أحدث الموضوعات
إطالة الصراع: كيف تؤثر العمليات السرية الغربية على مسار الحرب في أوكرانيا؟
-
19 ديسمبر 2022, 3:45:28 م
- تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية
تقدم الدول الغربية، منذ الأيام الأولى للحرب الدائرة على الأراضي الأوكرانية، مساعدات عسكرية غير محدودة لكييف بهدف مساندتها؛ ليس في ردها على الهجمات الروسية المتلاحقة عليها فحسب، بل لدعمها أيضاً في هجماتها المضادة على القوات الروسية؛ من أجل استعادة الأراضي التي استولت عليها موسكو منذ بداية الحرب، خاصةً أن القوات الأوكرانية كادت تستنفد كافة قدراتها العسكرية. وقد أخذت تلك المساعدات الغربية أشكالاً متعددة، تراوحت بين قيامها بعمليات عسكرية سرية ضد القوات الروسية، وتوريد أسلحة ومعدات عسكرية متقدمة، وتقدم موارد مالية لكييف لمساعدتها على شراء وتطوير معدات عسكرية، فضلاً عن مدها بالخبراء العسكريين، لتتحول بذلك الحرب الأوكرانية إلى حرب بالوكالة بين الروس والغرب.
حضور واسع
كشفت العديد من التقارير عن وجود قوات سرية تابعة للدول الغربية داخل أوكرانيا؛ وذلك من أجل تنفيذ مجموعة من العمليات العسكرية لمساندة كييف في حربها ضد موسكو، بجانب الدعم العسكري المعلن، ويمكن توضيح ذلك عبر ما يلي:
1- وجود قوات خاصة أمريكية في الداخل الأوكراني: نقلت تقارير صحفية في 18 أكتوبر 2022 عن مسؤولين استخباراتيين وعسكريين أمريكيين ما يفيد بوجود عناصر من قوات العمليات الخاصة الأمريكية على الأراضي الأوكرانية كجزء من عملية سرية واسعة النطاق تشمل أفراد وكالة المخابرات المركزية الأمريكية. وبالرغم من التقارير الأمريكية السابقة التي أوضحت أن الولايات المتحدة سحبت عناصر وكالة المخابرات المركزية والعمليات الخاصة من أوكرانيا قبل وقت قصير من العملية العسكرية الروسية، فإن تقارير أخرى نقلت مؤخراً عن أحد المسؤولين الأمريكيين تأكيده أن وكالة المخابرات المركزية لم تغادر بشكل كامل.
وأشارت تقارير صحفية مطلع أكتوبر 2022 إلى أنه مع بدء الحرب في أوكرانيا، أعادت إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن إرسال عناصر سرية من وكالة المخابرات المركزية والعمليات الخاصة إلى أوكرانيا، منوهةً أن معظمهم في العاصمة كييف؛ وذلك بعد إخطار بايدن الكونجرس ببرنامج للعمليات السرية داخل أوكرانيا، حتى أصبحت تلك العناصر أكثر كثافة مما كانت عليه في وقت مبكر من الحرب، وتعمل على توفير الأسلحة اللازمة، والمشاركة في عمليات استخباراتية وتدريبية للجيش الأوكراني.
2- مشاركة قوات بريطانية في عمليات سرية بأوكرانيا: اعترف القائد السابق لقوات المارينز الملكية روبرت ماجوان بمشاركة وحدات من المارينز في عمليات سرية في أوكرانيا؛ وذلك في مطلع عام 2022 حينما كان يتردد حديث عن أن القوات الروسية على استعداد للقيام بعملية عسكرية في شرق أوكرانيا. وشاركت مشاة البحرية البريطانية بعد اندلاع الحرب في إجراءات إجلاء الموظفين الدبلوماسيين في كييف، ثم قاموا بعد ذلك بحمايتهم عند عودة عمل السفارة البريطانية هناك بعد انتهاء الحصار الروسي للعاصمة الأوكرانية.
كما تدين أوكرانيا لبريطانيا بشكل خاص في هجماتها ضد القوات الروسية، وتحديداً لأفراد القوات الخاصة البريطانية المعنية بالضرب والاستطلاع داخل أوكرانيا، بالإضافة إلى الدور الاستشاري العسكري الذي تشرف عليه وكالة الاستخبارات البريطانية المعروفة أيضاً باسم MI6، التي اضطلعت بدور كبير بالقرب من الخطوط الأمامية القتالية للجيش الأوكراني، وهو دور يختلف عن نظيره الأمريكي؛ حيث تعمل القوات السرية الأمريكية في الخطوط الخلفية. ورغم أن القوات البريطانية لا تزال غير مخولة بالاشتباك المباشر مع القوات الروسية، لكنها ساهمت في جعل الهجمات الأوكرانية امتداداً مباشراً لعقيدة القوات الخاصة البريطانية.
3- دعم مدربين عسكريين من دول حلف الناتو لكييف: يعمل عشرات الكوماندوز من دول حلف الناتو، بما في ذلك بريطانيا وفرنسا وكندا وليتوانيا، داخل أوكرانيا، وهم مدربون عسكريون يقومون بتدريب وتقديم المشورة العسكرية للقوات الأوكرانية، ولا يوجدون في الخطوط الأمامية مع القوات الأوكرانية، لكنهم يقدمون المشورة من المقرات العسكرية أو عن بُعد من خلال الاتصالات المشفرة. ويأتي وجودهم في البلاد في صورة موظفين دبلوماسيين عادوا إلى كييف بعد تخلي موسكو عن حصار العاصمة الأوكرانية، وهو ما يعبر عن حجم الجهود السرية التي يضطلع بها حلف الناتو لمساعدة أوكرانيا؛ حيث إن مؤشرات الدعم اللوجستي والتدريبي والاستخباراتي التي يقدمونها ملموسة في ساحة المعركة.
يُضاف لذلك أن أعضاء من حلف الناتو يستخدمون مطاراً سرياً بالقرب من الحدود الأوكرانية كمركز لشحن الأسلحة إلى أوكرانيا، بما في ذلك الصواريخ المضادة للدبابات والطائرات. هذا وتتوالى الاتهامات الروسية بوجود جنود مقاتلين في صفوف الجيش الأوكراني من قوات حلف الناتو، يقومون بأنشطة عسكرية ضد القوات الروسية. ويدلل على ذلك تأكيد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في خطابه الوطني في سبتمبر 2022، أن “نظام كييف أطلق عصابات جديدة من المرتزقة الأجانب ووحدات عسكرية مدربة وفقاً لمعايير الناتو”. ومن جانبه، كشف المتحدث العسكري باسم جمهورية لوهانسك بشرق أوكرانيا عن وجود ضباط من الناتو في منطقة خاركيف.
4- مساندة القوات الغربية لهجمات كييف المضادة: كان للحضور الغربي على الأراضي الأوكرانية دور كبير في دعم تنفيذ الهجمات الأوكرانية المضادة على القوات الروسية؛ وذلك بفضل المساعدات العسكرية اللا محدودة التي قدمتها الدول الغربية لكييف؛ فمنذ نهاية أغسطس 2022، أعلن الجيش الأوكراني عن شن هجومين شاملين مضادين: الأول في الشمال الشرقي؛ حيث طُردت القوات الروسية من إقليم خاركيف وكثفت القوات الأوكرانية من هجماتها حتى وصلت إلى حدود إقليم لوهانسك. أما الهجوم الثاني فتمركز في الجنوب؛ حيث تمكنت القوات الأوكرانية في نوفمبر 2022 من طرد القوات الروسية من مدينة خيرسون والمنطقة المجاورة لها، وهي المنطقة الوحيدة التي احتلتها القوات الروسية شرق نهر دنيبرو، الذي يقسم أوكرانيا تقريباً.
كما استطاع الجيش الأوكراني نشر أنظمة صاروخية عالية الحركة (HIMARS)، كانت قد قدمتها الولايات المتحدة له، وضرب مستودعات الذخيرة والجسور التي أُقيمت على نهر دنيبرو، حتى تم تعطيل الخدمات اللوجستية وقطع الإمدادات الروسية لقواتها المتمركزة داخل الأراضي الأوكرانية. يُضاف إلى ذلك أن الجيش الأوكراني استخدم ضربات بعيدة المدى لتهديد القطع البحرية الروسية في المنطقة، وهو ما دفع البحرية الروسية إلى نقل غواصاتها من مدينة سيفاستوبول بالقرم إلى مدينة نوفوروسيسك بروسيا.
تأثير عميق
مما لا شك فيه أن العمليات العسكرية الغربية أثرت على مجريات الحرب الأوكرانية، وأدت بدورها إلى مجموعة من التداعيات يمكن رصد أبرزها على النحو التالي:
1- استرجاع كييف أجزاء من الأراضي الأوكرانية: نجحت الهجمات الأوكرانية المضادة في استعادة أجزاء من جنوب وشرق أوكرانيا كانت موسكو قد سيطرت عليها في الأسابيع الأولى من الحرب؛ حيث أعلنت كييف أنها استعادت أكثر من 8000 كيلومتر مربع من الأراضي التي احتلتها روسيا، بعدما دفعت الهجمات المضادة الأوكرانية القوات الروسية إلى الانسحاب من منطقة خاركيف في شمال شرق البلاد، واستعادة منطقة خيرسون في جنوب البلاد، كما انسحبت القوات الروسية من مدينة ليمان ذات الأهمية الاستراتيجية في شرق أوكرانيا؛ وذلك بناء على قرار من الرئيس الروسي ضمن خطته لتأمين مناطق أخرى استراتيجية.
2- تعرض روسيا لخسائر مادية وبشرية فادحة: ساهمت العمليات الغربية والأوكرانية في تحقيق خسائر بشرية هائلة للجيش الروسي، قُدرت بنحو 100 ألف قتيل وجريح؛ وذلك وفقاً لتقديرات رئيس هيئة الأركان الأمريكية الجنرال مارك ميلي بنهاية أكتوبر 2022. إلى جانب ذلك، رصد موقع Oryx المتخصص في مجال أبحاث الحروب، حجم الخسائر العسكرية التي تكبدها الجيش الروسي؛ حيث قدرها بنحو 8000 قطعة حربية، وهو رقم قد يكون أقل بكثير من نظيره الحقيقي؛ إذ يوضح هذا الموقع أن أرقامه تقلل بشكل كبير من الطبيعة الحقيقية للخسائر الروسية، ويشير إلى أنه يحسب فقط المعدات التي لديه دليل مصور على تدميرها.
3- إضعاف معنويات جنود الجيش الروسي: إن الخسائر المادية والبشرية الفادحة التي تكبدها الجيش الروسي، لا سيما نجاح أوكرانيا في استعادة بعض من أراضيها، تسببت في إضعاف معنويات جنود الجيش الروسي، على اعتبار أنهم قدموا أداءً سيئاً أمام مواجهة الأوكرانيين، لا سيما ضعفهم في استخدام الأسلحة، وفشلوا في تحقيق التفوق الجوي. وقد ألقى نائب زعيم خيرسون كيريل ستريموسوف – الذي عينته روسيا – باللوم على القادة غير الأكفاء في حدوث ثغرات في ساحة المعركة في منطقة خيرسون، وكان يقصد حينها وزير الدفاع الروسي سيرجي شويجو، بحسب ما ذكرت تقارير.
وبدورهم، ألقى المحللون العسكريون الروس باللوم في سلسلة الخسائر على الجيش الروسي، باعتباره أنه من أفسد جهود موسكو الحربية. ووجه أعضاء في البرلمان الروسي انتقادات مماثلة للجيش الروسي، مشيرين أنه لم يتم نشر قوات كافية للاحتفاظ بأجزاء شرق وجنوب أوكرانيا التي استولت عليها القوات الروسية في الأسابيع الأولى من الحرب.
4- دفع روسيا لاتخاذ تدابير عسكرية عنيفة: عقب النجاح النسبي الذي حققته العمليات الأوكرانية المدعومة من الغرب في سبتمبر 2022، أعلن بوتين التعبئة العسكرية الجزئية؛ من أجل استدعاء ما يقرب من 300 ألف جندي احتياطي، كما قام بتعيين الجنرال سيرجي سوروفيكين قائداً جديدًا للعملية العسكرية الخاصة في أوكرانيا. وعلى إثر ذلك، قامت القوات الروسية بسلسلة من الضربات الصاروخية ضد مدن أوكرانية رئيسية، واستهدفت العاصمة كييف والمدن الواقعة في الشمال الشرقي والجنوب عدة مرات، وهي الهجمات التي من خلالها تم استهداف منشآت البنية التحتية الحيوية، كما توسعت في استهداف المواقع اللوجستية في جميع أنحاء أوكرانيا؛ حتى أصبحت مستودعات الأسلحة الغربية هدفاً رئيسياً، بهدف شل حركة الإمدادات للقوات الأوكرانية.
5- زيادة فرص إطالة المدى الزمني للحرب: بعد مرور نحو عشرة أشهر من العمليات العسكرية الروسية في أوكرانيا، لا تزال نتيجة الحرب غير واضحة حتى الآن؛ إذ يبدو أن الجيش الروسي يمضي في تنفيذ أهدافه، لكنه غير قادر على الاستيلاء على العاصمة كييف أو احتلال جزء كبير من البلاد. وفي المقابل، حققت القوات الأوكرانية على مدار الأشهر الثلاثة الماضية نجاحات في ساحة المعركة، وتواصل مساعيها حالياً لتحقيق نجاحات ميدانية إضافية، مدعومة في ذلك باستمرار الدعم العسكري الغربي لها. ومن ثم يمضي الطرفان في صراع طويل الأمد، في ظل صعوبة التنبؤ بقدرة أي منهما على تحقيق اختراق حاسم في المدى القريب؛ فبالرغم من النجاحات الأوكرانية الأخيرة، فإن موسكو لم تظهر أي مؤشر على استعدادها للتفاوض بجدية لإنهاء الحرب؛ ولذلك من المتوقع استمرار القتال بينهما، مع إمكانية الدخول في حرب استنزاف طويلة الأمد.
عامل حاسم
خلاصة القول أن القوات الأوكرانية ما كانت لتنجح في تنفيذ هجمات عسكرية مضادة على القوات الروسية بدون المساعدات العسكرية الغربية التي تم تقديمها إليها، ويأتي على رأسها مشاركة قوات غربية في الحرب بشكل سري للغاية، خاصةً مع إدراك الغرب أن الإفصاح علناً عن مشاركة هذه القوات في الحرب ستدفع روسيا إلى اعتبار تلك الخطوة إعلان حرب من جانب الدول الغربية المشاركة بقوات. ولا شك أن الدعم الغربي اللا محدود لكييف ساهم في تقوية الطرف الأوكراني الضعيف وحده أمام القدرات العسكرية الروسية، كما أدى بدوره إلى إطالة أمد الحرب، ومن ثم تكبيد الطرفين خسائر مادية وبشرية فادحة، وسيظل الدعم الغربي عاملاً حاسماً في قدرة أوكرانيا على مقاومة الهجمات الروسية.
هام : هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير
كلمات دليلية
التعليقات (0)
أخبار متعلقة
أحدث الموضوعات
الأكثر قراءة
طارق مهني يكتب : بزنس المعارضة - سبوبة الزنازين منذ 4 سنوات
كفى (بورنو) سياسي وإعلامي منذ 5 سنوات
جمال ومكياج