أحدث الموضوعات
عبد الباسط سيدا يكتب: عالمنا الهائج وحاجته لترويض حكيم
-
22 يناير 2023, 3:05:49 م
- تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
تقدّم المدارس السويدية بمرحلتيها الأساسية والثانوية وجبة طعام مجانية لسائر الطلاب بهدف تمكينهم من استيعاب الدروس وأداء واجباتهم المدرسية بصورة طبيعية أثناء أيام الدوام المدرسي الطويلة نسبياً (تتراوح ما بين 6 إلى 8 ساعات).
وفي الأيام الأخيرة، ركّزت وسائل الإعلام السويدية على ظاهرة إقبال الطلاب على استهلاك كميات أكبر من الطعام المدرسي. وهناك اتفاق شبه كامل بين الملاحظين لهذه الظاهرة الجديدة حول أنها من نتائج ارتفاع أسعار المواد الغذائية، وعدم قدرة الكثير من الأسر السويدية التي تعاني من دخل هش على تأمين الطعام المطلوب لأعضائها في المنزل، فيأتي الطعام المدرسي ليمكّن تلك الأسر من توفير بعض النفقات لصالح نفقات أخرى.
فإذا كان الوضع في السويد حيث المستوى العام للدخل الفردي المرتفع هو هكذا، فما بالك بما هو عليه الحال في البلدان الفقيرة التي تعاني الوهن الاقتصادي، ومن ارتفاع نسبة العاطلين عن العمل، إلى جانب الحروب والأزمات الداخلية المستعصية والفساد الشمولي؟
ولكن مع ذلك، نلاحظ أن الغربيين عموماً، والأوروبيين تحديداً، خاصة في الدول المجاورة لروسيا أو القريبة منها، يصرون على ضرورة استمرارية الدعم للأوكرانيين في مواجهة الغزو الروسي الذي إن حقق نجاحاً في أوكرانيا فإنه سيتحول إلى خطر حقيقي يهدد الدول الأوروبية، لا سيما تلك التي لها تجارب مريرة مع نزعة التوسع الروسية.
أسابيع قليلة تفصلنا عن الذكرى السنوية لهذه الحرب العبثية التي أعلنها بوتين على الأوكرانيين بحجج واهية، بينما كانت الغاية الأساسية أن يتنازل الأوكرانيون عن سيادتهم وأراضيهم، وأن يوافقوا على أن يكونوا جزءاً من المجال الحيوي الروسي، تمهيداً لتهديد الأوروبيين وابتزازهم.
والجدير بالذكر هنا أن هذه الحرب هي استمرارية لحرب 2014 التي شنها بوتين على أوكرانيا وسط الصمت الدولي اللافت؛ تماماً كالصمت الذي كان لاحقاً في مواجهة التدخل الروسي العسكري القوي في سوريا 2015 لصالح سلطة بشار الأسد، وهو الأمر الذي أثار، وما زال يثير الكثير من التساؤلات، خاصة بعد أن تبلورت معالم التفاهم بين الروس والأمريكان على صعيد توزيع مناطق العمليات، والتنسيق في المهام الأرضية والجوية، وكان كل ذلك تحت شعار محاربة الإرهاب، الفزّاعة التي صنعها وسوّقها بشار الأسد ورعاته الإيرانيون، واستثمر فيها الروس.
هل تم استدراج بوتين إلى الفخ الغربي عبر توريطه في أوكرانيا، وغضّ النظر عن تدخله في سوريا؛ وذلك بعد دراسة ملامح شخصيته، والاطلاع على نقاط قوته وضعفه وطريقته في التفكير، وأسلوبه في الحكم؛ وبناء على المعرفة الدقيقة بإمكانيات روسيا الفعلية وتوجهاتها الإمبراطورية؟ هذا التساؤل يُطرح من قبل الكثيرين، بل يُعتمد من جانب بعضهم الآخر ليكون المسلّمة التي ينطلقون منها في شرحهم لأبعاد نظرية المؤامرة الكبرى التي تتمحور حول وجود خطة أمريكية غربية هدفها إزاحة الخصوم المحتلمين المتنافسين على الريادة العالمية.
ولكن بوتين رغم خسائره الميدانية والعقوبات القاسية التي فرضها الغرب عليه؛ بالإضافة إلى العزلة الدولية المفروضة عليه، والصورة السلبية للغاية التي تشكلت لدى الناس عنه وعن روسيا، تحت تأثير الحملات الإعلامية المركزة التي استندت هي الأخرى تصريحاته وسلوكياته، وجرائم قواته ومرتزقته في أوكرانيا؛ رغم كل ذلك ما زال بوتين مصراً على الاستمرار في حربه التدميرية المشار إليها، بل يهدد، ومعه أركان نظامه من حين إلى آخر بتوسيع دائرتها، وزيادة حدة عنفها.
ولكن اللافت المثير في المشهد لا يقتصر على الموقف الروسي، بل يشمل الموقفين الإيراني والتركي أيضاً. فإيران تحاول من جهة تعزيز علاقاتها مع الروس، لدرجة أنها أقدمت على تزويدها بالطائرات المسيرة التي استخدمتها روسيا في أوكرانيا، وتسببت في الكثير من الدمار والقتل؛ وتسعى من جهة ثانية، وبشتى السبل للوصول إلى تفاهمات مع الغرب، ومع الولايات المتحدة الأمريكية تحديداً بخصوص الملف النووي، هذا في الوقت الذي يتعرض فيه نظامها لتحدٍ لم يسبق له أن واجهه منذ نحو أربعة عقود. ويتمثل هذا التحدي في مظاهرات الغضب، وحملات الاحتجاج التي شهدتها مختلف المدن الإيرانية بعد مقتل الشابة مهسا أميني (زينا) من قبل جهاز القمع الإيراني المعروف زوراً بـ «شرطة الأخلاق» وهي مظاهرات واحتجاجات ضمت النساء بالدرجة الأولى، إلى جانب طلبة الجامعات والعمال، وحتى تجار البازار من مختلف المكونات الإيرانية. ومن الواضح أن هذا الغضب الشعبي الإيراني العارم يجسد النقمة العامة على نظام أوقف عجلة التطور العلمي التقني والاقتصادي والمجتمعي في إيران، وزعزع الأمن والاستقرار في المنطقة عبر خلخلة أركان المجتمعات، وتحويل الدول إلى مجرد واجهات تتستّر على واقع تحكّم الأذرع الإيرانية من ميليشيات وأحزاب بالحكومات والميزانيات والموارد لتغدو مجتمعات ودول المنطقة مجرد حطام يتأكل من الداخل لصالح التمدد الإيراني.
إلى جانب التحدّي الداخلي، يواجه نظام ولي الفقيه تحدّياً في سوريا؛ فهو يدرك رغم التوافق الواضح بينه وبين إسرائيل حول منع سقوط سلطة بشار الأسد في سوريا؛ وكذلك التفاهمات الأمنية بين الجانبين في لبنان، وهي التفاهمات التي سمحت بدخول حزب الله إلى سوريا وسط صمت إسرائيلي غربي لافت؛ رغم كل ذلك يعرف النظام الإيراني جيداً أن هناك خطوطاً حمراء إسرائيلية عليه ألا يتجاوزها؛ وأن سياسة غض النظر الإسرائيلية لها سقف وشروط.
كما أن التحديات المتنامية التي يواجها النظام المعني في العراق المتمثلة في رغبة العراقيين بصورة عامة، والشيعة ضمناً، في التحرر من الهيمنة الإيرانية التي تسببت في استنزاف طاقات العراق المادية، وضربت السيادة العراقية في الصميم، تنذر النظام الإيراني بفقدان استراتيجيه القائمة على استغلال المذهب في السياسة لقدراتها التعبوية بعد أن ذاب الثلج وبان المرج.
فقد تبين للعراقيين الشيعة تحديداً أن المطلوب إيرانيا ليس مساندتهم، وإنما استغلال شعورهم بالمظلومية في خطة ضرب أسس التفاهم الوطني بين العراقيين من مختلف الانتماءات المجتمعية؛ كما توصلوا إلى قناعة تامة بعد التغلغل الإيراني في مفاصل الدولة والمجتمع العراقيين على مدى نحو عقدين بأن النظام الإيراني بتوجهاته الحالية لا يريد الخير للعراقيين، وإنما يجهد لاستغلال ثرواتهم وطاقاتهم لتعزيز مكانته الإقليمية، وتوسيع دائرة نفوذه.
أما تركيا فهي تبدو حائرة بين التزاماتها الأطلسية، ومصالحها مع الاتحاد الأوروبي ومع الولايات المتحدة الأمريكية من جهة، وبين تفاهماتها وتنامي مستوى علاقاتها مع روسيا وتداخل مصالحها مع إيران، واشتراكها معهما في مسار أستانا الذي أفرغ بيان جنيف 1 لعام 2012 الخاص بالحل في سوريا من محتواه من جهة أخرى.
والأمر الذي يستوقف في هذا المجال هو التناقض الواضح في الموقف التركي من مسألة التشدد مع كل من السويد وفنلندا بخصوص العلاقة مع حزب العمال الكردستاني، ومطالبة البلدين بقطع العلاقة مع الحزب المعني وواجهاته، وتسليم عدد من أعضائه، مقابل الموافقة على انضمامهما إلى حلف الناتو؛ ولكن في الجانب الآخر هناك تساهل النظام الإيراني الذي يقيم علاقات وثيقة مع قيادات الحزب المذكور في جبال قنديل.
وما يستنتج من ذلك هو أن مطالبة الحكومة السويدية بالإقدام على خطوات تتعارض مع القوانين السويدية، إنما هي في الواقع ورقة تركية للحصول على امتيازات تشمل الحصول على السلاح سواء من السويد أم من الولايات المتحدة، ولعل ما ركزت عليه تصريحات كل من مولود جاويش أوغلو وأنطوني بلينكن قبل وبعد اجتماعهما في واشنطن بتاريخ 17-1-2023، وما تضمنه البيان الذي لخص مباحثاتهما، لاسيما بخصوص صفقة ف16 وقطع الغيار والذخيرة، يؤكد هذا الأمر.
من جهة أخرى يبدو أن حسابات الانتخابات البرلمانية والرئاسية التركية التي ستكون في 14 أيار/مايو القادم (وفق ما أعلنه الرئيس أردوغان قبل أيام)، هي التي دفعت بالحكومة التركية نحو الحديث عن عملية عسكرية جديدة في سوريا، إلى جانب الحديث عن الانفتاح على سلطة بشار الأسد، وقد تحفظت الولايات المتحدة الأمريكية على الخطوتين، ولكن من دون أن يتحول التحفظ إلى موقف حازم، الأمر الذي فهم منه بوجود رغبة أمريكية لترك الأبواب مفتوحة أمام تفاهمات مع أردوغان تمنحه ما يريده في الداخل التركي، ولا تصب لصالح جهود تعويم سلطة بشار الأسد الشكلية التي تعاني من أزمة اقتصادية مستعصية، وعزلة سياسية دولية، وعجز أكيد عن امكانية توحيد البلد والشعب.
هل ستستمر تركيا في حيرتها، فتندفع نحو الشرق تارة ونحو الغرب تارة أخرى؛ تعلن قرب التصالح مع الأسد الذي يمثل أساس بلاء السوريين، وتؤكد في الوقت ذاته حرصها على مصلحة السوريين من جهة ثانية؟ أم أنها ستتخذ قرارها وتتحول إلى عامل استقرار ونهوض؟
ألم يحن الوقت ليدرك نظام ولي الفقيه أن نهجه لم يعد مقبولا، وأن خطابه لم يعد يقنع أحداً؛ ويبدأ بإصلاحات حقيقية تخدم مصلحة الشعب الإيراني والجهود الرامية إلى تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة، وفتح الآفاق أمام تنميتها لمصلحة الأجيال المقبلة؟
وأخيراً، هل سيقتنع بوتين بأن عمليته العسكرية الخاصة كانت في واقع الأمر حربا مفتوحة أعلنها على الأوكرانيين، وأن الغرب لن يسمح له مطلقاً بالانتصار في هذه الحرب، وذلك لألف سبب وسبب؛ وأن البديل الأفضل لبلده والعالم يتمثل في التنمية والإدارة الرشيدة؟
أسئلة مشروعة في انتظار إجابات تسلّط الأضواء على مسار الأحداث في منطقتنا وأوروبا والعالم.
هام : هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير
كلمات دليلية
التعليقات (0)
أخبار متعلقة
أحدث الموضوعات
الأكثر قراءة
طارق مهني يكتب : بزنس المعارضة - سبوبة الزنازين منذ 4 سنوات
كفى (بورنو) سياسي وإعلامي منذ 4 سنوات
الموسوعة الشعرية
منصف الوهايبي يكتب :الشعرُ معرفةً منذ 3 سنوات
قصيدة "على باب الله" للشاعر الراحل فؤاد حداد، منذ 3 سنوات