أحدث الموضوعات
محمد ناجي يكتب:مخاطر الاستتباع: لماذا يتزايد الجدل حول "نفوذ" روسيا في إيران؟
-
26 يوليو 2022, 4:05:54 م
- تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
وجهت الولايات المتحدة الأمريكية تحذيرات إلى إيران من خطر الوقوع في دائرة التبعية لروسيا؛ حيث قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية نيد برايس، في 20 يوليو 2022، إن “إيران وحدت الآن مصيرها مع عدد صغير من الدول التي لبست في البدء لباس الحياد لتدعم في نهاية المطاف الرئيس بوتين في حربه ضد أوكرانيا والشعب الأوكراني”، مضيفاً أن “مثل هذا السلوك يمكن أن يجعل إيران في تبعية نسبية لدولة مثل روسيا”.
واللافت في هذا السياق هو أن هذه التحذيرات الأمريكية تتلاقى مع تحذيرات مماثلة توجهها قوى سياسية إيرانية معارضة لتوسيع نطاق التعاون مع روسيا على حساب العلاقات مع بقية دول العالم، على نحو سوف يزيد مستوى التأثير والنفوذ الروسي داخل إيران. ورغم أن توسيع نطاق التعاون بين الطرفين كان محل ترحيب من جانب المرشد الأعلى للجمهورية علي خامنئي، خلال لقائه الرئيس الروسي فيلاديمير بوتين، خلال زيارته إلى طهران في 19 يوليو 2022، فإن ذلك قد لا يمنع تلك القوى من إعادة شن حملة ضد “النفوذ الروسي” في طهران.
هذه التحذيرات الداخلية بدت جلية عقب الزيارة التي أجراها مساعد وزير الخارجية للشؤون السياسية رئيس وفد التفاوض علي باقري كني، إلى موسكو، في 2 يوليو 2022، لإطلاع الأخيرة على ما جرى في المفاوضات غير المباشرة التي عُقدت مع الولايات المتحدة الأمريكية في الدوحة، يومي 28 و29 يونيو 2022، برعاية الاتحاد الأوروبي.
إذ شنت صحيفة “جمهوري إسلامي” هجوماً على الزيارة، معتبرة أنها تعطي انطباعاً بأن المسؤولين الإيرانيين يذهبون إلى موسكو للحصول على التعليمات لتحديد الوجهة المقبلة للمفاوضات، فيما حذر نائب رئيس مجلس الشورى السابق علي مطهري، من خطر الاعتماد والانحياز إلى الكتلة الشرقية دون توسيع نطاق العلاقات مع الدول الأخرى في العالم. وهنا أيضاً تتلاقى هذه الانتقادات مع تحذيرات أمريكية مماثلة، جاءت على لسان نيد برايس أيضاً، في تعليقه على زيارة بوتين إلى طهران؛ حيث دعا إيران إلى نسج علاقات مع بقية دول العالم.
دلالات عديدة
هذا التلاقي اللافت في التحذيرات الأمريكية والإيرانية الداخلية من اتساع نفوذ موسكو في طهران، يطرح دلالات رئيسية عديدة، يتمثل أبرزها فيما يأتي:
1- تزايد الاهتمام الغربي بـ”التعاون” الروسي-الإيراني: توحي هذه التحذيرات بأن الولايات المتحدة الأمريكية، والدول الغربية عامةً، ترى أن رفع مستوى التعاون بين روسيا وإيران يمكن أن يساهم في إرباك حساباتها إزاء الطرفين، في ظل الخلافات العالقة والمتصاعدة معهما، سواء حول الحرب في أوكرانيا، التي يبدو أنها سوف تتواصل خلال المرحلة القادمة دون بروز مؤشرات توحي بإمكانية تسويتها قريباً، أو حول المفاوضات النووية التي بدأت قبل عام ولم تنته حتى الآن بسبب التباينات العالقة حول بعض القضايا، مثل قضية الضمانات والعقوبات. وبعبارة أخرى، فإن الدول الغربية باتت ترى أن توسع نطاق هذا التعاون سوف يدفع موقع موسكو وطهران في مواجهتها، ومن ثم، سوف يؤدي إلى إطالة أمد الحرب في أوكرانيا والمفاوضات في فيينا أو في أي مكان آخر.
2- محاولة توسيع نطاق التباينات بين روسيا وإيران: ربما تؤشر هذه الخلافات على أن الدول الغربية قد تعمل على توسيع نطاق الخلافات بين الطرفين، أو بمعنى أدق “إنضاج” الخلافات القائمة التي تحرص الدولتان على احتوائها أو إبقائها طي الكتمان على الأقل في المرحلة الحالية. وهنا، فإن إسرائيل تحديداً قد يكون لها دور في هذا الصدد، من حيث اختبار التنسيق بين إيران وروسيا في الملف السوري؛ حيث إن الضربات العسكرية الإسرائيلية المتتالية لمواقع إيران والنظام السوري وحزب الله اللبناني، وكان آخرها في 22 يوليو 2022، مثلت باستمرار محوراً لتباينات وتوترات بين طهران وموسكو، التي لا تزال حريصة على الاحتفاظ بقنوات تواصل مع إسرائيل قبل أن تشن ضرباتها داخل سوريا.
3- أهمية موقع إيران في المحاصرة الغربية لروسيا: لا يمكن استبعاد أن تكون تلك التحذيرات مرتبطة بمحاولات غربية لاستثمار أي صفقة محتملة مع إيران حول المفاوضات النووية؛ من أجل استقطاب إيران ناحية الدول الغربية مرة أخرى، على غرار محاولة إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما بعد الإعلان عن الصفقة النووية بين إيران ومجموعة “5+1” في 14 يوليو 2015. وهنا لا يمكن إغفال تصريحات ويليام بيرنز مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، في 20 يوليو 2022، التي أشار فيها إلى أن هناك خلافات وحساسيات تاريخية بين إيران وروسيا.
ويعني ذلك أن الولايات المتحدة الأمريكية ترصد باستمرار تطور العلاقات بين الدولتين الأخيرتين، بما يوحي بأنها تعمل بالفعل على استقطاب دعم إيران في مرحلة لاحقة، باعتبار ذلك جزءاً من محاولة محاصرة روسيا؛ ليس من ناحية أوروبا فقط، بل من ناحية دول آسيا الوسطى والقوقاز أيضاً، التي تمثل عمقاً استراتيجياً حيوياً بالنسبة إلى موسكو، وهو دور مشابه لما حاول أن يمارسه نظام الشاه السابق قبل عام 1979، عندما كان يدعي باستمرار قدرته على صد المد الشيوعي في المنطقة.
4- استمرار التيار الإيراني المؤيد للانفتاح على الغرب: رغم كل القيود والضغوط التي يتعرض لها تيار المعتدلين داخل إيران، الذي يضم أقطاباً من تيار الإصلاحيين والمحافظين التقليديين، فإن بعض كوادره لا يزالون حريصين على تأكيد تمسكهم بسياساتهم، خاصة فيما يتعلق بالعلاقات مع الغرب، وتحديداً الولايات المتحدة الأمريكية. وفي رؤية هذه الكوادر، فإن الإصرار على “وضع كل البيض في سلة الشرق، ولا سيما موسكو” سوف ينتج في النهاية تداعيات سلبية على مصالح طهران؛ إذ إنه يزيد بالفعل من مستوى وحجم التأثير والنفوذ الروسي داخل إيران، لدرجة يمكن أن تؤدي بعد ذلك إلى تدخل روسيا في عملية صنع القرار في إيران، فضلاً عن أن العلاقات القوية بروسيا لا تنفي أن هناك خلافات قائمة بين الطرفين ولا يمكن تسويتها بسهولة، بجانب أن ذلك لا يمكن أن يمحو اعتبار روسيا مصدر تهديد رئيسي في الذاكرة التاريخية الإيرانية.
5- اتساع نطاق التباين الداخلي حول المفاوضات النووية: تشير انتقادات بعض كوادر ووسائل إعلام تيار المعتدلين – مثل صحيفة جمهوري إسلامي – إلى أن الانقسام بات حاداً داخل إيران حول المفاوضات مع القوى الدولية ومستقبل الاتفاق النووي؛ فرغم أن تيار المحافظين الأصوليين ووسائل إعلامه – على غرار صحيفة كيهان – ما زال يمارس ضغوطاً من أجل عدم تجديد الاتفاق النووي ووقف المفاوضات مع القوى الدولية، فإن تيار المعتدلين ما زال يحاول بدوره الترويج للتداعيات الإيجابية التي يمكن أن تعود على إيران من إبرام صفقة مع القوى الدولية تتيح عودة الولايات المتحدة الأمريكية إلى الاتفاق من جديد، بل إن بعض أقطاب هذا التيار باتوا يدعون إلى إبرام صفقة جديدة ولو لم تستجب الولايات المتحدة الأمريكية لمطلبي إيران الخاصين بتوفير ضمانات بعدم الانسحاب الأمريكي مجدداً من الاتفاق، وشطب الحرس الثوري من قائمة التنظيمات الإرهابية الأجنبية.
ملف شائك
وختاماً؛ في ضوء ذلك يمكن القول إن العلاقات بين روسيا وإيران تحولت إلى ملف شائك، سواء في علاقات إيران مع الدول الغربية، أو في التفاعلات التي تجري على الساحة الداخلية الإيرانية بين القوى والتيارات السياسية المختلفة. ويبدو أن الجدل حول هذا الملف سوف يتصاعد خلال المرحلة القادمة، في ضوء اتجاه طهران وموسكو إلى توسيع نطاق التعاون بينهما على خلفية تعرضهما لعقوبات أمريكية وغربية بسبب الحرب في أوكرانيا والبرنامج النووي.
هام : هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير
كلمات دليلية
التعليقات (0)
أخبار متعلقة
أحدث الموضوعات
الأكثر قراءة
طارق مهني يكتب : بزنس المعارضة - سبوبة الزنازين منذ 4 سنوات
كفى (بورنو) سياسي وإعلامي منذ 5 سنوات