أحدث الموضوعات
صالحة علام تكتب: التصعيد التركي اليوناني إنذار بالحرب أم استعراض للعضلات
-
29 يوليو 2022, 5:27:18 م
- تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
في تطور لافت شهدت الأسابيع القليلة الماضية حالة من التوتر والتصريحات العدائية المتبادلة بين أنقرة وأثينا، مع قيام الأخيرة بزيادة حجم وجودها العسكري على الجزر القريبة من الأراضي التركية، في مخالفة صريحة للاتفاقيات والمعاهدات الدولية الموقعة بين البلدين، والمتعلقة بجزر بحر إيجه، وهي اتفاقية لندن 1913، ولوزان 1923، وباريس 1947، التي نصت جميعها على أن الجزر يجب أن تظل مدنية ولا تتحول إلى وضع عسكري لأي سبب من الأسباب في المستقبل.
وكانت تركيا قد وافقت على التنازل عن جزر بحر إيجه لليونان في اتفاقية لوزان، شريطة ألا يتم تسليح الجزر، وأن تبقى دوما منزوعة السلاح، وقد نصت المادة (13) من معاهدة لوزان عام 1923 صراحة على نزع سلاح جزر إيكاريا، وخيوس، وساموس، وليسفوس بالاسم، كما فرضت بعض بنودها الأخرى عددا من القيود المتعلقة بحجم الوجود العسكري أو التحصينات الدفاعية في الجزر الأخرى القريبة من الأراضي التركية، وهو ما تعهدت به اليونان.
الجزر اليونانية وقربها من السواحل التركية
الغريب في الأمر أن هناك الكثير من هذه الجزر تبعد عن الساحل التركي حوالي كيلومترين فقط مقابل أكثر من 550 كيلومتر عن الأراضي اليونانية، ويعد السبب الرئيسي لما آلت إليه وضعية هذه الجزر إلى فترة الحرب العالمية الثانية، حينما سيطرت ألمانيا على أرخبيل الجزر، وبعد هزيمة هتلر استلمتها بريطانيا التي قامت بتسليمها لليونان، وذلك وفق ما جاء في معاهدة باريس للسلام الموقعة عام 1947، التي انكرت في الوقت ذاته أحقية سيادة تركيا على الجزر رغم كونها تشكل امتدادا جغرافيا طبيعيا لمنطقة الأناضول، وتم انتزاعها من الدولة العثمانية.
وفي حقيقة الأمر فإن اليونان تقوم بتسليح الجزر بصورة منتظمة منذ عام 1960، حيث تعتبر ما تقوم به يدخل في إطار سيادتها الكاملة عليها، وبالتالي فهي ليست ملزمة بالتطبيق الحرفي لنصوص الاتفاقيات الدولية، خصوصا وأن تركيا لم تكن طرفا في معاهدة باريس للسلام، الأمر الذي يمنحها الحق في التصرف كيفما تشاء في أراضي تابعة لها وتخضع لسيادتها الجغرافية، يدخل في ذلك بطبيعة الحال مسألة التسليح، التي تراها لا تمثل أية تهديد أو خطورة على جارتها تركيا.
أهداف ونوايا يونانية أكثر أهمية وأخطر عمقا
ليست المسألة ترتبط فقط بقضية تسليح الجزر المذكورة، الذي يعتبر مجرد واجهة لنوايا أخرى وأهداف يونانية أكثر أهمية وأخطر عمقا، إذ تسعى أثينا إلى زيادة مساحة مياهها الأقليمية من 6 إلى 12 ميلا، وتحجيم الوجود التركي في شرق المتوسط من خلال فرض سياسة الأمر الواقع، حتى تستطيع التنقيب عن ثروات المنطقة دون إزعاج من الجانبين التركي والقبرصي التركي. سياسة الأمر الواقع تلك ستؤدي إلى مشكلة أخرى لا تقل في أهميتها عن زيادة المياة الأقليمية اليونانية على حساب تركيا، وهي قضية المجال الجوي لكلا الدولتين.
تستخدم اليونان إذا الجزر حاليا كعائق لمنع تركيا من التنقيب عن النفط والثروات في هذه المناطق، وتمهيدا لتوسيع مياهها الإقليمية، الأمر الذي ترفضه تركيا باعتبار أن هذا من شأنه حبسها في شريط ساحلي ضيق على بحر إيجه وشرق المتوسط، وهو ما يعد منافيا للواقع القانوني والسياسي.
توصل الاستفزازات اليونانية وزيادة قدراتها العسكرية ينذر باندلاع الحرب
ومع تواصل الاستفزازات اليونانية، وسعيها الدائم لخلق مشاكل وإثارة الأزمات بينها وبين تركيا، هناك من يرجح احتمالات زيادة حدة التوتر، واشتعال أزمة جديدة في المنطقة، وأن اندلاع شرارة حرب بين تركيا واليونان قد يصبح أمرا واقعا في ظل تصاعد حدة التصريحات بين الجانبين، وزيادة اليونان لقواتها العسكرية بالقرب من الحدود مع تركيا ، إضافة إلى زيادة حجم الانفاق العسكري من 500 مليون يورو إلى 2.5 مليار يورو العام الماضي، ليرتفع الرقم خلال النصف الأول من العام الجاري ليصل إلى 3.4مليار يورو، إلى جانب توسيع نطاق القواعد العسكرية الأمريكية ونشرها على الأراضي اليونانية، والتي يبلغ عددها حاليا تسع قواعد تحوي العديد من أحدث الأسلحة وإلى جانب عدد القوات الأمريكية المتزايد، وهو ما يعد محاولة يونانية لسد الفجوة في القوة العسكرية بينها وبين تركيا.
أسباب صعوبة إندلاع حرب تركية – يونانية
ورغم صحة هذه المعلومات المتداولة، وحدة التصريحات المتبادلة، إلا أن إندلاع حرب يونانية – تركية يبدو امرا بعيد الحدوث وذلك لعدة اعتبارات لا يمكن تجاهلها أو غض الطرف عنها، والتي يمكن تلخيصها في النقاط التالية:
1 – تستعد الحكومة اليونانية لخوض انتخابات برلمانية مبكرة، وبالتالي فإن زيادة حدة لهجتها تجاه تركيا يمكن وضعها في خانة الاستهلاك المحلي لإلهاب حماس الجماهير اليونانية، ودفعها للتصويت لصالح الحزب الحاكم، الذي يهدد بشن حرب ضد تركيا ويحتاج إلى دعم شعبي للقيام بهذا الأمر، وهو ما يدركه المسؤولون الأتراك ويتفهمونه.
2 – تعاني الحكومة اليونانية من أزمة اقتصادية تمنعها من الإقدام على هذه الخطوة، التي من شأنها أن تؤدي إلى تفاقم الوضع، وزيادة حدة البيروقراطية، واتساع التطرف السياسي داخلها.
3 – رغم سعيها لسد الفجوة في القوة العسكرية بينها وبين تركيا، إلا أن المسؤولون اليونانيون أنفسهم يدركون أن ذلك الأمر ليس باليسير، ولن يتم بين ليلة وضحاها، فمع كل خطوة تخطوها أثينا في هذا الاتجاه، تجد أن تركيا تسبقها بعدة خطوات، حتى أن إحدى النائبات في البرلمان اليوناني صرحت بأن ” تركيا قوة إقليمية عظمى، ولا يمكننا الأعتراض على ذلك”.
3 – تحظى اليونان كما هو معروف بدعم كل من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوربي في مقابل وقوف تركيا بمفردها، ومع ذلك تعلم أثينا جيدا أنه في حال دفعها للأمور باتجاه الحرب بينها وبين تركيا فإنه لا دول الاتحاد الأوربي ولا الولايات المتحدة الأمريكية ستؤيد هذا التوجه، للتداعيات الخطيرة التي يمكن أن تنتج عن هذا الأمر، في وقت تزيد فيه روسيا من نفوذها في منطقة البلقان، وتهديد الصين بشن حرب بسبب تايوان.
4 – ترى تركيا أن التحركات اليونانية في بحر إيجه، رغم اعتراضها عليها، تصب في صالح تحقيق أحد أهدافها المهمة، التي تسعى إليها منذ فترة، وهو طرح الحديث مجددا عن ضرورة إعادة النظر في بنود اتفاقية لوزان، التي تم بموجبها ترسيم الحدود البرية والبحرية بينها وبين اليونان، خصوصا وأنه بحلول العام المقبل سيكون قد انقضى على تطبيقها مائة عام، وأن التطورات على الأرض باتت تستدعي القيام بهذا الإجراء ليس فقط من أجل السادة على الجزر، ولكن أيضا فيما يخص العبور من المضايق التركية.
5 – مع استمرار الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالاقتصاد التركي، ووجود قوات عسكرية تركية على الأرض في كل من ليبيا والعراق وسوريا، يبدو من الصعوبة بمكان الدخول في حرب مع اليونان، لما يمثله ذلك من عبء إضافي على المواطنين الأتراك، ليس في مقدروهم تحمله تبعاته.
6 – تبدو تركيا أكثر إنشغالابتحركاتها الدبلوماسية فيما يخص الحرب الروسية – الأوكرانية، كون ذلك يثبت دورها كقوة إقليمية فاعلة في المنطقة، ويصب في صالح رغبتها في أن تكون أحد أعمدة النظام العالمي الجديد الذي سيتشكل عقب انتهاء هذه الحرب، وبالتالي فدخولها في حرب مع اليونان في هذا التوقيت لن يكون امرا جيدا بالنسبة لها لا سياسيا ولا اقتصاديا ولا عسكريا.
7 – لن يقبل حلف الناتو أن تتصادم دولتين عضوتين بداخله على الأقل في الوقت الراهن، لأن ذلك من شأنه كسر هيبة الحلف، وإضعاف قوته العسكرية أمام روسيا التي تسعى إلى زيادة نفوذها في المنطقة، والحد من توسعاته على حدودها عبر زيادة مساحتها الجغرافية على حساب العديد من دول البلقان، التي تسعى للإحتماء بالحلف.
لهذا يبدو من المنطقي أكثر أن نرى خلال الفترة المقبلة تفعيل العديد من القنوات الديلوماسية، والوسائل السياسية الكفيلة بإزالة حدة التوتر بين الدولتين، والعمل على نزع فتيل الأزمة سواء من جانب الاتحاد الأوربي أو الولايات المتحدة الأمريكية أو حلف الناتو، فالأمر في حقيقته لا يعدو أن يكون مجرد استعراض للقوة.
هام : هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير
كلمات دليلية
التعليقات (0)
أخبار متعلقة
أحدث الموضوعات
الأكثر قراءة
طارق مهني يكتب : بزنس المعارضة - سبوبة الزنازين منذ 4 سنوات
كفى (بورنو) سياسي وإعلامي منذ 5 سنوات