أحدث الموضوعات
سامح المحاريق يكتب: إيران… الحرب المستحيلة والسلام البعيد
-
24 يونيو 2022, 5:23:56 م
- تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
الصراع مفهوم واسع تمثل الحرب ذروته، والسلام مهما كان دافئاً هو أحد تمثلاته، وبين الحرب والسلام، حالات كثيرة مثل الاحتواء والتعايش وربما التحالف، فالصراع بمعناه الدولي، وقبل ذلك الأممي هو صراع بين ثقافات مختلفة وطرق متباينة للحياة، ومن الصراعات الأولى التي تشكلت في الوعي العربي، الصراع مع الجيران الفرس، والمقولة المنسوبة إلى الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، ليت بيننا وبين الفرس جبلاً من نار لا ينفذون إلينا ولا ننفذ إليهم، تعبير واضح عن هذه الحالة، لكن المقولة بالطبع تمثل مزاجاً عربياً كان سائداً في زمن بداية الإسلام، أو تشكل بعد ذلك، لأن زمن الخليفة عمر شهد بداية الفتح الإسلامي لبلاد فارس.
وقوع الحرب أفضل من انتظارها، لأن الحرب ستنتج مهزوماً ومنتصرا، ومع ذلك فإن حرباً لن تقع بين الإيرانيين والعرب، وستبقى حالة التوتر قائمة
فارس أو إيران الحالية تمثل الجار الأقرب إلى العرب من الناحية الجغرافية، مع تشكل ما يسمى بالجنين الأولي للهوية العربية، فالمناطق شمال الجزيرة العربية كانت شهدت هجرات عربية واسعة، ومهما وجدت خلافات بين المؤرخين فالواضح أن العرق العربي كان يشكل الكتلة السكانية الكبرى في هذه المناطق، إلا أن التأثير الديني للبيزنطيين كان يجعل الشعوب العربية أكثر ميلاً للعلاقة مع الروم، بالإضافة إلى وجود مبادئ المواطنة الرومانية التي جعلت بعض العرب يعيشون وضعاً متميزاً في المناطق الرومانية، مقابل نظام طبقي وعرقي صارم كان يسود في المناطق الفارسية.
هذه الرحلة في جيولوجيا التاريخ تتأتى لتضع الصراع العربي ـ الفارسي في سياقه الأوسع الذي لا يطل عليه كثير من المراكز البحثية المعاصرة، التي تكتفي بالفصل الأخير الذي يرتبط بظهور النفط بغزارة على ضفاف الخليج العربي الفارسية والعربية على السواء، وهو الأمر الذي جعل الصراع يدخل في اهتمامات القوى الغربية، التي حرصت على وجود أنظمة موالية أو مهادنة حول مصادر الطاقة الحيوية، التي رسمت ملامح القرن العشرين، وبعد النفط بدأ عصر الغاز وتواصلت القصة، وتعددت فصولها، واستدعى العرب والفرس تواريخ قديمة لإعادة إنتاجها من جديد وتوظيفها بصورة واعية وغير واعية في الخطاب السياسي في المنطقتين. الصراع لم يبدأ بالأمس ولن ينتهي غداً، لكنه يعيش مرحلة من التناقض الهائل في هذه اللحظة التاريخية، فلأكثر من أربعين عاماً تعيش إيران أزمة لا تمتلك سوى تصديرها إلى الخارج، فالثورة الإيرانية تشكلت في أجواء قومية واضحة، وأخذت تتصاعد في العقود التي سبقت ظهور رجال الدين والحوزة على الساحة الوطنية في الفعل الإيراني، ومع أن رجال الدين في جزء من تكوينهم يعتبرون قوميين إيرانيين بحكم الجينات الثقافية واللغوية، إلا أن المشكلة الكبرى هي أن رجال الدين الذين يمكنهم تسيير المشهد الإيراني برمته وفق الخطة الإلهية القائمة على عودة المهدي المنتظر، أو عملية استعادته غير المنتهية، يبقون عرباً وينتظرون رجلاً عربياً في النهاية. تداول الناس قبل سنوات في إيران والدول العربية تسجيلاً لأمسية شعرية أطربت الحضور للشاعر الإيراني مصطفى بادكوبه، يعلن رفضه دخول الجنة التي يتحدث أهلها العربية، ويبدو أن النشوة القومية جعلت الفرس يتناسون تناقضهم القائم مع المنظومة الحاكمة التي تستمد شرعيتها من ثقافة أخرى، على الرغم مما تركته الثقافة الفارسية من بصمات على العقيدة الشيعية السائدة في إيران، التي كانت نفسها بلداً سنياً قبل ذلك. تدرك إيران إلى حد بعيد أن دخولها المنطقة العربية من خلال بوابة الهويات المذهبية هو الاستثناء، وأن الصراع الداخلي في المجموعة العربية استطاع أن يوفر منصات متقدمة للتأثير الإيراني، ويدركون أن هذا كله لا يمكنه أن يسهم في تقديم حلول لمشكلات الشعب الإيراني تحت نظام حكم يستمد شرعيته من السماء، بينما تتمدد تحته الأرض بمختلف أنواع الأزمات والمشكلات، لكنهم لا يمتلكون السلّم الذي ينزلهم إلى الأرض، وليس بوسعهم مواجهة الأسئلة الكبرى في هذه المرحلة التاريخية، لأنهم يعيشون عملياً على أرض قلقة محاطة بالتجاذبات العرقية بين شعوب وسط آسيا وتقاليدها القبلية وتقاطعها بين طموحات الأمم الصاعدة في روسيا والصين.
وقوع الحرب أفضل من انتظارها، لأن الحرب ستنتج مهزوماً ومنتصراً، ولكل من النصر والهزيمة مشاكلهما الخاصة، ومع ذلك فإن حرباً لن تقع بين الإيرانيين والعرب، وستبقى حالة التوتر قائمة ولهذه الحالة مستفيدون كثيرون، وراء ظهر الإيرانيين في مناطق تختمر بالغضب واليأس في أفغانستان، وأخرى بالطموحات الكبيرة في باكستان وما وراءها، ووراء ظهر العرب في افريقيا والبحر المتوسط، ومهما تكن الأحاديث قائمة عن سعي إيراني لدخول حدائق الفطر النووي، وسباق عربي محموم للتسلح بأبابيل الطائرات الحديثة، فأي من القوتين لا تستطيع محو الأخرى، وأي حرب ستكون تدشيناً لحرب تالية، ولذلك فما يمكن فعله في هذا الصراع هو تبريده في استراتيجيات أخرى من شأنها أن تخفف الاستنزاف المتبادل الذي يستهلك الجانبين ويبقيهما في حالة انكشاف على مخاطر أخرى تحيط بهما. حالة التوتر تلتهم المنطقة بصورة بطيئة وتدفعها إلى التآكل المتواصل وما يحدث أسوأ من الانفجار، فبعد الانفجار يمكن معاودة البناء أياً كان الجانب المنتصر أو المهزوم، أما عملية البناء في المكان الخطأ فبرميل بارود يتغذى من إمكانيات المنطقة ومستقبلها، برميل بارود رطب لن ينفجر وحتى ولو حدث، فسيكون باهتاً، ولن يصنع حتى ما تصنع الألعاب النارية التي تنطلق في مناسبات روتينية وتافهة.
كاتب أردني
هام : هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير
كلمات دليلية
التعليقات (0)
أخبار متعلقة
أحدث الموضوعات
الأكثر قراءة
طارق مهني يكتب : بزنس المعارضة - سبوبة الزنازين منذ 4 سنوات
كفى (بورنو) سياسي وإعلامي منذ 5 سنوات