أحدث الموضوعات
يحيى الكبيسي يكتب: عندما تحكم الشعبوية إدارة الدولة في العراق!
-
25 نوفمبر 2022, 3:53:59 م
- تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
باستثناء العراق، حيث الموازنة العامة هي أداة يوظفها الفاعلون السياسيون من أجل مكاسب سياسية ومالية خاصة، أكثر مما تعبر عن استراتيجية عمل مالية أو اقتصادية قصيرة أو متوسطة أو طويلة الأمد، فإن الموازنة العامة يفترض أنها تعكس السياسة المالية التي تتبعها الحكومة، وتوجهاتها الاقتصادية!
كتبتُ عام 2009 مقالا بعنوان «الموازنة العامة: أزمة عجز أم أزمة سياسات» لمناقشة الموازنة التي أُقرت في تلك السنة التي شهدت انخفاض أسعار النفط (كان تقدير سعر برميل النفط 50 دولارا في الموازنة)، وأشرنا حينها إلى أن الدولة التي تعتمد الاقتصاد الريعي بشكل كلي، يقتصر دور الحكومة فيها على أساليب وسياسات تدوير الريع النفطي داخل المجتمع، إذ يشكل ريع النفط ما بين 83٪ و 87٪ من الإيرادات العامة، في حين لا تشكل الإيرادات غير النفطية سوى نسبة ضئيلة من تلك الإيرادات. وقلنا إنه ليس ثمة إرادة سياسية لزيادة هذه الإيرادات غير النفطية، بسبب عوامل عدة، من بينها قرارات تتعلق برفع الدعم عن الخدمات العامة مثلا، أو إعادة النظر في سياسات الدعم، خاصة تلك المتعلقة بالبطاقة التموينية، أو زيادة الضرائب المباشرة (الضريبة على الدخل والثروة) وغير المباشرة مثل الرسوم الجمركية. وهي قرارات قد تؤثر على شعبوية النخب السياسية بسلطتيها التشريعية والتنفيذية التي يحكمها التفكير بالانتخابات العامة وجمهورها الزبائني، ومن المستحيل بالنسبة للسياسي العراقي أن يفرط في «زبونه» الانتخابي ويفكر في هكذا حلول!
ولا يوجد، بطبيعة الحال، حلول لمعالجة تضخم الإنفاق العام الذي يتطلب استراتيجية شاملة لإعادة هيكلة الاقتصاد العراقي، لاسيما فيما تعلق بالتضخم، غير المسبوق، في أعداد العاملين في الدولة، وأعداد من يحصل على رواتب من الدولة بشكل عام.
مع ذلك، فإن ضغط العجز المالي اضطر الحكومة، حينها، إلى اتخاذ بضعة قرارات لخفض النفقات، من قبيل المادة التي تضمنتها الموازنة والتي نصت على إيقاف التعيينات في الوزارات كافة، فضلا عن حذف الدرجات الوظيفية عن شغورها بدلا عن استبدالها كما جرت العادة (المادة 27/ ثالثا). كما تضمنت مادة تطالب وزارة التجارة بإعداد خطة لإعادة توجيه البطاقة التموينية إلى الطبقات الأكثر حاجة وعدم منحها الى المواطنين الذين يزيد دخلهم على مليون ونصف المليون دينار (المادة 34/ أ).
كما تضمنت مواد بخفض رواتب ومخصصات أعضاء الرئاسات الأربع (مجلس النواب ورئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء ومجلس القضاء الأعلى) بنسبة 20٪، وخفض رواتب ومخصصات أعضاء مجلس النواب والوزراء ومن هم بدرجتهم ووكلاء الوزراء والدرجات الوظيفية العليا بنسبة 10٪.
القرارات الشعبوية والارتجالية والعشوائية هي الحاكمة، ولا وجود للتخطيط طالما استمر سعر النفط مرتفعا ويحقق معدلات ريعية عالية نسبيا، وانخفاض أسعار النفط وحدها هي التي تجبر الجميع على اتخاذ قرارات مالية واقتصادية مؤقتة، لمواجهة العجز الناتج
لكن الموازنة تضمنت، أيضا، مادة تتناقض مع كل هذه التوجهات (فيما يخص زيادة الإيرادات غير النفطية) حيث بموجبها أعفيت الشركات المتعاقدة مع الحكومة العراقية ومؤسساتها على مشاريع المنهاج الاستثماري، من جميع الضرائب والرسوم نتيجة أعمالها المذكورة وفي إطار العقد!
في العام التالي تغير الموقف تماما، خاصة وأنها كانت سنة انتخابات عامة! حيث استحدثت (115) ألف درجة وظيفية جديدة في موازنة عام 2010 (المادة 21/ ثانيا)، مع عدم الإشارة إلى موضوع حذف الدرجات الوظيفية عن شغورها، وهو ما يعني العودة ثانية إلى استبدالهم بآخرين، ولا يمكن النظر إلى هذه التعيينات سوى من منظار الاستخدام الانتخابي لها من أجل زيادة الجمهور الزبائني للأحزاب والفاعلين السياسيين، لاسيما أن تلك التعيينات لا تتم، في النهاية، إلا من خلال هؤلاء! تحدث البرنامج الوزاري لرئيس مجلس الوزراء العراقي الجديد عن «تعظيم إيرادات الدولة غير النفطية»، وعن «وضع هدف لتخفيض نسبة الاعتماد على الإيرادات النفطية لتمويل موازنة الدولة خلال ثلاث سنوات إلى 80٪ من خلال تنويع وتعظيم الإيرادات غير النفطية».
لكن الحكومة فاجأت الجميع بالتصويت بالموافقة على قرار إلغاء ضريبة الـ 20٪ المفروضة على كارت شحن الموبايل والأنترنيت (بزعم رفع العبء عن المواطن)، وفقا لبيان صادر عن مجلس الوزراء، بداية من الأول من كانون الأول/ يناير 2023، علما أن هذا الإلغاء ليس من صلاحية الحكومة في الأصل ويتطلب تشريعا؛ فالقانون لا يلغى إلا بقانون! وكانت هذه الضريبة قد فرضت في قانون الموازنة العام لعام 2015 مع ضرائب أخرى على شراء السيارات بأنواعها وتذاكر السفر، والسكائر والمشروبات الكحولية بنسب متفاوتة (المادة 33/أ). ولا يمكن فهم هذا الإلغاء الذي يتناقض مع ما جاء في البرنامج الحكومي، الذي لم يمض عليه شهر واحد، حول زيادة الإيرادات غير النفطية، إلا في سياق سيطرة الارتجالية والشعبوية لا التخطيط، على ذهنية الطبقة السياسية العراقية، فهذا الإلغاء يعني، بالأرقام، خسارة الدولة ما يزيد عن 600 مليار دينار عراقي سنويا!
في الوقت نفسه يبدو أن ثمة «قرارا» تحدثنا عنه قبل تشكيل الحكومة بأشهر حول استخدام الوفرة المالية المتحققة للعودة إلى «سياسة التوظيف» لغرض رشوة الجمهور عامة، ولزيادة الجمهور الانتخابي للفاعلين السياسيين ودكاكينهم السياسية (لا وجود لأحزاب حقيقية في العراق، وكل الأحزاب القائمة هي عبارة عن دكان سياسي يتحكم به الممول). على اعتبار أن هؤلاء السياسيين هم الذين يتحكمون في التعيينات الوظيفية.
فقد تحدث البرنامج الوزاري للحكومة، في فقرة تتعلق بـ «مكافحة البطالة وتوفير فرص العمل «عن العمل على «تهيئة فرص العمل للشباب في القطاعين الحكومي والخاص، لمعالجة البطالة…». ومن الواضح من التصريحات الحكومية أن ثمة إرادة حقيقية للعودة إلى سياسات التوظيف المنفلتة والمفرطة والتي اعتُمدت خلال السنوات الماضية، باستثناء السنوات التي شهدت عجزا ماليا كبيرا بسبب انخفاض أسعار النفط؛ ففي موازنة العام 2021 (حيث كان سعر النفط المقدر في الموازنة 45 دولار) كان هناك مادة تتحدث عن إيقاف التعيينات كافة مع حذف الدرجات الوظيفية التي يتم شغورها مع استثناءات محدودة (المادة 12/ ثانيا/ أ)، ومادة أخرى تتحدث عن منع التعينات والتعاقد في دوائر الدولة كافة مع استثناءات محدودة (المادة 12/ رابعا/ أ).
لا يمكن فهم هذه التناقضات إلا في سياقها السياسي، فالقرارات الشعبوية والارتجالية والعشوائية هي الحاكمة، ولا وجود للتخطيط طالما استمر سعر النفط مرتفعا ويحقق معدلات ريعية عالية نسبيا، وانخفاض أسعار النفط وحدها هي التي تجبر الجميع على اتخاذ قرارات مالية واقتصادية مؤقتة، لمواجهة العجز الناتج، وأنه ليس ثمة سياسات مالية او اقتصادية حقيقية متوسطة أو بعيدة المدى لمعالجة الاختلالات القائمة التي تتحدث عنها التقارير والدراسات المحلية والدولية، بما فيها التقارير الحكومية نفسها، بما فيها التقرير الذي أصدرته الحكومة العراقية السابقة بعنوان «الورقة البيضاء» الذي كشف عن خلل جوهري يتعلق بتوظيف عوائد النفط المتزايدة كأداة لتضخيم دور الدولة، وعن دور التوسع الريعي في تشويه الدولة والمجتمع!
هام : هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير
كلمات دليلية
التعليقات (0)
أخبار متعلقة
أحدث الموضوعات
الأكثر قراءة
طارق مهني يكتب : بزنس المعارضة - سبوبة الزنازين منذ 4 سنوات
كفى (بورنو) سياسي وإعلامي منذ 5 سنوات
صحة ورشاقة
الزوائد الجلدية.. أسباب ظهورها وكيفية العلاج منذ 3 سنوات
"الأسبرتام" خطر أم آمن على الصحة؟ منذ 3 سنوات