مدى الفاتح يكتب: نقاشات غربية: من هي المرأة وكيف نعرف الرجل؟

profile
  • clock 14 فبراير 2023, 3:17:31 م
  • تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
Slide 01
google news تابعنا على جوجل نيوز

في العام الماضي وجهت عضو الكونغرس لورين بوبيرت، من ولاية كولورادو، سؤالاً مباغتاً لوزير الصحة الأمريكي، حيث طلبت منه تقديم تعريف لكلمة «رجل». الوزير أجاب ببساطة قائلاً: أنت تنظرين لأحدهم. الأمر لم ينته عند هذا الحد، فالنائبة كانت تحضر سؤالاً آخر هو: هل يلد الرجل؟
تناقل كثيرون هذا المقطع كمقطع طريف، مركزين على الإحراج الذي ظهر على وجه الوزير وهو يرد قائلاً، إن الإجابة واضحة، إلا في حال كنتم تعلمون ما لا أعلمه. بوبيرت سوف تظل تلاحق الوزير طالبة تصريحاً واضحاً، مشيرة إلى حديثه في السابق عن الحمل والإنجاب بشكل يوحي بأن المسألة ليست قاصرة على النساء.

تبدو كل عمليات التغيير والتحول الجنسي عاجزة عن تحقيق انتقالٍ، أو بحسب التعبير المستخدم، «عبور» حقيقي للجنس المقابل

ذلك المقطع لم يكن في الواقع يدعو للضحك بقدر ما كان معبراً عن الأزمة التي تواجهها الجماعات الضاغطة، التي تسعى بشكل هيستيري لإذابة الفروق بين الجنسين.
على الرغم من الحماس الشديد، تبدو كل عمليات التغيير والتحول الجنسي عاجزة عن تحقيق انتقالٍ، أو بحسب التعبير المستخدم، «عبور» حقيقي للجنس المقابل، فلا الرجل يتحول بموجبها لأنثى كاملة قادرة على الإنجاب، ولا السيدات يتحصلن على رجولة كاملة، بغض النظر عن أي تغيير محتمل، أو مفتعل، على مستوى الشكل الخارجي. كان غرض عضو الكونغرس الأساسي هو إحراج الوزير ومن خلفه المؤسسة الصحية والتربوية، التي تستخدم تعبيرات لم تتردد في وصفها بأنها «سخيفة»، من قبيل تجنب الوزير الحديث عن «الأمهات» ولجوئه لاستخدام عبارات فضفاضة وخالية من المعنى من قبيل «الأشخاص القادرين على الإنجاب». طرحت بوبيرت سؤالاً محرجاً آخر يتعلق بموضوع إخصاء الأطفال، فحسب التشريعات، التي بدأت تأخذ طريقها للتنفيذ، يحق للأطفال، حتى في أعمارهم المبكرة، أن يعرّفوا أنفسهم كذكور أو إناث، بغض النظر عن تفاصيل أجسادهم أو بيولوجيتها، ليس ذلك فحسب، بل ترى هذه التشريعات أنه ليس من حق الأهل أن يمنعوا أطفالهم أو حتى ينصحوهم حول هذا الموضوع. من الناحية القانونية يعتبر هذا النصح محاولة للتأثير السلبي، وتدخلاً في الخصوصية قد يؤدي لسحب الطفل. يحدث كل هذا ضمن القوانين الجديدة الداخلة في إطار ما يسمى «تأكيد الجنس» و»فحص الميول الجنسية» وهي تشريعات تسعى لمنح أي شخص الحرية في تعريف نفسه وجنسه، حسبما يرتاح له من ميول. تتضمن هذه الصيحة الجديدة في بعض الأحيان وصف أدوية باتت تعرف باسم «مؤخِّرات البلوغ»، وواجبها هو منع الهرمونات الذكورية أو الأنثوية من التشكل لبعض الوقت، ريثما يتأكد الطفل من هويته، الخلاصة هي أن زمن تحديد الجنس النهائي للطفل في لحظة الميلاد قد ولى. السؤال المنطقي الذي طرحته بوبيرت، والذي يدور بالفعل في أذهان كثيرين كان: هل يمكن الثقة في الطفل لاتخاذ قرار مصيري كالإخصاء أو إزالة الرحم؟ وماذا لو ندم أو تراجع بعد سنوات؟ بالنسبة للأمريكيين المعترضين من أمثال بوبيرت كان سؤال آخر حول الموضوع يفرض نفسه: لماذا تموَّل هذه العمليات من بند الرعاية الصحية الضعيف، ومن أموال دافعي الضرائب، في الوقت الذي تعتذر فيه السلطات الصحية عن دعم الكثير من العلاجات الحيوية والحساسة والضرورية؟ لم نجد في إجابات وزير الصحة الأمريكي، أو غيره من المتحمسين الغربيين لقضايا التغير والتحول الجنسي، أي إجابة مقنعة عن هذه الأسئلة، فحول السماح لأطفال في سنينهم الأولى باتخاذ قرار التحول اكتفى الوزير بالقول، إن الأطفال يعرفون عن أنفسهم الشيء الكثير، بمعنى أنه يرى أن لا ضير في اتخاذهم هذا القرار. هذا هو رأي أغلب الناشطين والمشجعين على تغيير الجنس، والذين يعتبرون الطفل غير مؤهل لاتخاذ أي قرار في حياته قبل سن الرشد، عدا هذا القرار. في بداية تحول قضية «الجندر»، أو النوع، إلى أولوية، كان الغربيون ينظرون للأمر بتبسيط ومن منطلق إعطاء الحرية لأي شخص في أن يعرّف نفسه بالتعريف الذي يراه، وأن يمارس حياته بالطريقة التي يحبها. هو التبسيط ذاته، الذي يتعامل به حاليا كثير من الناشطين العرب، حينما يتعلق الأمر بقضايا الحريات الجنسية و»الجندر»، إلا أن هؤلاء الناشطين والمنشغلين العرب يبدون أكثر حظاً، فقد سمحت لهم الظروف بمعايشة التجربة الغربية التي سبقتهم، والتي نرى أنها كانت شديدة المرارة.
التجربة الغربية تثبت بوضوح أن الأمر هو أكثر تعقيداً بكثير من مجرد إعطاء الحرية الفردية لفئات من الناس، لأن هذه الحرية كثيراً ما تصطدم وتتقاطع مع حقوق وحريات آخرين، ليكون أمر تعريف الحدود الفاصلة بين حرية كل مجموعة ومساحة الحرية الخاصة بالمجموعة الأخرى في منتهى الصعوبة. وفق المنطق الغربي تختلف «الهوية الجندرية» عن «الجنس البيولوجي» وهي ليست مرتبطة به. في هذا الصدد يذهب المدافعون عن الهوية الجندرية لاعتبار أن كثيراً من الناس يعانون مما بات يسمى «ديسفوريا جندرية»، بمعنى أن يكون شخص ما من ناحية الظاهر رجلاً، بل يملك أعضاء تناسلية ذكورية، لكن هويته الجندرية أنثوية وهو لا يصنف نفسه بناء على إحساسه هذا كرجل، بل كامرأة بغض النظر عن جنسه البيولوجي. تفرز هذه الحالة مشكلات واقعية يمكن ضرب مثال بسيط لها بتخيل لجوء مثل هذا الشخص، متناقض الهوية، لاستخدام الحمامات النسائية أو أي مساحات أخرى، خاصة بالنساء، فماذا يمكن أن يكون رد الفعل المتوقع، وهل يجب السماح لأي رجل بدخول مثل هذه الأماكن فقط لمجرد تعريفه لنفسه بأنه أنثى؟ حتى الآن تبدو الإجابة هي نعم، أما إذا اشتكت النساء من الرجل الذي دخل مكانا ظنوه خاصاً بهن، فسيتم اعتبار ذلك تجاوزاً وتضييقاً على حقوق الهوية الجندرية، مثال شبيه مطروح اليوم في المسابقات الرياضية، فحينما يشارك أشخاص ببنية ذكورية ضمن فرق نسائية بزعم أنهم متحولون أو نساء، تفقد هذه المسابقات معناها وتصير المنافسة فيها غير شريفة، وهو ما يراه كثير من المعترضين، الذين لم يتوقفوا عن تنظيم التظاهرات وتسجيل الاعتراضات إبان كل مشاركة لـ»ترانس جندر» أو متحولين في فرق نسائية. في إسكتلندا كان التشريع الجديد حول «الجندر» مثيراً للجدل، حيث قدم تسهيلات أكبر للمتحولين جنسياً، وأعطى الجميع الحق في فرض الهوية التي يرونها مناسبة على الصعيد الاجتماعي والرسمي. تسبب هذا التوسع في تعقيدات لم تكن في الحسبان مثل الحادثة الشهيرة، التي جرت في يناير الماضي، حينما وُضع رجل متهم بالاغتصاب في سجن النساء بعد إعلانه أن هويته الجندرية الحقيقية هي أنثى.
يبدو ذلك غريباً، لكن القانون الإسكتلندي (2014) يعطي الحق للسجين في أن يكون في زنزانة واحدة مع المجموعة التي توافق هويته الجندرية بغض النظر عن مظهره الهرموني الخارجي. وفقاً لهذا كان وضع ذلك السجين/السجينة متسقاً مع القانون، على الأقل ريثما يتم التوصل لحكم نهائي بشأنه بعد سؤال الضحايا. بالنسبة لأي متلقٍ محايد للخبر كان ذلك الأمر عبثياً وخطراً على السجينات، وسرعان ما أدى تزايد الاعتراض لنقل المتهم إلى سجن الرجال بعد استثنائه من القانون، الذي تم تعديله بحيث لم يعد يشمل المتحولين الحديثين، خاصة المدانين السابقين بجرائم جنسية ضد النساء، وهو الأمر الذي لم يرضِ الجميع.
 


هام : هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير
التعليقات (0)