أحدث الموضوعات
ميخائيل ميلشتاين يكتب: الاستعدادات الإسرائيلية ل " اليوم الذي يلي ابو مازن " : حصر التهديدات والفرص
-
1 أغسطس 2022, 2:43:48 م
- تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
أبو مازن هو أحد أضعف القادة في الشرق الأوسط . يدور الحديث عن زعيم يبلغ من العمر 86 عامًا ، يسيطر على كيان محدود أساسًا ، كان خسر نصفه لصالح حماس ، ولا يحظى بشعبية لدى الجمهور الفلسطيني ، أظهرت استطلاعات الرأي منذ حوالي عقد من الزمان أن أكثر من 80٪ من الفلسطينيين يرغبون في رحيله ؛ ينبذه خصومه من الداخل باعتباره شخصا فاسدا و يتعاون مع إسرائيل ؛ سلوكه يبعث على اليأس في النظام الدولي والشعور بالاشمئزاز بين الكثيرين في العالم العربي ؛ لا يملك الجيوش العسكرية الجرارة مثل العديد من قادة المنطقة .يسيطر منذ 17 عامًا دون انتخابات ديمقراطية على نظام سياسي متحجر . يقيد حرية التعبير والحق في التنظيم والتجمع .
في معظم بلدان المنطقة ، كان من شأن وضع كهذا أن يشجع على انقلاب من داخل القصر أو ثورة شعبية ، تطيح بالحاكم على إثرها. حقيقة أن أبو مازن بقي على عرشه - ما يقرب من ضعف فترة حكم عرفات في السلطة الفلسطينية - لا تشير إلى شعبيته أو قوته ، بل تشير إلى طبيعة بيئته المباشرة والنظام الفلسطيني الأوسع.
كبار المسؤولين في الدائرة القريبة من ابو مازن مستفيدون كثيرا من استمرار الاوضاع القائمة. يقبلون حكمه رغم ضعفه وسوء النظام السياسي ويساهمون في الحفاظ عليه لوقت أطول . يشير هذا القبول إلى وجود فجوة في القيادة الفلسطينية: لا يمتلك أي من كبار المسؤولين القوة والثقة بالنفس التي تسمح لهم بتقويض النظام القائم أو الدافع لاتخاذ مثل هذه الخطوة. بالنسبة لهم أبو مازن ليس زعيماً مخيفا ، لكنه حل فعال للحفاظ على الأداء الأساسي للهياكل الحاكمة والشرعية في مواجهة الساحات الخارجية. إن كبار المسؤولين يستعدون بالفعل لـ "اليوم التالي" لكنهم يشعرون بعدم الارتياح بالنظر إلى احتمال أن يؤدي اختفاء أبو مازن إلى حملهم على تحمل مسؤولية الحكم ، والوقوف أمام الجمهور مباشرة ومواجهة بعضهم البعض .
كما يشير استمرار وجود عهد أبو مازن إلى الميل القلبي عند غالبية الجمهور الفلسطيني. هذا الجمهور اليائس منذ حوالي عقد من الزمن من النظام السياسي الداخلي ومن إمكانية تحقيق أهداف استراتيجية في إطار المفاوضات السياسية ، وكذلك من السنوات الطويلة من الصراعات الداخلية ومن النضال ضد إسرائيل والتي لم تحقق أي إنجازات جدية ، وبالتالي يركز في الوقت الحاضر على تحقيق إنجازات أكثر تواضعًا ، وعلى رأسها نسيج حياتي مريح واستقرار اقتصادي.
يمكن ملاحظة ذلك بوضوح بين جيل الشباب الفلسطيني الذين يظهرون رغبة أقوى من أباءهم لتحقيق الذات والإنجازات المادية ، إلى جانب موقفهم الساخر تجاه العمل السياسي وأيديولوجيات الماضي. أبو مازن ، الذي يتمسك ببقاء الوضع على حاله - بما في ذلك التنسيق مع إسرائيل على الرغم من العدد الكبير من الأزمات بين الطرفين في العقد الماضي - يلبي من وجهة نظر الجمهور الفلسطيني هذه الرغبة ولذلك ينظر اليه باعتباره قائدا مفيدا على الرغم من كونه ليس زعيما شعبيا .
النقاش الاسرائيلي في موضوع العلاقات مع ابو مازن و "اليوم التالي" يتطلب نظرة رصينة وجديدة. كما هو الحال مع العديد من القضايا ، فإن النقاشات في إسرائيل هي احادية الابعاد وتتراوح بين قطبين منفصلين: الأول يزعم أن أبو مازن هو شريك مخلص جدا و ملتزم بتحقيق السلام ويجسد "الفرصة الأخيرة" لتحقيق تسوية تؤدي الى سقوط المنظومة الفلسطينية بعد رحيله في فوضى كاملة ، الامر الذي سينعكس على الأمن القومي الاسرائيلي . اما القطب الثاني فيُعلن عنه أنه عدو لدود يرفض الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود ، ويقف إلى جانب "الإرهاب" - كما يتجسد بشكل أساسي في دفع الأموال لعائلات "الإرهابيين" - وانه يتمسك في سره بآراء معادية للسامية.
الحقيقة - كما هو الحال في كثير من الحالات - أكثر تعقيدًا. يُعزى الهدوء النسبي في السلطة الفلسطينية في العقد الماضي في جزء كبير منه إلى سياسات أبو مازن - مدفوعا اولا وقبل كل شئ بالرغبة في حماية مصالح السلطة الفلسطينية والذاكرة المؤلمة لخسارة فتح في غزة منذ عقد ونصف - لكنه هو نفسه آخر بقايا جيل المؤسسين في النظام الفلسطيني الذي عاش النكبة بشكل مباشر ، ويجد صعوبة في لعب دور رائد في تحقيق اختراق سعيا لتسوية تاريخية. تجلى ذلك في رفضه للاقتراح الإسرائيلي المقدم له في محادثات أنابوليس (2007-2008) والذي ذهب بعيدا في تنازلاته ، والذي جسّد استمراراً للتقليد الذي سار عليه القادة الفلسطينيين الذين أضاعوا فرصاً مصيرية. حتى لو استؤنفت المفاوضات بشان موضوع التسوية الدائمة فجأة ، فهناك شك فيما إذا كان أبو مازن يريد حقا أو يشعر بالثقة الكافية لاتخاذ قرارات تاريخية مؤلمة حول القضايا الجوهرية التي لم يتخذها في الماضي والتي رفضها عرفات ، الذي كان يتمتع بشرعية شعبية لا يمكن مقارنتها به .
يجب على إسرائيل أن تستعد الآن - نظريا وعمليا - لحقبة ما بعد أبو مازن التي يمكن أن تحدث في أي لحظة. في هذا الإطار ، يوصى بالتخلص من الفرضية المقلقة حول ضياع الفرص التاريخية والدخول شبه المؤكد في عصر مظلم . قد يكون "اليوم التالي" مشابهاً لليوم الذي سبقه ، والكثير من ذلك يعتمد على إسرائيل ، وبشكل خاص على استعدادها وقدرتها على الاستمرار في الحفاظ على الاستقرار في الضفة الغربية.
تظهر غالبية الجمهور الفلسطيني اهتمامًا محدودًا نسبيًا بالنقاش حول ما اسماء الخلفاء المحتملين (يُنظر إلى معظمهم على أنهم غير جذابين على أقل تقدير) ، ويخشى المجتمع الفلسطيني بشكل خاص من زعزعة نسيج حياته ، واحد الاسباب ينبع من الخوف من اندلاع صراعات داخلية . قد تساهم الجهود الإسرائيلية الظاهرة والعلنية الرامية للحفاظ على الواقع المدني الاقتصادي في الهدوء في الحيز العام ، حتى لو تطورت أزمات حادة على المستوى السياسي ، على سبيل المثال بين المتنافسين من داخل فتح أو بين المنظمة وحماس ، التي ستسعى للاستفادة من غياب أبو مازن لتعزيز قوتها في الضفة الغربية في اطار سعيها التاريخي طويل الأمد للسيطرة على النظام الفلسطيني.
قد يؤدي اليوم التالي في احسن الاحوال تفاءلا ، إلى تعزيز مكانة الجيل الفلسطيني الشاب غير المرتبط بالذاكرة التاريخية مثل الجيل المؤسس. طريق الشباب الفلسطيني ليس ممهدا لقمة السلطة - إلى رأس السلطة التي يسيطر عليها المقربين من أبو مازن وممثلي الأجيال الأكبر سنا وهم ليسوا في عجلة من أمرهم للمخاطرة بالمصالح الشخصية والجماعية من أجل القيام باصلاحات داخلية . ومع ذلك ، إذا نجح الشباب من خلال الضغط الجماهيري في فتح كوة في الجدار بطريقة لا تنتهي لحالة من الفوضى مثلما حصل في "الربيع العربي" أو استغلاله من قبل حماس للمضي قدما في احداث تحول اسلامي في الضفة الغربية ( وهي السيناريوهات التي من المتوقع ان تضطر اسرائيل الى التدخل ) ، فقد يخلق في رام الله شريك يخوض مع اسرائيل حوارا موضوعيا يتجاوز الماضي فيما يتعلق بالتوصل لترتيبات ( ليست تسوية ) سياسية مستقبلية .
يمكن تحويل التهديدات والمخاوف من "اليوم التالي" الى فرص استراتيجية الامر الذي يتطلب من اسرائيل التصرف بمسؤولية وتغيير في تفكيرها . أولاً ، هناك حاجة إلى نقاش عام وسياسي أكثر عمقًا حول قضية تبدو مهمشة أو انها لا تنجح في اثارة الاهتمام اليوم ، طالما أنها لا تنعكس بشكل مباشر على الواقع الأمني في إسرائيل أو تتسبب في تقويض النظام الداخلي فيها . ثانيا من الضروري ان ندرك ان الاجراءات بروح (السلام الاقتصادي ) او( تقليص الصراع ) التي تهدف الى تحسين مستوى الحياة لدى سكان الضفة الغربية لا تعتبر استراتيجية طويلة المدى ، الا " غطاءا مؤقتا " تحت ستار رؤية بعيدة المدى في ظلها ستتفاقم المشاكل الاساسية بين كلا المجتمعين ، وعلى راسها الاندماج العميق والمضي قدما باتجاه واقع الدولة الواحدة ، ومن شدة المفارقة ان سياسات التسهيلات المدنية تساهم في تسريعها .
عشية الانتخابات المقبلة وبعدها ، ستحتاج إسرائيل الى إجراء نقاش عميق ورصين فيما يتعلق بالساحة الفلسطينية ، مع الاقرار بأن هناك تقدمًا مستمرًا نحو نقطة اللاعودة ، الامر الذي يجعل من الصعب تحقيق الفصل الفيزيائي بين الشعبين ، مع الإدراك بأن الواقع يتغير باستمرار ومن دون توقف مع مرور الوقت ، وأن مجموعة الخيارات الاستراتيجية المتاحة امام الدولة قليلة جدا وتتقلص طوال الوقت .
يجسد "اليوم التالي" فرصتين استراتيجيتين لإسرائيل: الأولى - فرصها ضبابية- تتعلق بتغيير صبغة وطبيعة القيادة الفلسطينية بشكل يسمح بإجراء نقاشات أكثر جدية من اوقات سابقة فيما يتعلق بوضع ترتيبات سياسية ( ليس اتفاق تسوية بل ترتيبات ) بين الجانبين. ؛ والثاني ، وهو الأكثر أهمية ، هو الأمل في أن يؤدي النقاش حول مسألة "اليوم التالي" الى ادراك اننا نقف على مفرق طرق استراتيجي بين الانفصال والاندماج الذي تتحرك إسرائيل نحوه ، والى جانب ذلك تعميق النقاش في مسألة القرارات القومية التي يجب اتخاذها والنتائج الاستراتيجية المترتبة على استمرار القرار بعدم اتخاذ القرار .
هام : هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير
كلمات دليلية
التعليقات (0)
أخبار متعلقة
أحدث الموضوعات
الأكثر قراءة
طارق مهني يكتب : بزنس المعارضة - سبوبة الزنازين منذ 4 سنوات
كفى (بورنو) سياسي وإعلامي منذ 5 سنوات