وسام سعادة يكتب: تراكم الاستعصاءات واستفحال فاتورتها المجتمعية

profile
  • clock 28 مايو 2022, 10:45:51 ص
  • تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
Slide 01
google news تابعنا على جوجل نيوز

يراكم لبنان استعصاءات بأسرع مما يراكم نضالات ضد هذه الاستعصاءات.
يتنافس على المرتبة الأولى فيه الاستعصاء السياسي والاستعصاء الاقتصادي.
يتخذ الاستعصاء الاقتصادي، في جزء منه، طابع التواجه بين سرديتين، الأولى تحمّل الدولة بالدرجة الأولى مسؤولية أزمة المديونية والتخلف عن سداد الديون الذي أدى الى انسداد أبواب ودائع الناس في المصارف، والثانية تحمّل العصبة المؤلفة من المصرف المركزي والمصارف الخاصة المسؤولية الأساسية عن الانهيار. فالمركزي أصرّ على رفع الفوائد وأرباح المصارف لتشجيع الناس على الإيداع فيها وتشجيعها على إقراض الدولة، والمصارف مضت في هذه اللعبة الجهنمية ضاربة عرض الحائط أي احتساب للمخاطر، وأخذت تتنصل من موجباتها كما لو أن خداع الناس هو حق مكتسب لها وقانون من قوانين «الاقتصاد الحر» لا سبيل للأنام غير طاعته.
المصارف نفسها التي كانت تقول في أول الانهيار إن أموالكم في الحفظ والصون، منعناها عنكم خشية الهلع، سرعان ما عدلت عن هذه المعزوفة لتخبر الناس أن أموالكم بخرّتها الدولة، وحقكم عند الدولة عالق، تسترجعونها منها.
في الغضون، نجحت أعداد من النافذين في إخراج ودائعها الى الخارج، لا سيما في أول الأزمة، ما صعّب هذه الإمكانية على سواهم بعد ذلك، وأدى الى زيادة الطين بلة. وبالتوازي، سحب قسم متزايد من متوسطي وصغار المودعين ما لديهم بخسارة كانت تتضاعف شهرا في إثر شهر. فجرى اختزال المودعين في السنوات الثلاث الماضية. انحسرت القاعدة الاجتماعية للمودعين الى حد كبير. وبالتوازي، جيرت المصارف لحسابها قضية المودعين لتطالب بتشكيل صندوق سيادي ترهن فيه أملاك الدولة والمشاعات وتجري من خلاله إعادة تكوين الثروة المصرفية واعادة تسديد ما أمكن للمودعين. هذا مع العلم بأن الصناديق السيادية على كوكب الأرض ليس واحدا منها لهذا الغرض في أي بلد من البلدان. فهذه الصناديق وجدت لإدارة عملية الادخار القومي وما تراكمه عائدات الريع النفطي والغازي، وهي مسؤولة عن الاحتياط العام بالعملات الصعبة واحتياطي الأجيال المقبلة. لكن ليس هناك، في أي بلد بالعالم صندوق سيادي توضع فيه أصول الدولة وأملاكها والمشاعات حتى ترد الأموال للمصارف الخاصة، لأن ذلك سينتهي الى ما هو عجب وعجاب، وهي اعتبار غير المودعين وهم أكثرية الناس مديونون لدى المصارف التي لم يودعوا فيها قرشا!
الاستعصاء هنا مرتبط بالاستمرار في المكابرة، فإما أن المصارف أفلست وإما أنها لم تفلس. لا يمكنها أن تقول لنا إنها لم تفلس لكن الودائع فيها تبخرت. وإذا قالت إن الدولة لم ترد الفلوس فعلام لم ترفع هذه المصارف دعاوى على الدولة حتى الآن؟ وإذا أشارت الى أن السبب العميق للمشكلة هو «حزب الله» وعزلة لبنان الاقتصادية جراء مشكلات الحزب مع الغرب أو مع دول عربية فما الذي ينقص المصارف حتى تتحول الى لوبي ضاغط لتحريك موضوع هذا الحزب على أوسع صعيد؟ لكنها تعلم جيدا أن لا مصلحة لها في فتح ملفات متعلقة بالاقتصاد السري للنفوذ الإيراني في لبنان.
وما حصل الى حد كبير هو ان الرساميل، مصرفية أو غير مصرفية، هاجرت من لبنان منذ دخوله في كبوة الصفر نمو قبل سبع سنوات، ولا يمكن النقاش في المآل الاقتصادي من دون أن يكون هذا النقاش مزدوجاً بحيث يولي عناية من جهة لعملية تدبر كيفية اعادة تحفيز الاقتصاد اللبناني على اعادة اجتذاب الرساميل الهاربة، ومن جهة ثانية لكيفية عدم تضييع مسؤولية المصارف الخاصة الجسيمة في هذه الكارثة، ولا مسؤولية المصرف المركزي، بدلا من الوقوع في أحابيل معزوفة «المصارف ليست وحدها المسؤولة» وهي معزوفة تنطلق من ذلك لتخلص الى أن المصارف غير مسؤولة على الإطلاق!

المصارف نفسها التي كانت تقول في أول الانهيار إن أموالكم في الحفظ والصون، منعناها عنكم خشية الهلع، سرعان ما عدلت عن هذه المعزوفة لتخبر الناس أن أموالكم بخرّتها الدولة

يتلاقى ذلك مع الاستعصاء على تغيير قواعد اللعب السياسي والأمني، ومع استعصاء مواصلة اللعبة نفسها الى ما لا نهاية، والانهيار الاقتصادي والمالي وبدلاً من أن يفجر التناقضات، بشكل كارثي إنما بشكل يذلل الاستعصاءات، فإنه أدى في نهاية المطاف الى مفاقمتها.
تثوير الأوضاع، الذي ظهر أنه متاح في أيام خريف 2019 الجماهيرية المشهودة، عاد وتبين أن بات أصعب بعد تلك التجربة، وما لقيته من تخوين ممانعين ومن تجويف مراميها من داخلها من خلال فرض وتعميم خطاب ينقطع فيه بحث السياسة عن القضية الاجتماعية، ثم تختزل فيه السياسة الى أحاجي وتخاريف تكنوقراط. ولأجل ذلك، وبدلا من أن يكون خطاب «التغيير» هو خطاب مغادرة الأوضاع المستعصية، تحول الى ما يشبه البحث عن منافذ للتغيير في ظل الاستعصاء.
لقد جاءت الانتخابات الأخيرة لتخالف التوقع السابق عليها ببضعة أشهر فتحدث في موعدها، بخلاف المتوقع، وعلى غير عادة التخلف عن المواعيد والتلاعب بالآجال والمهل في هذا البلد. أوصلت نتائجها فوجاً غير معهود من الداخلين حديثاً الى الحياة البرلمانية، بحيوية مدنية ليبرالية، والبعض القليل منهم بحساسية اجتماعية، وهؤلاء عموما من المتفيئين بظل انتفاضة 17 تشرين 2019، بل من الذين يرفعونها الى منزلة «الثورة». كما أظهرت الانتخابات تقدماً في الوسط المسيحي للقوات اللبنانية والقوى المنددة باستعصاء مسألة «سلاح حزب الله» عن الحل. بيد أن الاستعصاء اليوم يطاول بشبحه كل استحقاقات ما بعد انتخاب البرلمان، بدءا من استحقاق انتخاب رئيسه، وتشكيل الحكومة، ومن ثم انتخاب رئيس جديد للجمهورية.
والبرلمان الجديد لا يفرز أكثرية واضحة في أي مضمار بالشكل الكافي. كم من هؤلاء النواب مستعد لأن يوقع عريضة تطالب بتحقيق جدي ويذهب الى خواتيمه في قضية المثقف المغدور لقمان سليم؟ كم باستطاعتهم التشكل في شبكة أمان برلمانية للتحقيق العدلي الذي يقوده القاضي طارق البيطار لإماطة اللثام عن المتورطين في عدوان 4 آب/ اغسطس 2012 الكيميائي الإجرامي على مرفأ ومدينة بيروت؟ كم منهم يمكنه أن يتصدر المعركة ضد أخطبوط المصارف؟ وكم منهم يمكنه أن يواظب على أحاديث السيادة ورفع الغطاء عن السلاح المهيمن على البلد؟ الآن وليس أيام الصخب عشية الانتخابات؟ كلما طرحت سؤالا من هذا النوع من الأسئلة، رجحت عددا معيّنا من المستجيبين مع هذا السعي أو مع ذاك، كما لو أننا أمام برلمان مختلف حسب كل سؤال وقضية.
يصلنا كل هذا ببعد لا يمكن الاستمرار في المكابرة عليه، ببقائهم تحت سقف اتفاق الطائف، ليس بمستطاع القوى المتحدرة من تحالف 14 اذار/مارس السابق، أو المنتسبة الى لحظة 17 تشرين، أن تقلب الطاولة على إملاءات الممانعة، ولا أن تناقش في نموذج اقتصادي اجتماعي جديد صالح للبلد.
وحجة القوم في الحالتين أنهم إذا تخلوا عن مرجعية اتفاق الطائف فتحوا باباً للممانعة تتسلل منه وتفرض إرادتها على شكل صيغة تؤبد غلبة فئوية، وهو تخوف له ما يبرره، إنما ليس حتى آخر المدى.
لأن التمسك بالطائف فوق اللزوم بات يعني عدم القدرة على طرح صيغة لعيش وإدارة التعدد اللبناني والفعل السياسي ضمن هذا الواقع، ولا الى اجتراح تصورات فعلية للخروج من تلاطم الاستعصاءات في اتجاه ما فيه إفساح للمجال الى عقد اجتماعي جديد وغير سريع العطب.

كاتب من لبنان


هام : هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير
التعليقات (0)