قطب العربي يكتب: تحديات “استعادة المكانة” للتيار الإسلامي

profile
  • clock 28 أبريل 2022, 5:58:41 م
  • تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
Slide 01
google news تابعنا على جوجل نيوز

لا يجادل أحد أن التيار الإسلامي أو ما يصفه بعضهم بتيار الإسلام السياسي بمختلف فصائله هو التيار الأكبر والأكثر حضورًا في الوطن العربي منذ منتصف السبعينيات وحتى الآن، وحتى قبل هذا التاريخ كان لهذا التيار حضوره في المجتمع، بدءًا من فكرة الجامعة الإسلامية التي أطلقها جمال الدين الأفغاني في مصر، وتلقفها السلطان عبد الحميد في تركيا، وكانت ترتكز على دعوة المسلمين فيما بينهم لإصلاح أحوالهم، ولمواجهة موجات الاستعمار الأوربي حيث تكون الدولة مبنية على الشورى والانتخاب والمطالبة بإصلاح أحوال المسلمين الاجتماعية والاقتصادية.

استمر حضور التيار الإسلامي بعد سقوط الخلافة العثمانية، حيث تأسست جماعة الإخوان عام 1928 كرد على غياب دولة الخلافة، وانتشرت الجماعة بفروعها في العديد من الدول حتى جاوزت الثمانين فرعًا لتمثل بذلك أكبر جمعية أهلية في العالم، وأكبر ممثل شعبي للإسلام السني، وإلى جانب الإخوان ولدت جماعات وكيانات أخرى مثل الجماعة الإسلامية في القارة الهندية (الهند-باكستان- بنجلادش)، أما في الوطن العربي فقد ظهرت الجماعات الإسلامية السلفية، وحزب التحرير الذي مثل تحديًا للسلطات في العديد من الدول العربية والإسلامية.

تبادل المواقع للقوى السياسية

تبادلت التيارات السياسية المواقع حيث علا نجم التيارات الليبرالية منذ العشرينيات وحتى نهاية الأربعينيات، لتخلفها التيارات القومية العربية المطعمة بالاشتراكية منذ مطلع الخمسينيات وحتى منتصف السبعينيات، قبل أن يتسلم الراية التيار الإسلامي منذ ذلك الوقت، وكانت أزهى فترات هذا التيار -بعد مرحلة التأسيس في السبعينيات والثمانينيات- هي انطلاق الموجة الأولى لثورات الربيع العربي، والتي شارك فيها بقوة، وجنى ثمارها سريعًا في تولي مناصب السلطة التنفيذية والتشريعية، حتى يمكننا اعتبار تلك الموجة هي موجة الربيع الإسلامي، لكن هذه الفترة الذهبية لم تستمر طويلًا إذ سرعان ما تعرضت لانقلابات وتحركات الثورة المضادة التي أنهت تلك المكاسب، وحولت التيار الإسلامي نفسه إلى تيار مطارد في أوطانه.

ليست الصورة مظلمة تمامًا، إذ لا يزال لبعض القوى الإسلامية حضور ولو جزئي في مراكز الحكم والنفوذ في بعض البلدان العربية، خاصة في البرلمانات كما هو الوضع في الجزائر، والمغرب، وموريتانيا، وليبيا، والكويت، والأردن… إلخ، لكننا نتحدث عن سقوط حكومات غلب عليها، أو تقاسمها التيار الإسلامي كما هو الوضع في مصر، وتونس، والسودان، واليمن… إلخ.

مرحلة التداوي والمراجعة

يعيش التيار الإسلامي العربي حاليًا مرحلة التداوي من إصابات الثورة المضادة، وفي الوقت نفسه مراجعة السياسات التي تسببت في تلك الإصابات متمثلين الآية القرآنية التي نزلت عتابًا للمسلمين بعد هزيمتهم في غزوة أحد (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)، والتشبيه هنا لتقريب الصورة وليس لاحتكار الصفة.

هناك كيانات أو جماعات إسلامية أبدت قدرًا كبيرًا من المرونة في التعاطي مع المستجدات، مثل تونس والمغرب، ورغم أن تلك المرونة لم تحصنها من الإصابات إلا أنها خففتها بالتأكيد، حيث لم يخرج الحزبان تمامًا من المشهد السياسي، وهناك جماعات لا تزال في مرحلة مقاومة وممانعة كما هو الحال في ليبيا، وسوريا، واليمن، ومصر، والسودان.

ليس من السهل القضاء على التيار الإسلامي، لأنه تيار متجذر في المنطقة على العكس من التيارات العلمانية الوافدة، وهو يمرض لكنه لا يموت، بل هو قادر على امتصاص الضربات مهما كبرت، وعلاج آثارها، والعودة من جديد، سواء في صورته القديمة أو بشكل جديد مع الحفاظ على جوهر مبادئه وأطروحاته.

حراك داخلي وممانعة

تشهد العديد من الجماعات والأحزاب الإسلامية حراكًا داخليًا لتطوير أدائها ومراجعة أخطائها، والتشبث بأي فرصة مواتية، لكن هذه المحاولات تواجه صعوبات ومقاومة من داخلها أيضًا، وما لم تتمكن تلك الجماعات وعلى رأسها الإخوان من تصحيح أخطائها، وتطوير مؤسساتها ومناهجها فإنها تحكم على نفسها بالبقاء في غرفة الإنعاش لفترات أطول، كما تمنح خصومها سواء من النظم المستبدة الحاكمة أو التيارات المناوئة الفرصة لمواصلة إقصائها من المشهد.

تجري في المنطقة مصالحات وتسويات على مستوى الحكومات، وتبقى إحدى العقبات في طريق هذه التسويات قضية التعامل مع التيار الإسلامي، وخاصة الإخوان، وفي ظل وضع الجماعة الحالي فإن بعض الدول المساندة لهم قد تتخلى عن هذه المساندة، بل قد تتفاهم مع الأنظمة المستبدة على حسابهم، ولذا فإن إدراك الإخوان قيادة وصفًا لهذا التحدي، والمسارعة بإنهاء حالة الانقسام، وتطوير مؤسسات الجماعة ولملمة شيبها وشبابها هو الطريق الوحيد لاستعادة دورها تدريجيًا، وفرض وجودها على أي طاولة محلية أو إقليمية أو دولية.

التيار الإسلامي العام

ضمن مراجعات الإسلاميين تبرز فكرة تأسيس تيار إسلامي عام، وهي فكرة ليست جديدة، لكنها تظهر وتخبو بين الحين والآخر، وهي مصاحبة لفترات الأزمات عمومًا، وجوهر الفكرة هو تجميع القوى والجماعات الإسلامية على مجموعة من القيم والثوابت والسياسات مع ترك حرية الحركة فيما خلا ذلك، وقد طرح الفكرة بعض الإسلاميين المصريين من خارج الإخوان وحتى بمشاركة بعض الشخصيات الإخوانية، لكنها لم تتجاوز حوارات الصالونات، لكن الفكرة وجدت تطبيقًا عمليًا في السودان عبر تجمع 10 أحزاب وجماعات إسلامية تحت مسمى التيار الإسلامي العريض، وهو تجمع غاب عنه الحزبان الكبيران؛ المؤتمر الوطني (المنحل قانونًا) والمؤتمر الشعبي، ولا تزال التجربة في بداياتها، ولو كتب لها النجاح فقد تنتقل إلى دول أخرى.

خلاصة الأمر أن التيار الإسلامي في الوطن العربي يمر بأصعب الاختبارات لإثبات قدرته على البقاء، واستعادة حضوره، ومكانته، وألقه الدعوي والسياسي، وهذا ما يتطلب منه جهدًا كبيرًا.

 


هام : هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير
التعليقات (0)