أحدث الموضوعات
سعيد الشهابي يكتب: غورباتشيف: حين يكون الإصلاح طريقا للدمار
-
5 سبتمبر 2022, 2:20:14 م
- تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
سيظل آخر رؤساء الاتحاد السوفييتي، ميخائيل غورباتشيف شخصية مثيرة للجدل بعد وفاته كما كان في حياته. وسيظل الموقف حوله مستقطبا بشكل واضح، لان أحدا لم يتوقع حدوث ما جرى في غضون الأعوام الستة التي قضاها رئيسا للاتحاد السوفييتي الذي كان وجوده من أهم أسباب الحرب الباردة التي استمرت قرابة نصف قرن.
ويمكن النظر إلى شخصية الرجل الذي كان يوما رئيس الحزب الشيوعي السوفييتي من أكثر من زاوية، حتى لكأنه جاء ليحقق ما عجزت عنه كافة الإمكانات الغربية التي كانت تستهدف الكيان السياسي والإيديولوجي الأكبر الذي كان منافسا حقيقيا لها. فلم تؤثر سياسات الغرب على توسع الاتحاد السوفييتي وانتشار الأيديولوجيا الشيوعية والاشتراكية في أغلب بقاع العالم.
فقد سخرت كافة الإمكانات المادية المتاحية لمواجهة المد الشيوعي بدون جدوى ومن ذلك الإعلام ّالغربي الذي لم يترك مناسبة الا استخدمها لذلك الغرض، كما امتلك السلاح النووي لردع الاتحاد السوفييتي واستخدم الحصار الاقتصادي سلاحا في تلك المعركة. وشهدت الكواليس الاستخباراتية تنافسا محموما لغرس الجواسيس من الطرفين. كما شهدت أروقة الأمم المتحدة وقاعاتها مواجهات حادة جسّد موقف نيكيتا خروتشوف أحد مشاهدها الدراماتيكية. فأثناء الدورة العادية للجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 902 في اكتوبر 1960 ضرب خروتشوف طاولة الوفد السوفييتي بحذائه اعتراضاً على خطاب رئيس الوفد الفلبيني لورينزو سومولونغ الذي انتقد السياسة الخارجية للاتحاد السوفييتي وتصرفاته في شرق أوروبا واصفاً إياها بالاستعمارية.
مواقف الزعماء الغربيين بعد وفاة غورباتشيف تميزت بما يشبه الإجماع على إطرائه، وكانت انعكاسا لما صرح به زعماء الغرب قبل أكثر من 35 عاما. يومها كان الرئيس الأمريكي رونالد ريغان ورئيسة الوزراء البريطانية، مارغريت ثاتشر، لا يترددان في مدحه، على عكس مواقفهما إزاء من سبقه من الزعماء من ليونيد بريجنيف إلى يوري أندروبوف وكونستانتين تشيرنينكو. فعلى لسان ثاتشر: انه رجل نستطيع العمل معه. كما أطرى الرئيس رونالد ريغان على ميخائيل غورباتشيف أكثر من مرة. هؤلاء الزعماء شهدوا ذروة الحرب الباردة ولم يتوقعوا أن تنتهي بهذه السرعة والسهولة. فكانت رئاسته فرصة للغرب ليعيد حساباته وينظر للعالم الجديد من زاوية مختلفة عما اعتادها خلال الحرب الباردة.
ربما ليس هناك من البشر إلا القليل ممن يحدث استقطابا حادا في مواقف الآخرين تجاهه، وغورباتشيف أحد هؤلاء. فالغرب رأى فيه رجلا مصلحا، محبا للسلام، قادرا على «تحديث» بلاده، لأنه وفر فرصة تاريخية للتوسع الغربي غير المسبوق وأنهى الحرب الباردة. بينما يعتبره كبار رموز بلاده سببا لسقوط كيانهم السياسي العملاق الذي أحدث توازنا استراتيجيا على مدى أكثر من نصف قرن. وأنه ساهم في انخفاض المستوى المعيشي للمواطنين لأنه فتح اقتصاد روسيا لما يسمى «الاقتصاد الحر» بدون توفير مستلزمات ذلك الانفتاح.
فمنذ تصاعد الحرب الباردة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، سعى العالم لاحتواء أوضاعه على صعدان عديدة: أولها إزالة فتيل الحرب بعد أكبر حرب مدمرة في التاريخ البشري المعاصر، وتبريد بؤر التوتر، ثانيها: إعادة رسم الخريطة السياسية لأوروبا بعد أن أصبح الوضع أكثر تعقيدا نظرا لتباين مصالح المحورين العسكريين الاساسيين، حلف الناتو وما كان يسمى حلف وارسو.
ثالثها: حث الخطى لتسريع التوصل إلى اتفاقات لاحتواء السلاح النووي الذي بدأ يتكدس وأصبح ميدانا للسباق بين الشرق والغرب.
رابعها: الحفاظ على الأمم المتحدة كمنظمة جامعة لدول العالم ولديها القدرة على احتواء الأزمات ونزع فتيل الخلاف. خامسها: السعي لخلق أرضية مشتركة للتفاهم الدولي في عالم كان يتصارع على الأيديولوجيا، خصوصا أن الغرب كان يرى في النظام الاشتراكي الذي يمثل العقيدة المركزية للاتحاد السوفييتي أكبر تحد أيديولوجي وأن من الضرورة احتواءه. هذه الاعتبارات لم تتحقق، بل ساهمت في تكريس الحرب الباردة التي وصلت ذروتها في الستينيات وكادت تؤدي إلى حرب نووية في العام 1962 بسبب أزمة الصواريخ التي كان الاتحاد السوفييتي عازما على نصبها في كوبا. سادسها: أن العالم الذي كان محكوما بتوازن قلق بين القطبين أصبح أحادي القطب، فأصبحت أمريكا تهيمن بشكل شبه مطلق على شؤون العالم السياسية والاقتصادية والعسكرية.
كان صعود ميخائيل غورباتشيف الذي كان عنصرا كبيرا في المشروع الاشتراكي والأيديولوجية الشيوعية، في ذروة التورط السوفييتي في أفغانستان، تلك الأزمة التي عمّقت متاعب موسكو ووضعتها أمام صعوبات سياسية وعسكرية واقتصادية. وجاء قرار الانسحاب في 1989 ليمثل بداية نهاية الاتحاد السوفييتي. حتى ذلك الوقت لم يكن هناك ما يشير إلى احتمال تداعيه النهائي، وإن كان الإمام الخميني قد تنبأ في رسالته لغورباتشيف في 1989 بسقوط الشيوعية ودعاه فيها لقراءة الإسلام بموضوعية.
الغربيون من جهتهم استطاعوا قراءة شخصيته، فانتهجوا سياسة احتضانه بعد ان استوعبوا أبعاد المشروعين اللذين أعلن عنهما وكانا من أسباب سقوط الكيان الشيوعي: بيريسترويكا (إعادة الهيكلة والإصلاح الاقتصادي) وغلاسنوست (الانفتاح). وروّج الغربيون كثيرا لهذين المشروعين، بالتوازي مع تكثيف التواصل مع غورباتشيف. ولم يمض سوى أقل من عامين على الانسحاب من أفغانستان حتى تصدع الاتحاد السوفييتي بشكل نهائي، وحدث أكبر تسونامي سياسي في الشرق بل في العالم، وبدأت نهاية المشروع الشيوعي. وبذلك توفرت للغرب فرصة إعلان ما اعتبره انتصارا حاسما على الشيوعية، سجلته الرأسمالية المؤسسة على النسخة الغربية للديمقراطية. وهنا تسابق الكتّاب والمفكرون والسياسيون في مجال الترويج للنظام الغربي حتى قالوا على لسان فرانسيس فوكوياما أن التاريخ بلغ نهايته بما اعتبروه انتصارا كاملا للديمقراطية الليبرالية. وكان تدمير جدار برلين وتوحيد ألمانيا من أولى نتائج سياسات غورباتشوف التي أثقلت كاهل الاتحاد السوفييتي وساهمت في تصدعه.
كانت نتائج سقوط الاتحاد السوفييتي كارثية لروسيا. فقد وجدت موسكو نفسها امام انهيار واسع لا يمكن إيقافه، وتدخل الغرب عمليا لدعم شعوب الجمهوريات التي كانت منضوية آنذاك تحت راية الاتحاد السوفييتي، فانطلقت الاحتجاجات والتظاهرات في اغلب تلك الدول، وبدأت انظمتها الشيوعية تتساقط الواحدة تلو الأخرى. وأمام عين موسكو كانت الأنظمة البديلة لتلك الدول تتسابق لإعلان ديمقراطيتها وانفصالها الإيديولوجي والسياسي عن موسكو. وهنا تضاعفت آلام روسيا بتوسعين حققهما الغرب: سياسي وعسكري. ففي غضون ثلاثة أعوام من حل الاتحاد السوفييتي رسميا (21 ديسمبر 1991) بدا حلف الناتو في رسم خطط للتوسع، وبشكل تدريجي انضم أغلب جمهوريات أسيا الشرقية المستقلة للحلف، وارتفع عدد أعضائه من 12 خلال الحرب الباردة إلى 30 في الوقت الحاضر. كما توسع الاتحاد الأوروبي الذي نظمت وحدتَه معاهدةُ ماستريخت في العام 1992، ليصل عدد أعضائه إلى 27 عضوا، بعد انضمام دول الاتحاد السوفييتي السابقة.
هذه التطورات كشفت حجم النتائج الناجمة عن سياسات غورباتشوف. هذه السياسات حظيت بدعم غربي واسع ورفض شبه مطلق من داخل روسيا. وعبر عن ذلك الانزعاج فشل غورباتشيف في محاولته في العام 1996 العودة إلى الحياة السياسية، إذ لم يحصل إلا على 0.5 بالمئة فقط من الأصوات في الانتخابات الرئاسية. يضاف إلى ذلك أن الغرب رفض احتضان روسيا، ولم يتحقق حلم الرئيس الذي أسقط الاتحاد السوفييتي. ولم يحصل من الغرب سوى دعمه للحصول على جائزة نوبل للسلام في العام 1990. «لدوره القيادي في التغييرات الجذرية في العلاقات بين الشرق والغرب».
هام : هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير
كلمات دليلية
التعليقات (0)
أخبار متعلقة
أحدث الموضوعات
الأكثر قراءة
طارق مهني يكتب : بزنس المعارضة - سبوبة الزنازين منذ 4 سنوات
كفى (بورنو) سياسي وإعلامي منذ 5 سنوات
جمال ومكياج