يحيى الكبيسي يكتب: هل يتكرر سيناريو 2020 في العراق؟

profile
  • clock 23 سبتمبر 2022, 3:42:12 م
  • تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
Slide 01
google news تابعنا على جوجل نيوز

في نهاية العام 2019 اضطُرّ رئيس مجلس الوزراء عادل عبد المهدي إلى الاستقالة تحت ضغط حركة الاحتجاج التي اندلعت في تشرين الأول من ذلك العام، لكن عمليا كانت استقالة عبد المهدي استجابة لمطلب المرجع الأعلى السيد علي السيستاني، حيث افتتح خطاب الاستقالة بالتأكيد على أنها جاءت «استجابة لخطبة المرجعية الدينية العليا»!
كشفت هذه الاستقالة عن معضلة منصب رئيس مجلس الوزراء في العراق الذي كان دائما محل صراع شيعي ـ شيعي واضح، باستثناء، ربما، التوافق النسبي الذي تحقق حول اختيار إبراهيم الجعفري رئيسا للحكومة الانتقالية التي تشكلت بعد انتخابات الجمعية الوطنية الانتقالية والتي جرت في 30 كانون الثاني/ يناير 2005!
ففي الأعوام 2006 و 2010 و2014، تأخر تشكيل الحكومة العراقية مددا متفاوتة بسبب الخلاف على مرشح رئيس مجلس الوزراء بين القوى الشيعية، وكانت المرجعية العليا (مرتان في أقل تقدير سنة 2006 و 2014) طرفا مباشرا في حل هذه المعضلة؛ عام 2006 تدخلت مرجعية النجف مباشرة لإجبار إبراهيم الجعفري، المرشح الفائز في انتخابات داخلية ضمن «الائتلاف العراقي الموحد» الذي ضم القوى الشيعية الفائزة في الانتخابات، على التخلي عن تشبثه بهذا الترشيح بعد تأخير دام أكثر من أربعة أشهر. وفي العام 2014 تدخلت المرجعية أيضا بشكل مباشر مرتين؛ عبر إجابة مرجعية النجف على رسالة بعث بها حزب الدعوة و رفضت فيها فكرة عودة نوري المالكي لولاية ثالثة، والتدخل الثاني كان عبر دعمها للانشقاق الذي حصل في حزب الدعوة والذي أفضى إلى ترشيح الدكتور حيدر العبادي رئيسا لمجلس الوزراء.
أما في العام 2010 فكان التدخل الإيراني هو الذي حسم ترشيح نوري المالكي لرئاسة مجلس الوزراء لولاية ثانية بعد تأخير استمر قرابة ستة أشهر، من خلال الضغط على السيد مقتدى الصدر الذي كان يعارض عودة المالكي لولاية ثانية (وهو ما اعترف به الصدر شخصيا في مذكراته التي نشرها عام 2012 بعنوان: «الهدف النبيل من زيارة أربيل»)!
وبداية من عام 2018 دخل متغير حاسم على المعادلة السياسية الشيعية، حيث برزت قوى سياسية مسلحة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، وفرض هذا السلاح شروطه الموضوعية، وهو الذي حسم اختيار السيد عادل المهدي مرشحا توافقيا بين حملة السلاح الذين اتفقوا على ضرورة التخلص من هيمنة حزب الدعوة على منصب رئيس مجلس الوزراء!

هذا الحراك قد يمثل مخرجا تكتيكيا للأزمة، يجمدها عند حدودها الحالية دون تصعيد، لكنه بالتأكيد لن يكون هذا المخرج سوى تكريس للأزمة على المستوى الاستراتيجي، أي تكريس لفشل الدولة وفسادها وسوء إدارتها، وهو ما سيجعل الحديث عن أدنى إصلاح للوضع في العراق مجرد خرافة

بعد استقالة عبد المهدي، انكشف التشظي في الموقف الشيعي أكثر من أي وقت مضى، خاصة بعد دخول رئيس الجمهورية برهم صالح، هذه المرة، طرفا في ترشيح رئيس مجلس الوزراء البديل، ولأنه لا وجود لنص دستوري حاسم حول آلية ترشيح رئيس مجلس الوزراء في حالة استقالة الحكومة! انتهى المشهد إلى وجود مرشحين مكلفين ليسا مرشحي الكتلة الأكثر عددا، بل مرشحا توافقات ضمنية بين رئيس الجمهورية وبعض القوى السياسية. لكن هذه المحاولة لم تنجح، واضطر الجميع، وبعضهم على مضض، للقبول بالسيد مصطفى الكاظمي، مرشح التسوية.
اليوم نحن أمام مشهد أكثر تعقيدا من مشهد عام 2020 الذي أنتج حكومة السيد الكاظمي، فنحن أمام صراع شيعي ـ شيعي لم يقف عند حدود السياسة، خاصة بعد استقالة أعضاء التيار الصدري من مجلس النواب واستخدامهم الشارع في هذا الصراع، بل وصل إلى المواجهة المسلحة المحدودة والتي تم احتواؤها سريعا، وقد أضافت متغيرا جديدا إلى المقدمات التي انتجت تلك المواجهة المسلحة من الأصل! بالإضافة الى الاختلافات البينية الصريحة في معسكر قوى الإطار التنسيقي حول طريقة التعاطي مع الأزمة القائمة؛ فثمة قوى ما زلت تصر على «شد البرغي إلى آخر سن» حتى لو أدى ذلك إلى مواجهة مفتوحة مع التيار الصدري، وهي قوى لا تملك في واقع الأمر قرارها الذاتي، وبالتالي يبقى موقف هذه القوى مرتبطا ارتباطا عضويا بالموقف الإيراني من الأزمة ككل!
لم يعد الإيرانيون، مع هذه الأزمة، يمثلون المظلة التي «تحوي» جميع القوى السياسية الشيعية، كما كان عليه الأمر دائما، بل تحولوا إلى طرف في الأزمة القائمة، ورغم إعلان إيران موقفا صريحا تجاه الأزمة في الأسابيع الأخيرة، يتبنى موقف الإطار التنسيقي بشكل كامل ودون مواربة، لكن الواضح أيضا أنه ليس من مصلحة إيران وصول الطرفين إلى صراع شيعي ـ شيعي يمكن أن يهدد مصالحها الاستراتيجية في العراق بشكل أو بآخر!
ومن الواضح أيضا أن الصدريين لن يسمحوا، تحت أي ظرف، بتمرير حكومة يهيمن عليها الإطاريون، وهذا الموقف ليس مجرد موقف سياسي، بل هو موقف وجودي بالنسبة لهم، فأي حكومة إطارية ستعني في النهاية تحجيم، وربما استئصال التيار بالكامل! لكنهم قد يقبلون بحكومة جديدة يرأسها الكاظمي يضمنون معها مصالحهم، وربما هيمنتهم على بعض مفاصلها، حتى من دون أن يكونوا ممثلين فيها بوزارات صريحة!
في المقابل يعرف الإطاريون جيدا أن ثمة تعقيدات حقيقية تقف أمام رغبتهم في عودة اجتماعات مجلس النواب، وبالتالي انتخاب رئيس جمهورية وتشكيل حكومة على مقاس مصالحهم، وما ترشيح السيد علي السوداني سوى مناورة من قبلهم!
بالعودة إلى عام 2020 كان الإيرانيون، والقسم الأكبر من قوى الإطار حاليا، تتهم السيد مصطفى الكاظمي بأنه كان شريكا في عملية اغتيال سليماني وأبو مهدي المهندس في 3 كانون الثاني/ يناير 2020 مع ذلك قبلوا بترشيحه بعد ثلاثة أشهر فقط، وصوتوا في مجلس النواب له ولحكومته!
اليوم ثمة مؤشرات لا يمكن اغفالها، في سياق حراك مدعوم إيرانيا، لإيجاد صفقة تعيد انتاج سيناريو عام 2020، وهذا الحراك قد يمثل مخرجا تكتيكيا للأزمة، يجمدها عند حدودها الحالية دون تصعيد، لكنه بالتأكيد لن يكون هذا المخرج سوى تكريس للأزمة على المستوى الاستراتيجي، أي تكريس لفشل الدولة وفسادها وسوء إدارتها، وهو ما سيجعل الحديث عن أدنى إصلاح للوضع في العراق مجرد خرافة!

كاتب عراقي


هام : هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير
التعليقات (0)