سامح المحاريق يكتب: العملات العربية والسقوط الحر بين الخبز والسيرك

profile
  • clock 10 فبراير 2023, 12:05:59 م
  • تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
Slide 01
google news تابعنا على جوجل نيوز

تحت ركام التعقيدات المرتبطة بأسعار صرف العملات المختلفة، توجد حقيقة بسيطة للغاية، وهي أن جميع المؤشرات الاقتصادية ترتبط حقيقة بالإنتاج والاستهلاك، فالدولة التي يمكن أن تتحصن من ضربات أسعار الصرف هي التي ستقدم منتجات ملموسة وغير ملموسة أكثر من استهلاكها، وصحيح أن أمور أخرى كثيرة دخلت مع الوقت مثل، اتفاقيات التجارة الدولية التي جعلت جانباً من الإنتاج المحلي في بعض الدول لا يستطيع أن ينافس التكلفة المنخفضة للمستوردات، إلا أن ذلك لا ينفي السلبية تجاه استغلال الموارد من جهة الإنتاج، والقوانين والأدوات التشريعية من جهة الاستهلاك، لتحسين الواقع الاقتصادي.
ما تشهده بعض الدول العربية من سقوط حر لعملاتها يعبر عن مرحلة عميقة من الفشل، ولكل دولة قصتها وظروفها الخاصة، ويبقى أن من يدفعون تكلفة الفشل هم الطبقات الفقيرة التي تعتاش على حدود استهلاك متدنية بحيث تصبح التضحيات من أساسيات الحياة، وتجعلهم عرضة لدفع التكلفة اليوم ومستقبلاً من تعليم أبنائهم وتغذيتهم بصورة صحية، أما الطبقات التي استفادت من وضعية التراخي فيمكنها أن تتحمل شيئاً من العبء، وأن تضحي بالقهوة بالبندق أو غسول الوجه لنضارة أكثر. جميع الأمور تصل إلى أزمة الشرعية في الدول العربية، التي لم تستطع أن توجه المجتمعات نحو الإنتاجية، وعلى العكس، أطلقت النار على أقدامها وهي تحاول توفير الأكثر في المدى القصير من مستوردات سلعية رخيصة أو غالية، وتتناسى تكلفة تبوير الزراعة والصناعة على المدى البعيد، لتصبح الوظيفة التي تخضع المزيد من الناس وتجعلهم مرتبطين بالدولة، من خلال علاقة عمل ليست منتجة في أغلب الأحوال هي الحل الذي تقدمه من أجل الاستمرارية، وهذا ما يتعلق بالخبز، أما السيرك، فمعالمه كانت واضحة، وإذا شئتم شيئاً من التمرد والخروج عن المألوف، فيمكن لقنوات التلفزيون أن تشبعكم بمشاهدة مدرسة المشاغبين، ولكن ذلك، أمام المعلم والمدرسة، وليس أمام المخبر والشرطي.

ما يحدث ليس ظاهرة اقتصادية بالمعنى المتعارف عليه وأية ترتيبات للإنقاذ أو التسوية من غير الالتفات إلى دور الدولة في مساعدة الإنسان على العمل والإنتاج ستكون مؤقتة

الخبز والسيرك كانت أداة الإمبراطورية الرومانية في إلهاء الجموع، ولكن وراء ذلك، كان يجب أن يحضر سؤال القمح والثقافة، أما القمح، فكانت الجيوش الرومانية توفره من غزواتها في حوض المتوسط، وتكفلت النخبة الرومانية بتشكيل الثقافة، التي بدأت تنهار مع تراجع نوعية النخبة وانسياق أسئلتها تجاه التفاهة، واليوم، ليس ثمة سيطرة في المنطقة العربية على القمح أو الثقافة، وطبيعي أن تشهد المجتمعات لحظة الحقيقة التي تتبدى في تهالك المؤسسات التي تخصصت أدوارها في التقاسم غير العادل والاسترضائي من غير التفات إلى الإنتاج. النخبة العربية التي أنتجت في الغرب وتشبعت بحلوله ونظرياته لم تفعل شيئاً سوى تكريس الارتهان للغرب من خلال المديونية الباهظة، التي لم تتجه إلى العمل على تحسين شروط الإنتاج، ولكنها انطلقت من العروض التقديمية (البريزنتيشن) في رياضة ذهنية منفصلة عن الواقع، ولم تدرك أن الإصلاح يبدأ من إعادة تعريف العلاقة بين المواطن والدولة، وهو السؤال الذي يعود من جديد إلى الشرعية، ومنظور الرؤية التي تحملها الدولة للمواطن، والعكس. ثم هل يوجد مفهوم حقيقي للمواطنة، تنبني عليه مفاهيم الحقوق والواجبات؟ وهل توجد مخارج واقعية من محنة ارتكاز الدولة الحديثة على مفاهيم تراثية مثل الرعايا في قوالب حديثة، وبحيث تتحصن الدولة في رداء أبوي يتعالى على الشعب، فهو يأتي لينقذ الشعب من غفلته وضياعه، ولا يخرج من الشعب ويعبر عنه ويمثله، ويضعه أمام مسؤولياته.
خدرت السواعد العربية طويلاً، ولم تعد توظف إلا في رسالة للدولة، غامضة وغير واضحة، ومضطربة الأولويات، وتحولت الشعوب العربية إلى أفواه مفتوحة، وتكاد قدرة الدولة تضمحل على إسعافها، كما فعلت لسنوات طويلة، عملت خلالها على تجفيف ما تمنحه ثقافة الإنتاج من استقلالية وطموح وما تثيره من تطلعات ومطالب. انهيار العملات العربية يشبه لحظة الإفاقة على حقيقة أن مخدر المديونية لاستمرار دولة الرعاية لم يعد متوفراً، وأن ذلك سيعبر عن نفسه في وقفات مذلة ومهينة أمام فاترينة الحاجات الإنسانية البسيطة بالنسبة لمعظم المواطنين الذين يجدون أنفسهم في منزلق كارثي من التنازلات تصل بهم إلى أرغفة تتناقص باستمرار على طاولات طعامهم. ما يحدث ليس ظاهرة اقتصادية بالمعنى المتعارف عليه، كتعبير عن خلل مؤقت أو رهانات خاطئة في مرحلة ما، ولكنه حقيقة اجتماعية عميقة وهيكلية، وأية ترتيبات للإنقاذ أو التسوية من غير الالتفات إلى دور الدولة في مساعدة الإنسان على العمل والإنتاج ستكون مؤقتة هي الأخرى، ومجرد تأجيل لحقيقة الخروج المهين من التاريخ، إذا استمرت هذه الوضعية، بمعنى التداعي الكامل وإتاحة المواقع للفرجة على ما تحققه الشعوب الأخرى من تقدم وانزياح لمزيد من الوفرة، تقابله موارد معطلة أو مستغلة بصورة خاطئة وبخسة في دول أخرى، وإذا كانت الصين عبرت فعلياً عنق الزجاجة لتبدأ في توسع حثيث للسيطرة على الموارد وتوظيفها، فإن دولاً أخرى تتأهب مثل الهند وبنغلاديش، وكل ذلك عنوانه زيادة الإنتاجية ولو بتكلفة قليلة في المرحلة الانتقالية، فإن عنق الزجاجة في المنطقة العربية ليس سوى كوة يتم من خلالها تغذية السلبية والاستسلام لواقع الخبز المسموم والسيرك البائس الذي تجري وقائعه منذ عقود من الزمن.
كاتب أردني

التعليقات (0)