أحدث الموضوعات
سليمان صالح يكتب: الدراما التاريخية وبناء مجتمع المعرفة
-
27 أبريل 2022, 5:51:22 م
- تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
التاريخ يوفر لصنّاع الدراما كثيرا من الفرص لجذب الجماهير، وبناء وعيها بهويتها، وتشكيل صورتها الذاتية، وكثير من الدول أصبحت تبحث في تاريخها عن الإنجازات والانتصارات التي يمكن أن تسهم في زيادة اعتزاز شعبها بالانتماء لها، وتثبت للعالم أنها قدمت إنجازات حضارية تاريخية، وشاركت في تطوير الحضارة الإنسانية.
لكن البحث في التاريخ ورواية قصص كفاح الشعوب يحتاج إلى إرادة سياسية قبل الإمكانات التقنية والفنية. ففي نهاية القرن الـ20 بدأت كثير من الدول تدخل حرب الدراما التاريخية، وأخذت شركات الإنتاج تنشئ المسلسلات التلفزيونية التاريخية، وهناك تجارب مهمة تحتاج إلى دراسات متعمقة تحديدًا مثل تجارب بريطانيا وكندا وأميركا.
وبناء الدراما التاريخية يحتاج إلى تحديد الأهداف، فهي لم تعد قضية إبداع فني يقدمه مؤلف ومخرج وممثلون، لكن هناك خبراء في مجال الصورة الذهنية والتأثير والدعاية والإعلام أصبح لهم دور تفوق أهميته جودة العمل الفني، والتقنيات المستخدمة فيه، وجاذبية الممثلين.
إن المسلسلات التي تقدمها شركات الإنتاج الأميركية والبريطانية والكندية تعمل لتحقيق أهداف سياسية واجتماعية وثقافية بعيدة المدى، من أهمها بناء الصور الذهنية والنمطية.
القيادة الأصيلة هي التي تمثل امتدادا لكفاح الشعب، وتستلهم تجاربه التاريخية، والمنظومة القيمية التي أنتجتها هذه التجارب، وتستخدمها في بناء المستقبل. لذلك فإن قصص القيادات الأصيلة التي استلهمت منظومة القيم الناتجة عن التجارب التاريخية، وكافحت لتحقيق الأهداف المرتبطة بها، ومن أهمها العدل والحرية والاستقلال، يمكن أن تكون مادة لدراما تاريخية تسهم في إعداد جيل جديد من القادة، وتعلّم الشباب قيم القيادة وأخلاقياتها.
اتصال عبر الثقافات
المسلسلات التاريخية أصبحت تشكل مجالا مهما للاتصال عبر الثقافات، فهي تؤثر في كثير من الشعوب وتسهم في بناء علاقات طويلة المدى معها عن طريق التعاطف مع قضاياها، وأنسنة قصص كفاحها، وتمجيد أبطالها، والإعجاب بقيمها وإنجازاتها.
لذلك أصبحت الدراما التاريخية عابرة للثقافات، وتحمل رسائل للشعوب الأخرى، وتسهم في بناء الصورة الذهنية لدولة أو أمة، وتوسّع قاعدة القيم والأهداف المشتركة التي يمكن أن تكون أساسا للتعاطف وتبادل المصالح والمشاركة في الكفاح لتحقيق أهداف عظيمة مثل مقاومة الاستعمار.
لذلك فإن إنتاج المسلسلات الدرامية التاريخية لا يكون بهدف التسلية، أو تحقيق المتعة للمشاهدين، ولكنه عملية تهدف إلى تحقيق كثير من الأهداف السياسية والثقافية. عملية تحويل تاريخ الدولة إلى دراما هي اتصال عابر للثقافات يسهم في زيادة حضور الدولة على المستوى العالمي بثقافتها وقيمها وإنجازاتها التاريخية، لذلك فإن المسلسل ليس مجرد أحداث تحظى باختيارها من التاريخ ولكنه يجب أن يصوّر الحياة في حقبة تاريخية، وتفاعل الناس مع الأحداث، وكفاحهم من أجل التغيير.
هذا يعني أن الدراما التاريخية ليست تاريخا يُكتب باستخدام المناهج العلمية، ولكنه عملية تصوير للحياة باستخدام الصورة والتفاعل والمشاعر الإنسانية والكلمات والرسائل.
مع ذلك فإنه لكي نحافظ على مصداقية الدراما التاريخية يجب الالتزام بصحة الأحداث، وتجنب التحيز والظلم والتضليل والتزييف، واحترام الأخلاقيات وقيم الصدق والعدالة، لأن مصداقية الدراما التاريخية من أهم أسس جودة العمل الفني.
الذاكرة الجمعية
والدراما التاريخية تسهم في بناء الذاكرة الجمعية للشعب أو الأمة، وهي ضرورة لحياة الأمم والدول، كما أن التجارب التاريخية تسهم في بناء المستقبل، وترشيد عملية اتخاذ القرارات. وكما أن الفرد الذي يفقد ذاكرته لا يكون هناك معنى لحياته، ويفقد رغبته في استمرارها، ويتمنى الموت، كذلك الشعب الذي يُحجب تاريخه عنه، ولا يجد من يروي قصته، فإنه يفقد القدرة على البناء والإنجاز والإبداع.
هذا يعني أن الدراما التاريخية يمكن استخدامها لتنشيط الذاكرة الجمعية والمحافظة عليها وتحفيزها، ونقل التراث الثقافي عبر الأجيال بكل ما يحمله هذا التراث من مبادئ وقيم تشكل اتفاقا بين أفراد الشعب ومؤسسات الدولة. هذا الاتفاق على المبادئ والقيم يشكل أساسا للحكم، فلا يمكن أن تنجح تجربة ديمقراطية في دولة إذا لم يتفق الشعب على منظومة قيمية تُستلهم من تجربته التاريخية التي تتميز بالضرورة عن تجارب الآخرين.
إن نجاح القيم الديمقراطية في دولة لا يعني بالضرورة إمكانية نجاحها في دولة أخرى، فهذه القيم يجب أن تكون نابعة من تجارب تاريخية، يعتز بها الشعب، ويرى أنها تشكل إنجازا حضاريا له. وهناك كثير من الدول التي أهدرت تجاربها التاريخية، ولم تتمكن من الاستفادة منها لأن حكامها قاموا بإخفاء تلك التجارب، ومنعوا عملية تصويرها وتقديمها للأجيال مثل تجارب الكفاح الوطني.
من مؤهلات القيادة
كل الشعوب تحب القصص بخاصة تلك التي تتعلق بكفاح الآباء والأجداد وبطولاتهم، ولذلك فإن رواية قصص هذا الكفاح من أهم مؤهلات القيادة. إن القائد الذي لا يستطيع أن يروي قصة كفاح شعبه والإنجازات الحضارية التي قدمها لا يمكن أن يحقق نجاحا في الحكم الديمقراطي، ولكنه يمكن أن يستمر في السلطة باستخدام القهر، مع أنه يدرك أن شعبه يكرهه ويتمنى أن يشهد لحظة الخلاص منه.
كما أن القيادة الأصيلة هي التي تمثل امتدادا لكفاح الشعب، وتستلهم تجاربه التاريخية، والمنظومة القيمية التي أنتجتها هذه التجارب، وتستخدمها في بناء المستقبل. لذلك فإن قصص القيادات الأصيلة التي استلهمت منظومة القيم الناتجة عن التجارب التاريخية، وكافحت لتحقيق الأهداف المرتبطة بها، ومن أهمها العدل والحرية والاستقلال، يمكن أن تكون مادة لدراما تاريخية تسهم في إعداد جيل جديد من القادة، وتعلم الشباب قيم القيادة وأخلاقياتها.
وهناك كثير من القادة العظماء في التاريخ الإسلامي يمكن أن تشكل قصص حياتهم وكفاحهم أساسا لبناء صناعة دراما تاريخية تحفز الشعوب للكفاح وبناء المستقبل، والاعتزاز بالذات والهوية. وتوضح تجربة فيلم عمر المختار أن الشعوب تحتاج إلى معرفة سير أبطالها وقادة كفاحها، فالشعوب العربية تحرص على مشاهدة هذا الفيلم بشكل متكرر لأنه يثير فيها الاعتزاز بالكفاح ضد الاستعمار، ويبني قوتها المعنوية في مواجهته على الرغم من عدم امتلاك القوة المادية.
والشعوب تحب البطولة والأبطال، لذلك تشكل قصصهم أساس الدراما التاريخية، كما أن هذه القصص تسهم في بناء الأجيال الجديدة، وإعدادها للدفاع عن الأرض والقيم والمبادئ وهي عملية مهمة لبناء قوة الدول واستمرارها. والاستقرار لا يكون بإشباع الاحتياجات المادية للشعب، أو حفظ الأمن، فالدراما التاريخية تستخدم لإشباع احتياجات الشعوب لتقدير الذات، والاعتزاز بالهوية، وتقوية الانتماء للأمة، ومعرفة رموزها وتاريخ أبطالها وكفاحها من أجل الحرية، وهذه الحاجات الإنسانية المتميزة أهم من حاجة الشعوب للخبز والأمن، لذلك يمكن أن تقوم صناعة الدراما التاريخية بدور مهم في بناء الدول والمحافظة عليها وزيادة حضورها العالمي.
الدراما التاريخية وبناء المجتمعات المعرفية
والمستقبل يقوم على استثمار الدول لتاريخها في بناء مجتمعات معرفية، وإقامة اقتصادها على المعرفة، لذلك تتزايد حاجة الدول إلى تعليم التاريخ للشباب، وتحفيزهم لاكتشاف كنوزه المعرفية التي تسهم في تشكيل ثقافة الشعب، وتزيد قدراته على الإبداع وإنتاج المعرفة، ومن ثمّ يمكن أن تسهم الدراما التاريخية في بناء المجتمعات المعرفية، وفي تحفيز الشعب لإنتاج المعرفة وتبادلها مع الآخرين.
إن الشعب الذي يستورد المعرفة، ولا يقوم بإنتاجها لن يكون له دور في القرن الـ21، والتاريخ هو الذي يمكن أن يزيد قدرات الشعب ورغبة أفراده في الكفاح لاكتشاف أسرار الكون والإبداع والابتكار، فعندما يشاهد الشباب قصص آبائه وأجداده وكفاحهم وبطولاتهم فإن عزيمته تزداد مضاء، وإرادته تزداد قوة للبحث والعمل وإنتاج الأفكار، والمشاركة مع الآخرين في تحقيق أهداف مشتركة.
والشعوب والدول تحتاج إلى دراما تاريخية تتميز بالمصداقية والجودة، لذلك يجب أن تخطط الدول لتأهيل الباحثين في مجال التاريخ ليقوموا باكتشاف تجاربها التاريخية وإنجازاتها، وتفسير التاريخ باستخدام مناهج وأدوات علمية جديدة، وليعملوا على تحرير التاريخ من تلك الخرافات العنصرية الغربية التي أنتجها المستشرقون اعتمادا على ألف ليلة وليلة.
إن الجيل الجديد من الباحثين الذين يتميزون بالجرأة والشجاعة يمكن أن يبنوا الأساس العلمي لصناعة دراما تاريخية تعيد للأمة ذاكرتها الجمعية، وتحفزها للانطلاق في مرحلة جديدة من الكفاح ضد الاستعمار وبناء مجتمع المعرفة، وتحقيق الاستقلال السياسي والاقتصادي والثقافي والحضاري.
وبناء تلك الصناعة يمكن أن يكون من أهم الإنجازات الحضارية للأمة في القرن الـ21، ويمكن أن تسهم في زيادة قوة الأمة، وانطلاقها لبناء مجتمع المعرفة، لذلك فإنني أكافح لبناء الأساس العلمي لصناعة دراما تاريخية عربية تسهم في تحقيق نهضة الأمة وبناء مجتمع المعرفة.
سليمان صالح
أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة وعضو مجلس الشعب في برلمان الثورة ووكيل لجنة الثقافة والإعلام بالمجلس 2012
هام : هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير
كلمات دليلية
التعليقات (0)
أخبار متعلقة
أحدث الموضوعات
الأكثر قراءة
طارق مهني يكتب : بزنس المعارضة - سبوبة الزنازين منذ 4 سنوات
كفى (بورنو) سياسي وإعلامي منذ 5 سنوات
المطبخ