أحدث الموضوعات
د. محمود زكريا يكتب: كيف أثَّر الصراع الأوكراني على الدور الإفريقي في النظام الدولي؟
-
9 يونيو 2022, 1:27:59 م
- تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
ضاعفت الحرب الروسية–الأوكرانية، التي اندلعت في أواخر فبراير 2022، من التداعيات السلبية المختلفة على القارة الإفريقية، ولا سيما على المستوى الاقتصادي، خاصةً في ظل استمرار جائحة كورونا، ولعل هذا ما أكده كل من صندوق النقد الدولي ولجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لإفريقيا؛ حيث أشارا إلى تنامي الأضرار الاقتصادية التي لحقت بالبلدان الإفريقية من جراء هذه الحرب؛ وذلك في ضوء اعتمادها الكبير على الإمدادات الغذائية من كل من طرفَي الحرب، كما سلط برنامج الغذاء العالمي الضوء على نقص إمدادات الطوارئ لإطعام الجوعى في شرق إفريقيا. وعلى الرغم من هذه التهديدات والمخاطر المصاحبة لهذه الحرب، فإن ثمة فرصاً قائمة منها يمكن للدبلوماسية الإفريقية أن تستثمرها لتعزيز المكانة الدولية لإفريقيا في الوقت الراهن.
اتجاهات متباينة
جاءت المواقف الرسمية للدول الإفريقية من الحرب الروسية–الأوكرانية متباينة منذ اللحظة الأولى لاندلاعها؛ وذلك وفقاً لمنظومة الأهداف والمصالح الذاتية لكل دولة على حدة، وهو ما بدا جلياً في السلوك التصويتي للكتلة الإفريقية في الأمم المتحدة على القرار الصادر عن الجمعية العامة في 2 مارس 2022، الذي طالب روسيا “بالسحب الفوري والكامل وغير المشروط لجميع قواتها العسكرية من أراضي أوكرانيا داخل حدودها المعترف بها دولياً”، ومن بين الدول الإفريقية الأعضاء البالغ عددها (54) دولة، وافقت (28) دولة على القرار، واعترضت دولة واحدة – وهي إريتريا – وامتنعت (17) دولة عن التصويت، بينما لم تصوت (8) دول أخرى على الإطلاق؛ علماً بأن العدد الإجمالي للدول الموافقة بلغ (141)، والرافضة (5) دول، والممتنعة عن التصويت (35) دولة؛ وذلك من إجمالي (193) دولة عضواً.
وفي هذا الإطار، يمكن القول إن ما يقرب من نصف عدد الدول الإفريقية في الأمم المتحدة قد اختارت الحياد على نحو ما، وهو الأمر ذاته بالنسبة إلى التصويت على قرار إخراج روسيا من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في 7 أبريل الماضي؛ حيث إن غالبية الدول الإفريقية فضَّلت البقاء على الحياد، وفي المقابل صوتت ( 10) دول فقط لصالحه، و(9) دول ضده.
عوامل مفُسرة
يمكن تفسير قرار العديد من الدول الإفريقية البقاء على الحياد وتجنب إدانة روسيا لتدخلها العسكري في أوكرانيا، في ضوء جملة من الأسباب الرئيسية تتمثل فيما يأتي:
1– الاعتماد العسكري المتزايد على روسيا: وهو التوجه الذي ظهر منذ العقد الماضي. وقد تراوح هذه الاعتماد بين التعاقد مع شركات أمن خاصة مثل مجموعة “فاجنر” (حالة مالي مثلاً) وتلقي واردات الأسلحة؛ حيث تعد روسيا أكبر موردي الأسلحة إلى القارة الإفريقية التي استحوذت على نحو (49%) من إجمالي صادرات موسكو العسكرية للخارج في عام 2020. وقد جاءت الجزائر ومصر في المركزين الأول والثاني قارياً في هذا الشأن؛ وذلك بنسبة (52%) و(35.5%) على الترتيب من إجمالي صادرات الأسلحة الروسية لإفريقيا؛ وذلك بقيمة (4.1) و(2.8) مليار دولار على الترتيب.
كما أدى عدم تركيز روسيا على إقحام ملف حقوق الإنسان في تفاعلاتها الخارجية، إلى تحول العديد من البلدان في إفريقيا إلى بناء تحالفات عسكرية معها؛ فعلى سبيل المثال، عندما رفضت الولايات المتحدة بيع أسلحة معينة لنيجيريا بسبب الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان المسجلة في حربها ضد جماعة بوكو حرام؛ لجأت الدولة إلى بناء علاقات عسكرية مع دول أخرى، بما في ذلك روسيا وباكستان، للحصول على الأسلحة.
2– أهمية روسيا للأمن الغذائي في إفريقيا: تعتمد العديد من الدول الإفريقية في إنتاج القمح والأسمدة على روسيا التي تستحوذ على (16%) من إنتاج القمح العالمي، و(13%) من إنتاج الأسمدة؛ الأمر الذي أدى إلى تعميق العلاقات الاقتصادية المشتركة؛ حيث بلغت واردات الدول الإفريقية من القمح من كل من روسيا وأوكرانيا نحو (5.1) مليار دولار بين عامي 2018 و2020؛ وذلك وفقاً لتقديرات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية “أونكتاد”، كما تعتمد ربع الدول الإفريقية على الدولتين في ثلث استهلاكها من القمح؛ حيث يأتي أكثر من (44%) من القمح المستهلك في دول القارة من روسيا وأوكرانيا.
كما تعتمد عدة دول إفريقية، لعل من أهمها الكاميرون وغانا والسنغال وكينيا، على استيراد الأسمدة من روسيا التي تعد بمنزلة أكبر مُصدر للأسمدة النيتروجينية، وثاني أكبر مصدر للأسمدة الفوسفورية والبوتاسيوم على مستوى العالم، وهو ما جعل الدول الإفريقية تخشى تداعيات هذه الحرب على أمنها الغذائي، ولا سيما في ضوء تحذير الأمم المتحدة من مواجهة نحو (18) مليوناً الجوع الشديد في منطقة الساحل، ونحو (13) مليوناً في منطقة القرن الإفريقي نتيجة للجفاف المستمر.
3– تصوير الصراع الأوكراني باعتبارها حرباً بالوكالة: وهو تصور سائد لدى عدد من الدول الإفريقية، بما يعيد إلى الأذهان أجواء مرحلة الحرب الباردة والتداعيات السلبية المرتبطة بها، التي جلبت العديد من المصاعب للبلدان الإفريقية. وفي ضوء ذلك فإن العديد من البلدان الإفريقية اختارت أن تظل محايدة في ظل هذه الأزمة، خاصةً في ظل سير الصين – وهي حليف رئيسي للعديد من البلدان الإفريقية –على النهج ذاته؛ الأمر الذي دفع بعض حلفائها في إفريقيا إلى تبني مسارها.
4– تراجع الثقة بالحلفاء الغربيين التقليديين: ثمة تصور متزايد في العديد من البلدان الإفريقية بأن الحلفاء الغربيين التقليديين يركزون على تلبية حاجات اقتصاداتهم وشعوبهم فحسب، وأن تقديمهم الدعم والمساندة مرهون بمصالحهم الذاتية أو الأجندة الليبرالية؛ فعلى سبيل المثال، منذ بدء ظهور تأثير العقوبات الغربية على روسيا من جراء تدخلها العسكري في أوكرانيا، من حيث ارتفاع أسعار السلع الأساسية؛ تحولت الولايات المتحدة إلى فنزويلا، بينما لجأت المملكة المتحدة إلى المملكة العربية السعودية لزيادة إنتاج النفط وتقليل أعباء المواطنين في الداخل، وهو ما أعاد إلى الأذهان ضعف الدعم الذي تلقته الدول الإفريقية منذ بداية جائحة كورونا في عام 2020.
5– الشكوك المتنامية تجاه دور الناتو في إفريقيا: تتوجس بعض الدول الإفريقية في دور حلف الناتو في إفريقيا، الذي يعد بمنزلة الذراع العسكرية للولايات المتحدة وأوروبا الغربية، وقد تبلورت هذه الشكوك من قبل في عام 2012 بفعل التدخل العسكري للناتو في ليبيا لإسقاط نظام الرئيس الليبي الأسبق “معمر القذافي”، وما تلا ذلك من زعزعة الاستقرار في شمال إفريقيا وإقليم الساحل.
فرص واعدة
على الرغم من المخاطر والتهديدات العديدة المصاحبة للحرب الروسية–الأوكرانية وتأثيراتها السلبية على دول القارة الإفريقية، سواء على مستوى إمدادت الطاقة أو المواد الغذائية وغيرهما، التي جعلت الاتجاه السائد في الدبلوماسية الإفريقية أميل إلى تبني خيار الحياد لضمان تقليص حجم هذه التداعيات السلبية.. رغم كل ذلك يمكن لهذه الدبلوماسية الاستفادة من هذه الحرب وتحويلها إلى فرص واعدة لتعزيز مكانة إفريقيا في النظام الدولي المعاصر؛ وذلك كما يأتي:
1– سد النقص في المعروض عالمياً من مصادر الطاقة: يمكن للدول الإفريقية سد الفجوة المتزايدة في هذا القطاع الحيوي بفعل العقوبات الغربية المفروضة على روسيا، ولا سيما في ضوء قرار الاتحاد الأوروبي – الذي يحصل على (45%) من الغاز المستورد من روسيا – المتعلق بالتقليص التدريجي للاعتماد على الغاز والنفط الروسيَّين منذ مايو الماضي، وهو ما يعني أن لدى إفريقيا فرصة حقيقية لتلبية وسد احتياجات دول الاتحاد الأوروبي من مصادر الطاقة، خاصةً أنها تمتلك بدورها نحو (8%) من احتياطيات الغاز الطبيعي في العالم؛ ففي عام 2021 بلغ إجمالي احتياطيات الغاز الطبيعي في إفريقيا ما يزيد عن (620) تريليون قدم مكعب، وتضمُّ نيجيريا أكبر احتياطيات القارة بنحو (200) تريليون قدم مكعب؛ أي ما يعادل نحو (3%) من احتياطيات الغاز الطبيعي العالمية؛ لذلك قد تتجه نيجيريا نحو ملء الفراغ المحتمل في الإنتاج العالمي للغاز من خلال مواصلة البناء في خط أنابيب عبر الصحراء بطول يصل إلى (614) كيلومتر، وهو الخط الذي سينقل الغاز إلى الجزائر ثم إلى أوروبا.
وعلى مستوى النفط أيضاً، يمكن أن تسهم إفريقيا في سد احتياجات أوروبا منه؛ حيث تمتلك (12%) من احتياطيات النفط في العالم؛ ففي عام 2021 قُدِّر احتياطي القارة من النفط الخام بنحو (125.3) مليار برميل، وقد جاءت ليبيا في الترتيب الأول في هذا الشأن، بواقع (48.4) مليار برميل، تليها نيجيريا باحتياطي بلغ نحو (36.9) مليار برميل، في حين تأتي الجزائر في الترتيب الثالث قارياً بواقع (12.2) مليار برميل.
2– الاستفادة من مساعي الغرب لتعزيز العلاقات بإفريقيا: وهو ما تبلور في عدة شواهد، في مرحلة ما بعد الحرب الروسية–الأوكرانية، ولعل من بينها مساعي ألمانيا إلى تعزيز علاقتها بإفريقيا على نحو ما جاء في زيارة المستشار الألماني “أولاف شولتس” إلى ثلاث دول إفريقية (السنغال، والنيجر، وجنوب إفريقيا) خلال مايو 2022، التي هدفت إلى بحث سبل تعزيز البنية التحتية لاستخراج وتصدير النفط والغاز إلى أوروبا، وتأكيد إبقاء القوات الألمانية في منطقة الساحل؛ للمساهمة في مواجهة التهديدات الإرهابية.
3– العمل على تطوير الاستراتيجيات التصنيعية الوطنية: وهو الأمر الذي يسمح بتقليل الاعتماد على الواردات الخارجية؛ إذ تستند هذه الاستراتيجيات إلى تحويل المواد الخام (الأولية) إلى منتجات نهائية تُقدَّم للمستهلك النهائي في السوق الإفريقية بأسعار منخفضة. ويعزز من ذلك امتلاك إفريقيا قاعدة كبيرة من الموارد الطبيعية؛ حيث إن لديها نحو (30%) من احتياطيات المعادن في العالم، ونحو (40%) من الذهب في العالم، وما يصل إلى نحو (90%) من الكروم والبلاتين، كما تستحوذ على أكبر احتياطيات من الكوبالت والماس والبلاتين واليورانيوم في العالم، فضلاً عن امتلاكها نحو (65%) من الأراضي الصالحة للزراعة، ونحو (10%) من مصادر المياه العذبة المتجددة في العالم.
مسارات مستقبلية
يبدو مستقبل الدور الإفريقي في النظام الدولي على خلفية الحرب الروسية–الأوكرانية محكوماً بمسارين رئيسيين:
1– النجاح في تحويل المخاطر إلى فرص: وينصرف هذا المسار إلى تحويل التهديدات المصاحبة للحرب الروسية–الأوكرانية إلى فرص حقيقية لتعزيز مكانة إفريقيا في المجتمع الدولي. وتتوقف احتمالات نجاح هذا المسار على توافر الإرادة السياسية الحقيقية الجامعة لتعظيم الاستفادة من الموارد الإفريقية، خاصةً في ضوء دخول منطقة التجارة الحرة القارية حيز النفاذ؛ وذلك من خلال تنسيق الجهود الإفريقية البينية المشتركة تحت مظلة الاتحاد الإفريقي من جانب، ومن خلال الاستفادة من الدعم الغربي في هذا الشأن، ولا سيما في ضوء دوافعه المتناميه نحو تعزيز الضغوط على روسيا من جانب آخر.
2– التعثر في استثمار تداعيات الحرب: وهو المسار الذي يُعتبَر الأكثر ترجيحاً، ويفترض عدم قدرة إفريقيا على الاستفادة من الفرص الناتجة عن تداعيات الحرب الروسية–الأوكرانية. ويعزز احتماليةَ حدوث ذلك اعتباراتٌ عدة، لعل من أبرزها ضعف البنية التحتية، واستشراء التهديدات الأمنية في العديد من الدول الإفريقية؛ فأنجولا التي تمتلك نحو (13.5) تريليون قدم مكعب من احتياطيات الغاز الطبيعي، لم تتمكن من جذب الاستثمارات اللازمة لبناء مشروعات البنية التحتية للغاز، التي يمكن أن تسهم في تلبية احتياجات السوق الأوروبية، وكذلك موزمبيق التي تمتلك نحو (100) تريليون قدم مكعب من احتياطيات الغاز الطبيعي، وهو ما يمثل نحو (1%) من إجمالي الاحتياطيات في العالم؛ إذ نجد أن استمرار انعدام الأمن في شمال البلاد الغني بالغاز، أدى إلى إيقاف أنشطة الاستكشاف في مشروع مخطط له تبلغ قيمته نحو (50) مليار دولار.
وختاماً.. يمكن القول إن الدبلوماسية الإفريقية لديها فرص واعدة لتعزيز الوزن النسبي للقارة باعتبارها تكتلاً إقليمياً مؤثراً في المجتمع الدولي في مرحلة ما بعد الحرب الروسية–الأوكرانية، ولكن يتوقف ذلك على مدى توافر الإرادة السياسية المشتركة لتفعيل مختلف الأطر التعاونية المعنية بمواجهة مختلف التحديات المختلفة، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو الأمني؛ وذلك بما يتفق مع مبدأ “الحلول الإفريقية للمشكلات الإفريقية”.
هام : هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير
كلمات دليلية
التعليقات (0)
أخبار متعلقة
أحدث الموضوعات
الأكثر قراءة
طارق مهني يكتب : بزنس المعارضة - سبوبة الزنازين منذ 4 سنوات
كفى (بورنو) سياسي وإعلامي منذ 5 سنوات
مقالات آداب وفنون
خلدون الشيخ يكتب: هل يفقد مانشستر سيتي كل شيء؟ منذ 3 سنوات
نجلاء محفوظ تكتب: أخطاء شائعة عن القوة النفسية منذ 3 سنوات