سهير الشربيني تكتب: العام الأول: أبعاد تأثير حرب أوكرانيا على الاقتصاد الروسي

profile
  • clock 12 فبراير 2023, 3:33:11 م
  • تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
Slide 01
google news تابعنا على جوجل نيوز

عقب التدخل الروسي في أوكرانيا، تعرَّض الاقتصاد الروسي لاختبار حقيقي؛ حين قُوبل بضغوط العقوبات الغربية، التي صُمِّمت خصيصاً لعرقلة الاقتصاد المحلي لروسيا وعلاقاتها التجارية. وقد اشتملت القيود على إجراءات لعزل البنك المركزي الروسي عن النظام المالي الدولي، ومنع وصوله إلى مليارات الدولارات من الأصول الخارجية.

وهي القيود التي كانت لها تداعياتها شبه الفورية والسريعة على الاقتصاد الروسي، غير أن روسيا لم تقف مكتوفة الأيدي، بل انتهجت – في المقابل – عدَّة آليات داخلية وخارجية واجهت بها تلك العقوبات وحاولت تخفيف وطأتها على الاقتصاد الروسي، ليثير ذلك التساؤلات حول مقدار تأثير الحرب الروسية الأوكرانية على الاقتصاد الروسي بعد مرور عام تقريباً على الحرب الروسية، ومدى نجاح روسيا في تفادي الآثار السلبية للعقوبات الغربية، ومدى فاعليتها، وكذلك حول التحديات القائمة أمام الاقتصاد الروسي في ظل استمرار الحرب.

مؤشرات متباينة

ثمة مؤشرات تستقرئ مشهد الاقتصاد الروسي بعد نحو عام من اندلاع الحرب الأوكرانية، وبعض هذه المؤشرات تعكس تأثُّر الاقتصاد بالعقوبات الأجنبية. وبوجه عام، يمكن تناول أبرز مؤشرات الاقتصاد الروسي على النحو التالي:

1– تراجع النمو في الناتج المحلي الإجمالي: انكمش الناتج المحلي الإجمالي لروسيا بنسبة 3.7% على أساس سنوي في الربع الثالث من عام 2022، انخفاضاً عن التقديرات الأولية التي تنبأت بانكماش بنسبة 4%؛ حيث استمر الاقتصاد الروسي في التعرُّض لضغوط العقوبات المفروضة من الدول الغربية رداً على التدخل العسكري في أوكرانيا في فبراير 2022.

ووفقاً لتحليل مستقل أجراه البنك الدولي وصندوق النقد الدولي (IMF) ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، فإن عام 2022 كان عاماً سيئاً للاقتصاد الروسي. ومن المرجح أن يستمر الاقتصاد الروسي في الانكماش في عام 2023؛ حيث تشير التوقعات إلى أن الناتج المحلي الإجمالي سينكمش بنسبة 2.2% على أساس سنوي في أفضل الأحوال، وبنسبة 5.6% على أسوأ تقدير.

2– انخفاض معدل البطالة: بلغ معدل البطالة في روسيا 3.7% في نوفمبر من عام 2022، وهو أدنى مستوى على الإطلاق، منخفضًا من 3.9% في الشهر السابق، وأقل من توقعات السوق البالغة 4%. ولعل ذلك يرجع بدرجة كبيرة إلى هجرة نحو نصف مليون روسي في أعقاب الحرب الروسية، من بينهم متعطلون عن العمل، فضلاً عن تداعيات الحرب على الاقتصاد الروسي؛ ما جعله غير قادر على استقطاب عمالة جديدة؛ كل ذلك ساهم – بشكل أو بآخر – في انخفاض عدد العاطلين عن العمل بمقدار يتراوح بين 152 ألفاً و2.745 مليون.

3– تراجُع الواردات والصادرات: علَّقت العديد من العلامات التجارية العالمية والشركات الكبرى من قطاعات مختلفة تتنوع بين التكنولوجيا والسيارات والطاقة، أعمالها في روسيا، رداً على التدخل الروسي في أوكرانيا. وردَّت روسيا من جانبها على العقوبات الغربية بفرض حظر على تصدير أكثر من 200 منتج، بما في ذلك الاتصالات والسيارات والمعدات الزراعية والكهربائية، حتى نهاية عام 2022.

في المقابل، انخفضت حصة الغاز الروسي في الواردات الأوروبية من 40–45% إلى 7–8%، كما انخفضت الصادرات الروسية من الغاز في عام 2022، من 185.1 مليار متر مكعب إلى 100.9 مليار متر مكعب بانخفاض 45%، وهو أدنى مستوى منذ انهيار الاتحاد السوفييتي. ذلك التراجع يعود في الأصل إلى توقف شحنات الغاز الروسي إلى الدول التي رفضت شراءه بالروبل، كما يعود إلى إغلاق خط أنابيب يامال–أوروبا، وجهود أوروبا لشراء الغاز الطبيعي المسال، واستهداف خطَّي نورد ستريم 1 و2. ويُقدِّر كل من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي أنه في عام 2023، ستستمر الصادرات في الانخفاض، بينما من المتوقع أن تكون الواردات أعلى مما كانت عليه في عام 2022.

4– إنفاق مبالغ ضخمة على الإنفاق العسكري: خصصت روسيا مبالغ ضخمة للإنفاق العسكري في ميزانية عام 2022، قُدِّرت بثلث إجمالي النفقات العامة لصالح قطاع الأمن؛ وذلك وفقاً لتحليل حديث أجرته مُؤسَّسة كارنيجي للسلام الدولي. ووفقاً لمنشور الأعمال RBC، فإن من المُتوقَّع أن يقفز الإنفاق العسكري الروسي بنحو 5 تريليونات روبل؛ أي ما يعادل 71 مليار دولار في عام 2023، مع توقُّع زيادة الإنفاق على الأمن الداخلي وإنفاذ القانون بالمبلغ نفسه تقريباً. في ذلك السياق، أعلنت موسكو عن نيتها توسيع حجم جيشها من مليون جندي إلى 1.5 مليون، وهو ما يُعَدُّ تأكيداً لرغبتها في زيادة الإنفاق على قطاع الدفاع في الدولة.

5– احتمالات باستمرار الركود في الصناعة الروسية: من المُرجَّح أن يستمر الركود في الصناعة الروسية بما في ذلك القطاع العسكري، التي تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد السلع العالية التقنية من الغرب؛ حيث تراجعت واردات التكنولوجيا من العديد من البلدان إلى روسيا، وهو ما تسبَّب في خفض الإنتاج وجعله أكثر بدائيةً، حتَّى أضحى استبدال الواردات مطلوبًا في جميع القطاعات تقريباً، لكنه بات يتم بخيارات أقل تقدُّماً.

وفي حين انخفض الإنفاق على مختلف البرامج المحلية بخلاف البرنامج العسكري بمقدار الربع تقريباً، وتكبَّدت صناعات معينة خسائر فادحة؛ فإن التباطؤ في تصنيع السيارات مثَّل واحدةً من أكثر العلامات الملموسة لتأثيرات العقوبات الغربية على الصناعة الروسية.

آليات فعَّالة

رغم تعرُّض الاقتصاد الروسي للضغط بسبب العقوبات الغربية – حيث تقلَّص بنحو 2.7% في عام 2022 – فإن الأمور ليست بالسوء الذي كانت تأمله بعض الحكومات الغربية، كما أنه أقل وطأةً مما توقَّعته روسيا ذاتها؛ فبينما كانت التوقُّعات الرسمية الممثلة في وزارة المالية الروسية، تتجه إلى الاستعداد لانخفاض الناتج المحلي الإجمالي بأكثر من 10%، فإنه مؤخَّراً في ديسمبر الماضي، توقَّع استطلاع أجرته رويترز شمل 15 اقتصادياً، انخفاضاً بنسبة 2.5% فحسب للعام المقبل، فيما يتوقع صندوق النقد الدولي أن يبدأ الاقتصاد الروسي في النمو مرة أخرى في عام 2023 بالتوسع بنسبة 0.3% – وهو تحسُّن أفضل من التوقعات السابقة التي تنبأت بانكماش يصل إلى 2.3% – ثم 2.1% في عام 2024، وهو تحسن أفضل من التوقعات السابقة التي تنبأت بانكماش يصل إلى 2.3%.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن موسكو تبنَّت عدداً من السياسات من أجل تخفيف وطأة العقوبات عليها، وفيما يأتي نستعرض أبرز هذه السياسات:

1– السعي لاستبدال سلاسل التوريد للسلع الاستهلاكية: في أعقاب الحرب الروسية، عانت روسيا من العقوبات المفروضة عليها فيما يخص استيراد أشباه الموصلات؛ حيث توقَّف موردو الرقائق الغربيون الرائدون – مثل AMD وIntel – عن توريد رقائقهم إلى روسيا؛ ما تسبب في تعليق إنتاج السيارات في ذلك الوقت، لكن هذا لم يُشكِّل سوى انخفاض مؤقت في الإمدادات؛ حيثنجحت موسكو في حل المشكلة في غضون أشهر قليلة، بحسب دائرة الجمارك الروسية، والتحايل على العديد من القيود المفروضة على التقنيات ذات الاستخدام المزدوج، وعلى رأسها أشباه الموصلات، من خلال زيادة التجارة مع دول مثل الصين، والبدء في شراء رقائق صينية الصنع، بيد أنها لم تستطع تعويض نظيراتها الغربية تمامًا.

علاوة على ذلك، لجأت إلى استبدال سلاسل التوريد للسلع الاستهلاكية، مثل الهواتف الذكية، والأجهزة والسيارات والشاحنات، عن طريق الصين والهند ودول أخرى بدلاً من الشركاء الغربيين.

على الجانب الآخر، اتجهت روسيا إلى توثيق العلاقات المالية والأمنية مع بعض الدول التي ترتبط بعلاقات متوترة مع الغرب، مثل إيران وكوريا الشمالية وسوريا وفنزويلا وكوبا؛ وذلك في إطار سعيها نحو بناء سلاسل إمداد وقنوات مالية جديدة، وكذلك العثور على شركاء تجاريين جدد.

2– انتهاج سياسات مالية مُحافِظة: صمد الاقتصاد الروسي بشكل كبير بفعل السياسات المالية المُحافِظة الطويلة الأمد، والعائدات من مبيعات الموارد الطبيعية التي يُشرف عليها الرئيس فلاديمير بوتين، والتي بفضلها تمكَّنت من ملء الخزائن العامة بالأموال، بما في ذلك الاحتياطيات الوفيرة من كل من الذهب واليوان الصيني.

ولعل السياسات المالية المُحافِظة التي انتهجتها في السنوات الأخيرة، كالموازنة المستمرة التي تكتفي بسعر 45 دولاراً لبرميل النفط، وإبقاء الإنفاق مرتبطًا بقيود صارمة، ولو على حساب النمو الاقتصادي؛ قد ساهمت في تخفيف الضربة الاقتصادية بفعل الحرب والعقوبات التي تلتها.

3– إقناع الشركاء التجاريين بتجاهل العقوبات: واصلت روسيا احتلال مركز مهيمن في أسواق النفط والغاز العالمية خلال عام 2022، رغم العقوبات، كما ظلت أكبر مُصدِّر للأسمدة في العالم؛ ما سمح لها بجلب إيرادات كبيرة لخزائن الدولة؛ إذ اكتشفت العديد من البلدان خلال الأزمة التي خلفتها الحرب الأوكرانية، أن التحول فجأةً من الإمدادات الروسية مكلف للغاية، مهما كانت وجهات نظرها بشأن حرب أوكرانيا.

ولعل تمكُّن روسيا من إقناع شركائها التجاريين الرئيسيين بتجاهل العقوبات الغربية، قد لعب دوراً كبيراً في تحقيق ذلك؛ فمن جهة، زادت الهند بشكل حاد من استهلاكها من النفط الروسي. وتشير التقديرات إلى أن الهند تستورد حالياً نحو 1.2 مليون برميل من النفط الروسي كل شهر، وفقاً لبيانات بلومبرج.

فيما واصلت تركيا التجارة مع موسكو بغض النظر عن الحرب الروسية وموقفها منها؛ ففي ديسمبر، استوردت 213 ألف برميل من الديزل الروسي يومياً، وهو أكبر رقم للصادرات الروسية إلى تركيا من الديزل منذ عام 2016 على الأقل. وفي الشهر ذاته، بلغت قيمة الواردات إلى روسيا من تركيا نحو 1.3 مليار دولار؛ أي أكثر من ضعف المستويات التي سُجِّلت قبل عام.

4– توسيع صلاحيات إدارة الجمارك: في إطار محاولاتها للحد من تأثير العقوبات الغربية، عمدت موسكو إلى توسيع صلاحيات دائرة الجمارك، وهي دائرة حكومية شبه عسكرية، يمارس موظفوها دوراً حاسماً في الحد من تأثير العقوبات المفروضة على روسيا؛ حيث تم توسيع صلاحيات رئيس الدائرة فلاديمير بولافين – وهو مسؤول حكومي لديه خبرة مباشرة في الاستخبارات – وذلك من أجل ضمان الاستقرار في العمل، وتوسيع دائرة علاقات روسيا التجارية، وتقليل حدة العقوبات الاقتصادية، فضلاً عن تعيين أشخاص مقربين من النظام الحاكم لضمان الاستقرار وتجنب الفساد في المؤسسات المالية.

وقد تمكنت مصلحة الجمارك الروسية بالفعل خلال عام 2022، من زيادة معدلات التجارة مع كل من الصين وتركيا وألمانيا وهولندا، مع الاستمرار في فتح مسارات جديدة للتجارة مع دول آسيا الوسطى والقوقاز، بما يصب في صالح الهدف الرئيسي المتمثل في تخفيف حدة العقوبات.

صعوبات قائمة

رغم سياسات روسيا الفعالة نسبياً في تخفيف وطأة العقوبات، لا يزال هناك عدد من التحديات والصعوبات القائمة، نستعرضها فيما يأتي:

1– هجرة العقول والضغوط المستمرة على سوق العمل: منذ بداية الحرب الروسية، غادر روسيا نحو 500 ألف إلى مليون، وهو رقم ليس بقليل؛ إذ من شأن استمرار هجرة العقول أن يؤدي إلى النقص في الموظفين المؤهلين، والضغط على سوق العمل، وارتفاع الأجور بشكل أسرع من الإنتاجية، بما يدفع في النهاية إلى مخاطر تضخمية.

2– معوقات مختلفة أمام المعاملات التجارية: تتعرض إمدادات البضائع الروسية غير الخاضعة للعقوبات، حتى إلى الدول الصديقة، لبعض المعوقات، من ضمنها رفض شركات شحن الحاويات الدولية العمل مع روسيا، بيد أنه لا تنشأ المشكلات عند تسليم البضائع فحسب، بل تنشأ أيضًا عند دفع أو تلقي مدفوعات مقابلها، في ظل وجود مخاطر إيقاف المعاملات باليورو والدولار، أو استغراق تلك العمليات وقتًا طويلاً؛ فحتى في البلدان الصديقة، ترفض بعض البنوك فتح حسابات للشركات الروسية وحسابات مراسلة للبنوك الروسية.

3– التعرض لضغوط لتقديم تنازلات: تتعرض روسيا أيضاً لضغوط لتقديم تنازلات وتقديم خصومات على سلعها لأولئك الذين ما يزالون مستعدين لشرائها؛ وذلك في الوقت الذي تحتاج فيه روسيا إلى تلك الأسواق، أكثر مما تحتاجه الأسواق إليها، خاصةً أن العودة إلى السوق المحلية والاكتفاء بها، يمكن أن يوفر دعماً جزئياً للتصنيع، لكنه يظل صغيراً جداً، ولا يمكن الاكتفاء به وحده.

4– مواجهة الاتحاد الاقتصادي الأوراسي إشكاليات جوهرية: تواجه روسيا معارضة صريحة من جانب الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، وهو مشروع للتكامل الاقتصادي والسياسي قائم على الاتحاد الجمركي بين بيلاروسيا وكازاخستان وروسيا ودول المنطقة الاقتصادية؛ حيث عارضت كازاخستان علناً أي جهود أخرى للتكامل الروسي، في ظل محاولات روسيا الجادة لتعزيز علاقاتها الإقليمية مع الاتحاد الاقتصادي الأوراسي.

وإجمالاً، لم تكن إمكانات الاقتصاد الروسي قبل الحرب كبيرة بشكل مفرط؛ حيث كان معدل النمو في الاقتصاد سنوياً يبلغ 2–3% سنوياً، ومن ثم فإن الحديث عن أي تنمية للاقتصاد للروسي في ظل استمرار الحرب غير منطقي وغير محتمل رغم المحاولات الروسية الجادة لتخفيف وطأة العقوبات، ومن ثم، فإن الانتقال إلى النمو القائم على الموارد الداخلية سيتطلب إنهاء الحرب في أوكرانيا، خاصةً في ظل الإنفاق العسكري المتزايد بفعل الحرب، الذي من شأنه أن يستمر في الارتفاع ما دامت الحرب الروسية مستمرة، غير أن ذلك لا يمنعنا من القول بأن اقتصاد روسيا صمد في وجه العقوبات، وخالف التوقعات القائلة بانهياره بشكل كبير خلال العام الماضي.


 


هام : هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير
التعليقات (0)