وسام سعادة يكتب: اليمين المحافظ الملتبس: من التوريز الى جابوتنسكي وميلوني

profile
وسام سعادة كاتب وصحافي لبناني
  • clock 8 أكتوبر 2022, 12:29:06 م
  • تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
Slide 01
google news تابعنا على جوجل نيوز

تُنَسّب جورجيا ميلوني حزبها «أخوة إيطاليا» إلى شجرة تريد إظهارها باسقة وارفة متعددة الأغصان، هي شجرة اليمين المحافظ. يأتي ذلك في معرض السعي لدحض أي صلة بين هذا الحزب الذي تصدّر المشهد الانتخابي والسياسي الإيطالي مؤخراً وبين ماضي الفاشية.
حين تعدّد ميلوني من يتفرّع مثلها من جذع تلك الشجرة، تبدأ بالتوريز، أي العمق التاريخي لحزب المحافظين في بريطانيا. هذا مع أن القسمة بين التوريز المحافظين والويغز الأحرار – التي توارت لصالح القسمة بين المحافظين وحزب العمال في القرن العشرين، ليست من النوع الذي يسهل توزيعه هكذا بين نظرتين أيديولوجيتين مفصولة الواحدة فيها تماماً عن الأخرى.
فأبرز رواد الفكر المحافظ وأحد أشد مناهضي الثورة الفرنسية ومبادئها حدّة، ادموند بيرك (ت 1797)، صعد من داخل الأحرار لا المحافظين. وقد تحوّل بيرك من متعاطف مع ثوار أمريكا بوجه التاج البريطاني دون موافقتهم في الوقت نفسه على الاستقلال النهائي عن المملكة، الى مساجل شرس ضد الثورة الفرنسية منذ شهورها الأولى. لم ينتظر منعطف الإرهاب فيها وسفك الدماء ليجرّم مقولات «العقد الاجتماعي» و«حقوق الإنسان». ندّد بها مبكراً من موقع التشديد على ضرورة إسناد الحريات والمؤسسات على التقاليد، وحارب فلسفة «العقد الاجتماعي» من موقع العقد المنسوج بين الأجيال. رأى عدم قابلية استبدال الروابط الاجتماعية العضوية التي من لحم ودم وذاكرة، بروابط إرادوية مبنية على التجريد. شنّع على الوهم الثوري القاضي بنقل صلاحيات الخلق والتأسيس من عدم من الإله إلى البشر.
لليوم، ينقسم الشرّاح ومؤرّخي الفكر السياسي في أمر بيرك. ثمة من يعتبره أب النزعة المحافظة في الفكر السياسي الحديث، وثمة من يشدّده على أن محافظته هي سمة لليبراليته وليست هي القالب، ما يسوّغ تصنيفه مؤسساً للخط الليبرالي – المحافظ في الفكر السياسي الأوروبي. وينسجم هذا التصنيف مع القسمة التي أعملها مؤرخ الأفكار السياسي ايزايا برلين في القرن الماضي، «بين مفهومين للحرية»، وهي محاضرة له في أوكسفورد عام 1958 مطبوعة بمناخ الحرب الباردة. أقام خلالها برلين التضاد بين «حرية سلبية» وبين «حرية ايجابية». الأولى هي حرية الليبراليين – المحافظين. تعرّف من خلالها حرية الكائن بالسلب، فالحرية هنا حاضرة بخلاف الإكراه والاحتجاز. أنت حرّ لأنك لست في السجن، لأنه ليس محظورا عليك الحركة أو الكلام. أما «الحرية الإيجابية» فهي الحرية التي عمد برلين إلى شيطنتها، هي حرية أعداء الليبرالية – المحافظة. تُعرّف فيها الحرية على أنها مشروع تحقيق للذات، فردية كانت أو جماعية، مشروع تنبيت إنسان جديد ومجتمع جديد. وعند برلين هذه الحرية الإيجابية هي عدوة الحرية السلبية، وبالتالي عدوّة الحريات الفعلية، وقد جمع برلين في مضبطته الاتهامية روسو وفيخته وماركس والفاشيين والشيوعيين. كل هؤلاء عنده من حزب واحد، هو حزب الحرية الإيجابية، أم التوتاليتارية!
عندما تقدّم ميلوني حزبها كفرع من فروع اليمين المحافظ لا يظهر عليها أنّها تحدّد موقفاً واضحاً من الليبرالية. بخلاف حدّيتها ضد اليسار وضد ما تسميه «الأيديولوجيا الجندرية»، فإن تشديدها على الانتماء الى الخط المحافظ يقترن عندها مع ضبابية حيال الليبرالية.
ما علينا، ميلوني لا تطرح نفسها كمؤرخة أفكار سياسية، وإن كانت تغرف من هذا الصنف. وهي لا تحصر مقارنة حزبها بالتوريز البريطاني، لكنها تتوسع الى الجمهوريين في الولايات المتحدة (وهنا أيضاً الإشكال نفسه لجهة التداخل بين التقليديين المحافظ والليبرالي – الكلاسيكي، هذا في مقابل التداخل بين دلالات الليبرالية واليسار عند الديمقراطيين). ثم تمضي ميلوني قدماً وتشبه حزبها «فراتيلي ديطاليا» بحزب «الليكود» في إسرائيل.

عندما تقدّم ميلوني حزبها كفرع من فروع اليمين المحافظ لا يظهر عليها أنّها تحدّد موقفاً واضحاً من الليبرالية. بخلاف حدّيتها ضد اليسار وضد ما تسميه «الأيديولوجيا الجندرية»، فإن تشديدها على الانتماء الى الخط المحافظ يقترن عندها مع ضبابية حيال الليبرالية

بيد أن الليكود هو الاستمرار للفرع «التنقيحي» من الحركة الصهيونية، الفرع المتهم أساساً بالدمغة الفاشية، لا سيما في أدبيات اليسار الصهيوني الذي هيمن على مؤسسات الحركة الصهيونية ثم على الدولة حتى نهاية السبعينيات. أب الصهيونية التنقيحية فلاديمير (زئيف) جابوتنسكي لم يخف إعجابه في مناسبات عديدة بإيطاليا الفاشية وببنيتو موسوليني. جابوتنسكي المولود في أوديسا بالإمبراطورية الروسية، انتقل شاباً للدراسة في ايطاليا نهاية القرن التاسع عشر، وفيها شرب من نبع الأفكار المضادة للتنوير التي سيكون لها أثر بالغ بعد ذلك بعقدين، مع انتصار الفاشية. تأثر تحديداً بالنزعة القومية الرومانسية الإيطالية التي ترى في الأمة جسماً حيّاً، وبنموذج «المثقف الذي يحتقر المثقفين»، ويعلي من شأن المهارات اليدوية والقبضات المتجهزة للقتال.
في الوقت نفسه، حافظ جابوتنسكي على مسافة من الفاشية الإيطالية واستلهام نموذجها. يحتسبه جورج بنسوسان في «التاريخ الفكري والسياسي للصهيونية» شعبوياً انتقائياً أكثر منه فاشياً. فجابوتنسكي مال هو الآخر لانتقاء مفردات ومقولات من الليبرالية. شدّد على أولوية الفرد، وأن «كل انسان ملك»، ولم تفتنه المشهديات الجماهيرية، وبوجه اليسار الصهيوني الذي أعطى الأولوية لاجتذاب الطبقة العاملة اليهودية الى الهجرة الاستيطانية، شدّد جابوتنسكي على أهمية هجرة الطبقات الوسطى اليهودية الأوروبية الى فلسطين، وكتب مقالة بهذه الروحية تحت عنوان «نحن البرجوازيون « عام 1927. ما باعد بين جابوتنسكي وبين الفاشية هو اهتمام الأخيرة بأن يكون لها هوية اجتماعية شعبية، في حين لم تنل المسألة الاجتماعية أي اهتمام لدى الأب الفكري والرمزي لحيروت والليكود. في كتاباته، لم يخف جاوبتنسكي المشترك مع الفاشية، بدءاً بأولوية مصلحة الأمة على مصالح أي طبقة، والقول بالتحكيم لحل نزاعات العمل والتناقضات الاقتصادية الاجتماعية، لكن هذا التحكيم المغني عن صراع الطبقات بقي عنده ضمن تصور ليبرالي عن الدولة الصهيونية، اذ شدّد على النظام البرلماني وعلى التعددية ضمن الحركة الصهيونية، رغم تصاعد الاتهامات له من قبل ديفيد بن غوريون واليسار الصهيوني، لا سيما بعد اغتيال احدى المجموعات المحسوبة على «التنقيحيين» لليساري الصهيوني حاييم أرلوزروف عام 1935 في إثر إسهام الأخير بعقد اتفاق هاعفاراه مع الألمان النازيين لتسهيل هجرة يهود المانيا الى فلسطين في مقابل التخلي عن أملاكهم.
رغم هذه الانتقائية بين القومية الرومانسية والفاشية من جهة، وبين الليبرالية من جهة أخرى، فقد ظل النموذج الإيطالي الفاشي جذاباً ليس فقط ليمين الحركة الصهيونية بقيادة جابوتنسكي، بل كذلك فرض جاذبيته على يسار تلك الحركة، كما يظهر ذلك المؤرخ زئيف شترنهل في دراساته حول تاريخ الحركة الصهيونية في مرحلة الييشوف (المجتمع الاستيطاني اليهودي في فلسطين قبل 1948). زد على ان الحزب القومي الفاشي الإيطالي كان يضم عناصر يهودية في مختلف هيئاته، ومارغريتا صرفاتي، اليهودية، لم تربطها فقط علاقة حب وولاء بالدوتشي بنيتو موسوليني، بل كانت ملهمة له، وساهم في الترويج لصورته من خلال السيرة التي كتبتها عنه نهاية العشرينيات. لم تحدث الانعطافة الا لاحقا، في اتجاه التركيز على مفهوم الأعراق. كان هذا بعد الغزو الايطالي للحبشة، وتحت تأثير التحالف من موقع تبعي في نهاية الأمر، لإيطاليا الفاشية مع ألمانيا النازية.
باتت ميلوني بعد فوزها بالانتخابات ميالة لأن تحصر جوابها على سؤال موقفها من الفاشية باثنتين. شجبها لضرب الديمقراطية، وشجبها للقوانين العنصرية في نهاية الثلاثينيات. لكن ذلك لا يقفل الباب على استلهام عناوين أخرى من هذه التجربة، وإعادة تدويرها على أنها «يمين محافظ» موجود في كل الديمقراطيات. تشبيهها حزبها بالليكود لا يسهل سدّ الذرائع والنوافذ بإزاء كل من يشدّد على أن ظاهرتها تعكس تردياً في الحياة والثقافة الديمقراطيتين وليست مظهراً صحياً ليس إلا من التداول على السلطة. يبقى أنه، في كل خطوة لميلوني في الأشهر الماضية كان فيلسوف القومية المحافظة اليمينية الإسرائيلي يورام هازوني يتلقفها على أنها تجسيد لطروحاته، للتضاد الذي يعمله بين الأمة القومية وبين الإمبراطوريات، والذي يجعله يرى الى ميلوني على أنها تجسيد لمنطق الأمة القومية، في مقابل روحية الإتحاد الأوروبي «الإمبراطورية» بل «الإمبريالية» طالما أن خازوني لا يميز البتة بين امبراطوري وامبريالي وأممي وكوني. كلها عنده مقولات تردد الشيء نفسه بوجه الأمة القومية، الشكل الوحيد الممكن لعيش الحرية والمسؤولية بالنسبة له. فهل يمكن اعتبار حزب ميلوني حالة «خازونية» نسبة الى هذا المفكر؟ يتطلب ذلك شيء من التوقف على تصور هذا المفكر المتشدد للأشياء، وللحديث تتمة.

كاتب من لبنان

التعليقات (0)