سامح المحاريق يكتب: محاولة لقراءة الدبلوماسية الخليجية

profile
  • clock 14 أكتوبر 2022, 4:05:46 م
  • تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
Slide 01
google news تابعنا على جوجل نيوز

تواجه دول الخليج اتهامات متصاعدة في الولايات المتحدة بالتواطؤ مع روسيا، من أجل استثمار اللحظة الراهنة في تعظيم مكتسباتها، من أزمة طاقة جارية وأخرى مرتقبة، ومع موقف السعودية في «أوبك بلس» قبل أيام تصاعدت النبرة الاتهامية، وأصبحت موضوعاً مطروحاً في البيت الأبيض، ولكنه لن يتجاوز ورقة أخرى سرعان ما ستذهب إلى الأرشيف لاستخدامها في وقت آخر مناسب.
أخذت الدبلوماسية الخليجية تصبح موضوعاً ساخناً في السنوات الأخيرة، حتى مع وجود قناعة بأنها تقوم على إجراءات تكتيكية أكثر منها رسم استراتيجيات بعيدة المدى، في ظل مجموعة من الهموم التي ترتبط بموقع الخليج، ودوره في خريطة قيد التشكل لعالم جديد، عالم تتعدد فيه الأقطاب وتعود سياسة المحاور الإقليمية إلى الظهور من جديد في وقت يتعذر فيه ظهور محور عربي يمكنه أن يتعامل مع التحديات المستقبلية.
قراءة الدبلوماسية الخليجية مسألة مرهقة، وقراءتها بعقلية غير خليجية تعطي نتائجاً خاطئة في أغلب الأحوال، كما أن ديناميكية هذه الدبلوماسية واستجاباتها السريعة، تشكل صعوبة إضافية، فبينما ما زالت التقاربات بين مصر وتركيا تمضي بوتيرة بطيئة للغاية، فإن زيارات متبادلة تواصلت بين الإمارات والسعودية من جهة وتركيا من جهة أخرى، والتفاوت في القدرة على الاستجابة يشكل الفرق بين محورين في المنطقة، أحدهما كلاسيكي يعيش في تجاذبات الدولة التقليدية وخبراتها التاريخية ومؤسساتها التي تتحول إلى أجنحة متصارعة تتبادل التعطيل وعلى الأقل تضيع الوقت في التشكيك، والثاني، جديد يقوم على بنية مركزية واضحة، ونمط إداري متماسك، وتتخذ فيه القرارات بمرونة.
الدبلوماسية الخليجية على الصعيد العالمي ليست قديمة، وباستثناء السعودية، وفي مرحلة لاحقة قطر، فإن لعبة الأمم لم تكن أحد المشاغل الخليجية، وحتى بداية الألفية الجديدة، فإن دول الخليج كانت تتصف بالانكفاء تجاه شؤونها الداخلية، ومشروعات التنمية والبنية التحتية، وكانت مظلة مجلس التعاون الخليجي تعمل بصورة مقبولة داخل التحديات، التي رافقت نشأتها مثل توابع اتفاقية كامب ديفيد بين مصر و(إسرائيل) والثورة الإيرانية والحرب التي أعقبتها بين العراق وإيران. بعد السعودية وقطر، دخلت الإمارات في فضاء الحراك الدبلوماسي الدولي إثر وجود مجموعة من مواطنيها في ضربة مركز التجارة العالمي في نيويورك 2001، وبدأت ملامح الدبلوماسية العمانية الهادئة تعلن عن نفسها في مرحلة لاحقة، وبطبيعة الحال، اتخذت هذه الدبلوماسيات غطاءً إعلامياً واسعاً، من خلال مؤسسات مختلفة، بحيث أصبحت الدبلوماسية الخليجية أمراً لا يمكن تجاهله أو تجاوزه. الإعلام أخذ يمنح دول الخليج فرصة أوسع لممارسة علاقات دولية تتسم بالجرأة، ومع انتقال مراكز التأثير العربية من الحواضن التقليدية إلى العواصم الصاعدة في الخليج، ولكنه يمثل أيضاً عبئاً على الخليج، خاصة في مرحلة تتصف بعدم الاستقرار الناتجة عن تحولات عالمية متسارعة ومفاجئة، ولأن القرار الخليجي بشكل خاص، والعربي بشكل عام، ينبني على مستوى واحد من اتخاذ القرار، فإن اتخاذ الانعطافات تبدو غير مفهومة، وكثيراً ما تظهر غير ضرورية.

الدبلوماسية الخليجية أصبحت موضوعاً ساخناً في السنوات الأخيرة، حتى مع وجود قناعة بأنها تقوم على إجراءات تكتيكية أكثر منها رسم استراتيجيات بعيدة المدى

روسيا هي محطة بين محطات كثيرة، وفي وضعها الحالي لا يمكن التعويل عليها لأنها تعاني من مشكلات أبعد كثيراً من الأمن، وبعد توسعها إلى حدود مفرطة لتكون النواة السلافية بعيدة عن التهديدات، فإنها ستبقى غارقة في البارانويا تجاه فضائها الحيوي، خصوصاً مع الحقائق السكانية، وعلى هذه الأرضية، فالترحيب الروسي بالتقارب الخليجي سيبقى حذراً، والأهم من ذلك مشروطاً، أن تكون الأولوية لطهران وأنقرة، ببساطة لأنهما يمتلكان أوراقاً يمكنها مضايقة روسيا في حديقته الأوراسية الخلفية، شعوب بأكملها ودول تعيش نفسها علاقات قائمة على وشائج تاريخية مع تركيا وإيران، ولذلك، وأمام مخططات الهيمنة التي تتعزز مع تراجع الدور الإقليمي لمصر في المتوسط، وانفصال المغرب العربي بمشكلاته وأزماته، فالمحصلة تدفع الخليج إلى مواجهات مؤجلة تؤثر في أولوياته الدبلوماسية. الجوار الصعب في منطقة تزاحمت فيها التناقضات وترسبت في صورة عقائد قومية ووطنية وسياسية تتقاطع مع واقع جغرافي يحمل زخماً من الثروات، يجعل الخليج منطقة متوترة على صعيد العقلية السياسية، مع مزيد من السخونة في التفاعلات القائمة يتعزز بوجود جيل جديد من القيادات الخليجية يتزامن مع جيل من المواطنين، تلقى تعليماً متقدماً وحظي بفرص كبيرة للانفتاح على العالم، وعلاوة على ذلك، منجزات واسعة في مجالات البنية التحتية والاستثمارات دفعت الدول الخليجية لأزمة الثروة التي لا يمكن استيعابها داخل السكانية الحالية، بما يدفع للسعي تجاه استثمارات عالمية تعزز أيضاً من الاهتمام بالدبلوماسية الخليجية. بعيداً عن التفسيرات السهلة بوجود أزمة خليجية ـ أمريكية، وهي موجودة وستظل وستتكرر بصورة دورية، فإن التقارب الروسي ـ الخليجي الراهن لا يمكن القفز به بعيداً إلى استنتاجات تتعلق بمستقبل الخليج، فالعلاقات الأمريكية واحدة من الملفات، أما المتغيرات الأخرى فتتمثل في مخاطر جيوسياسية في العراق وسوريا واليمن قابلة للتوسع، ومعها صراعات أخرى في مناطق قريبة مثل مصر وإثيوبيا والسودان وليبيا، وتبقى تركيا ومشروعها.
المشكلة في الدبلوماسية الخليجية التي تعمل أحياناً على زيادة التوتر بإيقاعها المتصاعد، في وسط عربي يحاول تأجيل المشكلات وفرض الرتابة من أجل كسب الوقت أنه من الصعب الحكم على أدائها وتحديد ما إذا كان فعلاً مبادراً أم رداً للفعل، لتركيبة العقل السياسي في الخليج والطبيعة المؤسساتية ذات الصبغة الإدارية أكثر منها السياسية الوظيفية.
تأمل الدبلوماسية الخليجية وتجميع المهام ووضعها في سياقها يبدو مهمة مثل استكمال الصورة في لعبة البازل، فلا أحد يمكنه اليوم أن يتعرف على استراتيجية الخليج بعيدة المدى، والعامل الاقتصادي الذي يفرض نفسه على الدبلوماسية الخليجية يجعل الفصل غير ممكن في لعبة التحالفات الصعبة في العالم، ولا أحد يمكنه أن يستمتع تحت الشمس المشرقة كما أوصى وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان في ظل البرد القارص المقبل على أوروبا. الوجود تحت الأضواء والصعود إلى خشبة المسرح في هذه اللحظة مسألة تتسم بكثير من الحساسية، ونقطة فاصلة في مسيرة العلاقات الدولية للخليج والدبلوماسية التي تعبر عنها، والأسابيع المقبلة ستمنح حكمها حول مرحلة من الدبلوماسية النشيطة للخليج، وربما تجعل من التنبؤ بالمسارات الخليجية ممكناً مع تأسيس لاستراتيجية كاملة ستبقى مستندة إلى حصاد المرحلة ونتائجها سواء كانت ايجابية أم سلبية.
كاتب أردني

التعليقات (0)