أحدث الموضوعات
مدى الفاتح يكتب: في معنى الشمولية: الدولة كـ«أخ أكبر»
-
17 يناير 2023, 4:18:11 م
- تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
«الأخ الأكبر» تعبير شائع في الأدبيات السياسية الغربية، وقد لاقى رواجاً كبيراً منذ نشر جورج أورويل روايته «1984»، التي حكى فيها بشكل يجمع بين الفانتازيا القاتمة، والواقعية السوداء، حكاية متخيلة عن عالم تنتصر فيه الأنظمة الشمولية، التي لا تكتفي بالسيطرة على الأفق الاجتماعي والسياسي، ولكنها تتعدى ذلك لمحاولة السيطرة على أفكار ومشاعر الناس. نشرت الرواية عام 1949، في وقت ازدهار الصراع بين المعسكرين الليبرالي الغربي والشيوعي الشرقي.
انطلق أورويل في حكايته من بريطانيا المهددة بالتمدد الشمولي، وبدا متأثراً جداً بالتجربة السوفييتية، التي كانت آنذاك في صعودها. في هذه الرواية الفلسفية حاول أورويل أن يجيب عن سؤال: ماذا لو حدث الأسوأ وانتصرت الأيديولوجية القائمة على الديكتاتورية المفرطة لتصبح هي السائدة في بلاده، وفي العالم؟ مستخدماً صورة كاريكاتيرية عن الوضع السياسي في المعسكر الشرقي، قدم أورويل في هذه الرواية تحليلاً فلسفياً لصورة المجتمع، ليس فقط في ظل الحكم الشيوعي، وإنما في ظل كل نظام يعتمد القمع والديكتاتورية. وفق ما قدمه أورويل، فإن المشكلة لا تقتصر على كون هذه الأنظمة مضادة للحرية الاقتصادية، وإنما يتعدى الأمر ذلك لكونها مضادة للحرية بشكل عام، يصل حد إلغاء شخصية الفرد، الذي يجب عليه أن لا يفكر، أو أن تكون له مساحة شخصية خاصة، بل يجب أن ينحصر دوره في كونه مجرد ترس من تروس تسيير الدولة.
الإعلام المسيطر عليه والمتحكم فيه في الدول الشمولية، لا يريدك أن ترى حقيقة أن جميع المواطنين ليسوا سواسية في ظل هذا النظام، وأن هناك عدة طبقات فيه
تعتمد الدول الشمولية على الضخ الدعائي، الذي يبشر بها كنموذج لا يتكرر للإخاء والعدل والمساواة. هذا الإعلام المسيطر عليه والمتحكم فيه لا يريدك أن ترى حقيقة أن جميع المواطنين ليسوا سواسية في ظل هذا النظام، وأن هناك عدة طبقات فيه، ما بين الطبقات العليا القريبة من مناطق صنع القرار، التي تمنح نفسها ما لا تمنحه لغيرها، على اعتبار أنها تمثل المجموعة الأكثر ولاء، والطبقات الدنيا التي يمثلها عامة الشعب، التي على الرغم من أعدادها الكبيرة، تظل بلا وزن. «الأخ الأكبر» هو الرمز الأهم من بين رموز الطبقة العليا، يمكن أن يمثل رئيس الحزب الحاكم أو المسؤول الأمني الأكبر، الذي يحمل بين يديه جميع مفاتيح الدولة، ويكون مسؤولاً عن المتابعة والمراقبة. ليس المقصود هنا مراقبة تحركات الناس الظاهرة، وإنما يشمل ذلك مراقبة ما يدور في أذهانهم على طريقة العبارة الشهيرة، التي تصورها أورويل معلقة في كل مكان: «الأخ الأكبر يراقبك». وفق أورويل فإن البناء الشمولي يبدو مهووساً بجانبين، يتعلق الجانب الأول بإعادة قراءة التاريخ وتفسيره بما يخدم الأيديولوجيا السياسية، بحيث يتحول التاريخ إلى داعم للرواية الرسمية على طريقة المقولة: «التاريخ يحدد الحاضر، لكن من يسيطر على الحاضر يمكنه أن يحدد التاريخ». أما الجانب الآخر فهو المتعلق بالاستنفار الدائم والتحذير من العدو المتربص بالدولة، الذي يمكن أن يكون مجهولاً، كما يمكن أن يكون في بعض الحالات معلوماً، كما في حالة شيطنة كيان ما على الصعيد الداخلي أو أي دولة على الصعيد الخارجي، قد يصل ذلك درجة افتعال الحروب، التي يرى فيها النظام فرصة لمتابعة التحكم والسيطرة. على مدى عقود كانت الكتابات الغربية تحصر الشمولية في النظام الشيوعي، الذي قدم لها، خاصة في نسخته الستالينية، مادة مناسبة للسخرية، جعلت المقارنة بين النظام الذي لا يرى في شعبه سوى أدوات لخدمة الدولة، والأنظمة الليبرالية الغربية، تصب بسهولة في صالح الأخيرة. مؤخراً أصبح هذا الأمر موضوع تساؤل، فإذا كانت الدول الليبرالية تقدم كثيراً من الخدمات والدعم للمواطنين، فهل هذا الأمر بلا مقابل؟ على صعيد آخر، ألا يحمل التعليم المجاني والراقي في ظاهره تشابهاً مع التعليم في الدول الشمولية، تلك التي تجعل من الخدمات التعليمية وسيلة للسيطرة وبث الأفكار التي تريدها في عقول الأطفال واليافعين. في الدول الغربية يكون اختيار الخروج من السياق التعليمي الرسمي عبر مدارس ومؤسسات خاصة، مكلفا جداً، هذا إن توفر كخيار، لأن ما يحدث هو الطلب من المؤسسات الخاصة، إن لم تحتفظ بالمنهج الحكومي، أن تحتفظ بالقيم التي يجب أن تسود في جميع المرافق التعليمية، وإن تناقضت مع قناعات البعض.
الدولة الليبرالية الحديثة لا تحتفظ لنفسها فقط بحق احتكار «القيم التعليمية»، وإنما أيضاً بحق تحديد المخاطر الصحية، وهو الأمر الذي كان جلياً جداً في أعوام كورونا. إبان تلك الأزمة، واجه الملايين من الناس، الذين كانوا يظنون أنهم يعيشون في أنظمة مطلقة الحرية، حقيقة أن حريتهم ليست منحة دائمة، وأن بإمكان الدولة، تحت أي مبرر، أن تنزعها منهم، بما يصل حد إجبارهم على البقاء في البيت، أو منعهم من السفر، أو الاختلاط، أو إقامة الأنشطة العامة. جائحة كورونا، وما ارتبط بها من تقييدات، تسببت في فتح هذا الموضوع للنقاش، لكن أمثلة التحكم كانت دائماً موجودة، فعلى الدوام كان «الأخ الأكبر» هو من يحدد طريقة توزيع المباني المدنية وتقسيمات الأراضي وتحديد الأماكن الصالحة للعيش، كما كان يحتفظ لنفسه بحق «استرداد» أي منزل أو أي قطعة أرض بذريعة وجودها في المكان الخطأ، أو لما يعتبره مصلحة عامة.
ربما لن يكون الحديث عن شمولية غربية أو عن «أخ أكبر» في السياق الأوروبي، أو الأمريكي مقبولاً لدى الجميع، لكن مزيداً من الاقتراب ربما يوضح أن أوجه الشبه هي أكثر مما كنا نعتقد، فعلى سبيل المثال إذا كانت النظرية الاجتماعية في الحقبة السوفييتية تقوم على تفكيك الأفكار التقليدية حول الروابط الأسرية، بحيث يكون ولاء الأفراد الأهم هو للدولة أو للحزب الشيوعي، فإن النظرية الاجتماعية الغربية الحديثة، التي تم تطبيقها بشكل متفاوت منذ بداية السبعينيات تقوم بشكل مقابل على الفردانية، التي تجعل كل امرأة منفصلة عن عائلتها ومستقلة عن زوجها، كما تجعل كل طفل حرا، بمعنى يجعله غير خاضع للسيطرة العائلية أو للروابط التقليدية، التي كانت ترى في الأطفال نتاجا لعلاقة أسرية بين ذكر وأنثى. تفكيك مفهوم العائلة يبدو أشرس بكثير في التجربة الغربية الحالية من نظيره الشيوعي. ليس فقط لأن بإمكان زوجين مثليين أن يحصلا بسهولة على طفل بالتبني، ولكن أيضاً لشيوع بنوك الحيوانات المنوية، التي تمنح النساء فرصة للحمل والإنجاب، من دون الارتباط العاطفي بأي رجل، وهي تقنية جديدة تجمع بين استدامة الجنس البشري وإلغاء رابطة الأسرة. انفصال المرأة عن محيطها مدعوم اليوم أكثر من أي وقت مضى، في حين يوضح التوسع في سياسات «سحب الأطفال» من ذويهم في الدول الغربية، أن سلطة الدولة هي أكبر بكثير من أي سلطة عائلية، وهو ما يتضح إذا ما تعارضت السلطتان أو حاول الوالدان تنشئة أبنائهما بشكل مناقض لما يريده «الأخ الأكبر».
مع كل ما يمكن أن يقال من ضغوط على الأفراد إبان الحكم الشيوعي أو الفاشي، إلا أن مظاهر، كمعدلات الانتحار العالية في دول الرفاه الغربية تظل مؤشراً مهماً على أن النتيجة قد تكون واحدة وأن محصلة التجربتين متشابهة، وهي الفشل في تحقيق السعادة المرجوة. هذا يفسر النزوع الغربي الحالي لتجريب الديانات الروحية الشرقية والطقوس الغريبة بحثًا عن ملاذ جديد.
هام : هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير
كلمات دليلية
التعليقات (0)
أخبار متعلقة
أحدث الموضوعات
الأكثر قراءة
طارق مهني يكتب : بزنس المعارضة - سبوبة الزنازين منذ 4 سنوات
كفى (بورنو) سياسي وإعلامي منذ 5 سنوات