أحدث الموضوعات
لماذا وقَّعت الصين اتفاقاً أمنيّاً مع "جزر سليمان"؟
-
25 أبريل 2022, 3:21:38 م
- تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية
أعلنت الصين، يوم 19 أبريل الجاري، عن توقيع اتفاقية أمنية واسعة النطاق مع جزر سليمان، وهو الاتفاق الذي أثار جدلاً واسعاً؛ لما لهذا الاتفاق من ارتباط واضح باستراتيجية بكين لتعزيز نفوذها وحضورها في منطقة المحيط الهادئ، في إطار الصراع الصيني مع معسكر تقوده الولايات المتحدة، يستهدف تحجيم وتطويق حضورها في هذه المنطقة الاستراتيجية، وكذلك أثار هذا الاتفاق العديد من التساؤلات حول دوافعه الرئيسية، وتداعياته المحتملة، وخاصةً أن منطقة المحيط الهادئ باتت تشهد تنافساً أمنيّاً وعسكريّاً واسع النطاق بين عدد من القوى الدولية؛ الأمر الذي استدعى معه محاولة أطراف عديدة إعادة ترسيم “مناطق النفوذ”.
دوافع جوهرية
أعلن الناطق باسم الخارجية الصينية وانج وين بين، خلال مؤتمر صحفي يوم 19 أبريل الجاري، أن وزير خارجية الصين وجزر سليمان “وقَّعا رسميّاً الاتفاق الإطاري بشأن التعاون الأمني بين الجانبَيْن”. وبالرغم من عدم الإعلان رسميّاً عن تفاصيل الاتفاق، فإن مُسوَّدة سُرِّبت على شبكة الإنترنت خلال الشهر الماضي أوضحت أن الاتفاق يتضمَّن إجراءات تسمح بانتشار أمني وعسكري صيني في الجزيرة، كما تضمَّنت المُسوَّدة الإشارة إلى مقترح بأنه يمكن “للصين – وفقاً لحاجاتها، وبموافقة جزر سليمان – إجراء زيارات للسفن، والقيام بعمليات تموين لوجستية، والتوقُّف والعبور في جزر سليمان”، كما تعطي المُسوَّدة جزر سليمان الحق في أن تطلب من قوات الأمن الصينية إرساء “النظام الاجتماعي”. وفي سياق كهذا، يمكن تناول أبرز دوافع توقيع هذا الاتفاق على النحو الآتي:
1– تحجيم التحرُّكات الداخلية المُعارِضة للصين: يأتي توقيع الاتفاق الأمني بين الصين وجزر سليمان، عقب اندلاع تظاهرات واحتجاجات في العديد من مناطق جزر سليمان أواخر 2021، وشهدت تعبيراً عن الاستياء من النفوذ المتنامي للصين في جزر سليمان، وهي الاحتجاجات التي أسفرت عن تعرُّض شركات مملوكة لصينيين للتخريب والحرق في العاصمة هونيارا. ومن ثم يبدو أن الصين رصدت تنامياً لمُعدَّلات الاستياء من نفوذها في الجزر، وسعت عبر هذا الاتفاق إلى شرعنة تدخُّلات مُحتمَلة في جزر سليمان، لاحتواء التحركات المناهضة لها.
2– تحويل الولاء من تايوان إلى بكين: كانت جزر سليمان تمثِّل أكبر جزر ودول المحيط الهادئ التي يربطها تحالف وعلاقات دبلوماسية بتايوان؛ إذ يعود تاريخ التحالف بينهما إلى سنة 1983، وهو التحالف الذي كانت الصين تنظر إليه على أنه يُهدِّد مصالحها وحضورها في المحيط الهادئ، خصوصاً أنه يتعارض مع مبدأ “صين واحدة” الذي تتبنَّاه الصين، ويتطلَّب أن تتجنَّب الدول الأخرى الاعتراف الدبلوماسي الرسمي بتايوان، إذا أرادت إقامة علاقات كاملة مع الصين، ولكن مع الضغوط الصينية، وتوظيف الأداة الاقتصادية، يبدو أن حكومة جزر سليمان تبنَّت خيار تحويل علاقاتها الدبلوماسية إلى بكين، والتوجُّه نحو التحالف معها، وهو أحد أهداف الاتفاق الجديد الرئيسية، وهو توجُّه حذَّرت منه تايوان في أكثر من مناسبة، وقالت الخارجية التايوانية نصّاً إن “جزر سليمان يجب ألا تسقط في فخ ديون الصين، وألا تُحوِّل ولاءها من تايبيه إلى بكين”.
3– مواجهة المشروعات المُضادَّة في المحيط الهادئ: لا يمكن قراءة الاتفاق الصيني مع جزر سليمان بمعزل عن التحرُّكات التي تقودها الولايات المتحدة لتحجيم نفوذ الصين في منطقة المحيط الهادئ، وهي التحرُّكات التي تقوم بشكل رئيسي على التوسُّع في جمع الحلفاء وإنشاء تحالفات إقليمية لمواجهة النفوذ الصيني، مثل “أوكوس”. ويبدو أن “الطبيعة الواسعة والغامضة” للاتفاق الأمني الجديد بين الصين وجزر سليمان، تفتح الباب أمام توظيف الصين له، على كافَّة المستويات، خصوصاً أمنيّاً وعسكريّاً. وعلى الرغم من تصريح رئيس وزراء جزر سليمان “ماناسيه سوجافاري” بأنه “لا نية لديه على الإطلاق.. للطلب من الصين إنشاء قاعدة عسكرية في جزر سليمان”، فإن الصين على الأرجح سوف تسعى إلى إقامة قاعدة عسكرية في جزر سليمان، كجزء من زيادة اعتمادها على الأداة العسكرية في تحالفاتها الخارجية، وهو ما أكَّدته الولايات المتحدة؛ حيث أشار “نيد برايس” المتحدث باسم الخارجية الأمريكية إلى أنه “على الرغم من تصريحات حكومة جزر سليمان، فإن الطبيعة الواسعة للاتفاق الأمني تترك الباب مفتوحاً أمام نشر جمهورية الصين الشعبية قوات عسكرية في جزر سليمان”.
4– إرباك حسابات أستراليا في الإقليم: وفقاً للمُسوَّدة التي تناقلتها بعض وسائل الإعلام للاتفاق الأمني بين الصين وجزر سليمان، فإن الصين سيحقُّ لها، بمُوجِب هذا الاتفاق، نشر قوات شُرَطية وبَحْرية في الجزيرة، وهو اعتبار يُربك حسابات أستراليا التي تقود مع الولايات المتحدة تحرُّكات لمواجهة النفوذ الصيني في المحيط الهادئ، والتي كانت قد تحمَّلت لسنوات مع نيوزيلندا المسؤولية الأساسية للتعامل مع الاضطرابات في جُزر سليمان، وإصلاح قوة الشرطة هناك. وأشارت تقارير إلى أن الصين بالفعل بدأت في تدريب القوات المحلية على مكافحة أعمال الشغب.
5– دعم استراتيجية الصين للسيطرة على الجزر: يمثل الاتفاق الأمني الأخير بين الصين وجزر سليمان، وما سيترتَّب عليه من نفوذ للصين في الجزر؛ أحد تجلِّيات الاستراتيجية الصينية لتعزيز نفوذها البحري والسيطرة على الجزر في جنوب شرق آسيا، باعتبار أن هذه الجزر تُمثِّل امتداداً للأمن القومي الصيني، وهي استراتيجية تستهدف من جانب تعزيز النفوذ والحضور البحري والعسكري للصين، ومن جانب آخر مواجهة التحالفات والتحرُّكات المناوئة للصين في المنطقة.
6– المكاسب الاقتصادية: يُمثِّل الاعتبار الاقتصادي مُحدِّداً رئيسيّاً حاكماً لخطوة الصين بتوقيع الاتفاق الأمني مع جزر سليمان، خصوصاً أن تقديرات أشارت إلى أنه يأتي بالتزامن مع تحرُّكات صينية للسيطرة على مُقدَّرات جزر سليمان الاقتصادية والاستفادة منها، وهو ما تجسَّد في بدء الصين منذ عام 2019 في إصلاح منجم الذهب الوحيد بجزر سليمان، وفي استيلائها على تمويل تايوان لـ”صناديق تنمية الدوائر الانتخابية” لنواب البرلمان، وتشجيع الشركات الصينية على الاستثمار في جزر سليمان. وبطبيعة الحال، يُمثِّل البُعد الاقتصادي مدخلاً ومحدداً رئيسيّاً حاكماً للسياسة الخارجية الصينية بوجه عام.
التداعيات المحتملة
سيترتَّب على الاتفاقية الأمنية الصينية مع جزر سليمان العديد من التداعيات، سواء على المستوى الداخلي في الجزر، أو على المستوى الأوسع إقليميّاً. ويمكن تناول أبرزها فيما يأتي:
1– تصاعد الاحتجاجات المناهضة للنفوذ الصيني: تذهب بعض التقديرات إلى أن الاتفاقية الأمنية الصينية مع جزر سليمان، سوف تدفع باتجاه إحداث حالة من عدم الاستقرار في جزر سليمان؛ وذلك في ضوء تنامي حالة السخط والرفض للحضور الصيني، لا سيما في مقاطعة “ماليتا” التي يُعَد رئيس وزرائها الإقليمي “دانيال سويداني” أشدَّ المعارضين علناً للنفوذ الصيني، والذي لم ينجح رئيس وزراء جزر القمر “سوجافاري” في تنحيته من منصبه.
2– تزايد الحراك الدولي المناهض للاتفاقية: تواجه الاتفاقية الأمنية بين الصين وجزر سليمان معارضة كبيرة من العديد من القوى الدولية والإقليمية، خصوصاً الولايات المتحدة وأستراليا؛ حيث أعربت الولايات المتحدة عن قلقها من الاتفاق الأمني، وفوَّضت وفداً من كبار الشخصيات الدبلوماسية والأمنية لزيارة جزر سليمان، بقيادة منسق منطقة المحيطَيْن الهندي والهادئ في مجلس الأمن القومي الأمريكي كيرت كامبل، ومساعد وزير الخارجية لشؤون شرق آسيا والمحيط الهادئ “دانيال كريتنبرينك”، كما اعتبرت الخارجية الأمريكية أن “الاتفاق سيزعزع الاستقرار في جزر سليمان”. ومن جانبها، طلبت أستراليا الأسبوع الماضي من جزر سليمان، مراجعة هذا الاتفاق وعدم التوقيع عليه. وهي تحرُّكات تعكس أن الولايات المتحدة وأستراليا والدول المتحالفة معهما ضد الصين، لن تقف مكتوفة الأيدي، وستحاول ممارسة الحد الأقصى من الضغوط لتحجيم تحرُّكات ونفوذ الصين في جزر سليمان.
3– الدفع نحو المزيد من العسكرة: يُحتمَل أن يؤدي الاتفاق بين الصين وجزر سليمان إلى المزيد من العسكرة في المحيط الهادئ؛ فالدول الغربية لن تقف مكتوفة الأيدي تُجاه الاتفاق، وقد تلجأ إلى تعزيز حضورها العسكري في المنطقة، وخصوصاً أن بعض التقارير تشير إلى أن الاتفاق جاء ردّاً من بكين على تحالف “أوكوس” الدفاعي الذي تم تدشينه خلال العام الماضي بين الولايات المتحدة وأستراليا وبريطانيا. علاوةً على ذلك، تتجه الولايات المتحدة، والدول الغربية، إلى الرد على الاتفاق من خلال ورقة “تايوان” وتقديم المزيد من الدعم لها باعتبارها ورقة للضغط على الصين.
في الختام، يمكن القول إن الاتفاق الأمني بين جزر سليمان والصين، يأتي في إطار مقاربة صينية أوسع، تستهدف كسب ولاء جزر سليمان وتحويل وجهتها الدبلوماسية من تايوان إلى الصين، فضلاً عن رغبة بكين في توظيف هذا الاتفاق لشرعنة أي ممارسات تستهدف تحجيم التحرُّكات الداخلية المناوئة لنفوذها في جزر سليمان، وكذا مواجهة التحالفات الخارجية التي تقودها الولايات المتحدة وأستراليا لتحجيم النفوذ الصيني في المحيط الهادئ، لكن مدى فاعلية وقدرة الصين على تحقيق هذه الأهداف سيكون مرتبطاً من جانب بمدى المرونة التي ستُبديها جزر سليمان في التماشي مع أجندة بكين، فضلاً عن مدى الضغوط التي ستُمارِسها القوى الدولية المناوئة لبكين.
هام : هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير
كلمات دليلية
التعليقات (0)
أحدث الموضوعات
الأكثر قراءة
طارق مهني يكتب : بزنس المعارضة - سبوبة الزنازين منذ 4 سنوات
كفى (بورنو) سياسي وإعلامي منذ 5 سنوات
كتب ودراسات