أحدث الموضوعات
صبري سميرة يكتب: تقارب نظام غزة وسوريا.. عن صحة البوصلات والتقديرات
-
10 أكتوبر 2022, 2:24:50 م
- تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
لن أدخل في بيزنطيات وجدليات النقاشات والتنازعات والتهجمات المتبادلة بين كل أطراف وغير أطراف هذا الموضوع الملتهب، ولكنني أثبت هنا موقفي الذي ناديت به -ولا أزال- على مدار عقود طويلة، وازددت قناعة به بعد طول العمر والخضرمة والتخصص والتعمق والتدبر لكافة ما يتعلق به من مناهج ومنهجيات وفكر وفلسفات وعقائد ومدارس وإستراتيجيات وتحليلات نظرية وتطبيقية واستشرافية مستقبلية.
أريد أن أثبت موقفي لأنه من الواجب أن نسعى لتوضيح القضايا من دون تحيزات مرفوضة وعميانيات وتعصبات وعنتريات وانفعالات. هذا يجب أن يكون شأن كل من يعالج موضوعا حساسا للشعب الفلسطيني والسوري وشعوب المنطقة والعالم، وفي ملفات قضايا كبرى في تاريخها وحاضرها ومستقبلها، وفي المقاربات الفكرية والسياسية والأخلاقية والإستراتيجية. فهي حريصة وتبحث عن موقف منهجي مبدأي واقعي عملي ويؤسس لمستقبل أفضل للجميع. فإلى هؤلاء وإلى كل حكومة أو حركة أو صناع قرار أو حاكم أو قائد أو مؤثر أقول لهم ببساطة: لا يصح إلا الصحيح، والحق أحق أن يتبع، وفي ذلك الصالح العام للجميع والمستقبل.
أكيد، لا بد من الواقعية التامة -ليس استسلاما لها بل تعايشا مع إكراهاتها إذا ثبتت- ولكن لا بد من الثبات على الحق بأدنى حدوده والصبر على ذلك، وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر، وعدم التضحية بذلك لمصالح مظنونة أو موهومة، حتى وإن كانت مصالح متحققة للجزء فلا يجوز أن تكون على حساب أضرار بكامل الآخرين.
ابتداء، وقبل الحديث في شأن تطور العلاقات بين نظامي الحكم في غزة وسوريا، أحب أن أوضح وأثبّت منطلقا منهجيا نبني عليه؛ وهو أن أحد الأطراف التي تقرر وتقود ذلك هو "نظام حكم غزة".. وهو الوصف الأدق لتحليل السلوك السياسي لقيادة غزة بوصفها "نظام حكم" يتصرف كباقي أنظمة الحكم في المنطقة والعالم.
أعتقد أن هذا هو "الوصف المنهجي" الصحيح الذي يجب أن نستخدمه لنقدم الرأي والتحليل السليم، وهو باعتقادي الذي تسعى قيادة غزة إلى ترسيخه وتحبذه في النظر والتعامل معها على أساس أنها نظام حكم غزة يحسب المصالح لوجوده واستمراريته وقوته ودوره، وأنه يحسب الأولويات والمصالح العامة لأهل غزة وجغرافيتها وقوتها؛ ومن ثم القضية والشعب الفلسطيني ومستقبل الصراع.
من الأهمية أن نبتعد بذلك عن التوصيفات القيمية والمبدئية من ربط نظام غزة بأطروحات قيادة غزة، تلك التي تربى عليها الناس؛ الأطروحات الأيديولوجية والدينية والأخلاقية والشرعية والديمقراطية والحزبية والأمة الواحدة ووحدة الشعوب العربية والقضية المركزية للجميع.
فنظام حكم غزة هو في حالات تخبط كبيرة مع هذه الأطروحات في جوانب عديدة من تطبيقاته وعلاقاته ومواقفه داخليا في غزة وخارجها. في المقابل، وإذا نظرنا إلى قيادة غزة كنظام حكم ويتحرك وفق ذلك؛ فيمكن للبعض أن يحلل ويقيّم قراراتها وفق منهجيات وقواعد تحليلية أخرى.
وبعد هذه المقدمات والمنطلقات، أحاول عندما أحدد موقفي كشخص يسعى لكي يكون صالحا مصلحا -وأدعو كل فرد ونخبة أن يفعل ذلك- عندما أنصح جهة (نظاما أو حكومة أو حركة أو تجمعا أو مؤسسة أو قيادة) في ضوابط تحديد موقفها تجاه قضايا كبرى وجدليات، فإنني أنطلق من أنه في بحثنا وتحديدنا لمواقفنا وصنع قراراتنا وبناء علاقاتنا يجب أن نلتزم ونهتدي ببوصلات هادية لنا تهدينا لكي نصل إلى الأصلح دنيا وآخرة وضميرا وخلقا ومبادئ، وإلى موازين وحسابات وتقديرات تكون الأكثر نفعا لكل شعوبنا ومنطقتنا والإنسانية، التقديرات الأنفع للذات والشركاء والحلفاء والأنصار والشعوب والقضايا التي نحرص عليها في الحال وفي المستقبل.
شعوب اليوم وتقلبات الموازين وتغير أدوات التغيير ليسوا كما كانوا قديما، فكل شيء في هذا الزمان والقادم سريع الحركة والتقلب وبقوة وحجم أكبر، والشعوب ستمتلك زمام أمرها وتقرر مصيرها، ولطالما بشر أصحاب قضية فلسطين بالأمل وتغيرات المستقبل وانتصار إرادة شعبهم الأعزل المبعثر في الأرض
وأما بالنسبة لي، فإن البوصلات التي أؤمن بها وأدعو إليها في تقرير المواقف والقرارات والخطوات والسياسات، وأحاول أن أتبعها بكل درجات الاستيعاب والمرونة لكافة الأطراف والأطروحات وكافة التعقيدات عند تشكيلي قناعاتي هي كالآتي:
البوصلة الأولى
وجوب السعي بأقصى ما يمكن إلى التزام العدل والمبادئ والأخلاق والحق والحقيقة والموضوعية والديمقراطية السليمة من مراجعها في القواعد والقوانين العامة المنغرسة في الفطرة الإنسانية والتوجيهات الإلهية والأعراف البشرية والقوانين والمواثيق الدولية السليمة والقواعد العقلية والمنطقية.
وعليه، فلا يمكن أبدا الرضى بأفعال كبيرة مشينة تخرق أيا من ذلك، من احتلال أو إرهاب أو قتل أو عدوان أو ظلم أو وحشية أو انتهاكات جسيمة أو أضرار كبيرة للإنسان والمجتمعات والأوطان والمنطقة والعالم. فمن يرتكب أيا من ذلك لا بد من الابتعاد عنه، بل لا بد من وقفه والتصدي له وعدم الارتماء في أحضانه أو السماح له بتلطيخ السمعة والتاريخ، ولا يجوز شرعنته ولا إعادة تأهيله تحت أية مبررات.
الموضوع ليس مبدئيا فقط في حد ذاته، بل حسابا للأرباح والخسائر، فتقديرات أضرار الاقتراب من السفاح أو التبسم في وجهه ستكون بالغة ضخمة مستقبلا، وفي أسوأ الأحوال إن لم تفعل أو تقل خيرا فلتلتزم الصمت وتنتظر تغير الأحوال ولتبحث عن خيارات في ساحات أخرى، وهي متوفرة إذا تصرفت كنظام حكم ولكن بفضيلة ومنافع أعلى وخسائر أقل وبفارق كبير سأشير إليه في نهاية المقال.
وفق هذه البوصلة الأولى، لا يجوز لك أن تكون شريكا لمجرم أو شاهد زور في جرائم لا زالت ترتكب -وستستمر- ضد الأبرياء أصحاب الحقوق وبلا حق ولا مبرر مشروعا من الجناة.
هذه البوصلة أساسية لأصحاب القضايا -مثل قضية فلسطين- في مخاطبة وتحشيد الجميع لنصرة قضاياهم. فلا يمكن المطالبة بالشيء وأطبق نقيضه في الوقت نفسه لمن يطرح نفسه مبدئيا وصاحب حق وقضية عادلة! كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون! وزوال الدنيا بأكملها -وليس تأخير تقدم في قضية ما- أهون على الله من قتل نفس بريئة!
وإذا تاهت البوصلة الأولى لدى الفرد أو الجهة أو اختلط الحق فيها كثيرا في الباطل والشبهات -وحدوث ذلك صعب جدا- أو إذا شعر صانع القرار والموقف بأنه ضعيف ولا خيارات لديه وله اضطرار واستثناء، وأنه سيموت ويقضى عليه، وأن العالم من حوله لا تحكمه الأخلاق والمبادئ أبدا ولا يمكن الرهان عليها، وهذا غير صحيح فهذه الجهة ذاتها تطالب الآخرين بنصرتها وقضيتها وشعبها بناء على الدين والذمة والأخلاق والمبادئ والأمة والقومية والمنطقة الواحدة ونصرة المظلوم!
لنفترض جدلا تاهت البوصلة الأولى عندي أو عند صاحب قرار، فيلزم اللجوء إلى البوصلة الثانية.
البوصلة الثانية
وجوب السعي بأقصى ما يمكن إلى التزام الشعوب مقابل قادتها وأنظمتها إذا تصارعوا، وهذا الانحياز إلى الشعوب هو أمر مبدئي ومصلحي لصانع القرار؛ فالشعوب صاحبة الحق في نفسها ووطنها وحياتها ومستقبلها، والشعوب دائما هي الأقوى والباقية، والرهان دائما عليها لمن أراد الفوز في النهاية.
هذه الشعوب لن تنسى من يقف معها أو ضدها أو يخذلها أو يطعنها في ظهرها أو يظاهر من حرق قلوبها بفلذات أكبادها وكرامتها ودمر حياتها ومستقبلها، وأما القيادات والأنظمة فهي زائلة لا محالة، فلا بد من الانحياز إلى الشعوب ومستقبلها ومواقفها وحقوقها ومصالحها وإرادة أغلبيتها الحقيقية وفي وحدتها واستقلالها وحريتها وسيادتها وكرامتها وسلامها واستقرارها وإخراج المحتلين منها وفي بناء وطنها وديمقراطيتها ونهضتها الحقيقية السليمة.
وفي رهان الشعوب على بعضها فوز وقوة لكل الشعوب، أما تدمير شعب "شقيق" أو "صديق" أو حتى "خصم" مظنة نصرة قضية شعبي أو شعب آخر فهو لا محالة في التقديرات الواعية الإستراتيجية الموضوعية دمار لكل الشعوب ومستقبلها وقضاياها واستعباد لها واستغلال و"استغباء" لحركاتها "النظيفة" في تمرير الوقت وإعادة التوازنات لصالح الأنظمة غير الشرعية المستبدة المفسدة واستمرار هيمنتها وضياع البلاد والعباد والثروات والتبعية للأجنبي والتنازع والانقسامات وصراعات الوكالات وغيرها.
في كل الأحوال، فإن قيام جهة ما بمصالحة حاكم قاهر لشعبه سيدمر مستقبل أي قضية لشعب هذه الجهة التي تسعى بعض قياداتها لنصرتها، فهي تدمر قضية شعبها ونفسها من حيث لا تدري وتؤخر نصرها ونصرتها.
كم شبعت شعوبنا العربية من الأنظمة العنترية ومن كل الخلفيات في كذبها وخداعها في بناء مستقبلنا والتخلص من أعدائنا، وناصر هذه الأنظمة العنترية حركات "نظيفة" وطنية وإسلامية وغيرها، لنجد أننا في دمار كامل.
الرهان على القيادات والأنظمة القاهرة لشعوبها وعدم الانحياز للشعوب مطلقا ودائما هو قمة الخيبة والخسران لمن يظنون أنهم يحسنون صنعا! وإذا لم تستطع نصرتها وقضاياها فلا تقف في الخندق نفسه مع سفاحي هذه الشعوب! فلا لوم على هذه الشعوب إذا غضبت وانقلبت، وإياك أن تناشدهم الأخوة والمبادئ والقيم والأخلاق ووحدة الحال والمصير والمستقبل!
شعوب اليوم وتقلبات الموازين وتغير أدوات التغيير ليسوا كما كانوا قديما، فكل شيء في هذا الزمان والقادم سريع الحركة والتقلب وبقوة وحجم أكبر، والشعوب ستمتلك زمام أمرها وتقرر مصيرها، ولطالما بشر أصحاب قضية فلسطين بالأمل وتغيرات المستقبل وانتصار إرادة شعبهم الأعزل المبعثر في الأرض.
فهل هذه البشرى والأمل لهم وحدهم أم أن الشعوب الأخرى لها ذلك؟!
(يُتبع)
كلمات دليلية
التعليقات (0)
أخبار متعلقة
أحدث الموضوعات
الأكثر قراءة
طارق مهني يكتب : بزنس المعارضة - سبوبة الزنازين منذ 4 سنوات
كفى (بورنو) سياسي وإعلامي منذ 5 سنوات
حكايات شعبية