أحدث الموضوعات
موفق نيربية يكتب: عن انتهاء صلاحية الحاكم!
-
1 فبراير 2023, 5:13:16 م
- تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
يُقال إن» الصلاحية» هي المدى الرئيس الذي بناءً عليه يكون المفهوم أو الاستنتاج أو القياس مؤسّساً بشكل عقلاني ومنطقي من جهة، ومتوافقاً مع العالم الواقعي من جهة أخرى. ولكن، عند التوقّف لدى تلك «الصلاحية» لا بدّ من الالتزام ببعض الشروط: ومنها أن تكون مبنية على الحقائق والعقل، وتكون قانونية وشرعية وقاطعة بين أهل وهيئات الاختصاص المؤهلة لذلك. وقبل الاستطراد كثيراً، لا بدّ من التوقّف عند «صلاحية الحاكم»، التي يختلف فيها الناس كثيراً، ولا يصلون على الأغلب إلى محطات اتفاق أو توافق. تلك الصلاحية تتداخل كثيراً مع الشرعية، لكنّها لا تتطابق معها. كثير من الأنظمة السياسية تفقد شرعيتها بوضوح، لكنّها تبقى صالحة للاستمرار في مكانها لأسباب غير صحية، خصوصاً من حيث انعدام جاهزية بديل أكثر موثوقية وأماناً واستقراراً؛ أو لتداخل مصالح خارجية «غير صحية» بدورها.
في الدولة الحديثة تنتهي صلاحية الحاكم عند خسارته للأغلبية التي حصل عليها في الانتخابات السابقة، أو عند فقدانه للأهلية القانونية اللازمة، أو عجزه عن حماية الدستور أو الالتزام به. في الدولة «القديمة» تنتهي تلك الصلاحية بالانقلاب أو خسارة القوى الحارسة للسلطة، أو تدخّل قوة أكبر، أو بالقتل أو الموت العادي. هذا يعني أن تلك الصلاحية لا تتعلّق بالقياس وأدواته، ولا بالحكم الموضوعي، بل بالتغلّب والقهر قبل أيّ شيء آخر، بالقدرة ليس على حماية الناس وأمانهم – وهذا باب للصلاحية في الدول المشروعة قديماً – بل بالقدرة على قمعهم وقهرهم وإجبارهم، إلخ. من هنا وبعده، سوف يكون المثال المطروح هو سوريا، حتى لا نتناول بلاداً أكثر بعداً عن أعيننا.
لقد كان عهد الأسدين – الأب والابن- عودة مظفّرة وصاخبة إلى العهد العثماني، قاطعاً ما حدث من تطوّر صغير أو كبير في عهد الانتداب الفرنسي، ثمّ في العهد الوطني. يمكن القول إن» العقد الاجتماعي» المفترض وقتها كان من عمر هوبر، منتصف القرن السابع عشر؛ حين صدر كتاب» اللويوثان» الشهير، أوّل من تحدّث عن ذلك العقد. هنالك قام هوبز بتبرير السلطة المطلقة المستبدة بموافقة المحكومين، الذين وافقوا – في قلوبهم- على عقد افتراضي، يقدّمون فيه الولاء والطاعة للسلطان في كلّ شيء، مقابل السلام والأمن والأمان. ولكن ذلك العقد بين الأسد ورعيّته كان يغطّي أيام السلم الاجتماعي، وطمأنينة الحاكم لولاء المحكومين وحسب. أمّا حين لاحت بادرة مضادّة واحدة في مطلع الثمانينيات، فقد كان ردّ الفعل صاعقاً وساحقاً: كانت حصيلته عشرات الآلاف من الضحايا، ودمار حماة وبعض حلب وغيرهما. أمّا الأسد الابن، فقد كان له بريقه الخاصّ في البداية أيضاً، ثم تكشّف منذ مطلع العقد الثاني من هذا القرن عن استعداد غير محدود للقتل والتدمير والتشريد، وبمقاييس خارقة تضاءل أمامها كثيراً ما حدث في أيام الوالد. ومع أن هوبز كان بدعمه للاستبداد والسلطة المطلقة يمهّد لإمكانيات من التقدّم والتحديث كانت قد ابتدأت تلوح في الأفق، إلّا أن آخرين رأوا في طروحاته انغلاقاً متشدْداً على بناء الدولة، وعلى الحريّات التي أخذت الطموحات إليها تتزايد. كان لوك كذلك، وكان روسو أكثر وضوحاً من لوك بدوره. في معيار العقد الاجتماعي- أضعفها وأكثرها تخلّفاً- يفشل أي تقييم للنظام الأسدي في منح أية شرعية له. بطريقة أخرى، أكثر معاصرة: تتمتّع أية دولة بالتعريف بحقّ- وواجب – احتكار العنف في المجتمع، وتفقد هذا التعريف حين ينعدم هذا الحق والواجب. فهنالك حالياً على الأرض السورية حالة غير محدّدة ولا محدودة من الذين يمارسون العنف ويهددون به، من فرق الجيش النظامي المتفرّقة الولاء، إلى الميليشيات بالعشرات والمئات، إلى فصائل لا تحصى للمعارضات المختلفة التي تسود على زوايا متحركة الحدود على الأرض السورية. فلا تحتكر الدولة العنف ولا أدواته ولا إمكانياته، أي أن شرط وجود الدولة الأول منعدم وغائم وغائب.
في الدولة الحديثة تنتهي صلاحية الحاكم عند خسارته للأغلبية التي حصل عليها في الانتخابات السابقة، أو عند فقدانه للأهلية القانونية اللازمة، أو عجزه عن حماية الدستور أو الالتزام به
من هذا الجانب أيضاً، لا بدّ للدولة من أن تكون قادرة على حماية الدستور والقانون وحدودها الوطنية، ولا شيء من هذا متحقّق وممكن الآن، إلّا في شروط وعلى أسس غير دولتية، إن جاز هذا التعبير. تكون تلك الدولة فاشلة في هذه الحالة؛ وهذا مدخل بدوره للبحث في الأمر من خلال هذا المفهوم، أو مفهوم «الدولة الهشّة» كما أصبح مؤخّراً في التداول. هذه الدولة هي الدولة التي أصبح نظامها السياسي والاقتصادي، بحيث لم تعد حكومتها قادرة على السيطرة عليه. تتحدّد جوانب الفشل والهشاشة من خلال درجة التماسك عن طريق أدوات السيطرة ومن خلال التدهور الاقتصادي والمعيشي والانزياحات السكانية، أو في الشرعية السياسية وتقديم الخدمات العامة – حتى لو تركنا حكم القانون وحقوق الإنسان جانباً- إضافة إلى التدخلات الخارجية ومدى نفوذها العملي.
في الحصيلة استطاعت هشاشة دولتين في العالم فقط أن تزيد عن هشاشة سوريا وفشلها، هما اليمن والصومال، في حين جاءت بعدها دول كجنوب السودان وافريقيا الوسطى والكونغو الديمقراطية. وفي كلّ من هذه الدول مشاكل خاصة بها، إلّا أن لتلك الخاصة بسوريا رنيناً مختلفاً: المخدّرات.
يقول قانون الكبتاغون الذي صدر مؤخّراً في إطار قانون ميزانية الدفاع الأمريكية إن تجارة النظام السوري – الأسد- بهذه المادة تهديد للأمن القومي عابر للحدود، ويستهدف الشبكات المرتبطة بالأسد، بناءً على استراتيجية سوف ينتهي إعدادها من قبل كلّ الإدارات المعنية قبل منتصف العام الجاري، وقد تشمل هذه الاستراتيجية الأردن ولبنان ودول الخليج. ومع أن التجارب تدلّ على أن مثل هذا الجهد غير مضمون النجاح – كما حدث في أفغانستان- إلّا أن المفاعيل المادية سوف تفاقم من مفاعيل قانون قيصر، والمفاعيل السياسية بدورها لن تتوقّف عند الضغط على جهود التطبيع الراهنة مع النظام السوري، بل ستتجاوز ذلك لاحقاً، خصوصاً تحت تأثير النصّ مباشرة وبالاسم على مسؤولية بشار الأسد.
جاء هذا التشريع مؤخّراً، ليغلق الطريق أمام أيّ مستقبل لإنعاش الحاكم السوري، بحكمه النهائي عليه بكونه أميراً لتصنيع وتجارة وترويج هذا المخدّر في العالم، وهو بذلك يضرب حقه في الوجود على نصف طاولة التفاوض على مستقبل سوريا… ذلك يشمله وكلّ من يسهم أو أسهم في ذلك المسار، من دون أن يغلق الطريق على العديد من أهل نظامه الآخرين، بعد ذلك لو توفّرت الشروط والظروف. تلك أخبار مزعجة في بعض وجوهها، قد تعرقل العملية السياسية السورية لاحقاً، وكذلك مسار السياسات الإقليمية الراهن.. ولكنّها- كما يبدو- كأس لا بدّ من شربه، وعقاب على الإصرار على صلاحية ما لم يعد صالحاً.
هام : هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير
كلمات دليلية
التعليقات (0)
أخبار متعلقة
أحدث الموضوعات
الأكثر قراءة
طارق مهني يكتب : بزنس المعارضة - سبوبة الزنازين منذ 4 سنوات
كفى (بورنو) سياسي وإعلامي منذ 5 سنوات
مقالات آداب وفنون
خلدون الشيخ يكتب: هل يفقد مانشستر سيتي كل شيء؟ منذ 3 سنوات
نجلاء محفوظ تكتب: أخطاء شائعة عن القوة النفسية منذ 3 سنوات