محمد عايش يكتب: المقارنة بين الاحتلال والاستبداد فاسدة

profile
  • clock 21 فبراير 2023, 3:55:51 م
  • تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
Slide 01
google news تابعنا على جوجل نيوز

مقارنة الاحتلال الإسرائيلي بأي نظام عربي مستبد لا يُمكن أن تؤدي إلى نتائج صحيحة، لأنها مقارنة فاسدة، إذ أن الشرط الأساس عند مقارنة شيئين أن يكونا من الجنس نفسه، وهذا لا يتوفر بالنسبة للمقارنة التي ينزلق إليها البعض عندما يفاضلون بين الاحتلال الإسرائيلي، ونظام سياسي عربي يعارضونه، ومن ثم يخلصون بالضرورة إلى أن إسرائيل أفضل من ذلك النظام.
هذه الفكرة فاسدة بالضرورة، إذ أن مقارنة الاحتلال بأي نظام عربي أشبه بمقارنة السيارة مع الطائرة، أو المقارنة بين القطة والأسد، أو غير ذلك من المقارنات غير المتجانسة وغير المفيدة، وهذه مقارنة تنتهي دوماً بتبرير الاحتلال واعتباره أفضل من الأنظمة القمعية العربية أياً كانت، أما الأهم والأخطر من ذلك فهي مقارنة تقوم أصلاً على اعتبار أن الاحتلال ليس سوى نظام سياسي موجود في هذه المنطقة كغيره ويمكن أن نقارنه بجيرانه، وهذه ليست سوى فكرة تطبيعية بامتياز تقوم بالإيحاء للمتلقي بأن إسرائيل جزء من المنطقة، ومحكومة بنظام سياسي طبيعي، وهي بذلك مثل أي دولة في المنطقة كمصر وسوريا ولبنان والسعودية والأردن.

من حق شعوبنا العربية أن تعارض أنظمتها السياسية وأن تطالب بالتغيير، لكن هذا يجب أن لا يعني بأننا نقبل بالاحتلال الأجنبي أو نقوم بتبريره أو تزيينه

هذه الفكرة فاسدة في أصلها، والمقارنة هنا بين الاحتلال والأنظمة السياسية في المنطقة ليست منطقية، ولا يمكن أن تكون صحيحة، والسبب هو أن الاحتلال عبارة عن قوة أجنبية جاءت من خارج هذه المنطقة، وقامت بإحلال شعب مكان آخر، وهذا يُمثل جريمة مستمرة لا تتوقف، وهذه الجريمة لا يُمكن تجميلها ولا تبريرها ولو فرش الاحتلال الورود للناس، ونثر الزهور عليهم، ولو وفر لهم كل رفاهيات الحياة ونقل إليهم أحدث التكنولوجيا وأروع الابتكارات، إذ أن كل متاع الحياة وملذاتها لا يُمكن أن يغير من حقيقة أن الاحتلال جريمة مستمرة، وهذه جريمة تختلف في نوعها تماماً عن جرائم الأنظمة المستبدة والقمعية في العالم العربي، ولذلك فلا تستوي المقارنة بينهما، ولا القول إن الاحتلال الاسرائيلي أهون أو أفضل من النظام الفلاني المستبد والقمعي. الظاهرة التي أصبحت تغزو العالم العربي في السنوات الأخيرة هي أن المعارضين في كل دولة عربية، كلما أرادوا إدانة النظام الذي يعارضونه جنحوا نحو مقارنته بالاحتلال الإسرائيلي، ومن ثم خلصوا على الفور إلى أن إسرائيل أفضل من ذلك النظام. وهذه نتيجة تبدو في ظاهرها صحيحة، لكنها في الحقيقة كارثية بكل معنى الكلمة، لأن هذه اللغة في الشارع تعني بالضرورة أن العقل الباطن للإنسان العربي أصبح يُفضل الإسرائيلي على النظام الحاكم في بلده، وهذا هو التطبيع بعينه، حيث إن التعريف الأبسط والأوضح للتطبيع هو أن «تصبح إسرائيل دولة طبيعية في أذهان الناس بالمنطقة». والمصيبة أن بعض المعارضين العرب لا يتوقف عند عقد المقارنات الشاذة التي تنتهي دوماً بتبرير الاحتلال، وإنما أصبحوا يتوسعون مؤخراً إلى تأييد أي عدوان إسرائيلي أو أجنبي على البلاد العربية، بحجة أنهم يعارضون الطرف المستهدف من هذا العدوان، وهذه حالة أيضاً غير مسبوقة في تاريخنا العربي، ففي عام 2003 كان حتى معارضو النظام العراقي يعارضون أو يصمتون حيال العدوان الأمريكي الذي يستهدف بلادهم، ولم يكن في العالم العربي من يجرؤ على تأييد احتلال أجنبي لدولة عربية، ولو كان هذا الاحتلال يهدف إلى الإطاحة بالنظام. هذا التحول الكارثي في التعاطي مع الاحتلال والتفكير به، والقبول الضمني بوجوده، على اعتبار أنه أفضل من الأنظمة المستبدة، أصبح ظاهرة في الشارع العربي خلال السنوات الأخيرة، وهذه الظاهرة تتحمل النخبة والمثقفون ووسائل الإعلام الكثير من المسؤولية عنها، إذ من حق شعوبنا العربية أن تعارض أنظمتها السياسية وأن تطالب بالتغيير، لكن هذا يجب أن لا يعني بأننا نقبل بالاحتلال الأجنبي أو نقوم بتبريره أو تزيينه، ذلك أن الاحتلال جريمة مستمرة لا تنتهي، وهي جريمة تختلف في شكلها ومضمونها عن جريمة النظام المستبد الذي يقوم بقمع شعبه.
كاتب فلسطيني

التعليقات (0)