أحدث الموضوعات
لماذا أنشأت الخارجية الأمريكية مكتب الفضاء السيبراني والسياسة الرقمية؟
-
14 أبريل 2022, 1:33:39 م
- تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
لم تعد الحروب التقليدية العسكرية هي التهديدات الوحيدة التي تخشاها الدول وتعمل على الاستعداد لها؛ حيث باتت الحروب السيبرانية أحد أشكال الحروب القادرة على إلحاق أضرار كبيرة بكافة الأطراف، عبر تعطيل الأنشطة الحيوية داخل الدولة، أو سرقة معلومات حساسة قد تضر بأمن الدول. وفي ظل الحرب الروسية على أوكرانيا، وتوسُّع الغرب تحت قيادة الولايات المتحدة في سن عقوبات مختلفة ضد النظام الروسي، تخشى واشنطن من قيام موسكو بالرد عليها بطرق مختلفة يتمثل بعضها في تنفيذ هجمات سيبرانية تضر بها؛ لذلك أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية عن بدء مكتب الفضاء السيبراني والسياسة الرقمية في ممارسة أعماله، مشيرةً إلى أنه سيختص بالموضوعات المتعلقة بتحديات الأمن القومي الأمريكية، والفرص الاقتصادية التي يمكن اغتنامها، مع دراسة الآثار المترتبة على تطبيق القيم الأمريكية المرتبطة بالفضاء السيبراني، والسياسات والتقنيات الرقمية، وفقاً لبيان صادر عن وزارة الخارجية الأمريكية. ومن المتوقع أن يضم المكتب ثلاث وحدات سياسية تشمل وحدة سياسة الاتصالات والمعلومات الدولية، وأمن الفضاء الإلكتروني الدولي، والحرية الرقمية، وسيترأسه سفير متجول سيصدق عليه مجلس الشيوخ. وستكون جينيفر باشوس النائب الأول لمساعد وزير الخارجية المسؤولة عن هذا المكتب مؤقتاً حتى يتم تعيين سفير متجول لقيادة هذا المكتب.
دوافع ملحة
يأتي الإعلان عن إنشاء المكتب بعد أن حازت الفكرة دعماً من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، داخل مجلس النواب الأمريكي الذي أقر بدوره في وقت سابق من هذا العام قانون الدبلوماسية الإلكترونية، الذي يشير إلى إنشاء مكتب للأمن السيبراني في وزارة الخارجية. ويمكن تفسير توجه واشنطن لإنشاء المكتب بما يأتي:
1– تلبية احتياجات القرن الحادي والعشرين: أوضح وزير الخارجية أنتوني بلينكن، في بيان خلال شهر أكتوبر 2021، حينما تم الإعلان عن إنشاء هذا المكتب لأول مرة؛ أن إنشاء هذا المكتب يأتي في إطار رغبة الولايات المتحدة في تلبية احتياجات القرن الحادي والعشرين، وتعزيز الدبلوماسية الرقمية، ووضع قضايا الحقوق الرقمية في سياق السياسة الخارجية للولايات المتحدة؛ للتنسيق مع الحلفاء لضبط القواعد والمعايير الدولية بشأن التكنولوجيا، والتصدي للتهديدات السيبرانية، والحفاظ على حرية الإنترنت العالمية من تدخلات الأنظمة الاستبدادية، مثل الصين وروسيا وغيرهما من الدول التي تحاول فرض سيطرتها على الإنترنت، وتقوِّض حريات المواطنين.
2– مكافحة أنشطة التجسس على واشنطن: تسعى الولايات المتحدة إلى استغلال هذا المكتب للمساعدة على مكافحة برامج التجسس التي يتم استخدامها في انتهاك حقوق الإنسان في جميع أنحاء العالم، خاصةً أنها متضررة من تلك الأنشطة؛ حيث تم اختراق أجهزة هواتف أيفون الخاصة بنحو 12 من موظفي وزارة الخارجية العاملين في إفريقيا في ديسمبر المنصرم، عبر برامج تجسس طورتها شركة التكنولوجيا الإسرائيلية NSO Group، وهي برامج اشترتها حكومات دول مختلفة للتجسس على المسؤولين في مختلف البلدان؛ إذ سبق أن تم الكشف عن التجسس على المسؤولين الفرنسيين، بما في ذلك الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بواسطة حكومات أجنبية.
3– التصدي للهجمات السيبرانية والقرصنة: يأتي إنشاء هذا المكتب في وقت تخشى فيه الولايات المتحدة من قيام روسيا بتوجيه هجمات سيبرانية ضد الولايات المتحدة تهدف إلى تدمير البنية التحتية الحيوية، مثل الشبكات الكهربائية والبنوك والاتصالات؛ ما قد يتسبب في دمار واسع النطاق. وتأتي تلك المخاوف في إطار تنبؤ الخبراء داخل الولايات المتحدة بقيام موسكو بالرد على العقوبات الغربية المفروضة عليها من جراء غزوها لأوكرانيا في 24 فبراير 2022، وتكبيد واشنطن خسائر واسعة النطاق عبر تنفيذ هجمات سيبرانية واسعة النطاق.
وبجانب روسيا، تشعر الولايات المتحدة أن الصين قد تنتهج السياسة ذاتها؛ إذ اتهمت إدارة الرئيس جو بايدن، بكين بتنفيذ هجوم إلكتروني في أوائل عام 2021 على برنامج خادم البريد الإلكترونيMicrosoft Exchange، مشيرةً إلى استغلال المتسللين المرتبطين بالحكومة الصينية، نقاط الضعف بالبرنامج، مخترقين “عشرات الآلاف من أجهزة الكمبيوتر والشبكات في جميع أنحاء العالم”؛ لذلك نفذت واشنطن سياسات مختلفة تنص على حظر بعض الشركات التي قد تكون على صلة بالحكومة الصينية أو الروسية من ممارسة الأعمال التجارية داخل الولايات المتحدة؛ للحيلولة دون استخدام تقنيات تلك الشركات للتجسس على الأمريكيين أو مهاجمة شبكات الاتصالات الأمريكية.
4– إعادة هيكلة النسخة القديمة من المكتب: لا يعد هذا المكتب جديداً من نوعه كما سبقت الإشارة، لكن الإدارة الأمريكية تسعى من خلال مكتبها الجديد إلى إعادة هيكلة المكتب القديم، وتعيين المزيد من الموظفين الدبلوماسيين، وتسخير الخبرات المختلفة لتلبية اهتمامات وزارة الخارجية المتعلقة بتشكيل قواعد السلوك الحكومي المسؤول في الفضاء الإلكتروني، ومساعدة حلفاء الولايات المتحدة على تعزيز برامج الأمن السيبراني الخاصة بهم؛ إذ إن من المتوقع أن يصل عدد الموظفين في هذا المكتب إلى 100 موظف بحلول نهاية العام، وسيرفع المكتب تقاريره مباشرة إلى نائبة وزير الخارجية ويندي شيرمان، خلال السنة الأولى.
وقد قال وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن، في إطار ملاحظات معدة مسبقاً بشأن المكتب: “نحن في منافسة حول القواعد والبنية التحتية والمعايير التي ستحدد مستقبلنا الرقمي”، مشيراً إلى ضرورة وجود دور فاعل للديمقراطيات لتحديد إذا ما كانت القيم الديمقراطية والحريات والحقوق العالمية مضمونة في إطار التقنيات الرقمية الحديثة.
وفي ضوء ذلك، تسعى الإدارة الراهنة إلى جعل الأمر من اختصاص مكتب مؤسسي كبير بدلاً من مكتب صغير، خاصةً بعد مرور ما يزيد عن أربع سنوات على قيام وزير الخارجية الأسبق ريكس تيلرسون بدمج مكتب منسق القضايا الإلكترونية مع مكتب آخر في وزارة الخارجية، في إشارة من جانبه إلى خفض اهتمام الولايات المتحدة حينذاك بقضايا الفضاء الإلكتروني؛ ما أثار انتقادات واسعة النطاق بأن هذه الخطوة يمكن أن تقوض جهود الدبلوماسية الإلكترونية للوزارة.
وعلى الرغم من محاولة وزير الخارجية السابق لإدارة ترامب مايك بومبيو، إعادة تأسيس مكتب الأمن السيبراني والتكنولوجيا الناشئة خلال الأيام الأخيرة، فإنه لم ينجح في إتمام الأمر؛ بسبب اتهام الخبراء له بأن القرار تم اتخاذه بسرعة دون التخطيط له جيداً، ليأتي فريق بايدن ويعمل على إتمام الأمر، نظراً إلى الأهمية التي يوليها لقضايا الأمن السيبراني العالمية.
نتائج متوقعة
سيحقق بدء مكتب الفضاء السيبراني والسياسة الرقمية بوزارة الخارجية الأمريكية في ممارسة أعماله عدداً من النتائج المتوقعة، سيتمثل أبرزها فيما يأتي:
1– تعزيز الشراكات الأمريكية السيبرانية: من المتوقع أن يؤدي إنشاء هذا المكتب إلى تعزيز الشراكات الأمريكية مع مختلف مؤسسات إنفاذ القانون المتعلقة بالفضاء السيبراني حول العالم، وخاصةً التي تتلاءم قيمها مع القيم الأمريكية، عبر التعاون على بناء القدرات، والاتفاق على الآليات التي يمكن من خلالها التصدي لمختلف التهديدات السيبرانية، وتأمين البنى التحتية الحيوية من هجمات جماعات الجرائم الإلكترونية الدولية، مع التصدي لفكرة سيادة قيم الأنظمة الاستبدادية، وتحديداً الصين وروسيا وكوريا الشمالية وإيران.
2– تحقيق الريادة الأمريكية في الابتكار: عبر مساهمة المكتب في التحديث الرقمي للحكومة الفيدرالية، وتعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص، لا سيما أن القطاع الخاص سيساعد على تحديد الفرص الاقتصادية وأفضل الممارسات الأمنية التي تحتاج مختلف دول العالم إلى ممارستها؛ فإن من المتوقع أن يدعم هذا المكتب جهد الولايات المتحدة في تطويع التكنولوجيا لتحقيق الريادة في الابتكار على المستوى العالمي، مع عدم السماح للمنافسين – وعلى رأسهم الصين – بتبوؤ مكانة واشنطن العالمية.
3– التأكد من حمايةٍ أكبر للانتخابات الأمريكية: في ظل استعداد الولايات المتحدة لعقد انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في نوفمبر القادم، يخشى المسؤولون الأمريكيون من استغلال المنافسين والخصوم الفضاء الإلكتروني للتلاعب بعقول الناخبين، ونشر معلومات مضللة، على غرار ما حدث في الانتخابات الرئاسية السابقة لعام 2016 بصورة كبيرة؛ لذلك من المتوقع أن يسهم هذا المكتب في لعب دور أوسع في حماية الانتخابات الأمريكية والناخبين الأمريكيين من التلاعبات الخارجية التي تسعى إلى تقويض الأمن القومي الأمريكي.
إشكالية التفكيك
وإجمالاً، يمكن القول إن هذا المكتب سيجعل قضايا الأمن السيبراني تحتل مكانة أكبر في قضايا السياسة الخارجية الأمريكية، بإسهامه في صياغة استراتيجية عالمية للأمن السيبراني، ولكن سيظل هذا المكتب عرضة لأن يتم حله، بما قد يهدد مساعي الولايات المتحدة إلى تحقيق أهدافها المتعلقة بالفضاء السيبراني؛ لذلك ستظل هناك ضرورة لضمان عدم توجه الإدارات المستقبلية إلى تفكيك هذا المكتب إذا تغيرت أولوياتها، وهو أمر يحتاج إلى تدخل الكونجرس الأمريكي؛ لضمان تحقيق الديمومة لهذا المكتب، عبر وضع تشريع قانوني يمنع حله مستقبلاً عند تغير الإدارات الأمريكية.
المصدر: إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية
كلمات دليلية
التعليقات (0)
أحدث الموضوعات
الأكثر قراءة
طارق مهني يكتب : بزنس المعارضة - سبوبة الزنازين منذ 4 سنوات
كفى (بورنو) سياسي وإعلامي منذ 5 سنوات
تحليلات