أحدث الموضوعات
وسام سعادة يكتب: جيرالدين موهلمان حين تتعقب «التائبين» الى اللاهوت السياسي»
-
21 يناير 2023, 3:01:00 م
- تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
نصّ فلسفي بحمولة سجالية قارصة. هو الكتاب الذي أصدرته الفرنسية جيرالدين موهلمان قبل بضعة أشهر تحت عنوان «دجل اللاهوتي – السياسي». ترصد فيه وتتعقب أنماطاً متفشية من الفكر الفلسفي السياسي الغربيّ المعاصر، ومسارات ميّالة – بشكل محموم، لرؤية «العلاقة مع المقدّس» وراء كل شيء، والنظر إلى المضمار الديني – مأخوذاً بأي طيّة من طيّاته، كما لو أنّه حتمية «فوق تاريخية» أمس واليوم وغداً. فلا انفكاك عنه ولا أخذ مسافة منه، إلا تحت وصاية الغيب نفسه، وبشروطه، وحسب مزاجه.
فالغيب يصير والحالة هذه، هو الجوهر الجوفي، الذي لا ترمد جمرته، وينبغي أن تُردّ له القضايا السياسية، في الكبيرة والصغيرة، حتى تُفْقَه. لا بل أنّ الفلاسفة المعاصرين التائبين إلى ملاقاة الغيب وراء السياسة، كمسيّر لها، أو واهب المعاني والصور نحوها، تراهم يتلذّذون بأدب المفارقات. بحيث أنهم يتوقعون اشتداد أمر العناصر الإيمانية والغيبية والأخروية والخلاصية في المجالات التي يظهر فيها الشأن الديني ضامراً ومنسحباً. العلمنة عندهم لها مصادر دينية لا تستقيم إلا بها، وحتى عندما تندثر الرابطة الدينية فهي تمارس سلطانها من مكان اختفائها.
فانكماش الشأن الديني أو تلاشيه هو الدليل عندهم على شأوه ومراوغته وقدرته الاحتمالية التي لا تنضب، وإلهامه الذي لا تعويض عنه. كما لو أن كل قطيعة مع الديني هي استمرارية يعود فيها هذا النصل الديني للتنبت والتنبّع من جديد.
والفلاسفة التي تصفي جيرالدين موهلمان الحسابات معهم، منهم ريتشارد روتي في أعماله الأخيرة، ويورغن هابرماس في إنتاجه منذ بدء الألفية، وتشارلز تايلور، وجيورجيو أغامبين – الذي تتحول المساجلة معه إلى هجائية ضارية، وشانتال موف ومارسيل غوشيه وسواهم. والكاتبة تهدّف عليهم من خلال التهديف أيضاً على مصادرهم. مارتن هيديغر وكارل شميت ورينيه جيرار، لكن أيضاً كارل ياسبرز وإريك فوغلين.
هذه النزعة المهجوسة بردّ المشاغل الدنيوية، وفي طليعتها تلك السياسية، إلى مصدر غيبي مستتر، تراها موهلمان وقد تفشّت في الفلسفة المعاصرة، ولم تكن الحال كذلك قبل بضعة عقود، وترى في الأمر مؤشراً يقول شيئاً عن حال الفلسفة اليوم أكثر مما يقول شيئاً مفيداً حول مآلات السياسية. فهي تتعامل مع هذه «الموجة اللاهوتية الفلسفية» المعاصرة على أنّها شكل من أشكال الرغبة في تمليك الفلسفة الحاليّة قدرة خطابية كلية وغير نقدية، ما يمثل رجعة نحو «فلسفة التاريخ» بالمعنى الغائي.
وعلى الرغم من أن الحديث عن «اللاهوتي السياسي» يعيدنا الى «الرسالة اللاهوتية السياسية» لباروخ سبينوزا في هولندا القرن السابع عشر، إلا أن ما تسعى موهلمان لإثباته هو أن الموجة الحالية هي معادية بشكل أساسي لروحية سبينوزا.
أجادت موهلمان في المساجلة ضد الأنماط المختلفة من رؤية «الديني» يتخفى وراء كل شيء، ويتحكم بالسياسة حتى في المجتمعات التي انقطعت عنه. لكن هل تشبع المسألة بهذا؟
بالنسبة الى الأخير، المستوى السياسي هو الذي يفيض على المستوى الديني. الدين هو في جانب أساسي منه مشروع سياسي. «العهدان – القديم والجديد – ليسا الا دروساً في الطاعة» على ما ذهب اليه سبينوزا في هذه الرسالة. مفهوم الطاعة هي ما يجعل الدين سياسياً بامتياز. لكن السياسة لا تختزل عنده في نفس الوقت بالطاعة. بل تستحضر نقيضها. التفلت من الطاعة. وانطلاقاً من التوتر بين الطاعة والتفلت منها يتهيىء البحث عن نقلة في اتجاه تصور ما بعد ديني للسياسة. يقوم على الاستجابة للقوانين لأنها عقلانية. وليس لأنها من مصدر غيبي. هذا ولو أن سبينوزا لم يبتعد هنا عن موقف توماس هوبس، الداعي الى طاعة الدولة طالما قوانينها حتى العبثية منها ضرورية للحفاظ على السلام الاجتماعي. وموهلمان دقيقة في هذا. لا تميل الى إغداق الثورية على سبينوزا في الموضع من فكره الذي لا يدعيها. لكنها تتنبه الى ثوريته في الموضع الآخر، لأنه وإن قال بالطاعة للسلطان الزماني، إلا أنه لم يتردد في المجاهرة بأن أفضل طاعة هي تلك التي لا تعود طاعة، بل استجابة لقوانين ضمن دولة عقلانية، وحين شدّد على شرط أساسي لانبثاق هذه الدولة العقلانية، وهو حصر العقوبات بتداعيات الأفعال لا الأقوال. فهذا ما كان يمنح في عصره الفرصة للعقلانية كي تكسب العقول وكي تكسب من ثم الدولة نفسها.
تستعيد موهلمان هذه النظرة التي جمعت بين مكيافيللي وبين سبينوزا الى الدين على أن له عمقا سياسيا، مع السعي لتحرير السياسة من الدين في الوقت عينه عندهما، كل واحد منهما في سياقه. الموجة الحالية من «العودة الى اللاهوت السياسي» هي على النقيض من ذلك. لكنها مختلفة تماماً عن النقد الذي وجهه ليو شتراوس (ت 1973) الى سبينوزا. مشكلة شتراوس كانت مع نزعة «الإيمان بالعقل» عند الفيلسوف الهولندي، ذي الأصل الماراني، الإيبيري، المطرود من الطائفة اليهودية. فالإيمان بالعقل ليست له أسانيد أقوى من الإيمان بالغيب عند شتراوس. في الوقت نفسه لم يكن ذلك سبباً لشتراوس للتدليل على أن هناك «جوهراً إيمانيا» يحرك كل شيء في دنيا الفكر. نقده لسبينوزا لم يدفعه لوهم احياء اللاهوتي – السياسي. ولا للمكابرة على حدّة القطيعة الحداثية. ولو أنه أظهر عناصر هشاشة هذه القطيعة وانعدام استقرارها، وكان شديد الاهتمام والهيام بأفكار ما قبل الحداثة، في العصرين القديم والوسيط. انما دائماً من دون شطحات احيائية لهذا العالم الذي لم يعد عالمنا، وهنا بيت القصيد. لم يسع شتراوس لإحلال الإيمان «بمجهول التاريخ» بدل «الإيمان بالعقل» وقد تهافت.
في مقابل الثناء على نموذج ليو شتراوس، ترصد موهلمان من بين مصادر أخرى، أثر كارل ياسبرز، وبخاصة كتابه «أصل ومعنى التاريخ» 1949 على الموجة الحالية.
فياسبرز عيّن في هذا الكتاب ما أسماه «مرحلة محورية» في التاريخ البشري. بين 800 ق.م و200 م. المرحلة التي عرفت كونفوشيوس وزرادشت وبوذا وأفلاطون وأنبياء العهد القديم والمسيح. اعتبر ياسبرز أن هذه المرحلة هي التي تكفلت بروحنة التاريخ وإدخال فكرة البحث عن السلام والوفاق إليه، وبأن «الإنسان» كقوة روحية هو نتيجة تلك المرحلة. لكن ياسبرز خلص أيضا الى أن المسيحية هي الحصيلة الأسمى لهذه المرحلة المحورية، واعتبر من ثم أن عصر النهضة في القرن السادس عشر هو محاكاة للروحنة والأنسنة في هذه المرحلة المحورية. وعدّ المراحل الأشد انقطاعا مع التدين والتروحن في العصر الحديث على أنها عودة الى المرحلة ما قبل المحورية هذه. بالنسبة الى كتاب يصدر بعد الحرب العالمية الثانية، كان الانشداد الى مرحلة محورية روحانية عالمية، إنما منزاحة تدريجيا نحو المركزية المسيحية، مرتبطاً بالموقف من التوتاليتارية أيضاً. تصنيفها كحركة ارتداد عميقة عن المرحلة المحورية المتخيلة هذه.
تقتفي المؤلفة المساجلة أثر طرح ياسبرز هذا في الأعمال الأخيرة لهابرماس. تلك التي تفتش عن «وعي ما بعد علماني» على قاعدة عدم اعتناق الموضوعات اللاهوتية، وإنما النهل منها، واستعادة مفهوم المرحلة المحورية بشكل وثوقي، في وقت كان ياسبرز يشدد على أن فكرته هذه تقوم على الاعتقاد وليست مستندة الى ضوابط تاريخية منهجية وعلمية.
يبدو هابرماس الأخير في شغل موهلمان لو أنه لا سبيل إلى الأنسنة لديه، الا باستلهام المصادر المأثورة من «المرحلة المحورية»، وما من معنى يأتي به الدنيوي إلا منقولاً من مصدر غيبي.
سجالية المؤلفة مع أغامبين هي الأكثر عنفاً. حيث تحمل على مقاربته لمعسكرات الإبادة النازية كفضاء لظهور المعاني الخلاصية المسيحانية، وما يستتبعه ذلك من تهويم أغامبين الذي يبحث عن نماذج من المعتقلين تخدم غرضه، وبين نماذج يستبعدها لأنها لا تخدم هذا الغرض. بيد أن السجالية التي تستدعي تفكيراً أكثر، وربما تكون هي الفائدة الفكرية الأساسية لهذا الكتاب، فهي التي تحمل على هابرماس الأخير. فهل حقاً يمكن احتسابه على موجة التائبين الى اللاهوت السياسي؟ الإجابة تستوجب إكمال القول. أجادت موهلمان في المساجلة ضد الأنماط المختلفة من رؤية «الديني» يتخفى وراء كل شيء، ويتحكم بالسياسة حتى في المجتمعات التي انقطعت عنه. لكن هل تشبع المسألة بهذا؟ هل تكتفي الحاجة الى اللاهوت السياسي في عصرنا بهذا الرد للمقولات الدنيوية إلى مقولات ذات منشأ سياسي؟
هام : هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير
كلمات دليلية
التعليقات (0)
أخبار متعلقة
أحدث الموضوعات
الأكثر قراءة
طارق مهني يكتب : بزنس المعارضة - سبوبة الزنازين منذ 4 سنوات
كفى (بورنو) سياسي وإعلامي منذ 5 سنوات