وشيخ أزهري معمم ضم إلى ثقافته العربية الإسلامية خلاصة كنوز الفكر الغربي وعلوم الحضارة الأوروبية النظرية منها والعملية، فلما عاد إلى وطنه ناضل نضال أصحاب الرسالات؛ كي يخرج أمته من الكهف المظلم الذي احتبسها فيه المماليك والعثمانيون إلى رحابة عصر اليقظة والنهضة والتنوير. ولقد استعان على ذلك بكل ما هو مشرق وصالح ومستنير في تراث الأمة، وكل ما هو ملائم في حضارة أوروبا فكان الرائد الذي ارتاد لأمته العديد من ميادين التقدم والإصلاح والتجديد.</p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[رأي حر ]]></author>
                <guid>13560</guid>
                <pubDate>Sat, 02 Apr 2022 19:04:01 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[رواية «بقايا رغوة» لجهاد الرنتيسي: مساءلة الأثر الفلسطيني… وتاريخ التّشوه]]></title>
                <link>رواية-«بقايا-رغوة»-لجهاد-الرنتيسي-مساءلة-الأثر-الفلسطيني…-وتاريخ-التّشوه</link>
                <description><![CDATA[<p style="text-align:justify;">في روايته الصادرة بعنوان «بقايا رغوة» عن دار البيروني للنشر في بيروت (2021) يقدم الروائي جهاد الرنتيسي، منظوراً سردياً يتصل بأزمنة الإنسان الفلسطيني، وحين نعني أزمنة، فإننا نحيل إلى تلك التّحولات والأحداث التي صاغت الذاكرة الفلسطينية، وباتت جزءاً من مرويته الخاصة بالألم والارتحال، كما تكرار الخيبة، مع الكثير من النقد الموجه للذات.<br>يتقصد جهاد الرنتيسي في روايته القصيرة ، نموذجا قد ينزاح بعض الشيء عن النسق التقليدي في تشكيل الرواية، لتكون أقرب إلى فاعلية كنائية توازي تشظي الشخصية الفلسطينية التي تكمن بين أزمنة قد تبدو متعاقبة، لكن حضورها يتزامن عبر تقنية التداعي التي يفعلها حضور المكان المتعدد، ما يجعل الذاكرة ترتهن إلى هذا الاضطراب، الذي يأتي مشفوعاً بأسئلة كبرى تتصل بالماضي، والحاضر، ومع ذلك تبقى العين رهينة تطلعها إلى مستقبل يبدو منفتحاً على كل شيء، وبوجه خاص حين أدرك الفلسطيني أنه لا يوجد زمن أو مكان يمكن أن يعول عليه.<br>يشار إلى أن الروائي جهاد الرنتيسي نشر عدداً من الكتب أهمها «الترانسفير الثالث» و«روائيون في متاهة الشرق» فضلاً عن عدد كبير من القصص والمقالات التي نشرت في عدد من الصحف العربية، والتي تعنى بمحاولة تأطير السردية الفلسطينية التي انبثقت في الشتات، أو أن يتقصى قلق هذه الحيوات في كيانات طارئة تتقاطع مع أزمنة الإنسان الفلسطيني، وتكشف عن منعرجاته وتشوهاته.</p><p style="text-align:justify;"><strong>الاستبدال والإحالة</strong></p><p style="text-align:justify;">إن الإحالة إلى عنوان «بقايا رغوة» قد يتجاوز الأبعاد الاستعارية أو الكنائية ليكون منفتحاً على قراءات متعددة نستطيع أن نتقاطع معها على مستوى الحدث، لكن ضمن تكرارها في غير موقع، فالرغوة هي نتاج تفاعل ينطوي على فراغات، كما تحيل إلى معنى التشتيت للمادة، علاوة على دلالة الأثر، وما يعقبه من زوال.. إنه شيء يبدو كثيفاً ظاهرياً، لكنه لا يحتمل أي نوع من الصلابة، ما يقودنا إلى أن نتصل بالخيبة أو الفراغ… والأهم الإخفاق، هنا نرى أن الرواية في عبورها بين ثلاث إحداثيات، ونعني الكويت وبيروت وعمان قد عُنيت سردياً بتحرك الشخصيات بين الحيز والزمن، كي تبقي في تفاعلها، وما ينتج من أثر عن كلا هذين العاملين، مع بيان ما يتسرب من الذاكرة، ومن ذلك خروج الفلسطيني من الكويت في أعقاب الغزو العراقي، لتبدأ رحلة شتات جديدة لحيوات اعتقدت أنها وجدت مستقراً قد يشكل امتداداً لمعنى الثبات، غير أن الحقيقة كانت بعيدة عن ذلك، وهذا ما يستدعي تواصلاً مع ذلك الوطن الحقيقي الذي أمسى إلى غروب، حين تحولت مدينة نابلس وقراها إلى نقاط على الخريطة، وبينها خطوط رفيعة لا تصلح لفصل عالمين حددتهما ذاكرة احتفظت بيقظتها.<br>تبقى الشخصية الفلسطينية مسكونة بهذه القلق الذي تشكل نتيجة ثقافة عدم الارتباط بالمكان، وربما إلى ما أشد من ذلك، ما يفسر هشاشة تلك العلاقات كما يتضح من الثيمة المحورية التي تنهض بها شخصيات الرواية، التي تهمين عليها الشخصيات النسوية (غادة الأسمر وسوسن وفدوى والخادمة فيكي) مع التأكيد على جدلية الكتابة عن هذه الذوات من خلال خطاب يضطلع به الرجل (الروائي) ما يعني تحدياً في تمكين الرؤية، ولاسيما سبر أغوار الشخصية المركزية غادة الأسمر – زوجة صبحي الحسن- التي تعكس نموذجاً للذات الأنثوية التي تتقاطع مع جدلية الحب والجسد والوطن.<br>تبدو غادة شخصية سردية معقدة، ضمن بناء ناضج لتكوين الوعي الفني، حيث نعاين غادة في أزمتها الأنثوية، وما ينسحب على حيوات أخرى تحاذيها، ومنها شخصيتا فدوى وسوسن، في نهمهما للحب والارتباط بالجسد، أو بمعنى آخر الارتباط بمكون مُضمر أو نموذج يحيل إلى القوة، ولاسيما عبر تفعيل جدلية السلطة، حيث يبدو (رشاد) – عشيق غادة- بديلاً للرخاوة التي يعادلها بشكل معكوس شخصية زوجها، الذي يتغير ولاؤه السياسي ضمن التنظيم السياسي، ولاسيما حين ينزل صورة إحدى القيادات اليسارية عن الحائط مع أفول نفوذ القوى التي يمثلها هذا القائد، نتيجة الصراع القائم في البيت الواحد، وهنا نلمح إشارة إلى هشاشة التنظيم، أو المنظور الذي يحكم العملية، فلا جرم أن نتمكن من تبرير بحث غادة عن بديل من خارج النمط النخبوي الذي يمثله زوجها، الذي يتميز بنفاق ظاهر، مع بروز علاقات أخرى مع شخصيات تنتمي لقيادات من لدن باقي الشخصيات النسوية.</p><blockquote><p style="text-align:justify;"><strong>تنطلق هذه الحيوات في سلوكها من مبدأ التعويض أو الاستبدال، كما تجسدها سائر الشخصيات النسوية، وعلاقاتها مع الرجل الذي يتموضع في مواقع متعددة بين الذاتي والسياسي.</strong></p></blockquote><p style="text-align:justify;">قد يبدو هذا المشهد كناية عن نقد عميق للتنظيمات السياسية، ومن هنا ينبغي أن نبرر تكرار فكرة الخيانة، التي لا تقرأ في سياق جسدي وحسب، إنما هي تضرب عميقاً في الوعي المأزوم، وما يمثله في الوعيين: الثقافي والسياسي، حيث تختار غادة عشيقا يعبر حياتها من الكويت إلى الأردن، وقبل ذلك كان هنالك سلسلة من العلاقات العابرة، غير أن يميز هذا العشيق – الذي يعمل ميكانيكاً – تكوينه الذي يحيل إلى رغبة غادة بالاحتماء ضمن سياق وجود قوي، إنه إحالة إلى جسد فتي، يلبي ما يعتمل في داخلها من خواء، أو فراغ، أو نهم… إنه جزء من التعويض الذي لا يقرأ على المستوى المادي إنما ضمن السياق المعنوي، فرشاد ينتمي إلى دائرة مغايرة، بمعنى أنه خارج النخبة، أو البورجوازية الفلسطينية الفارغة، ومن هنا نقرأ رحلته من الكويت إلى عمان، وما تعرض له من تحقيق عند وصوله إلى عمان، كل ذلك من أجل أن يؤطره في تمثيل قد يبدو تجسيداً للتعالي المفقود: «لم أختر رجلا تقليدياً، قالت كمن يسدد ضربة في حلبة الملاكمة، هو الرجل البحر، الذي عجزت عن ولادته المجتمعات الذكورية، تجاهلت تدخل ريما، الواثق من رجولته إلى الحد الذي يبقيني أمامه، ملأت رئتيها بالهواء، لديه قوة الماء».<br>وهكذا تنطلق هذه الحيوات في سلوكها من مبدأ التعويض أو الاستبدال، كما تجسدها سائر الشخصيات النسوية، وعلاقاتها مع الرجل الذي يتموضع في مواقع متعددة بين الذاتي والسياسي.. إنها إحالة إلى أزمة تقرأ في وضع استعاري، حيث تلقي الرواية الكثير من الظلال على تاريخ الفصائل الفلسطينية، وبعض الحركات، ولاسيما اليسارية، كما يلاحظ بأن الكثير من الشخصيات تُستدعى من الواقع كي تؤدي وظيفة سردية ضمن فاعلية تأطير الحدث والتاريخ، ومنها شخصيات يعقوب زيادين، وناجي علوش، وعلي حسن سلامة، وغيرهم.</p><blockquote><p style="text-align:justify;"><strong>يلاحظ أن الرواية لا تضطر إلى الكثير من التنظير، أو تحميل الرؤية الخطابية للشخصيات في تأملها، وإنما تبقى مرهونة لفاعلية الرصد بغية تكوين ذلك القلق في وعي القارئ الذي ينتقل بصورة لا واعية عبر وظيفة العدوى.</strong></p></blockquote><p style="text-align:justify;"><strong>خصوصية النمط السردي</strong></p><p style="text-align:justify;">تبدو الرواية عالقة في بنية المكان، بالتّوازي مع بروز نمط التكرار، ومن ذلك الإكثار من ذكر أسماء الشوارع، والبنايات، سواء أكانت في بيروت أم عمان أم الكويت، وهنا يبرز دور الراوي العليم، الذي يتملك تقنية التبئير بغية عكس رؤية واسعة تعمق الصورة المشهدية مع بعض الإغراق في التفاصيل، وكأن الشخصيات تحاول أن تبني علاقة مع المكان الذي شكل ماهيتها، وذاكرتها، وهنا تتحدد إحدى وظائف الراوي، وتنهض على بناء حساسية آنية مع الفعل السردي، لكن مع تراجع واضح للسرد المتأمل أو الحامل للكثير من الجوانب التنظيرية، مع التركيز على تجنب إشهار الأيديولوجية، وهكذا تبدو فلسطين حاضرة من بعيد، فتبدو الحكايات التي نلتمسها في تتبع مغامرات غادة في الكويت وعمان وبيروت، جزءاً من ماهية الفلسطيني الذي يبحث عن خلاصه ضمن أمكنة تضطرب تحته، وهذا يأتي نتيجة توقعه المستمر بالاستلاب، ومن هنا، يُقرأ وعي الشخصيات، وصراعها ضمن دائرة نقد منظومات الخطاب الفلسطيني على مستوى الوحدات السياسية، وانعدام قدرتها على بناء منظومة من الوعي الحقيقي.<br>يمكن أن نحيل على مقولة بأن هذه الرواية دائمة الانتقال في تكوين السرد، حيث التداعي والتناوب والقفز والقطع يجعل من التلقي فعلاً عسيراً، وفي بعض الأحيان يبدد متعة القراءة، ولا سيما محاولة القارئ بناء النموذج المتبع في خلق ذلك الانسجام بين المتلقي والشخصية على مستوى الامتلاء، حيث يضطر القارئ في كل جزء إلى محاولة استعادة الخطوط من جديد، وهذا يعود إلى طبيعة اللغة التي تعلق بشكل جلي في إيقاع التتابع نتيجة هيمنة الجمل الفعلية مع سقوط الروابط، وكأن السرد يتقصد رصد حركة الشخصيات، والإغراق في بناء مشهدية ما، حيث تتبدى اللزوجة جزءاً من مناخات السرد، نظراً لأن الشخصيات تواجه هوة سحيقة تعكس الكثير من الحيرة والنكوص والتشظي.<br>يلاحظ أن الرواية لا تضطر إلى الكثير من التنظير، أو تحميل الرؤية الخطابية للشخصيات في تأملها، وإنما تبقى مرهونة لفاعلية الرصد بغية تكوين ذلك القلق في وعي القارئ الذي ينتقل بصورة لا واعية عبر وظيفة العدوى، وهنا يبدو القلق جزءاً من هوية الرواية على مستوى اضطراب الشخصيات، وتحركها في الحيز، حيث تسلخ الرواية جزءاً كبيراً من متنها من أجل الارتكان إلى هذا الدافع الوظيفي الذي ربما يحيف على القيمة الجمالية، وكأن جدلية المقصد تتحدد في تموضع الشخصية، وتتبع حركتها، وسكناتها في تلك الأحياز التي تطل علينا، ومن ثم نتأمل حركة الشخصية، وتتبعها في قيامها، وجلوسها، أو تناولها لفنجان القهوة أو كأس البيرة ضمن رؤية دلالية تؤطر وجودها السردي، ومبرراته، ومن ذلك أيضاً تعليقها على حضور كيان آخر، أو حملها على الآخرين، ما يدفع إلى بعض الإرهاق على مستوى التلقي، ويمكن تعليل ذلك بالرغبة في بناء مقصدية لا تضطر للكثير من التوضيح، لكن هذا النوع من الأعمال قد يثير المزاج، ويدفعه للتحفز، أو البحث، وفي بعض الأحيان قد يثير التبرم حين يعلق القارئ في فخ أزمة الشخصيات، ومتاهة الجغرافيات، والانتقال المفاجئ على مستوى الأحداث، مع محاولة ضبط الخطوط السردية، ومساراتها، وكل هذا يستهدف تحديد المواقف والأسئلة الأخلاقية التي ينطوي عليها العمل، والأهم كيف نرى العالم في قطاع زمني أو مكاني، أو في الارتحال الذي انتهك فاعلية الاستقرار، حيث يضطر الفلسطيني لأن يتبنى وهم التعلق بوطن، والتنقل بين الأوطان، حيث يحتاج (الفلسطيني) أن يرمم ذاكرته من جديد مع كل ارتحال.. وفي كل الأحوال هو يرتهن للطارئ، لذلك العبور، أو التوقف في الممر في انتظار العودة الحقيقية للوطن، لكن تبقى الإشكالية عالقة في نقد الممارسة النضالية، ومحاولة اكتناه التاريخ، بما في ذلك الذوات التي سكنت هذا التاريخ.</p><p style="text-align:justify;">كاتب أردني فلسطيني</p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[رامي أبو شهاب]]></author>
                <guid>13531</guid>
                <pubDate>Wed, 30 Mar 2022 06:29:28 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[شمس الدين سامي فراشري… سيرة مثقف عثماني حائر]]></title>
                <link>شمس-الدين-سامي-فراشري…-سيرة-مثقف-عثماني-حائر</link>
                <description><![CDATA[<p style="text-align:justify;">ظهر في السنوات الأخيرة عدد من الترجمات والكتب حول سير بعض المثقفين ممن عاشوا خلال فترة نهاية الدولة العثمانية وبدايات القرن العشرين، التي شهدت تحولات عميقة على صعيد الخريطة السياسية والثقافية.<br>وكمثال عن هذه السير، نشير إلى سيرة جمال الأفغاني التي كتبها نيكي كيدي 1972 قبل سنوات طويلة، وترجمت مؤخرا للعربية، إضافة إلى كتاب «رواد التجديد في الإسلام 1840ـ 1940» تحرير تشارلز كورزمان، الذي تجاوز التعريف برواد تلك الفترة من العرب والشخصيات المسلمة المعروفة، ليصل إلى الإلمام بتواريخ شخصيات أخرى غير معروفة كثيرا في عالمنا العربي مثل، المثقف الألباني شمس الدين سامي فراشري.<br>وفراشري من أهم مثقفي تلك الفترة في العالمين التركي والألباني، بيد أنه لم يكتب سوى رسالة واحد بالعربية ما حال دون التعرف عليه. إلا أن التعريف به لن يقتصر على هذه الدراسة، مع صدور كتاب جديد عن المعهد الفرنسي للشرق الأدنى في عمان بالتعاون مع منشورات الآن بعنوان «شمس الدين سامي فراشري.. تشابك العثمنة والقومية والإسلام» من إعداد المؤرخ الكوسوفي السوري محمد م. الأرناؤوط، الذي يضم مجموعة من الدراسات التي كتبها عدد من الباحثين الأتراك والغربيين والعرب، حول نتاج هذا الرجل والتقلبات الفكرية والثقافية التي عاشها في الفترة الممتدة من الربع الأخير من القرن التاسع عشر إلى وفاته عام 1909، في إسطنبول.<br>وتشكّل سيرة هذا الرجل السياسية والثقافية إضافة مهمة للمكتبة العربية على صعيد التعرّف على حياة مثقفي تلك الفترة، الذين عاشوا في ظروف مشابهة لما نعيشه اليوم من ناحية الانهيار البطيء للدولة، والسؤال عن العلاقة مع الحداثة ومستقبل الجماعات القومية الموجودة على المستوى الهوياتي. وقد بذل الأرناؤوط جهدا في تتبّع كل ما نشر تقريبا عن هذا الرجل في آخر 90 سنة واختيار أهمها وترجمته، إضافة إلى نشر دراسة له أيضا في الكتاب تتناول تاريخ عائلته القومي الألباني ورؤيته لمستقبل ألبانيا.</p><p style="text-align:justify;"><strong>عالم سامي فراشري</strong></p><p style="text-align:justify;">نشطت، بعيد فترة التنظيمات العثمانية 1839، حركة ثقافية قادها عدد من المثقفين العثمانيين الجدد، مثل إبراهيم شيناسي (صحافي ومترجم ومسرحي) ونامق كمال، وقد حاولوا نقل الأفكار الغربية والاطّلاع عليها من خلال الترجمة. وكانت الأعمال الأولى، التي عرفت بالأدب الفرنسي، هي الأشعار التي ترجمها شيناسي وأدهم باشا، والروايات التي ترجمها منيف باشا، ومسرحيات موليير، كما حاولوا الكتابة في هذا المجال، مثل نامق كمال ورواياته ومسرحه. وأخذت البلاد تشهد في آخر سنوات السلطان عبد العزيز ميلا إلى التعسّف والمضايقة، كما حدث مع نامق كمال الذي نفي إلى قبرص ثلاث سنوات، ورغم النجاح لاحقا في الإطاحة بحكمه، إلا أنّ السلطان البديل عنه (السلطان عبد الحميد الثاني) جاء أيضا فقرّر في ليلة واحدة حلّ البرلمان بعد الهزيمة مع روسيا سنة 1877، فاضطر مثقفو ذاك الزمن إلى مغادرة البلاد. وضمن هذه الأجواء الثقافية والسياسية، ولد شمس الدين سامي 1850 في قرية فراشرية في ولاية يانينا، وخلال فترة طفولته درس اليونانية والفرنسية والإيطالية والعربية، وذهب سنة 1871 إلى إسطنبول وألّف بعدها بسنة رواية «حب طلعت وفتنة» وبعد اندلاع الحرب الروسية العثمانية وهزيمة الأخيرة، انضم إلى جمعية النشر بالألبانية، التي تشكّلت في إسطنبول دفاعا عن وحدة ألبانيا، بعد محاولة الروس قضم أجزاء منها لصالح بلغاريا وباقي دول البلقان، ولذلك أخذ ينشط في إعداد كتاب تعليم اللغة الألبانية وقواعدها، ومن ثم ألّف عشرات الكتب الأخرى التي ستحظى بقراءة مهمة من قبل المؤرخ الألباني حسن كلشي.</p><p style="text-align:justify;"><img src="https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2022/03/01-20.jpg" alt="" srcset="https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2022/03/01-20.jpg 900w, https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2022/03/01-20-768x463.jpg 768w, https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2022/03/01-20-735x443.jpg 735w, https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2022/03/01-20-296x178.jpg 296w" sizes="100vw" width="900"></p><p style="text-align:justify;">وتدور أحداث روايته «حب طلعت وفتنة» حول المآسي التي كانت تحدث للمرأة المسلمة والمحجبة، بإرغامها على القبول برغبة والديها في اختيار زوجها، كما ألّف مسرحيات عديدة؛ من بينها مسرحيته الثالثة «كاوه» التي نشرها عام 1876 وتدور أحداثها حول ملك العرب قبل الإسلام (الضحاك) الذي غزا فارس وظلم الشعب وأجبر الفرس على التخلي عن دينهم، وعلى عبادة الأوثان واعتقل ملكهم جمشيد، وفي أحد أحلامه تراءى للضحاك أنه يجب تقديم قربان طفل كل يوم للأوثان، ولذلك سيشن حملة لجمع الأطفال ومن بينهم أطفال الحداد كاوه، الذي سيقود الشعب بعد أسر طفليه إلى قصر الضحاك ثائرا ليقوم بقتله ويعيد العرش للعائلة الحاكمة الفارسية. وفي سياق تحليله لمضمونها والدفاع وراء اختيار سامي لهذا الموضوع القديم، يرى كلشي أنّ هناك أسباب عديدة منها أنّ كتّاب فترته كانوا يستمدون موضوعاتهم في المسرحيات والروايات من التاريخ الإسلامي تخوّفا من تناول الحياة اليومية ومعالجة أحداث من الواقع، وربما لأنّ شخصية الضحاك بدت شبيهة بشخص السلطان عبد الحميد وروحه. كما كان سامي في كتاباته أول من ذكر كلمة وطن في الأدب التركي، إذ تظهر في مسرحية له بعنوان «من واجبنا الموت في سبيل الوطن» بينما يرد في مسرحية أخرى «الوطن مقدس نحن نأكل من خبزه ونعيش في ظله» وهي كلمات بدت غير مفهومة للأتراك في ذلك الوقت، لأنهم كانوا يأكلون من خبز السلطان ويعيشون في ظله، وقد حقق نامق كمال شهرة كبيرة من كلمة الوطن لاحقا، عندما اختارها عنوانا لمسرحية له. كما وجد فراشري أنّ أوربة تركيا لا يمكن أن تتم دون مكافحة الأفكار البالية، ولأجل ذلك ساهم في عام 1884 في إصدار سلسلة كتب جديدة تحت اسم مكتبة الجيب، وكان الكتاب الأول «المدنية الإسلامية» (ترجم للعربية في عام 2012) كما نشر كتابا حول النساء وانطلق فيه من فكرة أنّ النساء يشكّلن نصف سكان العالم، ويشاركن في تربية المجتمع الإنساني، ليصل إلى القول بضرورة تحرير المرأة، وفي ما يتعلق بالحجاب وجد أنّ لا علاقه له بالدين، بل بالعادات والتقاليد، فالبدو لا يغطون وجه المرأة وفي البانيا الفتيات يتحجبن لكن بعد الزواج يكشفن عن وجوههن، ولذلك وجد أنّ الحجاب جاء بتأثير الفرس، الذين كانوا يحجبون نساءهم قبل الإسلام، وربما يفسر رأيه هذا ظهور زوجته حاسرة الرأس في صورة لها برفقته في عام 1884.<br>من جانب آخر، يناقش المؤرخ التركي بولنت بيلميز دوره كمثقف في صناعة أساطير حديثة حول تاريخ ألبانيا، وأيضا على صعيد العودة لبناء هوية تركية طورانية تتجاوز المدى العثماني، وتحاول أن تؤسّس لرابطة أخرى في ظل الأوضاع السياسية التي كانت تعيشها الدولة في زمنه، ولذلك كتب أنّه على الشعب ألا يشعر بالإهانة إذا دعي باسم الترك، وهنا نراه يتحدث عن جد مشترك للأتراك، أو وفق تسميته للترك الشرقيين والترك الغربيين في البلقان. مع ذلك يرى الباحث التركي أنّ هذا الخطاب لا يعني أنّ سامي كان ميالا لتوجّهات الخطاب العرقي الأوروبي آنذاك، فهو في حديثه عن القومية التركية، كان يركّز على البعد السياسي لهذه الجماعية التي ستظهر أمة كبيرة وإن كان لا يوضح في أي تنظيم أو كيان سياسي وما طبيعة هذا الكيان الذين سيلتحقون به، وهنا نرى خلافا بين المشاركين في الكتاب حول هذه الرؤية، ففي الوقت الذي يرى فيه الباحث التركي أنّ تصوّر الهوية الجماعية التركية لم يشكل ضربة قوية للعثمانية كهوية جامعة سلطانية وحسب، بل كانت أيضا ضربة لتصوّر المسلم التقليدي حول الماضي المشترك، الذي بدأ مع الإسلام، أو كبديل مع تأسيس الدولة العثمانية، في المقابل ترى الباحثة الفرنسية ناتالي كلير، أنّ فراشري بقي يدافع عن سياسة الجامعة الإسلامية للسلطان عبد الحميد، أي توحيد المسلمين حول عقيدة دينية لا سياسية، وأنّ التناقض في آرائه يعود إلى أنّه كان يحمل خطابات متعددة حسب الظروف والفترات، وحسب الجمهور الذي يتوجه إليه، مع ذلك يبدو للباحثة أنّ صياغته للقومية الألبانية كانت قريبة من خطاب العثمانيين حول الإسلام، ففي إحدى موسوعاته يكتب، أنّ الألبان وبعد دخولهم المحيط العثماني الطبيعي وخلال وقت قصير، أصبح ثلثا السكان مسلمين، وبقي الثلث الآخر مناصفة بين الكاثوليك والأرثوذكس، وقام الألبان الذين لم يخضعوا للرومانيين وبيزنطة الإسكندر الكبير بالانضمام بقلب واحد إلى العثمانيين، وهنا ترى كلير أنّ هذه الأفكار لم تكن تحظى بالقبول لدى غالبية المسيحيين الألبان، ولذلك ورغم دعوته لهوية قومية عابرة للدين، ظل متمسكا بنسخة أقرب للعثمانية، أو الانزلاق نحو قومية ألبانية مسلمة، لكن يبدو أنّ تطور الأحداث دفع فراشري أيضا إلى تجاوز هذه الرابطة لاحقا، أو هكذا يظهر لنا على الأقل، إذ سيصدر له كتاب عام 1900 بعنوان «تاريخ ألبانيا» مع الإشارة في الغلاف إلى كونه صدر في الإسكندرية للإيهام بأنه من نتاج الجالية الألبانية في مصر، بينما كان مدعوما من المطبخ السياسي في فيينا، الذي يعدُّ الأرضية لدولة ألبانية مستقلة، تنسجم مع أجندة الامبراطورية الهابسبرغية في غرب البلقان. ويرى في الكتاب أنه ليست هناك فرصة لاستمرار الدولة العثمانية في أوروبا، ولذلك لا بدّ من الاستعداد لمثل هذا الأمر من خلال ترك الرجل المريض يسقط وإنقاذ الذات، ومع هذا التصوّر تكون لدينا رؤية مبكرة لمآل الدولة العثمانية وسعي بالتالي، كما يرى الأرناؤوط، إلى توجيه الألبان أو العثمانيين الأوروبيين إلى التركيز على مصالحهم ضمن الأسرة الأوروبية.<br>وبالتالي نلاحظ كيف فرض الواقع السياسي على هذا المثقف أن يبقى حائرا ومتنقلا في آرائه حول مستقبل العثمانيين والأتراك والألبان وحتى العرب، الذين خاطبهم في رسالته «همة الهمام» 1885 قائلا «وكانت جميع دول أوروبا يخافون سطوتها (الدولة العثمانية) ولم تكن دولة في الأرض تساويها في القوة ولا في العلم والحضرية، لأنّ أهل أوروبا كانوا حينئذ بعيدا جدا عن الحضرية التي نراها اليوم عندهم» ويبدو أنّ المزاج والقلق الذي أخذ يعبّر عنه الرجل من تبدّل أحوال الدولة وغلبة الأوروبيين والقبول بالأمر الواقع في البلقان ربما هما ما دفعا السلطان عبد الحميد إلى فرض الإقامة الجبرية عليه في البيت، حتى أنّه في عام 1901 في يوم زواج ابنته سمح لشيخ وشاهدين فقط بدخول بيته الذي بناه في منطقة إرين كوي في اسطنبول (تتبع اليوم منطقة كاديكوي).<br>عكف في هذه الظروف على إعداد قاموس حول اللغة التركية، وآخر حول اللهجة التركية في الممالك المصرية، ويعدّان استكمالا لعدد من القواميس الأخرى التي كتبها، مثل قاموس الأعلام (6 أجزاء) وقاموس عربي تركي وقاموس فرنسي تركي وعشرات الكتب الأخرى، وقد وضع لها أرناؤوط قائمة في آخر الكتاب، دوّن فيها عناوين كتبه المنشورة وغير المنشورة التي عثر عليها في السنوات الأخيرة. كما يذكر أنّ باستثناء رسالته «همة الهمام» لم يترجم له للعربية سوى كتاب «المدنية الإسلامية» في عام 2012 (بترجمة الأرناؤوط) وهذا ما لم يسمح لنا بالتعرّف على سيرة مثقف حائر اضطرته ظروفه آنذاك إلى البحث عن مخرج ثقافي وسياسي واقعي آخر، مع انكسار شوكة العثمانيين، ولذلك يشكّل هذا الكتاب فرصة للتعرف على آرائه ورؤيته لمقارنتها بآراء المثقفين العرب آنذاك، وحتى بواقعنا اليوم الذي يبدو أصعب حالا من الزمن الماضي.</p><p style="text-align:justify;">كاتب سوري</p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[محمد تركي الربيعو]]></author>
                <guid>10</guid>
                <pubDate>Sat, 26 Mar 2022 15:08:02 +0000</pubDate>
            </item>
                    <item>
                <title><![CDATA[غادة السمان تكتب: هل تعرفون اسم وزير الثقافة أيام شكسبير؟]]></title>
                <link>غادة-السمان-تكتب-هل-تعرفون-اسم-وزير-الثقافة-أيام-شكسبير؟</link>
                <description><![CDATA[<p style="text-align:justify;">يشكو إريك زيمور (الحلاق) اضطهاده والعاملين معه لمجرد تشابه اسمه مع اسم أريك زيمور المرشح لرئاسة الجمهورية الفرنسية والمكروه من قبل الكثيرين لأنه كما يقال «عنصري». والطريف أن حلاق الشعر وصاحب الصالونات في موناكو ونيس وسواها من مدن جنوب فرنسا لا يشبه شكلاً أريك زيمور المرشح للرئاسة، فهو كث الشعر الأسود (وليس مصاباً بالصلع مثل سميه المرشح للرئاسة)، وله لحية سوداء (ضخمة)؛ أي أن شكله الخارجي لا يشبه زيمور المرشح للرئاسة. لكن يحمل اسمه لسوء حظه! ومعاناة زيمور، حلاق الشعر، لم تعد تتوقف عند تكسير واجهات صالوناته التي تحمل اسمه، بل صارت (كما يشكو لمجلة «كلوسر» الباريسية) تطال العاملين معه الذين يتم صب الأذى حتى الجسدي عليهم، وصاروا يخشون من العمل معه، والرجل بريء إلا من تشابه الأسماء. ولدي حكايات كثيرة غير هذه عن ضحايا تشابه الأسماء واستغلال البعض لذلك مثل قصة أتركها لوقفة أخرى مع الحكايات مع الحياة.</p><p style="text-align:justify;"><strong>بين قوة الحبر الأدبي وقوة الحاكم!</strong></p><p style="text-align:justify;">يبدو أن الكثير من الحكام الأقوياء يحلمون بنجاحاتهم كأدباء.<br>فقد جاء في موسوعة «ويكيبيديا» الأدبية من أقوال الأديبة السورية الكبيرة كوليت خوري، أن من أقوالها الشهيرة في أدب العقيد معمر القذافي، قولها: «كتاب القذافي القصصي هو عمل إبداعي فعلي، وهو في رأيي مجموعة أدبية غنية ضمت القصة القصيرة والمقالة واللوحة القصصية. وكان الكاتب متألقاً في كل هذه المجالات».<br>أتساءل: المبدعة الكبيرة كوليت خوري، هل كتبت أو قالت ذلك حقاً؟</p><p style="text-align:justify;"><strong>نزار قباني وأدب صدام حسين!</strong></p><p style="text-align:justify;">وجاء في زاوية (المقالة) ممدوح عزام، نشرت في «العربي الجديد» ـ لندن بتاريخ 26 تموز (يوليو) 2016 تحت عنوان «شرف المثقف» قوله إن نزار قباني كتب يقول حرفياً قبل حرب الخليج: «لقد جئت إلى بغداد مكسوراً فإذا بصدام حسين يلصق أجزائي، وجئت كافراً بممارسات العرب فإذا بصدام حسين يرد لي إيماني ويشد أعصابي، شكراً (مرة أخرى) لصدام حسين الذي «قطر في عيني اللون الأخضر»! ويقول ممدوح عزام في مقالة (العربي الجديد ـ 29ـ7-2016): «أظهرت السنوات الخمس الأخيرة كيف تواطأ عدد من المثقفين العرب مع أنظمة الطغيان.</p><p style="text-align:justify;"><strong>لم أمدح حاكماً!</strong></p><p style="text-align:justify;">ومن طرفي، أفخر بأمر واحد هو أنني لم أمتدح يوماً أي حاكم سواء كان يستحق ذلك أم لا، لأن مديح الحاكم يقوم بتنمية الشعور بالاستغناء عن الديمقراطية، وأنا من رعاياها وأحب الاشتراك في الرأي ولا أرتاح للحاكم الأوحد.<br>الأستاذ حسام الدين محمد، كتب في جريدة «القدس العربي» حول ذلك كله وحول مجموعة القصص القصيرة لمعمر القذافي «القرية القرية الأرض الأرض وانتحار رائد الفضاء مع قصص أخرى»، مضيفاً: «وحسب تذييل الروائي الليبي الراحل أحمد إبراهيم الفقيه للمجموعة، فإن القذافي كتب قصة تنتمي إلى الحداثة، لأنه قائد ثوري يمتلئ بهاجس تحطيم القوالب القديمة». وهناك مثال الزعيم الراحل صدام حسين، الذي نسبت إليه أربع روايات: «زبيبة والملك» التي تقع أحداثها في تكريت في القرن السابع أو الثامن بين حاكم قوي وفتاة من عامة الشعب تدعى «زبيبة»، ورواية «القلعة الحصينة» عن زفاف مؤجل لبطل عراقي يقاتل الإيرانيين، و»رجال ومدينة» عن ظهور حزب البعث العربي الاشتراكي في العراق.. إلى آخره! وكتب الأستاذ حسام الدين محمد مقاله تحت عنوان معبّر هو «فنانون وأدباء من ماو وهتلر إلى ترامب مروراً بالقذافي (25ـ 4 ـ 2020).<br>أكرر: من طرفي، أفخر بأنني لم أكتب يوماً عن حاكم يحاول فرض نفسه على نحو ما..</p><p style="text-align:justify;"><strong>شكسبير ووزير الثقافة يومئذ!</strong></p><p style="text-align:justify;">كلنا نذكر اسم الأديب الكبير شكسبير، لكن هل بينكم من يعرف اسم وزير الثقافة يومئذ في بريطانيا؟<br>وذلك ينسحب على عشرات المبدعين التاريخيين في الحقول كلها. من الذي كان وزيراً للثقافة في زمن أمير الشعراء الشاعر شوقي، أو حتى سعيد عقل اللبناني.<br>أظن أن على أي أديب أن يدرك سطوة الأدب وقيمته الإنسانية قبل أن يخضع لإغراء أي حاكم ويمتدحه ربما دونما قناعة.<br>وسأظل دائماً أفخر بأنني لم أمتدح في حياتي كلها، أي يوم، أي حاكم أو (أدبه) كمبدأ.</p><p style="text-align:justify;"><strong>الكبيرة فدوى طوقان</strong></p><p style="text-align:justify;">لطالما اعتذرت عن قبول أي دعوة من أميرات خليجيات أو أمراء، لكنني أندم لأنني لم أقبل دعوة من أميرة لزيارة بلد عربي وكانت في ضيافتها الشاعرة الكبيرة فدوى طوقان.. وكنت مغرمة بأدبها ورحلتْ ولم ألتق بها.<br>لكنني ما زلت حين أقود سيارتي على أي شاطئ بحري أتذكر قصيدة الرائعة الفلسطينية الكبيرة فدوى طوقان، وأرددها:<br>هناك على شاطئ كم حواك<br>وكم ضم من ذكرات هواك<br>تململ قلبي فوق الرمال<br>يعانق ذراتها في ابتهال<br>ويلثم فيها رسوم خطاك!<br>ولا أعرف أي حاكم غربي أو عربي كتب شعراً رائعاً كــهذا!</p>]]></description>
                <category>مقالات آداب وفنون</category>
                <author><![CDATA[غادة السمان]]></author>
                <guid>6</guid>
                <pubDate>Sat, 26 Mar 2022 08:28:02 +0000</pubDate>
            </item>
            </channel>
</rss>
